الماركسية والنسوية وتحرر النساء – شارون سميث

Posted: 4 مارس 2015 in مختارات سياسية, عمال وجماهير
الوسوم:, , , , , , ,
شارون سميث 
ترجمة اليسار الثوري

قدمت إنيسا أرماند، أول رئيسة لإدارة شؤون المرأة بعد الثورة الروسية عام 1917، الملاحظة التالية: “إذا كان تحرير المرأة لا يمكن تصوره بدون الشيوعية، فإنه لا يمكن تصور الشيوعية  بدون تحرير المرأة“. هذا التصريح هو ملخص تام للعلاقة بين النضال من أجل كلا من الاشتراكية وتحرير المرأة؛ لا يمكن تحقيق أحدهما دون الآخر.

دافع التقليد الماركسي منذ بدايته، من خلال كتابات كارل ماركس وفريدريك إنجلز، عن تحرر المرأة. ففي وقت مبكر مع صدور البيان الشيوعي، جادل ماركس وإنجلز أن الطبقة الحاكمة تضطهد النساء، تحولهن إلى مواطنات من الدرجة الثانية في المجتمع وداخل الأسرة: “لا يرى البورجوازي زوجته إلا مجرد أداة إنتاج … ولا يساوره أي ظن أن الهدف الحقيقي المقصود (بواسطة الشيوعيين) هو إلغاء وضع النساء كمجرد أدوات إنتاج“.

لم يكرس ماركس مساحة كبيرة في كتابه “رأس المال” لوصف الدور الدقيق لعمل المرأة المنزلي في ظل الرأسمالية، كما انه لم يستكشف أصل اضطهاد النساء في المجتمع الطبقي، على الرغم من أنه أخذ ملاحظات إثنولوجية واسعة حول هذا الموضوع في وقت متأخر من حياته.

بعد وفاة ماركس استخدم إنجلز بعض ملاحظاته الإثنولوجية لكتابة كتاب أصل العائلة والملكية الخاصة والدولة، الذي درس ظهور اضطهاد المرأة كمنتج لصعود المجتمع الطبقي والأسرة النواة.[1] مهما تكن التنقيحات التي أصبحت لازمة لتحديث كتاب إنجلز، إلا أن الكتاب كان رائداً  في وقته كمساهمة في فهم اضطهاد المرأة، لاسيما أن إنجلز كان يكتب في إنجلترا العصر الفيكتوري؛ الذي كان بالكاد عصر تنوير بالنسبة لوضع المرأة.

في الحقيقة، يجب الإشارة إلى الاهتمام الشديد في”أصل العائلة” الذي أعطاه إنجلز للجوانب الشخصية لاضطهاد المرأة داخل الأسرة، بما في ذلك الإذلال الشديد الذي تعاني منه النساء على أيدي أزواجهن، مع درجة من اللا مساواة لم تكن معروفة في المجتمعات ما قبل الطبقية. سمى إنجلز صعود الأسرة النواة “هزيمة العالم التاريخية لجنس النساء“. على الرغم من أن ملاحظات ماركس ترجح أن هذه الهزيمة التاريخية العالمية بدأت تحدث على مدى فترة أطول من الزمن – سبقت المجتمع الطبقي وأدت إلى صعوده – فإن النتيجة النهائية هي انتكاسة هائلة لمساواة المرأة بالرجل.

علاوة على ذلك جادل إنجلز بصراحة أن الاغتصاب والعنف ضد النساء متأصل في الأسرة منذ بدايتها:

“أخذ الزوج دفة القيادة في البيت أيضاً؛ وحرمت الزوجة من مركزها المشرف، واستعبدت، غدت عبدة رغبات زوجها الجنسية، ومجرد أداة لإنتاج الأطفال .. من أجل ضمان إخلاص الزوجة، وبالتالي ضمان أبوة الأطفال، فإنها تسلم لسلطة زوجها دون قيد أو شرط؛ فإن قتلها، فهو لا يفعل غير أن يمارس حقه.”

جادل إنجلز أيضاً بأن الفكرة المثالية عن الأسرة الأحادية في المجتمع الطبقي مبينة على الرياء بالأساس. منذ بدايتها، تم ختم الأسرة “بالطابع الخاص للزواج الأحادي للمرأة فقط، وليس للرجل“. وبينما تم إدانة أفعال الخيانة من جانب المرأة، يقول إنجلز، “فقد تم تمجيدها عند الرجل، وفي أسوء الظروف اعتبرت وصمة أخلاقية يتم تحملها بمرح“.

***

شيءٌ واحد يبرز منذ بداية التقليد الماركسي فيما يخص تحرير المرأة، أن قضية تحرير المرأة لم يتم تناولها نظرياً على أنها شأن النساء فقط بل شأن جميع القادة الثوريين، نساء ورجال.كتب الاشتراكي الثوري ليون تروتسكي “من أجل تغيير شروط الحياة، علينا أن نشاهدها من خلال أعين النساء“، بالمثل قد أشار الثوري الروسي لينين إلى اضطهاد المرأة داخل الأسرة باعتباره “عبودية منزلية“.

العبودية المنزلية التي أشار إليها لينين تعتبر نظرية ماركسية مركزية عن اضطهاد المرأة: يكمن مصدر اضطهاد المرأة في دور الأسرة الخاص بإعادة إنتاج قوى العمل للرأسمالية، وفي الدور غير المتكافئ للمرأة داخل الأسرة. فبينما لعبت أسرة الطبقة الحاكمة دورها تاريخياً كمؤسسة يتم من خلالها تمرير الإرث للأجيال المستقبلية، فإنه ومع صعود الرأسمالية، تولت أسرة الطبقة العاملة وظيفة توفير النظام بإمدادات وفيرة من العمل.

