حول فلسفة “الانسان المتفوق” عند نيتشه ـ تروتسكي

Posted: 5 أبريل 2015 in كلاسيكيات الماركسية, مختارات سياسية
الوسوم:, , , ,
ليون تروتسكي

ان كان علينا إلقاء “كلمة طيبة” عن الاموات، او الا نلقي شيئًا بالمرة، من المستحسن في هذا الظرف ملاقاة الصمت البليغ على ان نخفي الدلالة الاجتماعية للمتوفي عبر موجة من مديح التعميد الخالي من المعنى.نستطيع وعلينا ان نأخذ موقفًا مكتملاً تجاه شخصيات اعدائنا الاجتماعيين، بتزويده-اذا امكن-بالضريبة المتأتية عن إخلاصهم وعن سلوكياتهم الفردية المتعددة. ولكن العدو-اكان صادقًا ام لا، حيًا ام ميتًا-يبقى عدوًا، بالاخص ككاتبٍ عاش في قيوده، حتى بعد موته. عندما نصمت، فاننا نرتكب جرمًا اجتماعيًا:”الاّ نعارض فعليًا، كما علّق مفكر روسي شهير، معناه ان ندعم بل اكتراث”. علينا الا ننسى ذلك، حتى امام تراجيديا الموت.

هذه التأمّلات دفعتنا لتقديم بعض الكلمات حول فلسفة فريدريك نيتشه، الذي توفّى منذ زمن قريب، وبالتحديد حول مظاهر مذهبه ، هذه المظاهر التي تخص مفاهيمه واحكامه حول المجتمع، ميوله ونفوره، نقده ومثاله الاجتماعييْن. بالنسبة للكثيرين، شخصية وحياة نيتشه تفسران فلسفته. باعتباره رجلاً استثنائيًا، لم يستطع التكيف بلا مبالاة مع الوضعية التي وضعه فيها مرضه. كان على الإعتكاف القسري عن الحياة العامة أن يحثّه لوضع نظرية لم تعطه فقط امكانية الحياة في مثل هذه الظروف، بل منحت معنىً للحياة هذه. اصبحت عبادة الالم نتيجة لالمه.” تتمنون ان تزيلوا الالم قدر المستطاع، ونحن، كما يتبين، نريد ان نزيده، ان نقوّيه اكثر مما كان..عبادة الالم، الالم الكبير، امن الممكن ان تنكروا بان هذه الثقافة قد قادت الانسان حتى اعلى القمم؟””عبر هذه الكلمات، يقول الوا رايل، نسمع صوت مريض، جعل شقاءه وسيلة لتعليم الارادة”.

ولكن عبادة الالم ليست الا جزءًا، وليس الاكثر تميّزًا في النظام الفلسفي لنيتشه، جزءٌ وُضع بلا اعتبار في المحل الاول على ايدي بعض محققي ونقاد فيلسوفنا. المحور الاجتماعي لنظامه (اذا كان من المسموح ادانة كتابات نيتشه بكلمات مهينة، بأعين مؤلفها، ككلمة “نظام”) هو التعرف على الامتياز المعطى لبعض “المختارين” بان يتمتعوا بحرية بكل خيرات الوجود: هؤلاء المختارون السعداء متحررون لا فقط من العمل الانتاجي بل ايضًا من “عمل” التسلط.”لكم ان تؤمنوا وان تخدموا!-هذا هو المصير الذي يقدمه زرادشت للفانين العاديين الكثيرين في مجتمعه المثالي”. فوق هؤلاء نجد طائفة الآمرين، حراس القانون، المدافعين عن النظام، المحاربين. في القمة، نجد الملك “بحسبه اعلى صورة للمحاربين، للقاضي ولحامي القانون”. بالمقارنة مع “الرجال المتفوقين”، كل أولئك يصبحون معاونين في الخدمة: يتكرسون “لاعمال الهيمنة الشديدة”، يخدمون في ايصال “ارادات المشرعين” الى جمهور العبيد. بالنهاية، اعلى الطوائف هي تلك الخاصة “بالاسياد”، “خالقي القيم”، المشرعين” ، “الرجال المتفوقين”. هذه الطائفة تلهم فعل الجسم الاجتماعي باكمله. تلعب على الارض نفس الدور الذي يلعبه الرب، حسب الايمان المسيحي، في السماء.على نفس المنوال، حتى “عمل ” الادارة لا يعود الى الكائنات العليا لكن فقط الى الاعلى بين من هم الادنى.

