تاريخ حركة النساء العاملات في روسيا – ألكساندرا كولونتاي

Posted: 8 مارس 2015 in مختارات سياسية, خبرات نضالية, عمال وجماهير
الوسوم:, , , , , , ,
 ألكساندرا كولونتاي 
ترجمة ضي رحمي 
الناشر وحدة الترجمة – مركز الدراسات الاشتراكية

ما هو العام الذي يمكننا التأريخ به وتحديد بداية الحركة النسائية العاملة في روسيا؟ بالأساس، ترتبط الحركة النسائية العاملة ارتباطًا وثيقًا لا ينفصم عن حركة البروليتاريا بشكل عام. فالنساء العاملات، بوصفهن ينتمين لطبقة البروليتاريا، لأنهن أيضًا يبعنّ قوة عملهن، برزن في كل الاحتجاجات التي نظمها العمال في كل مرة تعرضت فيها حقوقهم للانتهاك. وشاركوا معًا وعلى قدم المساواة في كل الانتفاضات العمالية، في كل ثورات المصانع التي بغضتها القيصرية.

لهذا السبب، تتزامن بداية الحركة النسائية العاملة في روسيا مع أولى بوادر الوعي الطبقي الذاتي للبروليتاريا، مع أولى محاولاتها، بالضغط الجماعي، من خلال الإضرابات والمظاهرات، من أجل خلق ظروف أكثر احتمالاً وأقل إذلالاً وتقتيرًا.

شاركت العاملات مشاركة فعالة أثناء الانتفاضات العمالية في مصنعي كيرنهولم عام 1872، ومصنع لازيرييف للنسيج عام 1874 في موسكو. كما شاركن في إضراب عام 1878 بمصنع غزل القطن الجديد في مدينة بتروجراد، الذي خرج فيه النساجون المضربون في مظاهرة العمال الشهيرة في أوخوخو – زويفو التي دمر أثنائها العمال الغاضبون مباني المصنع. وكرد فعل للإضراب، اضطرت الحكومة القيصرية للمسارعة بتقنين التشريعات التي تحظر العمل الليلي للنساء والأطفال، وهو القانون الذي دخل في حيز التنفيذ الفعلي بدءًا من الثالث من يونيو عام 1885.

وهذا دليل على أن موجة الإضرابات العفوية التي هزت روسيا البروليتارية خلال عقد السبعينيات من القرن االتاسع عشر، وأوائل عقد الثمانينات من ذات القرن، أثرت بشكل أساسي على صناعة الغزل والنسيج، التي تشكلت الغالبية العظمى من قوة العمل بها من العمالة النسائية الرخيصة. ترجع أسباب الاضطرابات التي اندلعت طوال سبعينيات وأوائل ثمانينات القرن التاسع عشر لأسباب اقتصادية بحتة، وكان وراء تأججها البطالة والأزمة المستشرية المستمرة في صناعة القطن.

مع ذلك، أليس لافتًا للنظر أن عاملات المصانع المضطهّدات، فاقدات الحقوق، المظلومات في عمل يتجاوز قدراتهن، الجاهلات سياسيًا، المُحتقَرات حتى من نساء البرجوازية الصغيرة في الحضر، المكروهات من الفلاحات المتشبثات بعناد بالتقاليد القديمة البالية، كان عليهن أن يتقدمن صفوف أولئك الذين يناضلون من أجل حقوق الطبقة العاملة، من أجل تحرير المرأة؟ إن ظروف الحياة القاسية نفسها هي التي أجبرت عاملات المصانع على محاربة سلطة روؤساء العمل واستعباد رأس المال.

لكن، أثناء نضالها من أجل حقوقها ومصالحها الطبقية، مهدت المرأة العاملة دون قصد الطريق لتحرير النساء من القيود التي كانت لاتزال تثقل كاهلهن وتميز بينهن وبين العمال من الرجال في الأوضاع والظروف، حتى في نطاق الطبقة العاملة الواحدة.

وخلال موجة الاضطرابات الجديدة التي تأججت في منتصف وأواخر تسعينيات القرن التاسع عشر، شاركت العاملات مرةً أخرى بفاعلية في جميع الاحتجاجات العمالية التي اندلعت حينها. على سبيل المثال، حظى إضراب عمال مصنع ياروسلافل في أبريل من عام 1895 بدعم قوي من عاملات النسيج. كذلك لم تكن النساء أقل نشاطًا وفاعلية من رفاقهن الرجال أثناء الإضرابات الاقتصادية ما بين عامي 1894 و1895 في سان بطرسبرج. وبحلول صيف 1896، عندما أصبحت سان بطرسبرج مسرحًا للإضراب التاريخي للعاملين بقطاع الغزل والنسيج، تركت عاملات النسيج بشجاعة وبالإجماع ورش العمل وأضربن جنبًا إلى جنب مع زملائهن العمال من الرجال.