إنها وسيلة رخيصة جدا للرأسماليين، وليس للعمال، لإعادة إنتاج قوة العمل، سواء من حيث تجديد القوة اليومية من قوة العمل الحالية، أو أيضا كوسيلة لتربية أجيال مستقبلية من العمال حتى مرحلة البلوغ. هذا الترتيب يضع العبء المالي لتربية الأطفال والحفاظ على الأسر بأكمله تقريباً على أكتاف عائلات الطبقة العاملة، التي تعتمد بالأساس على أجور واحد أو اثنين الوالدين من أجل البقاء، بدلاً من إنفاق الحكومة أو الطبقة الرأسمالية.

بدأ صعود أسرة الطبقة العاملة يميز بشدة طابع الاضطهاد الذي تعاني منه المرأة من مختلف الطبقات: دور المرأة من الطبقة العليا هو إنتاج النسل لتوريث ثروة العائلة، في حين أن وظائف امرأة الطبقة العاملة الحفاظ على جيل اليوم والغد من العمال في عائلتها؛ أي، إعادة إنتاج قوة العمل للنظام. جادل إنجلز أن دور “الزوجة البروليتارية” يعني أن “الزوجة أصبحت الخادمة الرئيسية … وأنها إذا نفذت واجباتها في الخدمة الخاصة لأسرتها، ستظل مستبعدة من الإنتاج العام وغير قادرة على الكسب؛ وإذا أرادت أن تشارك في الإنتاج العام وكسب مستقل، لا يمكن أن تنفذ واجباتها الأسرية“.

حتى يومنا هذا، تمثل المطالب المتعارضة للعمل والأسرة المصدر الرئيسي للضغوط على جميع الأمهات العاملات؛ لكن على وجه الخصوص في أسر الطبقة العاملة، التي لا تستطيع تحمل استئجار آخرين للمساعدة في الغسيل، والأعمال المنزلية والطبخ وغيرها من الأعمال المنزلية الروتينية.

من أجل دعم الأسرة، فأن أيديولوجية الطبقة الحاكمة تجبر كل من النساء والرجال على الانضمام إلى ترسيم صارم لأدوار كل جنس؛ بما في ذلك المثل الأعلى لربة المنزل المربية بالنسبة للنساء، والتابعة لمن يعيل الأسرة من الذكور، بغض النظر عن ضآلة ما يعكسه هذا المثل من الواقع الحقيقي لحياة أفراد الطبقة العاملة. منذ السبعينات، كانت الغالبية العظمى من النساء جزءً من قوة العمل، إلا أن هذه الصور المثالية للعائلة وافتراض أن المرأة هي الأكثر ملائمة للمسؤوليات المنزلية داخل الأسر مازالت مستمرة. إن دور النساء كعاملات رعاية داخل الأسرة يقلل من وضعهن إلى مواطنين من الدرجة الثانية في المجتمع ككل، لأن مسئوليتهن الأساسية  – ومساهمتهن العظمى –  من المفترض أن تكون خدمة احتياجات أسرهن الفردية.

لذلك فإن فهم دور الأسرة هو المفتاح لفهم المواطنة من الدرجة الثانية للمرأة في المجتمع، والإجابة على الأسئلة الأساسية: لماذا لازلنا نفتقر إلى حقوق دستورية متساوية من شأنها ضمان المساواة القانونية الأساسية للمرأة؟ لماذا هبطت النساء إلى دور الأداة الجنسية، الخاضعة لموافقة أو رفض الرجال؟ لماذا النساء اليوم لا يزلن يقاتلن من أجل الحق في السيطرة على أجسادهن وحياتهن الإنجابية؟ بدأ الأمر مع الأسرة، إلا أن تداعياته تمتد إلى ما هو أبعد من الحياة داخل الأسرة.

فهم قادة الثورة الروسية في عام 1917 ليس فقط الدور المركزي للأسرة بوصفها جذر اضطهاد المرأة، ولكن أيضا الصعوبات التي ينطوي عليها تحقيق المساواة بين الجنسين داخل الأسرة كشرط مسبق لتحرير المرأة في المجتمع ككل. كما كتب تروتسكي في عام 1920:

“إن إنجاز المساواة الفعلية بين الرجل والمرأة داخل الأسرة يعد … مشكلة شاقة. إذ يجب أن تحدث ثورة في كل عاداتنا العائلية حتى يحدث ذلك. وحتى الآن فمن الواضح تماما أنه ما لم يكن هناك مساواة فعلية بين الزوج والزوجة في الأسرة، بالمعنى الطبيعي وكذلك في ظروف الحياة، فإننا لا نستطيع التحدث بجدية عن مساواتهم في العمل الاجتماعي أو حتى في السياسة.”