فيما يخص “المختارين”، “المتفوقين” المتحررين من فرضٍ اجتماعي واخلاقي، يديرون حياةً ملؤها المغامرات، السعادة والفرح. ” منذ حييت، يقول نيتشه، اريد للحياة ان تتدفق، ان تكون فيّ وخارجي على السواء مسرفة، وخصبة ما امكن ذلك”. انها مشكلة عبادة الالم الكبير، بمعنى آخر الالم الجسدي، حيث لا يمكن،على الاغلب، لاي تضحية يقوم بها “العبيد” ان تخلص “الانسان الاعلى[المتفوّق]“. فيما يخص الالام المتصلة بالاختلالات الاجتماعية، فإنّ على “الرجال المتفوقين” ،بالطبع، ان يكونوا تمامًا متحررين [من هذه الالام]. وان بقيت وظيفة ضرورية تخص “الرجل الاعلى” (و ايضًا، فقط للرجل الاعلى في سياق مسيرة وجوده) فهي اكمال الذات، متضمنةّ الاستبعاد بشكلٍ متقنّ لكل ما يتصلّ بـ”الشفقة”. يعاب على “الرجل الاعلى” اذا ترك ذاته تهيمن عليها مشاعر الشفقة، الندم، والعطف. حسب “قائمة القيم” القديمة الشفقة فضيلة؛نيشته يعتبرها على انها شر، واكثر الاخطار رعبًا. يقول زرادشت ان “الخطيئة الاخيرة” الاكثر رعبًا بين المصائب هي الشفقة. اذا رثى احدهم للتعساء، اذا تحسس برؤية الشقاء، فان قدره سيتزن : هو المغلوب، على اسمه ان يُشطَب من قوائم طائفة “الاسياد”.

اينما كان، يقول زرادشت، يُسمع صوت من يبشرون بالموت، والارض ممتلئة بمن يستحق ان يُبشّر بالموت-او “الحياة الابدية”-يضيف ككلبي صريح-هذا سيان بالنسبة لي، على امل ان يختفوا بسرعة”.قبل الوصل الى حصاد مثاله الايجابي، سيُخضع نيشته الاعراف الاجتماعية السائدة فيما يخص الدولة، القانون وعلى الاخص الاخلاق، للنقد. يحكم بانه من الضروري ان “يعاد فحص كل القيم”. ظاهريًا، تتبدى لنا راديكالية دون حدود، شجاعةَ فكرٍ يقلب الامور رأسًا على عقب! “قبل ان نصل اليه، يقول ريل Riehl ، لم يقم احد بعد بتحليل القيم الاخلاقية، بنقد الاسس الاخلاقية”. رأي ريل ليس وحيدًا، مما لا يمنعه،من ان يكون سطحي بالكامل. لاكثر من مرة، احست الانسانية بالحاجة لمراجعة جذرية لاخلاقيتها، والعديد من المفكرين اتموا هذا العمل باكثر راديكاليةً وعمقًا من نيتشه. وان وجد شيئًا مبتكرًا في نظامه، فانه لن يكون “اعادة الفحص” بالذات، لكن غالبًا وجهة النظر التي يعود اليها: ارادة القوة، اساس تطلعات، متطلبات واماني “الرجل الاعلى”: ها هو معيار تقييم الماضي، الحاضر والمستقبل.