لكن، ما الفرق الذي تحدثه حقيقة أن هناك في المنزل أطفال جوعى في انتظار عودة أمهم العاملة؟ ما الفرق الذي تحدثه حقيقة أن المشاركة في الإضراب تحمل في طياتها تهديدًا بالفصل، وربما النفي أو السجن؟ الحقيقة أن القضية العامة للطبقة كانت أهم وأكثر تقديسًا من مشاعر الأمهات والاهتمامات العائلية، من أجل رفاهية الأسرة والفرد.

في أوقات الاضطرابات والإضرابات كانت هامات النساء العاملات، المظلومات، الخجولات، فاقدات الحقوق ترتفع لتصل إلى عنان السماء ويصبحن رفيقاتٍ مقاتلاتٍ مساوياتٍ للرجال في القوة والإقدام. هذا التحول حدث بشكل عفوي، دون وعي منهن، لكنه تحول عظيم وهام جدًا. ذلك كان المسار الذي قادت فيه الحركة العمالية المرأة العاملة نحو التحرر، ليس فقط كعاملة تبيع قوة عملها، لكن أيضاً بوصفها امرأة، وزوجة وأم وربة منزل.

وبنهاية القرن التاسع عشر وبداية القرن العشرين كانت هناك العديد من إضرابات المصانع التي كانت غالبية العمالة فيها من النساء: في مصانع التبغ (شانشاي)، ومصانع الغزل والنسيج (ماكسويل) في مدينة بتروجراد، إلخ. وتدريجيًا ازدادت الحركة العاملة الروسية قوة، وتنظيمًا، وبالمثل نمت وتشكلت وازدادت قوة المقاومة الطبقية بين أوساط البروليتاريا النسائية.

بالرغم من ذلك، فإنه وحتى العام التاريخي الأكثر أهمية على الإطلاق، العام الأول من الثورة الروسية، كانت الحركة العمالية حركة اقتصادية بطبيعتها، وكانت الشعارات السياسية مستترة وكامنة وحتى حين تقدمت لطالما كانت مموهة غير صريحة. حثت الغريزة الطبقية الصحية النساء على دعم الإضرابات، ولم يكن نادرًا أن تنظم النساء بأنفسهن تلك الإضرابات داخل المصانع. ومع ذلك، لم تكد موجة الإضرابات العنيفة تمر، ومع عودة العمال للمصانع، منتصرون أو مهزومون، حتى عادت النساء مرة أخرى، غير واعيات بأهمية الحاجة للتنظيم، وأهمية التواصل الرفاقي الدائم.

في تلك السنوات، كان لا يزال انتماء امراة عاملة لحزب محظور أمرًا استثنائيًا. وعلى سبيل المثال، لم تكن من بين الأهداف العامة لحزب العمال الاشتراكي استهداف النساء العاملات وضمهن لصفوفه، ولذك لم يبدين النساء أية استجابة للشعارات السياسية العامة. كانت الحياة التي تعيشها ستة ملايين إمرأة بروليتارية في روسيا في بداية القرن العشرين لا تزال مظلمة للغاية، كانت حياتهن راسخة في قبضة الجوع والحرمان والإذلال.

كانت الأجور الشهرية، ليوم عمل محدد بـ 12 ساعة، أو في أفضل الأحوال 11 ساعة، ما بين 12 – 15 روبل وهو مبلغ ضئيل جدًا لا يؤمّن حتى حد الجوع، كنّ يعشن مكدسات في مساكن مزدحمة، مع غياب تام لأي شكل من أشكال المساعدات الحكومية أو المجتمعية في حالة المرض، أو الحمل، أو البطالة، واستحالة تنظيم مساعدة ذاتية حيث تعاملت الحكومة القيصرية بوحشية مع أي محاولات تنظيمية للعمال – تلك هي الظروف والأوضاع التي أحاطت بالمراة العاملة. كان ظهرها محني بفعل قهر لا يحتمل، وروحها مذعورة يهددها شبح الفقر والمجاعة، يائسة من احتمالية مستقبل أكثر إشراقا، أو إمكانية النضال للتخلص من نير القيصرية ورأس المال.