بدأت أيضا الثورة الروسية التصدي على المستوى النظري والعملي على حد سواء لكيفية تحويل النضال ضد الاضطهاد لجزء لا يتجزأ من النضال من أجل الاشتراكية، مجادلة بأن الحزب الثوري يجب أن يكون “منبر المظلومين“. صرح لينين في الجملة التالية باختصار شديد أن هدف الوعي الثوري يتطلب أن يكون العمال على استعداد للدفاع عن مصالح كل المضطهدين في المجتمع، كجزء من النضال من أجل الاشتراكية:

“وعي الطبقة العاملة لا يمكن أن يكون وعي سياسي حقيقي ما لم يتم تدريب العمال على الاستجابة لجميع قضايا الاستبداد والقهر والعنف والاعتداء، بغض النظر عن الطبقة التي تتأثر، ما لم يتم تدريبهم – علاوة على ذلك – على الاستجابة في جميع هذه القضايا من وجهة نظر الاشتراكية الديمقراطية دون غيرها.”

***

هذه الصيغة في غاية الأهمية لفهم دور الحركة الاشتراكية ليس فقط في الصراع الطبقي، ولكن أيضا في النضال ضد كل أشكال القمع؛ وأنا على أمل  أن أطبق هذه الصيغة على وجه التحديد هنا لمعالجة اضطهاد المرأة، وما تعنيه نظرياً وعملياً.

إن ما يسلط لينين عليه الضوء في هذا الاقتباس هو أنه، بينما يقوم النظام الرأسمالي على استغلال الطبقة العاملة – حيث  التقسيم الطبقي هو التقسيم الرئيسي للمجتمع، بين الـمُستغِل والـمُستغَل – في ذات الوقت، فإن الرأسمالية تعتمد أيضاً على أشكال محددة من القمع للإبقاء على النظام. تلك الأشكال من القمع تؤثر على الناس من جميع الطبقات، وليس فقط على العمال.

مثالين مألوفين من الواقع يمكن أن يوضحان هذه النقطة بسهولة جداً. الأول، التنميط العنصري: الذي يحمله التعبير الأمريكي “قيادة الزنوج“،[2] ليست مشكلة تؤثر فقط على العمال الأمريكيين الأفارقة وغيرهم من ضحايا التمييز العنصري. في الحقيقة إن قيادة أحدث وأغلى موديلات المرسيدس مرتدياً بذلة غالية، لن تحميك إن كنت أمريكي أفريقي من التعرض للتنميط العنصري والاستيقاف من جانب رجال الشرطة.

دعونا نأخذ مثالاً آخر هذه المرة تحديداً عن المرأة: تعبير “السقف الزجاجي“.[3] هناك سبب بسيط لكون المراتب العليا من عالم الشركات والسياسة لا زالت تخص الذكر الأبيض بأغلبية ساحقة، يرجع ذلك للعنصرية والتمييز على أساس الجنس، بمنتهى الوضوح والبساطة. لدينا دائرة داخلية لإدارة المجتمع من الذكور البيض، ولا يسمح للسود والنساء بدخولها.

سيكون من الخطأ القول: “من يهتم لهؤلاء الأغنياء فحتى في هذا فإن الاضطهاد الذي يعانون منه لا يعد شيئا بالمقارنة بمعاناة الطبقة العاملة والفقراء“. قد يكون ذلك صحيحاً، ولكن جدال لينين انصب هنا على أن الدفاع عن حقوق جميع المضطهدين أمر بالغ الأهمية، ليس فقط لمكافحة فعالة ضد الظلم، ولكن لكونه ضروريا أيضا لإعداد الطبقة العاملة لإدارة المجتمع لمصلحة الإنسانية ككل.

كيف يمكننا التوفيق اليوم بين هذين الجانبين للماركسية: دور الثوريين في التحرر الذاتي للطبقة العاملة وأيضاً كمدافعين عن جميع المضطهدين، أياً ما كانت الطبقة التي تتعرض للاضطهاد؟

من السهل علينا تبني قضية تشكيل  العاملات للنقابات ومشاركتهن في الإضرابات والمطالبة لهن بحق المساواة في الأجور. إننا نعطي هذا النضال دعمنا غير المشروط بلا أدنى تردد. ولكن في الحقيقة أن العالم أكثر تعقيداً من ذلك بكثير، وبعض من أهم الحركات ضد القمع برزت كحركات غير مستندة للبعد الطبقي، بما في ذلك الحركة النسوية والنضال من أجل تحقيق المساواة للمرأة.

في اعتقادي تشير الدلائل، على وجه الخصوص، أن تحركات الستينات وأوائل السبعينات – بما في ذلك حركة تحرر النساء، وحركة تحرر مثليي الجنس، وحركة الحقوق المدنية وحركات “القوة السوداء[4] – كانت نضالات اجتماعية قوية كان لها أثر تحويلي، على كل من وعي الجماهير بشكل عام ووعي الطبقة العاملة على وجه الخصوص.

إن التقدم الذي أحدثته حركة تحرير المرأة في الستينات كان له تأثير دائم على المجتمع، هذا هو بالضبط السبب في أن الجناح اليميني قد أمضى الأربعون عاماً الماضية في مهاجمة كل مكاسب الحركة النسائية. ولهذا تتعرض النسوية نفسها للهجوم في محاولة لرسم صورة كاريكاتيرية للنسويات كمجموعة من النساء الحادات، والأنانيات، العابسات الذين لا يحبون الرجال أو لسن جذابات بالنسبة لهم، لذلك يقضون حياتهن منغمسات في تصور أنفسهن كضحايا، يصورن لأنفسهن أن التمييز على أساس الجنس  موجود أينما نظرن.