ولكن، حتى هذه ذات اصالة مشكوك في امرها.يكتب نيتشه بنفسه في ابحاثه حول الاخلاق التي تهيمن في الماضي وحاضرًا، انه وجد ميلين رئيسين : اخلاق الاسياد واخلاق العبيد. تشكل “اخلاق الاسياد” اساس سلوك “الانسان الاعلى”. هذه السمة المزدوجة للاخلاق تسم كخط احمر بالحقيقة تاريخ الانسانية، وليس نيتشه من اكتشف ذلك.” لكم أن تؤمنوا وان تخدموا”، يقول، كما ذكرنا زرادشت، عندما يتوجه الى هؤلاء ذوي العددد الكبير. الطائفة العليا هي طائفة “الاسياد”، “خالقي القيم”. لهم، ولهم فقط، وُجِدت اخلاق الانسان الاعلى.ابتكار جديد، اليس كذلك؟! حتى اصحابنا الملاكين في زمن العبودية ، والذين عرفوا حقيقةً القليلَ عن هذا الامر، كانوا يعلمون انه يوجد اناس دماؤهم ازرق وآخرون لا، وما هو ضروري للبعض هو مستنكر بشدة لدى البعض الآخر. لذلك، عرفوا بلا شك، بعبارات العبقرية الهجائية انه “من غير المناسب لنبيل ان يتعاطى التجارة، ان يملك مهنة، ان يتمخط من دون منديل الخ، ولكن ليس من المعيب ان يراهن بقرية باكملها في لعبة الورق، او ان يبادل الشابة أريشكا بكلب صيد؛ لا يلائم فلاح ان يحلق لحيته، ان يشرب الشاي وينتعل الحذاء، ولكن لا يخالف اللياقة ان نقطع على الاقدام مئات الفراسخ من اجل ايضال رسالة من ماتريونا ايفانونفا الى افدوتيا فاسيليفنا حيث تتمنى ماتريونا فيها عيدًا سعيدًا لصديقها و تعلمه انها بحمد الله بصحة جيدة”.احدى انتقادات نيتشه الاقل انتقادًا تعتبر انه ” لو خلعنا الشكل اللامعتاد او الشعري عن افكاره التي تختبىء تحت جلده (للشكل)، لبدت لنا اقل ابتكارًا بكثير مما لو نظرنا اليها للمرة الاولى”.

ان فلسفة نيتشه ليس بجديدة كما تبدوا لنا للوهلة الاولى، ولكنها تصبح مبتكرة في اللحظة التي تخطأ فيها؛ لكي نفسرها، علينا ان نلجأ حصريًا الى الفردية المعقدة لمؤلفها: بخصوص هذا الامر، كيف يمكننا تفسير بانه في وقت قصير جدًا نال هذا العدد من المناصرين، كيف يمكننا ان نشرح ان “افكار نيتشه-بحسب ريل-اصبحت للكثيرين اعلان ايمان؟” لا يمكننا الا ان نستخلص ان التربة حيث نمت فلسفة نيتشه لا تملك الشيء الاستثنائي.، نجد، مجموعات كبيرة من الناس كما ظروفًا بسمة اجتماعية تكون في حالةٍ تلائمها فلسفة نيتشه لا اية فلسفة اخرى.

في ادبنا، كثيرا ما قارنّا بين غوركي ونيتشه. للوهلة الاولى، تبدو لنا مقارنة كهذه غريبة فما الذي يجمع بين منشدٍ للمذلولين وللمهانين، لادنى الادنياء، وبين رسول “الانسان الاعلى”.؟ بالطبع، الفرق كبير، ولكن الروابط بين الاثنين متنية اكثر مما يظهرها لنا انطباع اول.ان ابطال غوركي بالنظر الى اهوائهم، وبشكل جزئي، بالشكل الذي قدمهم صانعهم، ليس بالمرة مذلولين و حقراء، ليسوا ادنى الادنياء؛ انهم “رجال متفوقون” على طريقتهم. الكثير منهم، وحتى اغلبهم، يجد نفسه في وضعية لا تنتج بالمرة عن هزيمتهم في الصراع الاجتماعي القاسي الذي اخرجهم عن الطريق القويم؛ كلا، انه خيار قاموا به ، بان لا يتكيفوا مع ضيق التنظيم الاجتماعي المعاصر، مع قانونه اخلاقه الخ، بان” يخرجو”ا من المجتمع…هذا ما يقوله غوركي. نترك له مسؤولية افكاره هذه: نبقى في موقعنا الخاص. باعتباره ايديولوجي طبقة اجتماعية محددة، لا يمكن لغوركي ان يفكر بغير طريقة. كل فرد، يرتبط بصلات مادية وايديولوجية لطبقة ما لا يمكن اعتباره كحثالة في عصابة معينة.عليه ان يجد معنى لوجود مجموعته. تستطيع الطبقات الاجتماعية الاساسية ان تجد بسهولة معنى كهذا، بالاستناد الى تحليل، حتى سطحي، للمجتمع المعاصر مع نمط انتاجه، حيث تكون هذه الطبقات العناصر الضرورية. هذا هو وضع البرجوازية، البروليتاريا،”اصحاب العمل الفكري”… لا ينطبق الامر عينه على المجموعة التي يشكل غوركي بالنسبة لها المرتل والمحامي. عندما يحيا خارج المجتمع، ولو على ارضه وبخيراته، يبحث عن تبرير وجوده في فكرة فوقيته على اعضاء المجتمع المنظم. يبدو ان حدود هذا المجتمع ضيقة كفاية لهؤلاء الذين منحتهم الطبيعة خصائص استثنائية، اكثر او اقل “تفوقًا”. هنا، نتكلم بنفس المعنى عن الاحتجاج ضد الاعراف في المجتمع المعاصر الذي هو تحت جناح نيتشه.