في بداية القرن العشرين، تجنبت العاملات السياسة والنضال الثوري. وللحركة الاشتراكية في روسيا أن تفخر، وهذا حقيقي، بوفرة عدد النساء الفاتنات النبيلات اللواتي، بفضل عملهن الدؤوب ونكرانهن للذات، ساعدن في تدعيم الحركة السرية ومهدن الطريق للانفجار الثوري الذي وقع خلال السنوات اللاحقة. لكن، أيًا من أولئك النسوة، انطلاقًا من أولى الاشتراكيات مثل صوفيا باردينا أو الأخوات ليشرين، الممتلئات بالسحر والجمال الداخلي، وصولًا لصوفيا بيروفسكايا ذات الإرادة الحديدية، كن ممثلات للبروليتاريا النسائية.

في معظم الحالات كانت الشابات الصغيرات اللاتي أهدى لهن تورجينيف* قصيدته النثرية “البداية”، كانت فتيات ثريات، أرستقراطيات تركن منازل أسرهن، وقطعن الصلة مع ماضيهن الزاهر، توجهن للناس لنشر الدعاية الثورية وللنضال ضد الظلم الاجتماعي، وسعينّ للخلاص من “خطايا آبائهن”. حتى بعد ذلك بكثير، في عقد التسعينيات من القرن التاسع عشر وبداية القرن العشرين، عندما تجذرت الماركسية بشكل أعمق داخل حركة الطبقة العاملة الروسية، كان عدد النساء المشاركات في الحركة ضئيل للغاية.

في تلك السنوات، لم تكن النشاطات الفاعلات في المنظمات السرية من العاملات، وإنما من المثقفات – طالبات، ومعلمات، أو مساعدات تمريض أو كاتبات. كان من النادر العثور على “فتاة مصنع” تشارك في اجتماع مخالف للقانون. كذلك لم تحضر العاملات الدروس المسائية لأيام الآحاد المعقودة خارج حدود مدينة بتروجراد، والتي كانت تعد حينها الطريقة الشرعية الوحيدة لنشر الأفكار الماركسية والاشتراكية العلمية، تحت ستار الدراسة البريئة لعلوم الجغرافيا والحساب، بين جماهير الطبقة العاملة. كانت المرأة العاملة لاتزال تقاوم الخجل من الحياة، وتتجنب الصراع.. لاتزال تعتقد أن مصيرها مقرون بالفرن، وحوض الغسيل ومهد الرضيع.

الثورة الأولى 1905
تغيرت الصورة بشكل جذري منذ اللحظة التي خيّم فيها شبح الثورة الحمراء بجناحيه الناريين على روسيا، ودفع عام 1905 الثوري بموجات من الصدمة العميقة من خلال الجماهير العاملة. استشعر العامل الروسي قوته للمرة الأولى؛ لأول مرة يدرك أنه كان يحمل على عاتقه الثروة القومية برمتها. أما المرأة البروليتارية الروسية، المشاركة الدائمة في كل التظاهرات السياسية للبروليتاريا في السنوات الثورية عامي 1905 و1906، فكانت تستيقظ من سباتها.

كانت المرأة حاضرة في كل مكان. لو أردنا سرد الحقائق المتعلقة بالمشاركة الجماعية للنساء في الحركة في ذلك الوقت، وحصر كل مظاهر الاحتجاج والنضال للنساء العاملات، وتذكر كل أفعالهن الناكرة للذات، وولائهن لمبادئ الاشتراكية، سيتحتم علينا استعادة تاريخ ثورة عام 1905 مشهد تلو الآخر.

كثير منا لايزال يتذكر تلك السنوات المفعمة بالرومانسية. حيث لا تزال صورة المرأة العاملة، “غير المكتملة”، لكن المنبعثة إلى الحياة، بعينها الباحثة، المملؤة بالأمل المتعلقة بالمتحدثين في الاجتماعات الحاشدة والمشحونة بمشاعر الحماس المعدية، حيّة في الذاكرة. وجوه النساء وهي مفعمة بالنشاط والطاقة، وثبات وتصميم لا يتزعزعان، يمكننا رؤيتها في صفوف موكب العمال في يوم التاسع من يناير المعروف بإسم الأحد الدامي*. كانت الشمس المشرقة، على غير العادة، في سان بطرسبرج، تنير الموكب المتأني الصامت، المهيب، وتسلط الضوء على وجوه النساء، المتواجدات بكثرة داخل الحشد. وكان جزاء الأوهام الساذجة والثقة الطفولية أن هوجمت النساء؛ المرأة العاملة والفتاة والزوجة، وشكلنّ عدد كبير بين الضحايا الكُثر لذاك اليوم من يناير.

