بل نحن المعاقون!

Posted: 17 مارس 2015 in كتابات متنوعة
الوسوم:, , ,

حالفني الحظ بمقابلة ثلاثة أشخاص لم يخطر ببالي حتى أن أفكر في رؤيتهم. كان نجلي يوسف على موعد لعرض لوحاته ضمن فعالية تنظمها عدد من الحركات والجمعيات غير الحكومية داخل الجامعة الأمريكية بالقاهرة الجديدة على مدار يومين في الأول والثاني من مارس الجاري.

في اليوم الأول قابلنا الشاب الجميل/ رامز عباس (30 عاما)، الذي كان يعاني منذ الصغر من ضعف السمع مما اضطره للاستعانة بسماعة للأذن لتقوية حاسته، ثم ما لبث بمرور الوقت أن فقد القدرة تماما على السمع. رامز لم يستسلم وقرر بصبر دؤوب أن يتفاعل مع كل الناس، فلم يكتف بلغة الإشارة التي يتداولها الصم والبكم، بل شرع في تعليم نفسه تفسير كلام محدثيه من خلال مخارج حروفهم من شفاههم، لم ينجح فقط رامز ببراعة في تعلم لغة حركة الشفاه دون أن يسمع أي أصوات سوى طنين الصمت، ولكنه قام أيضا بتعليم نفسه النطق بنفس الطريقة، حتى أصبح قادرا على التفاعل مع من حوله دون أدنى مجهود يذكر سوى التركيز في حركة شفاههم.

رامز ليس مجرد مثال على تحدي الإعاقة كما يكتب عنه في الإعلام، بل أنه صاحب فكر ومواقف، بصرف النظر عن مدى اتفاقك أو اختلافك معه، وهو أيضا يمتلك مدونة تحمل اسمه ويقوم بكتابة المقالات والتدوينات لها أو من خلال حسابه على الفيسبوك، ويعمل في العديد من الأنشطة الثقافية والسياسية، وله آراء ومواقف في قضايا المعاقين والدستور والسياسة العامة والثورة، وهو أحد المنتمين إلى الأخيرة بوصفه شابا له مواقف ويحمل أحلام جيله، علاوة على مطالب من ينتمي إليهم من ذوي الإعاقة.

في اليوم الثاني كنا على موعد دبره لنا القدر مع البطل المصري قاهر الإعاقة/ إبراهيم الحسيني حمدتو (40 عاما) ابن قرية كفر سعد البلد التابعة لمركز كفر سعد بمحافظة دمياط. فقد إبراهيم ذراعيه في حادث قطار أليم حيث سقط بينه وبين الرصيف وهو ابن العشرة أعوام فقط. اكتئب إبراهيم للدرجة التي بات معها لا يخرج من البيت، حتى جاء اليوم الذي أحضر له والدا شخصا من متحدي الإعاقة لينقل له خبرته في التعامل مع إعاقته ويشجعه ويحمسه على الخروج للحياة والتفاعل مع البشر. وفعلا خرج إبراهيم للدراسة وحصل على الشهادة الثانوية الأزهرية واتجه منذ ذلك الحين أيضا لممارسة الرياضة، لم يحالفه الحظ في إجادة لعب كرة القدم حيث كان كثير الوقوع بسبب انعدام الاتزان، فلجأ إلى تنس الطاولة، وحاول في البداية أن يضع المضرب تحت إبطه، ولكنه وجد صعوبة بالغة في ذلك، وواتته الفكرة عندم كان يحاول مسك المضرب بفمه أن يمسكه جيدا بأسنانه، وفعلا نجحت المحاولة، ففي كل ليلة تقريبا كان يحرك طاولة التنس ليسندها على الحائط ليلاعبه كخصم.

ظل إبراهيم يمارس رياضته التي برع فيها للدرجة التي حصل من خلالها على عدد من البطولات، وهو ممسكا بمضرب تنس الطاولة الصغير بفمه، ويستخدم قدمه لرفع الكرة إلى الأعلى في ضربات الإرسال. ففي عام 1991 حصل على المركز الأول محققا لمصر الميدالية الذهبية في بطولة أفريقيا، ثم عاد بعدها في 2001 ليحل ثانيا في نفس البطولة وينال الميدالية الفضية، وتمكن من الحصول على نفس المركز في 2013. وفي نفس العام حصل على جائزة الشيخ محمد بن راشد آل مكتوم للإبداع الرياضي، كما حصل الميدالية الفضية في بطولة مصر الدولية لعام 2013. ولم يكتف بالتألق قاريا فقط بل وصل إلى العالمية وحصل على المركز الرابع في بطولة العالم للمعاقين عام 2006. ويلعب منذ سنوات في فريق اتحاد الشرطة الرياضي لتنس الطاولة ودائما ما ينافس على الصدارة ويحصل على المراكز الأولى.