لذلك في هذه المرحلة من التاريخ، في الوقت الذي تتعرض فيه الحركة النسوية للهجوم المتواصل على مدى ما يزيد عن أربعين عاماً ولا يتوقع أن ينتهي قريباً، فإن آخر شيء علينا فعله هو الهجوم على النسوية. على العكس من ذلك، نحن بحاجة للدفاع عن النسوية كمبدأ، باعتباره دفاعا عن تحرر المرأة ومعارضة للتمييز على أساس الجنس. ما هو تعريف النسوية؟ الدفاع عن حقوق المرأة على أرضية المساواة السياسية والاجتماعية والاقتصادية مع الرجال.

***

لسوء الحظ، لا يدرك كل الماركسيين، طيلة الوقت، ضرورة الدفاع عن النسوية، ولا يقدرون الإنجازات الهائلة للحركة النسائية، حتى بعدما انتهى عصر الستينات إلى رماد محترق. هذا يشمل بعض تراثنا، تراث “الاشتراكية الدولية“، الذي، كما أزعم، سقطت في مقاربة اختزالية فيما يخص تحرر المرأة قبل بضعة عقود. وأنا أزعم أيضاً أن منظمتنا تحمل علامة هذا التوجيه في اثنين من النقاط النظرية الرئيسية التي أود أن ألخصها بإيجاز.

أولاً، ما هي الاختزالية؟ في أنقى أشكالها، الاختزالية هي تصور أن الصراع الطبقي سوف يعمل على حل مشكلة التمييز على أساس الجنس من تلقاء نفسه، من خلال الكشف عن المصالح الطبقية الحقيقية، في مقابل الوعي الزائف. ولذلك فإن هذا النهج “يختزل” قضايا الاضطهاد إلى قضية طبقية. وعادة ما يترافق ذلك مع التأكيد على المصالح الطبقية الموضوعية للرجال في التخلص من اضطهاد النساء؛ دون تناول السؤال الأصعب: كيف يمكننا مواجهة التمييز على أساس الجنس في قلب الطبقة العاملة؟

الآن، من الواضح أن هذا النهج الفج لا يمت بصلة لتراث “الاشتراكية الدولية“، والتي بالتأكيد قد أخذت حركة تحرر المرأة على محمل الجد كجزء محوري من النضال من أجل الاشتراكية، منذ بدء حركة تحرر المرأة في ستينات القرن العشرين.

ومع ذلك، أود أن أقول أنه كان هناك ثمة تكيف في اتجاه الاختزال، والميل إلى التقليل من القمع الذي تعاني منه نساء الطبقة العاملة، مما أدى إلى وضع النظرية على محك خاطئ ينطوي على التساؤل عما إذا كان رجال الطبقة العاملة “مستفيدين” من اضطهاد المرأة. وأريد أيضا أن أوضح  أنني لست بصدد توجيه أصابع الاتهام هنا، حيث أننا اعتمدنا في ISO،[5]بدرجة أقل، نهجاً مماثلاً.

كان هناك مجموعة من المقالات وجدال في منتصف ثمانينات القرن العشرين نشرت في سلسلة من المقالات في مجلة الاشتراكية الدولية، ضمت بعض من القادة الرئيسيين لحزب العمال الاشتراكي في بريطانيا، والتي بدأت في تناول القضايا التي وصفتها للتو. لا يمكنني تلخيص النقاش بأكمله، ولكن يمكنني استخلاص بعض النقاط الرئيسية.

دعونا نبدأ مع مقال كتب في 1984 بعنوان “تحرير المرأة والاشتراكية الثورية” بقلم كريس هارمان، وهو عضو بارز في حزب العمال الاشتراكي (أريد أن أوضح أن كريس هارمان كان واحدا من أكبر الماركسيين في عصره، ولعب دوراً رئيسياً في تدريب الكثير منا في ISO، وبالتالي فإن القضية التي أوشك على وصفها تمثل، على الرغم من أهميتها، انتقاصاً هامشياً من مساهمته الهائلة في القضايا الأخرى للماركسية). يجادل هارمان في هذا المقال:

“مع ذلك، فأن استفادة رجال الطبقة العاملة في الواقع من اضطهاد النساء هي هامشية بالفعل… تكمن الاستفادة في واقع الأمر في مسألة الأعمال المنزلية. يصبح السؤال حول مدى استفادة رجل الطبقة العاملة من العمل غير المأجور للمرأة.

ما يجنيه رجل الطبقة العاملة بشكل مباشر من زوجته فيما يخص العمل يمكن قياسه تقريباً. إنها كمية العمل التي كان عليه بذلها لو كان عليه أن ينظف ويطبخ لنفسه. هذا لا يمكن أن يكون أكثر من ساعة أو ساعتين في اليوم، إنه عبء على امرأة مضطرة للقيام بهذا العمل لشخصين بعد يوم من العمل المأجور، لكنه لا يمثل مكسباً كبير للرجل العامل.”

تجدر الإشارة أن تعليقات هارمان أعلاه تصف الفوائد “الهامشية” التي يجنيها الرجال دون إضافة الأطفال إلى عبء المرأة داخل الأسرة.