انطلق شعار “الإضراب العام” من ورشة عمل لأخرى، لتلتقطه أولئك النساء، اللواتي حتى الأمس كن يفتقرن للوعي الطبقي، ويجبر بعضهن على أن يكنّ أول الخارجات. لم تتخلف العاملات في المقاطعات عن رفيقاتهن في العاصمة. وفي أكتوبر، وتحت تأثير الإنهاك من العمل، وحياتهن التي يهددها شبح المجاعة القاسي، غادرت النساء المصانع بإسم القضية المشتركة، ليحرمن، بشجاعة، أطفالهن من آخر قطعة خبز لديهن.. وبكلمات بسيطة، تنقلت النساء من مكان لآخر يناشدن رفاقهم الذكور، ويحثوهم على الاحتذاء بهن ومغادرة مصانعهم، وأثناء الإضراب حرصت المرأة على الحفاظ على معنويات المضربين عالية، وعلى ضخ الطاقة والنشاط بين المترددين.

ناضلت المرأة العاملة بلا كلل، واحتجت بشجاعة، وضحت بنفسها باستبسال بطولي في سبيل القضية المشتركة، وكانت كلما ازداد نشاطها وفاعليتها، كلما تحققت صحوتها العقلية على نحو أسرع. بدأت المرأة العاملة في الانتباه لطبيعة العالم من حولها، الانتباه للظلم النابع من النظام الرأسمالي. أصبحت أكثر تألمًا وأدركت تمام الإدارك أسباب معاناتها وأحزانها. وإلى جانب المطالب البروليتارية المشتركة، كان بإمكان المرء أن يسمع بوضوح، أكثر من أي وقتٍ مضى، أصوات نساء الطبقة العاملة وهي تذّكر باحتياجات ومتطلبات المرأة العاملة.

في مارس 1905، وقت الانتخابات، رفضت لجنة شيدلوفسكفي قبول النساء كمندوبين للعمال مما أثار اللغط بين النساء. في ذلك الحين، كانت التضحيات والمعاناة التي مروا بها مؤخرًا قد قاربت بين رجال ونساء الطبقة العاملة، ووضعتهم على قدم المساواة. وبدا هذا ظالمًا جدًا لا سيما في تلك اللحظة أن نتوجه للمرأة المناضلة، المواطنة ونؤكد على حقوقها المهدورة منذ القدم.

عندما رفضت لجنة شيدلوفسكفي الاعتراف باختيار أمرأة بين سبعة مندوبين لعمال النسيج بمصنع سامبسونيسكي، قررت العاملات الساخطات الممثلات عن العديد من أقسام النسيج المختلفة أن يقدمن للجنة البيان الاحتجاجي التالي:

“لا يسمح لإمرأة أن تمثل العاملات في لجنة تحت رئاستكم، ونحن نؤمن أن هذا قرار ظالم. فالعاملات يمثلن الأغلبية في ورش ومصانع سان بطرسبرج، وتزداد كل عام أعداد النساء الملتحقات بالعمل في مصانع الغزل والنسيج لأن الرجال ينتقلون للمصانع التي تقدم رواتب أفضل. نحن، النساء العاملات، نتحمل أعباءًا أكثر في العمل، بسبب عجزنا وحقوقنا المهدورة، ونتعرض للظلم أكثر على يد رفاقنا، كما نحصل على أجور أقل. عندما أُعلن عن هذه اللجنة، فاضت قلوبنا بالأمل؛ فعلى الأقل اقترب الوقت – هكذا كنا نظن – لتكون المرأة العاملة في سان بطرسبرج قادرة على مخاطبة عموم روسيا بإسم كل شقيقاتها العاملات عن الظلم، والضيم، والإهانة التي لا يعرف عنها العامل الذكر شيئًا. ثم، وبعدما اخترنا نوابنا بالفعل، أُبلغنا أن اختيار النواب مقصورٌ على الرجال فقط. ومع ذلك، نأمل ألا يكون هذا هو قراركم النهائي”.

رُفض السماح بإعطاء العاملات حق التمثيل، وطُردن من الحياة السياسية، شكّل ذلك ظلمًا صارخًا لهذا القطاع النسائي من الشعب، الذي حمل على عاتقه عبء النضال من أجل التحرر. حضرت العاملات مرارًا الاجتماعات السابقة لللانتخابات أثناء الحملات الانتخابية لمجلس الدوما الأولى والثانية*، واحتججن بصخب ضد القانون الذي حرمهن من أي صوت في مسألة غاية الأهمية مثل انتخاب ممثلي البرلمان الروسي. كانت هناك حالات، على سبيل المثال في موسكو، لعاملات توجهن لاجتماعات الناخبين، وفضضن الاجتماع، احتجاجًا على الطريقة التي تُجرى بها الانتخابات.