الشخصية الثالثة التي قابلناها كانت مختلفة تماما، رجل تجاوز الستين من عمره، عرفناه فقط باسم/نبيل، وهو عن حق نبيل جدا. كان مرافقا لإبراهيم حمدتو، للدرجة التي ظننا أنه والده في بادئ الأمر حتى تعرفنا على القصة كاملة. نبيل كان في طفولته يحب العزف على آلة الأورج ويهوى لعب كرة القدم، ولكن والده رفض أن يكرس أي وقت سوى للمذاكرة، فظل الطفل يمارس هواياته في السر وحده أو بمساعدة بعض الأقارب المهتمين بمواهبه. وعندما كبر وتزوج أنجب وسط أبنائه طفلا معاقا وصل إلى سن الثلاثين حاليا، ولكنه –على حد قوله- مستسلما تماما وغير مقبل على تحدي ظروفه التي لا يد له فيها. ومنذ 3 سنوات فقط تقابل نبيل مع إبراهيم ومنذ تلك اللحظة أصبح مرافقا له واعتبره ابنه الذي لم ينجبه، ومن ثم أصبح هو الآخر أبا روحيا له. نبيل -وبكل نبل وتواضع- يضع لإبراهيم كوب الشاي على كتفه ليحتسيه ببراعة دون الحاجة ليدين يتناولا الكوب فيما بينهما كما نفعل نحن، ويدخل معه دورة المياه كأب وطفله الصغير، يتحدث عنه بإسهاب منكرا ذاته تماما وما يفعله من أجله، يكمل حكاياته التي حفظها عن ظهر قلب ويذكره بما نسيه، معه ذاكرة رقمية لا تفارق جيبه تحتوي على أخبار وفيديوهات للبطل المصري وهو يحقق بطولاته ويسجل انتصاراته حتى في المباريات الاستعراضية أمام لاعبين “أصحاء”. لا يبغي هذا الرجل شيئا سوى أن يرى ابنه الجديد سعيدا ومتحققا ومتألقا.. هنا فقط تكمن متعته الخاصة.

رامز عباس وإبراهيم حمدتو نماذج للإنسان القادر على الحياة والمحب لها رغم كل صعوباتها الطبيعية وما يزيد عليها في حالتيهما، فإبراهيم على سبيل المثال يعمل معاونا بمدرسة كفر سعد الثانوية، ويعيش في بيته مع أسرته الصغيرة معتمدا على نفسه حتى بعد أن تزوج وأنجب ثلاثة أطفال، ويمارس أنشطته الاجتماعية بجانب ممارسته لرياضته، حيث قام بإنشاء جمعية للمعاقين بكفر سعد البلد تضم عددا من أبناء دمياط متحدي الإعاقة ويشغل منصب رئيس مجلس إدارتها، غير إجادته لفن الخط العربي ممسكا القلم أو الريشة بنفس طريقة مسكه لمضرب التنس. ورامز يعمل موظفا حكوميا ويمارس أنشطته في الكتابة والتدوين والجمعيات المعنية بشئون المعاقين دون أن ينتظر شيئا من أحد.

لا يسعى مثل هؤلاء الأبطال لأن يطلق أسمائهم على بنايات أو شوارع، واعتقد أنهما غير معنيين بالتكريم أو إثبات أنفسهما أمام الجميع، ولا يسعيان للحصول على إعانات شهرية أو تشييد مشروعات صغيرة لهما تدر عليهما دخلا ثابتا، أو الوقوف أمام مكاتب مسئولين يظنون أن بأيديهم أن يمنوا عليهم بقرارات تخصيص شقق لهما على سبيل المثال، فمعروف تماما أن سياسات الحكومات ومسئولوها لا يهتمان بمثل هذه الأمور إلا عندما تثار ضجة إعلامية محلية كانت أو عالمية حول أصحاب هذه البطولات.. وساعتها تبدأ في الانتباه الذي يصرف بعد حين حينما تهدأ الأمور. رامز عباس وإبراهيم حمدتو ليسا بمعاقين بل نحن المعاقون في أدمغتنا وطرق تفكيرنا وقدراتنا على التعاطي مع البشر، حينما نعاملهما وأمثالهما على أنهم ناقصين أو يستحقون الشفقة، فمثل هؤلاء من يجب أن يكونوا صناع القرار الحقيقيين لكونهم أصحاب تجارب إنسانية رائعة ستراعي حتما مصالح ومتطلبات بني جنسهم دون تمييز نتبعه نحن ضد من يستحقون الحياة والتمتع بها.

Advertisements

تسعدني تعليقاتكم

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s