اشتراكي بريطاني أخر، هو جون مولينو، رد على حجة هارمان، قائلاً إن فوائد الذكور أكثر من هامشية: “إذا كان هارمان يخبرنا بأن هذا “عبء على امرأة مضطرة للقيام بهذا العمل لشخصين بعد يوم من العمل المأجور” فلماذا لا يمثل مكسبا هاما للعامل (الذكر) عدم الاضطرار للقيام به؟

أدت حجج مولينو إلى استجابة حدة من أعضاء اللجنة المركزية للـ SWP، ليندسي جيرمان وشيلا ماكجريجور، وأجاب مولينو بنفس الحدة.  النقاش لم ينتهي حتى عام 1986. جادلت ليندسي جيرمان حول نقطة، “إن الاختلافات والمزايا التي يحصل عليها الرجال ليست ضخمة بأي حال، كما أنها لا تمثل منافع جوهرية كما يدعي جون. بالتالي فليس هناك أساس مادي لفكرة “رشوة” الرجال بهذه الفوائد“.

جادلت شيلا ماكجريجور كما لو كان مولينو في طريقه للتخلي عن الماركسية تماماً: “إذا أردنا أن يكون هناك نظرية ملائمة عن اضطهاد المرأة وكيفية محاربته، فنحن بحاجة إلى الاعتماد على التقليد الماركسي، موقف جون، الذي يرى أن رجال الطبقة العاملة يستفيدون من اضطهاد المرأة، هو الخطوة الأولى نحو الخروج عن هذا التقليد “.

في خضم هذا النقاش، تغير الموقف مما قاله هارمان – أن منافع الذكور كانت “هامشية” – إلى الإدعاء بأن رجال الطبقة العاملة لا يستفيدون من اضطهاد المرأة على الإطلاق؛ بالإضافة إلى الادعاء بأن حتى تفوق الرجال على النساء داخل الأسرة ليس “جوهرياً“.

***

لئن كان صحيحاً أن رأس المال هو المستفيد الأول من اضطهاد المرأة في الأسرة وكل النفايات القائمة على التحيز الجنسي المستخدمة في تعزيز وضع المرأة كمواطنة من الدرجة الثانية، وأيضا أن الرجال من الطبقة العاملة لديهم مصلحة طبقية موضوعية في تحرير المرأة، إلا أنني أزعم أن طرح الحجة بهذه الطريقة يؤدي إلى الميل إلى التقليل من خطورة القهر المرأة والاستهانة بضرورة مكافحته داخل الطبقة العاملة.

كمثال محدد ، يمكن مقارنة حجج SWP مع التعليقات التي أدلى لينين نفسه بها عام 1920 في محادثات مع الألمانية الثورية كلارا زيتكن، بعد عدة سنوات من الثورة الروسية، عندما تحدث بالتفصيل عن العقبات التي تحول دون تحقيق تحرير المرأة:

“هل هناك أي دليل ملموس أكثر (على القمع المستمر للمرأة) من المشهد الشائع لرجل يراقب بهدوء امرأة تفني نفسها في عمل تافه، رتيب، يستنزف الوقت والجهد، مثل الأعمال المنزلية، يراقب روحها تتآكل، ذهنها يزداد عتامة، تخفت نبضات قلبها، وتفتر إرادتها؟ … عدد قليل جداً من الأزواج، ليسوا حتى البروليتاريين، يفكرون في مقدار ما يمكنهم تخفيفه من أعباء وهموم زوجاتهم، أو إراحتهم تماماً، لو قدموا يد العون في “أعمال النساء”. ولكن لا، هذا من شأنه الحط من “تميز وكرامة الزوج”.  انه يطلب أن يتمتع بالراحة والسكينة …

علينا اقتلاع وجهة نظر مالك العبيد القديم، سواء في الحزب أو بين الجماهير. هذه واحدة من مهامنا السياسية، إنها مهمة ضرورية على وجه السرعة بما يوازي تشكيل فريق عمل مؤلف من الرفاق، الرجال والنساء، مع تدريب نظري وعملي شامل لعمل الحزب بين النساء العاملات.”

خصص الحزب البلشفي، قبل وبعد الثورة  موارد كبيرة للتوعية والتثقيف للنساء من العمال والفلاحين، من خلال القسم النسائي؛ في الوقت نفسه جادل ضد المواقف القائمة على التحيز الجنسي من الرجال من الطبقة العاملة.

حضرت الكساندرا كولنتاي، التي كانت عضوا بارزاً في الحزب البلشفي وأحد المنظرين الرواد في قضية اضطهاد المرأة، المؤتمر الأول لنقابات العمال في عموم روسيا عام 1917، حيث دعت الرجال من الطبقة العاملة لدعم المساواة في الأجر للنساء العاملات. هذا ما قالته:

“العامل الواعي طبقياً يجب أن يفهم أن قيمة عمل الذكور تعتمد على قيمة عمل الإناث، وأنه من خلال التهديد بإحلال العاملات النساء محل العمال الذكور مقابل أجور أقل، يمكن للرأسمالي أن يضغط أجور الرجال. فقط عدم الفهم يمكن أن يؤدي بالمرء أن يرى هذه المسألة كـ”قضية المرأة” وفقط.”

ولذا فإنني أزعم أن اليوم، يجب أن يكون تأكيدنا أكثر تماشياً مع النظرية والممارسة البلشفية، الذي فيه لا نحاول التهوين من درجة القمع التي تواجهها النساء – أو أي جماعة مضطهدة أخرى – داخل الطبقة العاملة، وإنما علينا بذل جهد جدي على كل الجبهات لمقاومته.