لم تعد العاملات غير مباليات بافتقارهن لحقوقهن وظهر هذا بوضوح من خلال جمعهن لـ40 ألف توقيع على عريضة موجهة للدوما الأولى والثانية تطالب بمنح النساء الحقوق الانتخابية مثل الرجال، وكانت الغالبية العظمى من الموقعات عاملات. قام على تنظيم عملية جمع التوقيعات التحالف من أجل مساواة الإناث وبعض المنظمات النسوية البرجوازية، وجمعت التوقيعات في الورش والمصانع. وحقيقة أن العاملات وقعن عن طيب خاطر على العرائض التي أعدتها نساء البرجوازية تكشف أن الوعي السياسي للعاملات كان لايزال في طور النهوض، كن لازلن يخطون أولى خطواتهن المترددة، وكن لازلن يقفن في منتصف الطريق.

صحيح أن العاملات أصبحن على دراية بما ينقصهن وبانعدام حقوقهن السياسية، لكن كنّ لا يزلن غير قادرات على الربط بين هذه الحقيقة وبين النضال المشترك للطبقة العاملة، غير قادرات على العثور على المسار الصحيح الذي من شأنه قيادة المرأة البروليتارية نحو التحرر الكامل والشامل. فالمرأة العاملة لا تزال تقبل بسذاجة المساعدة المقدمة لها من النسويات البرجوازيات. توجهت حركة “سوفرجت – suffragettes*” للعاملات، على أمل استمالتهن لجانبهن، بغرض الحصول على دعمهن ومن ثم تنظيمهن بشكل نسوي بحت، تنظيم لا طبقي، تحالفات برجوازية بالأساس. غير أن، الغريزة الطبقية السليمة والارتياب العميق في “السيدات الرقيقات” حفظ العاملات من الانجذاب للحركة النسوية ومنع أي تآخي طويل أو مستقر مع تلك الحركة البرجوازية.

تميزت سنوات 1905 و1906 بشكل خاص بالعدد الضخم من الاجتماعات النسائية التي شاركت فيها العاملات بحماس. استمعت العاملات باهتمام لحركة سوفرجت البرجوازية، لكن ما قُدم لهن لم يكن ليلبي الاحتياجات الملحة لأولئك الذين يستعبدهم رأس المال، كما لم يثر أي استجابة صادقة. كانت العاملات مستنزفات بفعل ظروف العمل القاسية غير المحتملة، والجوع والقلق بشأن تأمين الاحتياجات المادية لأسرهن؛ وكانت مطالبهن العاجلة: يوم عمل أقصر، رواتب أعلى، معاملة أكثر إنسانية من إدارة المصنع، الحد من مراقبة الشرطة، والمزيد من حرية النشاط. جميع هذه المطالب كانت غريبة على النسوية البرجوازية.

طرحت حركة سوفرجت على النساء العاملات قضايا وتطلعات نسوية ضيقة. لم تتمكن هذه الحركة، ولم تستطع، فهم الطبيعة الطبقية للحركة النسائية العاملة الناشئة. أكثر من خيّب أملهن كنّ عاملات المنازل؛ فبناء على مبادرة من النسويات البرجوازيات، عُقد أول اجتماع لعاملات المنازل في سان بطرسبرج وموسكو في عام 1905. استجابت العاملات بحماس لدعوة “التنظيم” تلك، وحرصن على حضور الاجتماعات الأولى بأعداد كبيرة. لكن، مع محاولة التحالف من أجل مساواة الإناث لتنظيمهن وفقًا لرؤيته الخاصة، بمعنى تكوين تحالف مثالي مشترك بين سيدات المنازل والعاملات في خدمتهن، انصرفت عاملات المنازل بعيدًا عن السوفرجت، بسبب خيبة أملهن في النساء البرجوازيات، وسارعن إلى الانضمام إلى حزبهم الطبقي، وتنظيم نقاباتهن الخاصة. كان هذا هو الوضع في في موسكو، وفلاديمير، وبينزا، وخاركوف وعدد من المدن الأخرى.

لاقت منظمة سياسية نسوية أخرى، أكثر يمينية، نفس المصير، وهي حزب النساء التقدمي، الذي حاول تنظيم عاملات المنازل تحت مراقبة مخدوميهم. تجاوزت حركة عاملات المنازل الحدود التي وضعتها النسويات سلفًا. ولو ألقيت نظرة على صحف 1905، ستجدها تمتلأ بتقارير عن نشاط حركة عاملات المنازل، حتى في المناطق النائية من روسيا. تجسد هذا النشاط في شكل أما إضراب جماعي، أو مظاهرات في الشوارع.

شارك في الإضرابات الطاهيات، والغسّالات والخادمات؛ بعض الإضرابات نُظمت وفقًا للتخصص، وبعضعها جمعت مختلف شعب “عاملات المنازل”. انتشر احتجاج عاملات المنازل كالنار في الهشيم، وأخذ ينتقل كالعدوى من مكان لآخر. وعادة ما كانت تقتصر مطالبهن على تحديد يوم العمل بـ 8 ساعات، وحد أدنى للأجور، وظروف معيشية أكثر احتمالاً (غرفة مستقلة)، ومعاملة حسنة من رب العمل، إلخ.

