بذور التغيير: هيمنة الشركات على النظام الغذائي العالمي والبذور مفتوحة المصدر – إليزابيث فرازر وأنورادا ميتال

Posted: 6 أبريل 2015 in مختارات سياسية
الوسوم:, , , , ,
إليزابيث فرازر
أنورادا ميتال
المقال منشور على موقع TripleCrisis
ترجمة: ضي رحمي

سُلطة الشركات والاحتجاج الشعبي ومعركة الغذاء
على مر التاريخ، سيطر المزارعون على بذورهم: يحفظونها، أو يقومون باقتسامها فيما بينهم، أو يعيدون زراعتها بحرية تامة. لكن المستجدات التي طرأت خلال القرن العشرين قلصت هذه الاستقلالية بشكل كبير. ولقد تآكلت بشكل منهجي حقوق المزارعين في حفظ البذور لاستخدامها في المستقبل، لاسيما بعد العديد من التغييرات القانونية، بدءًا من قانون حماية الأصناف النباتية (1970) في الولايات المتحدة الأمريكية إلى اتفاق منظمة التجارة العالمية بشأن الجوانب التجارية لحقوق الملكية الفكرية (TRIPS).

وبنهاية عام 2012، أقامت شركة مونسانتو دعوى قضائية ضد 410 مزارعا، و56 مزرعة صغيرة في الولايات المتحدة بدعوى انتهاك براءات الاختراع، وجنت أكثر من 23 مليون دولار في التسويات. وفي هذه المقال، نصف أهم العوامل التي أدت لسيطرة الشركات على النظام الغذائي. ومع ذلك، ليست كل التفاصيل سوداوية وكئيبة. فعلى سبيل المثال، تستخدم منظمات المجتمع المدني كل الوسائل المتاحة من الاحتجاج الشعبي، إلى قوانين الترخيص مفتوح المصدر لوضع حد ونهاية لعملية احتكار وخصخصة البذور.

احتكار سوق البذور والكيماويات الزراعية
في عام 2011، كان يسيطر على ما يقرب من 58% من سوق البذور التجارية أربع شركات فقط، وهي: مونسانتو، ودوبونت بايونير، وسينجينتا، وفيلمورين (مجموعة ليماجرين). بينما سيطرت كل من شركات سينجينتا، وباير كروبساينس، وباسف، وباو اجروساينس على حوالي 62% من الكيماويات الزراعية في العالم.

وتتحكم أكبر ست شركات في ما يقرب من 75% من الأبحاث الخاصة باستنباط سلالات زراعية جديدة، وفي حوالي 60% من تجارة البذور، بالإضافة إلى 67% من سوق الكيماويات الزراعية العالمي. وجاءت هذه السلطة القوية المتماسكة كنتاج لسلسة كبيرة من عمليات دمج وشراء الشركات، بقيادة الشبكة الكندية للتنوع البيولوجي (مجموعة ETC) ومقرها كندا، تلك العمليات التي كانت تهدف بالأساس لترسيخ فكرة أنه “لم يعد هناك الكثير من شركات البذور”.

لعب البنك الدولي، أيضًا، دورًا في تدعيم وإحكام تلك السلطة. ففي عام 2014، كشف تقرير صادر عن معهد أوكلاند حول جهود البنك الدولي لفتح الأسواق الأفريقية أمام شركات البذور الخاصة (كاتبا هذا الموضوع كانا يعملان في معهد أوكلاند).  جاء التقرير تحت عنوان “البنك الدولي والصفقات القذرة للبذور والأسمدة في أفريقيا” ليرسم صورة صارخة وفاضحة للعواقب المحتملة جرّاء هذه الصفقات: إن انتزاع حق المزارعين في حفظ البذور، وتطبيق دعاوى الملكية الفكرية أمور لا تعمل على تحسين الأمن الغذائي، وإنما تقوض استقلالية المزارعين، وتضيف المزيد من الأرباح لشركات البذور الاحتكارية.

البذور المعدّلة وراثيًا والأرباح المُفترضة
هناك حُجتان كثيرًا ما يساقا للتأكيد على الحاجة إلى البذور المعدّلة وراثيًا؛ الأولى هي توفير الغذاء الكافي لإطعام البشرية كثيفة العدد، والثانية أن البذور الجديدة ستحد من استخدام المبيدات بشكل عام. والحقيقة أن هاتان الحجتان، الصادراتان بالأساس عن طواغيت الصناعة، ثبت عدم صحتهما. فعلى الصعيد العالمي، نحن ننتج الآن ما يكفي ويفيض عن حاجة السكان. لكن، هذا الانتاج لا يوزّع على نحو عادل، ولذلك لا تزال تصعقنا حقيقة أن هناك ما يقرب من 805 مليون شخص يعانون سوء التغذية في جميع أرجاء العالم.