علاوة على ذلك، فإن النسوية في الحقيقة هي حركة واسعة ومتعددة الأوجه، تضم العديد من الأجنحة المختلفة، والعديد من الأسس النظرية المختلفة. إن إنشاء خيال مقاتة لـ”النسوية” على أساس أكثر أشكالها بورجوازية، ثم الهجوم عليه، ومن ثم الاعتقاد أن مهمتنا انتهت، هو أمر يؤذي نظرياً النضال ضد اضطهاد المرأة. هناك مناقشات هامة جرت بين النسويات وظلت مجهولة بالنسبة لنا إلى حد كبير، يمكنها أن تلعب دوراً في تعزيز فهمنا لكل من اضطهاد المرأة والماركسية نفسها.

***

أنا لا أقول هنا أن علينا أن نتقبل جميع أجنحة الحركة النسوية دون نقد أو على قدم المساواة. في الواقع فان أحد أجنحة النسوية، ينبغي أن يعامل بعداء صريح: نسوية البورجوازية، أو الطبقة الوسطى. إن نساء الطبقة الحاكمة والطبقة الوسطى يواجهن قهراً بالفعل، لكن هذا لا يعني أنه يمكن الوثوق في إتباعهن لإستراتيجية من شأنها أن تعالج معاناة الغالبية العظمى من النساء، المنتميات للطبقة العاملة.

على العكس، أسس صعود المرأة على مدى السنوات الـ45 الماضية لإدارة الشركات وللساحة الانتخابية، حركة نسوية من الطبقة الوسطى في شكل منظمات مثل “المنظمة القومية للنساء” و”مؤسسة الأكثرية النسوية“، التي تلبي دون خجل بشكل حصري احتياجات الفئة الفنية والإدارية من النساء.

أخلى هذا المجال منذ التسعينات لما يسمى بـ”نسوية السلطة“. لخصت ببراعة الكاتبة النسوية ناعومي وولف هذا النهج الجديد في كتابها عام 1994، “النار بالنار“. حيث صاغت مصطلح “ نسوية السلطة” كبديل لما وصفته بـ”نسوية الضحية“، والتي قالت أنها تتضمن “العادات القديمة التي خلفها اليسار الثوري لستينات القرن العشرين؛كانعكاس لمناهضة الرأسمالية، عقلية الداخلي / الخارجي، والنفور من “النظام”“.

اعترفت وولف أن الرأسمالية “تضطهد الأكثرية لصالح الأقلية“، لكنها جادلت أن “المال الكافي يعتق المرأة من كثير من القهر المبني على أساس الجنس“. تلك باختصار، كانت رسالة وولف: على النساء اعتناق الرأسمالية للحصول على أكبر قدر ممكن من المال والسلطة لأنفسهن. وجادلت، مستهزأة بالماركسية، “إلى أن تأتي “الثورة”، فإن حال النساء أفضل بامتلاكهن وسائل الإنتاج في أيديهن … العمل المملوك للنساء يمكن أن يكون الخلايا المحركة للقرن الـ 21“.

في الواقع، وولف تتقبل الفوارق الطبقية بين النساء، بحجة أنه “سيأتي وقت يكون فيه تعدي امرأة على امرأة نتيجة صحية، وحتى محفزة، لوصولنا للمشاركة الكاملة في المجتمع …نساء يدرن وينتقدن ويفصلن نساء أخريات، والعاملات لديهن في بعض الأحيان، ولأسباب مفهومة، يكرهن جرأتهن“.

لا ينبغي لأي اشتراكي أو نسوي أن يشعر بأي وخز ضمير تجاه معتنقي السلطة النسوية أو أي من أنواع نسوية الطبقة الوسطى الأخرى. الحركة النسوية البورجوازية ليست شيئاً جديداً، والنهج البلشفي في التعامل سيكون مرشداً لنا في الوقت الحالي. مرة أخرى، وضعت الكسندرا كولنتاي نهجاً ينطبق على وضعنا اليوم. وضحت في كتيب صدر عام 1909 بعنوان “الأساس الاجتماعي لمسألة المرأة“، لماذا لا يمكن أن يكون هناك تحالف بين نساء الطبقة العاملة والطبقة الحاكمة، على الرغم من جوانب ظلمهم المشتركة:

“ينقسم عالم النساء، كما هو عالم الرجال، إلى معسكرين: مصالح وتطلعات أحدهما تجعلها وثيقة الصلة بالطبقة البورجوازية، في حين أن المجموعة الأخرى لديها صلات وثيقة بالبروليتاريا، ومطالبها من أجل التحرر تشمل حل كامل لمسألة المرأة. لذا، وعلى الرغم من أن كلا المعسكرين يرفعان الشعار العام لـ”تحرير المرأة”، إلا أن أهدافهم ومصالحهم مختلفة. كل من المجموعتين تأخذ دون وعي نقطة انطلاقها من مصالح وتطلعات طبقتها، والتي تعطي طابعاً طبقياً خاصاً للأهداف والمهام التي تحددها لنفسها …

لا يهم مدى ما يبدو من جذرية في مطالب الحركة النسوية، لا يجب على المرء أن ينسى حقيقة أنه لا يمكن للنسويات، انطلاقاً من وضعهن الطبقي، النضال من أجل هذا التحويل الأساسي للمجتمع، والذي لا يمكن لتحرر النساء أن يستكمل بدونه.”

هناك جناح ثاني من الحركة النسوية يجب على الماركسيين والنسويين الاشتراكيين الاستمرار في رفضه كلياً، على الرغم من أنه لم يبرز حتى سبعينات القرن العشرين: النزعة الانفصالية، والتي تصر على أن جميع رجال الطبقة العاملة يشاركون جميع رجال الطبقة الحاكمة في نظام بطريركي يضطهد المرأة.