الفلاحات والثورة
لم تكن الصحوة السياسية للمرأة قاصرة على فقراء المناطق الحضرية. فلأول مرة في روسيا، يعلو صوت الفلاحة الروسية بإصرار وعزم. كانت نهاية عام 1904 وكامل عام 1905 فترة متواصلة من “الثورات النسائية” كانت قد أضرمت شرارتها الحرب ضد اليابان*. كل الأهوال والحرمان، وجميع الأمراض الاجتماعية والاقتصادية التي نجمت عن هذه الحرب المشؤومة، أثقلت كاهل الفلاحة الزوجة والأم.

حمّل التجنيد الاحتياطي عاتق المرأة، المثقل بالفعل، بعبء مزدوج من العمل والقلق، وأجبرها، هي التي كانت حتى ذلك الحين خاضعة وخائفة من كل شيء يقع خارج دائرة اهتماماتها المنزلية، على مواجهة قوى معادية لم تتوقعها من قبل، وأن يدفعها لإدراك كل ما تعانيه من ذل وحرمان، ولتتجرع آخر قطرة في كأس الجور غير المستحق.

غادرت الفلاحات الأميّات، المضطهدات، منازلهن وقراهن لأول مرة، وسارعن إلى المدينة لمتابعة إجراءات المكاتب الحكومية في محاولة لمعرفة أي أخبار عن أزواجهن، وأبنائهن، وآبائهن، والتماس المساعدة المالية والدفاع عن مصالحهن. لكن حرمان الفلاحين من أي حقوق، وأكاذيب وظلم النظام الاجتماعي القائم، تجسدت جميعها بكل ما فيها من قبح عارية أمام الفلاحات الحائرات، ليعدن من المدينة أكثر واقعية وصلابة، ويحملن في قلوبهن مشاعر كراهية ومرارة وغضب لا تنضب.

في صيف 1905، اندلعت في الجنوب سلسلة من “الثورات النسائية”. وبمزيج من الغضب والجرأة، المستغربة على النساء، هاجمت الفلاحات مقرات الجيش والشرطة، حيث أماكن تمركز المجندين، ليحررن رجالهن ويرجعن بهم إلى المنازل. مسلحات بالجرافات والعصي والمكانس، طردت الفلاحات الجنود المسلحين من القرى. كن يحتججن على طريقتهن الخاصة ضد عبء الحرب غير المحتمل. بالطبع، أُلقيَ القبض عليهن وحُكم عليهن بعقوبات مشددة، لكن، رغم ذلك لم تتوقف الثورات النسائية، بل تواصلت. في هذا الاحتجاج، تتداخل وتتشابك مصالح الفلاحين والمصالح “النسائية” البحتة، بحيث لا توجد أسباب تستدعي فصلهما، أو تصنيف “الثورات النسائية” كجزء من “الحركة النسوية”.

بعد مظاهرات الفلاحات “السياسية”، جاء دور سلسلة من “الثورات النسائية” لأسباب اقتصادية. كانت تلك فترة من الاضطرابات والإضرابات الفلاحية. بعضها بدأتها “النساء”، ثم جاء دور الرجال بعدهم. هناك حالات، حين كنّ يفشلن في إشراك الرجال، توجهن بمفردهن إلى مالكي الإقطاعيات لتقديم المطالب والإنذارات. مسلحات بكل ما تصل إليه أيديهن، كن يسبقن الرجال في مواجهة وحدات الجيش التأديبية. فجأة أصبحت الفلاحة المسحوقة والمظلومة طيلة قرون، واحدة من الشخصيات الرئيسية في الدراما السياسية. وطوال الفترة الثورية ظلت الفلاحات متحدات مع رجالهن، يحرسن ويدافعن عن مصالح الفلاحين، ويشرن ببراعة مذهلة لقضيتهن الخاصة، فقط حين لا يشكل هذا خطرًا على قضية الفلاحين المشتركة.

لكن، هذا لا يعني أن الفلاحات كن غير مباليات أو متجاهلات لاحتياجاتهن كنساء. على العكس تمامًا من ذلك، فلقد عزز وطور الظهور الجماعي للفلاحات على الساحة السياسية، ومشاركتهن الجماعية في النضال المشترك، وعيهن الذاتي بأنفسهن كنساء. بحلول نوفمبر، 1905، أرسلت فلاحات مقاطعة فورونيج، نائبين من نوابهم لحضور مؤتمر الفلاحين، مع توصيات منهن جميعًا بالمطالبة بـ “الحقوق السياسية” و”الحرية” للنساء والمساواة مع الرجال [1].