اصبح نيتشه ايديولوجي مجموعة تعيش ،ككاسر (مفرد كواسر) ،على خيرات المجتمع، ولكن في ظروف اكثر هناءً من تلك التي تعيشها البروليتاريا الرثة البائسة: نتحدث هنا عن البروليتاريا الطفيلية ذات القيمة العليا. ولكن الفرق [هنا] ليس نوعيًا بل كميًا. بشكل عام، نجد عددًا كبيرًا من تلك الشخصيات في الأدب المعاصر حيث لن يكن بمقدورنا ان نعرف مَن نتناول منها.لا يلزم ان نستخلص ممّا سبق أن النيتشوية تعني [أن يكون المرء] مغامِرًا في ماله، بورصيًّا [من بورصة] طمّاعًا… في الواقع، لقد أشاعت البرجوازية فردانيتها الى ما هو أبعد من حدود طبقتها الخاصة، بفضل الصلات العضوية لمجتمعها؛ ويمكن القول كذلك،نسبة الى العناصر الايديولوجية المتعددة لطبقة البروليتاريا الطفيلية، والتي يكون كل افرادها بعيدين عن كونهم نيتشويين واعيين: إن الاغلبية بينهم تجهل على الارجح حتى وجود نيتشه، تبعًا لكونهم يمركزون نشاطهم الفكري في مجالٍ مختلف كليًا؛ بالمقابل، كل فردٍ منهم هو نيتشوي “رغمًا عنه”.(…) يحتوي نسق نيتشه الفلسفي، وكما أشار هو بذاته أكثر من مرة، على عددٍ لابأس به من التناقضات.

وهاكم بعض الامثلة: يرفض نيتشه الأخلاق المعاصرة [له]، غير انه يرفض بالدرجة الأولى مظاهرها (الشفقة،الإحسان..ألخ)، تلك التي تضبط (بالظاهر فقط في الحقيقة) السلوك حيال مَن ” عددهم كبير جدًا”. في المقابل، وضمن علاقاتهم المتبادلة، ليس “الرجال المتفوقون” بمتحررين كليًا من الاعتراضات الاخلاقية. وعندما يتحدث نيتشه عن تلك العلاقات لا يخشى استعمال كلماتٍ كالخير والشر، وحتى الاحترام والاعتراف بالجميل.بالرغم من انه كان قد ” أعاد ثانيةً فحص كل القيم”، الا ان ثورجي الأخلاق هذا نظر بكثير من الاحترام الى تقاليد الطبقات صاحبة الامتيازات وتباهى بانحداره من سلالة الكونت نيتزكيه Nietzky، وهو أمرٌ [قرابة نيتشه لهذا الكونت]، بالمقابل، مشكوكٌ فيه الى حد كبير. هذا الفرداني الشهير يتعاطف برهافة مع النظام الفرنسي القديم حيث لم تحتل “الفردانية” الا حيّزًا ضيقًا. لطالما هيمنت الفردية على هذا الارستقراطي، ممثّل التعاطف الاجتماعي المحدد بدقة، والمبشّر بالمبدأ المجرد.وبالنظر لهذه التناقضات، ليس من المستغرب أن تنضوي عناصر اجتماعية متناقضة كليًا تحت راية النيتشوية.يستطيع مغامرٌ “تناسى أصله وفصله” أن يتجاهل بالمطلق الاحترام النيتشوي للتقاليد الارستقراطية؛ لن يأخذ من نيتشه سوى ما يتناسب مع موقعه الاجتماعي؛ وإن شعار “ليس هناك حقيقة، كل شيءٍ مباح” يتناسب مع أساليب حياته. (….) ولكن الى جانب هذه المجموعة والتي هي ككل نتاج المجتمع البرجوازي، نجد بين معجبي نيتشه ممثلي تشكيلة تاريخية مختلفة كليًا، أشخاصًا ترتقي [لديهم] الجينيلوجيا [اي جينيلوجيا الاخلاق النيتشوية-أو علم الانساب الاخلاقية] بعيدًا؛ نتحدث هنا عن هؤلاء الذين ما زالوا يتشبّثون بحطام ما وضعهم في الماضي في أعلى السلّم الاجتماعي. وكمطرودين من الدائرة الاجتماعية، لديهم اسبابهم الخاصة ليكونوا ساخطين على النظام الاجتماعي المعاصر لهم، على ميوله الديموقراطية، على قوانينه، وعلى أخلاقياته.