على النقيض من الاستخدام الحالي لمصطلح البطريركية، الذي يصف بشكل مجرد نظام من التمييز على أساس الجنس، فإن النزعة الانفصالية تعطي أولوية لاضطهاد المرأة على حساب جميع الأشكال الأخرى من الاضطهاد، بما فيها العنصرية.

على سبيل المثال، في تحليلها  للاغتصاب وصلت سوزان برونميلر في كتابها الصادر في 1975 “ضد إرادتنا: الرجال والنساء والاغتصاب“، لاستنتاجات عنصرية علناً في موقفها عام 1955 من إعدام إيميت تيل دون محاكمة. ارتكب تيل ذو الـ 14 عاماً، أثناء زيارة عائلية في جيم كرو المسيسيبي في ذلك الصيف، “جريمة” الصفير لامرأة بيضاء متزوجة تدعى كارولين براينت، كمزحة مراهق. تعرض تيل للتعذيب وضرب بالرصاص قبل أن يتم إلقاء جثته الصغيرة في نهر تالاهاتشي.

على الرغم من إعدام الفتى دون محاكمة، وصفت برونميلر تيل وقاتله بشركاء في السلطة، باستخدام ادعاءات عنصرية علناً: “نادراً ما كان لدينا حالة واحدة تفضح بوضوح كما تفعل قضية تيل الخصومات الكامنة بين مجموعة الذكور من أجل الوصول إلى النساء… وبشكل ملموس،كان يتم استعراض القدرة على الوصول إلى جميع النساء البيض“.

الأجنحة الأخرى من الحركة النسوية لديها سجل مختلط. نظرية النظم المزدوجة التي اعتمدتها بعض الحركات النسائية الاشتراكية حاولت الجمع بين تحليل كل من الرأسمالية والنظام البطريركي، لكنها لم تتمكن إلى حد كبير من التغلب على التناقض المتأصل في محاولة محاربة هذين الهيكلين المتوازيين. أحدهما يتطلب نضال يوحد العمال والعاملات في معركة مشتركة ضد عدوهم المشترك المتمثل في الرأسمالية، في حين أن الآخر يتطلب من نساء جميع الطبقات التوحد ضد عدوهن المشترك المتمثل في البطريركية؛ التي تتكون نفسها من رجال جميع الطبقات.

الموجة الثالثة للنسوية في تسعينات القرن العشرين جردت نظرية السلطة الأبوية من أولويتها، بجهدٍ واعٍ لإعطاء أولوية مساوية للنضال ضد العنصرية ومن أجل حقوق المثليين، الأمر الذي مثل خطوة هائلة إلى الأمام. ولكن في الوقت نفسه، وقع رواد الموجة الثالثة في الفخ ما بعد الحداثي للنزعة الفردية والتراجع عن النضال، معطيين الأولوية لتغيير نمط الحياة واللغة على حساب بناء نوع الحركات التي يمكنها أن تتحدى النظام.

***

جناح النسوية الذي حظي بأقل اهتمام ذلك الذي يضم النسويات الاشتراكيات والنسويات الماركسيات؛ الذين أدرك الآن أنهم قدمن أعظم مساهمة للنهوض بنظرية اضطهاد المرأة خلال العقود القليلة الماضية.

حظت أولئك النسويات باهتمام قليل على كل الجبهات. في عهد ما بعد الحداثة، أغلب ما بعد الحداثيين  – بما في ذلك نسويات ما بعد الحداثة – رفضوا مساهماتهن لأن هؤلاء النسويات تبنين نظرية مُوَّحِدة (الماركسية). في الوقت نفسه، تم تجاهلهن من قبل العديد من الماركسيين (بما في ذلك نحن) ببساطة لأنهن كن نسويات. الآن فقط يحصلن على الاهتمام الذي يستحقون.

عكفت هذه المجموعة من النسويات على تطوير وتوسيع الفهم الماركسي لدور المرأة في إعادة إنتاج الطبقة العاملة كخدمة للنظام الرأسمالي. متناولة المفاهيم الأساسية التي وضعها ماركس في رأس المال عن دور التكاثر الاجتماعي – بوصفها، عمليات تحافظ على وتعيد إنتاج النظام الرأسمالي بأكمله على مدى أجيال – نسويات مثل ليز فوغل (والتي سيتم إعادة نشر كتابها “الماركسية واضطهاد المرأة” الذي سيتم قريبا نشره بواسطة داري نشر المادية التاريخية  وهايماركت) التقطن الخيط حيث انتهى ماركس ووضعت لأول مرة فهم متطور لدور العمل المنزلي، وذلك باستخدام مفهوم ماركس عن العمل الضروري.