دافعت الفلاحات القوقازيات عن حقوقهن بقوة وهمة استثنائيين.وطالبت فلاحات جيريا في اجتماعات القرية بمقاطعة كوتايسي بالمساواة السياسية مع الرجال. كما حضر الاجتماعات الريفية والحضرية التي عقدت لمناقشة ضم زيمتوف للقوقاز، نواب يمثلون السكان المحليين بما في ذلك النساء الجورجيات، اللواتي بدورهن أصررن على حقوقهن كنساء.

وبينما كانت تطالب الفلاحات بالمساواة السياسية، ارتفعت أصواتهن تلقائيًا دفاعًا عن مصالحهن الاقتصادية؛ قضية “مخصصات” الأراضي الزراعية، أرّقت المرأة الفلاحة تمامًا كما أهتم بها الرجل الفلاح. وفي بعض المناطق، الفلاحات اللواتي دعمن بحماس فكرة مصادرة الأراضي الخاصة، تراجعن عن دعمهن لهذا الأجراء عندما أثيرت مسألة إذا ما كان سيتم إدراج النساء في العد لتحديد حجم الأراضي المخصصة. “في حالة توزيع الأراضي المصادرة من ملاكها على الرجال فقط، قالت النساء بقلق: إذن سنواجه العبودية الحقيقية”. فعلى الأقل نحن قادرات الآن على كسب بضعة كوبيكات* لحسابنا الخاص، لكن لو حدث هذا، فإننا ببساطة سنعمل عند الرجال.

لكن، لم يكن لمخاوف الفلاحات أي أساس من الصحة؛ فحسبة اقتصادية بسيطة ألزمت الفلاحين بالإصرار على المطالبة بتوزيع الأرض على النساء أيضًا. تشابكت المصالح الزراعية لذكور وإناث الفلاحين بشكل وثيق، بحيث أن الرجال وأثناء نضالهم لإلغاء العبودية الزراعية الواقعة عليهم، دافعوا بالضرورة في نفس الوقت عن المصالح الاقتصادية لنسائهم.

لكن، أثناء نضالها من أجل المصالح الاقتصادية والسياسية للفلاحين ككل، تعلمت الفلاحة أيضًا كيفية النضال من أجل احتياجاتها الخاصة، ومتطلباتها كإمرأة. الأمر ذاته ينطبق على المرأة العاملة؛ بمشاركتها القوية في عملية التحرر بأكملها، هيأت الرأي العام، ربما أكثر من الفلاحات، لقبول مبدأ المساواة.

إن فكرة المساواة المدنية للنساء، المتحققة الآن في روسيا السوفيتية، انتشرت في المجتمع ليس عن طريق الجهود البطولية لفرادى النساء ممن يتحلين بقوة الشخصية، كما لم تكن ثمرة لجهود الحركة النسوية البرجوازية، إنما تحققت من خلال الضغط العفوي لأعداد كبيرة من العاملات والفلاحات، اللواتي ايقظهن وأعادهن للحياة دويّ الثورة الروسية الأولى في عام 1905.

في عام 1909، كتبت في كتابي “الأساس الاجتماعي لقضية المرأة”، ردًا على النسويات البرجوازيات، اللواتي خصصت الكتاب بأكمله للرد عليهن:

“إذا نجحت الفلاحات في تحقيق تحسنًا، في المستقبل القريب، في وضعهن الأسري والاقتصادي والقانوني، سيكون هذا بفضل الجهود المشتركة الموحدة للديمقراطية الفلاحية الموجهة لتحقيق وإنجاز مطالب الفلاحين التي، بشكل أو بآخر، لازلت تسمع في الأوساط الفلاحية حتى الأن. أما محاولات النسويات ل “تمهيد الطريق للنساء”، فغير ذي صلة هنا بالموضوع.. لو أن الفلاحة حررت نفسها بالفعل من العبودية الزراعية القائمة، فهذا يعني حصولها على أكثر مما يمكن أن تمحنه كافة المنظمات النسوية مجتمعة”.

هذه الكلمات، المكتوبة منذ عشر سنوات، ثبتت صحتها الآن. فثورة أكتوبر العظيمة لم تلبي فقط احتياجات الفلاحين الأساسية، المتمثلة في مطلبهم العاجل المشترك (رجال ونساء) في تمليك الأرض لمن يعمل بها، وإنما رفعت النساء الفلاحات إلى مكانة مشرفة كمواطن حر له كامل الاعتبار والتقدير، والتي لا يستعبدها الآن سوى أساليب العمل الزراعي القديمة، والتمسك بالتقاليد والأعراف الأسرية.