(…) بطبيعة الحال، لا ندّعي اننا قدمنا نقدًا متكاملاً للإبتكارات الفانتازية [الوهمية-الخيالية] لفريدريك نيتشه، الفيلسوف الشاعر والشاعر الفيلسوف؛ ان هذا مستحيل في بضعة مقالات صحفية. أردنا فقط أن نصف عبر ملامح عامة القاعدة الاجتماعية التي اثبتت قدرةً على توليد النيتشوية، لا كنسق فلسفي متضمن في عددٍ من المجلدات وبجزءٍ كبير منه مفسرٌ عبر الخصائص الفردية لواضعه، ولكن بإعتباره تيارًا اجتماعيًا يستحق انتباهًا خاصًا بمقدار ما هو تيار اجتماعي حالي. بدا لنا من الضروري جدًا ان نُرجِع النيتشوية من علوّها الأدبي والفلسفي الى أسس العلاقات الاجتماعية الارضية المحضة، وليس [فقط] كموقفٍ أيديولوجي حصرًا ومشروطٍ بردّات فعلٍ ذاتية من التعاطف او النفور تجاه اطروحات نيتشه الاخلاقية او غير الاخلاقية،[وهذا] لن يفيدنا في شيء.

(…)بالتأكيد، ليس من الصعوبة الكبيرة أن نجد في كتابات نيتشه الضخمة بعض الصفحات التي، وخارج سياقها، قد تخدم في استخلاص اية اطروحةٍ مفتَرَضةٍ مسبقًا، خصوصًا في اطار تأويلٍ إجمالي عام، والذي بوضعه بين قوسين، يصبح مفيدًا جدًا لكتابات نيتشه الغامضة أكثر منها العميقة. هذا ما قام به، على سبيل المثال، اناركيو اوروبا، الّذين سارعوا الى اعتبار نيتشه كواحدًا “منهم” والّذين عانوا استقبالاً قاسيًا من فلسفة “أخلاق الأسياد” التي صدّتهم بكل فظاظة قدرِت عليها. من الواضح، كما نأمل بالنسبة للقارىء، اننا نجد عقمًا في موقفٍ أدبيّ، نصّيٍّ كهذا حيال كتابات هذا الفكر الالماني الذي توفيّ من زمنٍ قريب، والمفعمة بالمفارقات، وحيث غالبًا ما هي متناقضةٌ الشذرات وتسمح ،بشكل عام، بعشرات التأويلات.إن المنهج الطبيعي نحو توضيحٍ صحيح للفلسفة النيتشوية هو تحليل الاسّ الاجتماعي الذي ولّد هذا المحصول المعقّد.وقد حاولت هذه الورقة تقديم تحليل من هذا النوع. ظهر الأس الاجتماعي عفِنًا،ضارًا ومسمومًا. من هنا هذه الخلاصة: لن نستجيب لدعوة الانغماس بكل ثقة في النيتشوية وتنفّس هواء الفردانية الفخورة ،بكلتا الرئتين، في اعمال نيتشه؛ ومن دون أن نخشى بساطة مقارباتٍ ضيقة الافق وعنيدة، نردّ بشكل ارتيابي كما فعل نثانائيل في الانجيل :” أمِنَ الناصرةِ يخرجُ شيء صالح.

تسعدني تعليقاتكم

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s