أود أيضاً أن أشير إلى مساهمة مارثا جيمينيز، التي امتد تطبيقها للماركسية فيما يخص اضطهاد المرأة لعقود. مثل فوغل، لعبت جيمينيز دورا في مناقشة النسويات أخرى حول العديد من القضايا الحاسمة، بما في ذلك الادعاء بأن الماركسية اختزالية لأنها تعتبر إعادة إنتاج قوة العمل كخدمة تؤدى لرأس المال وليس للرجال.كتبت جيمينيز عام 2005 التالي:

“فكرة إن نمط الإنتاج، في ظل الرأسمالية، يحدد نمط التكاثر، وبالتالي، العلاقات غير المتكافئة بشكل ملحوظ بين الرجل والمرأة، ليست شكل من “النزعة الاقتصادية” أو “النزعة الاختزالية الطبقية”، لكنها إدراك للشبكة المعقدة من التأثيرات على المستوى الكلي لنمط إنتاج يحركه تراكم رأس المال بدلاً من تلبية احتياجات الناس، على العلاقات بين الذكور والإناث. بمعنى آخر، فإن التسليم بمبدأ “التفاعل المتبادل” بين تنظيم الإنتاج وتنظيم التكاثر، أو إعطاء أولوية سببية لهذا الأخير، هو إغفال لأهمية الأدلة الدامغة التي توثق تبعية التكاثر للإنتاج في ظل الرأسمالية.”

هؤلاء النسويات  لم يلعبن فقط دوراً رئيسياً في تطوير النظرية الماركسية عن اضطهاد المرأة، لكن أيضاً في تذكيرنا أن الماركسية نظرية حية مازالت قيد التطور. وتعميق النظرية الماركسية والنسوية يعني أيضاً تعميق وتوسيع إمكانيات ممارستنا المستقبلية في النضال ضد اضطهاد المرأة.

أخيراً، أعتقد أنه من الضروري التأكيد على أننا بحاجة ليس فقط للنظرية الماركسية والنسوية، ولكن أيضاً للممارسة الماركسية والنسوية في النضال من أجل تحرير المرأة. هذه الممارسة يجب أن تتضمن بناء حزب ثوري، لأنه بدون حزب اشتراكي ثوري، لا يمكن أن يكون هناك ثورة اشتراكية ناجحة.

على الرغم من أن ثورةً اشتراكية لا تحرر المرأة تلقائياً، فإنها تخلق الظروف المادية للقيام بذلك. ومن خلال العملية الثورية في كل مراحلها، من البداية حتى النهاية، فإن للثوريين، المتمسكين بتراث الحزب البلشفي، دور حاسم في مكافحة الاضطهاد، ليس فقط من الطبقات الأعلى، ولكن أيضاً داخل الطبقة العاملة. ليس هناك بديل لهذه العملية. جعل ماركس هذا واضحاً عندما قال:

“إن الثورة أمر ضروري، ليس فقط لأن الطبقة الحاكمة لا يمكن الإطاحة بها بأي طريقة أخرى، ولكن لأن الطبقة التي ستطيح يمكنها فقط في قلب ثورة أن تنجح في تخليص نفسها من كل الحماقات القديمة لتصبح جاهزة لإقامة المجتمع الجديد.”

لو كان دور الثوريين لا غنى عنه، لذا فأننا سنكون أكثر فاعلية بعدم الاستهانة بالتحديات التي نواجهها في النضال ضد التمييز على أساس الجنس داخل الطبقة العاملة، بل من خلال الاعتراف بهذه التحديات، وعلى هذا الأساس، يتم وضع إستراتيجية تهدف لإلقاء ثقل الطبقة العاملة بأكمله وراء هدف تحرير النساء.

*شارون سميث، هي مؤلفة الكتاب الذي سيعاد نشره قريباً “المرأة والاشتراكية: مقالات عن تحرير المرأة“، ويدرس كيف عالج التقليد الماركسي الكفاح من أجل إنهاء اضطهاد المرأة، بما في ذلك موقفه تجاه النظريات الأخرى، هذه المقالة تعتمد على حديث ألقي في مؤتمر “الاشتراكية 2012” في شيكاغو. ونشرت في 31 يناير 2013 على موقع جريدة العامل الاشتراكي Socialist Worker التي تصدرها المنظمة الاشتراكية الأممية (International Socialist Organization (ISO.

*قامت بالترجمة للغة العربية مجموعة اليسار الثوري، ونُشرت لأول مرة في 19 أكتوبر 2014.


[1] الأسرة النواة Nuclear Family: مصطلح يطلق على الأسرة المكونة من الزوجين وأبنائهما فقط، تمييزاً عن نمط الأسر الناتجة عن الزواج المتعدد، أو الأسر الأحادية التي تتكون من أحد الأبوين فقط، وأيضاً عن الأسر الممتدة التي تتكون من الجدين والأبوين والأعمام وأولاد العمومة .. الخ.

[2] قيادة الزنوج Driving while black : مصطلح في العامية الأمريكية، يشير إلى تصنيف عنصري للسائقين السود، أي إمكانية تعرض السائق للتوقيف من الشرطة لمجرد كونه أسود.

[3] السقف الزجاجي The glass ceiling : مصطلح سياسي يشير إلى الحاجز الذي لا يمكن أن تتجاوزه الأقليات والنساء لشغل مناصب أعلى في إدارة الشركات بالرغم من كفاءتهم.

[4] مصطلح القوة السوداء Black Power : كان شعاراً سياسياً رفعته عديد من الحركات من توجهات أيديولوجية مختلفة في نهاية الستينات وبداية السبعينات سعياً وراء مواجهة التمييز العنصري، والحصول على حق تقرير المصير للمواطنين الأمريكيين من أصول أفريقية.

[5] المنظمة الاشتراكية الأممية (International socialist Organization (ISO : منظمة اشتراكية ثورية أمريكية كانت عضواً في التيار الاشتراكي الأممي(International socialist Tendency (IST حتى عام 2001.

Advertisements

تسعدني تعليقاتكم

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s