إن مطالب العاملات والفلاحات، التي لم يكن بمقدورهن سوى الحلم بها أثناء الثورة الروسية الأولى 1905، تحققت الآن وتحولت إلى واقع ملموس بفضل ثورة أكتوبر العظمى 1917. تمكنت المرأة في روسيا من تحقيق المساواة السياسية، إلا أنها لا تدين بالفضل في إنجازها إلى التعاون مع المطالبات بالحق في الاقتراع البرجوازيات، وإنما للنضال المشترك المتحد مع العامل رفيقها في صفوف الطبقة العاملة.

ــــــــــــــــــــــــــــــــــ

هوامش
إيڤان سيرجييفيتس تورجينيڤ: أديب وروائي ومسرحي روسي كبير وُلد في 28 أكتوبر 1819. أشهر أعماله رواية (أباء وأبناء) نشرت سنة 1862، يعتبر تورجينيف مايسترو الواقعية الروسية في القرن التاسع عشر وكان له التأثير الكبير على صاحبه الأديب الفرنسي جوستاف فلوبير وعلى تلميذه جاى دى موباسان. اهتم تورجينيف بالتصوير الدقيق لنفسية الأبطال في رواياته وتحليل حياتهم العاطفية ومشاعرهم. عاصر تورجينيف أدباء روس كبار مثل ليو تولستوي وفيودور ديستويفسكي. (المترجمة)

الأحد الدامي: تعود أحداث الأحد الدامي ليوم 9 يناير 1905، في سان بطرسبرج، حين تقدم متظاهرون سلميون نحو قصر الشتاء لمطالبة للقيصر نيقولا الثاني بجملة من المطالب الديمقراطية ومطالب تتعلق بتحسين ظروف العمل والمعيشة، لكن تصدى لهم الحرس الإمبراطوري الروسي بوابل من الرصاص. بلغ عدد المتظاهرين أكثر من 30 ألف شخص وفاق عدد القتلى الـ 4 آلاف حسب تقديرات المعارضة، و96 وفقًا للسلطات. كان هذا الحدث من أسباب اندلاع الثورة الروسية عام 1905. (المترجمة)

مجلس الدوما: هيئة تشريعية يُنتخب إليها نواب من الشعب، أنشأها القيصر نيقولا الثاني، وافتُتحت جلساتها في أبريل 1906، كي تقوم بدور الغطاء الديمقراطي لحكمه، ولمحاولة استيعاب الغضب الجماهيري.

حركة سوفرجت – suffragettes: حركة نسوية برجوازية اهتمت بشكل حصري بالمطالبة بحق المرأة في التصويت وانتزاع الحق في الاقتراع في أوائل القرن العشرين.

الحرب الروسية اليابانية: اندلعت ما بين الإمبراطورية اليابانية والإمبراطورية الروسية في8 فبراير 1904 حتى 5 سبتمبر 1905، انتهت الحرب بتوقيع معاهدة بورتسموث التي توسط فيها الرئيس الأمريكي ثيودور روزفلت وساعدت هذه الحرب اليابان لتصبح قوة عظمى كما ساعدت على اندلاع الثورة الروسية وقد تكبد الجيش القيصري خسائر فادحة. (المترجمة)

كوبيك: الروبل هي وحدة العملة المستخدمة في روسيا، وواحد روبل يساوي 100 كوبيك.

[1] يجدر بنا ها هنا أن نستدعي من الذاكرة المطالب التاريخية التي كتبتها الفلاحات من محافظات فورونيج وتفير وأرسلتها إلى مجلس الدوما الأولى، أو الرسالة التي بعثتها نساء قرية ناجتكينا إلى نائبهم الذي يُدعى آلادين:
“في هذه اللحظة الفاصلة في المعركة بين الحق والقوة، نحن، فلاحات قرية ناجتكينا، نحيي نواب الشعب الذين عبروا عن عدم ثقتهم في الحكومة من خلال المطالبة باستقالة الوزارة. ونأمل أن يمنح الممثلين الذين يحظون بدعم الشعب، الأرض والحرية لهذا الشعب، وأن يفتحوا أبواب السجون لإطلاق سراح أولئك الذين حاربوا من أجل حرية وسعادة الشعب، وأن ينتزعوا الحقوق المدنية والسياسية لهم ولنا، نحن النساء الروسيات، مهدورات الحقوق حتى داخل عائلاتنا. وتذكر أن المرأة المستعبدة لا يمكن أن تكون أمٌ لمواطن حر”. (توقيع – المتحدثة باسم 75 إمرأة من قرية ناجتكينا).

* المقال باللغة الإنجليزية هنا

Advertisements

تسعدني تعليقاتكم

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s