وبما أن الشبكة الكندية للتنوع البيولوجي تذكرنا في تقريرها المعنون بـ “هل تطعم المحاصيل المعدّلة وراثيًا العالم؟” فبدورنا نذكرها بأن: الجوع، عادة، ليس نتيجة لنقص في إنتاج الغذاء، وإنما هو نتيجة للفقر. وهذا يسلط الضوء على الحاجة الشديدة لمعالجة قضايا التفاوت، والتوزيع، والحصول على الغذاء. وتبقى الحجج القائلة بأن المحاصيل المعدّلة وراثيًا يمكن أن تقلل من استخدام الكيماويات الزراعية لا أساس لها من الصحة، خاصة مع ظهور النباتات المقاومة للمبيدات التي تتطلب استخدام المزيد والمزيد من الخلطات الكيماوية للحفاظ على إنتاجية المحاصيل المعدلة وراثيًا.

 أشار تقرير صادر عن منظمة مراقبة الماء والغذاء بعنوان “كيف تعزز المحاصيل المعدلة وراثيًا صناعة المبيدات”، إلى أن المبيدات المستخدمة في زراعة المحاصيل المعدّلة وراثيًا في الولايات المتحدة الأمريكية انخفضت بشكل ملحوظ في بداية عقد التسعينات، لكن، بمجرد أن تطورت مقاومة المحاصيل المعدلة وراثيًا لمبيد الجليفوسات، ازدادت معدلات استخدام المبيدات على اختلافها بشكل كبير، مما أدى إلى ارتفاع صافي استخدام المبيدات بمرور الوقت.

الشركات الزراعية الكبرى تنفق الملايين لمنع الملصقات التعريفية
خلال السنوات القليلة الماضية، عملت الشركات الزراعية الكبرى على إفشال العديد من الاقتراعات التي نظمتها الولايات المتحدة بهدف تقنين وضع ملصقات تعريفية على الأغذية المعدّلة وراثيًا. وتكفلت شركة مونسانتو وحدها بما يقرب من 8 مليون دولار أمريكي من بين 46 مليون دولار؛ انفقت في ولاية كاليفورنيا من أجل التصدي للحملة المطالبة بوضع الملصقات التعريفية على الأغذية المعدلة وراثيًا.

ولقيت الاقتراعات التي أجريت في كل من واشنطن (2012)، وكولورادو (2014)، وأوريجون (2014) مصائر مماثلة، حيث تجاوز إنفاق الشركات الزراعية الكبرى ميزانية الحملات المؤيدة لوضع الملصقات التعريفية بهامش كبير. وفي ولاية فيرمونت، تمت الموافقة على تشريع يفرض وضع الملصقات على الأغذية المعدّلة وراثيًا في منتصف عام 2014، ومن المقرر أن يدخل حيز التنفيذ في وقت مبكر من عام 2016.

إلا أن رابطة مصنعي البقالة (بدعم من الشركات الكبرى مثل مونسانتو، وكوكاكولا، وستاربكس) تقاضي الدولة، بزعم أن هذا القانون من شأنه أن ينتهك الدستور الأمريكي بعدة طرق. وهذا يوضح أكثر السلطة التي تمارسها الشركات الزراعية الكبرى، حتى في مواجهة المستهلكين والضغوط التشريعية.

النشطاء يطورون اختيارات جديدة لبذور “مفتوحة المصدر”
في تطور إيجابي اُطلقت، في أبريل 2014، مبادرة البذور مفتوحة المصدر (OSSI)، وهي مجموعة “تكرس جهودها للتوصل للحصول العادل المفتوح على الموارد الوراثية النباتية في جميع أنحاء العالم”. كتب جاك كلوبينبرج، وهو عضو مجلس إدارة في المجموعة، بشكل مكثف حول التعديل المحتمل لترخيص المصدر المفتوح (المستخدم على نطاق واسع في مجال تطوير البرمجيات، مما ادى لتطوير برنامج لينكس، نظام التشغيل الرائج) في مجال تجارة البذور والمواد النباتية الأخرى.

ويدعو كلوبينبرج إلى نوع جديد من الترخيص الزراعي، ذلك الذي يجعل المواد الزراعية أ) متاحة ومتوفرة على نطاق واسع. ب) قابلة للتعديل من أي جهة. ج) توزيعها يتم وفقًا للترخيص الأصلي بعد تطويره. وهذه المبادئ تعكس تلك التي طورتها حركة التكنولوجيا مفتوحة المصدر، ومن المتوقع أن هذه التراخيص ستؤدي لخلق وضع من “المشاعات المحمية” والتي ستمنع تسجيل براءات الاختراع لهذه المواد في المستقبل. وفي حين أن المجموعة بعيدة كل البعد عن مواجهة والصدام مع الشركات الزراعية الكبرى، إلا أن مثل تلك المبادرات تعد بداية لتوفير وسيلة قانونية لتحرير المواد الجينية النباتية من سيطرة الشركات الزراعية الكبرى.

المقاومة تزداد
اكتسبت حملات التعبئة والحشد ضد استخدام المحاصيل المعدّلة وراثيًا المزيد من الزخم في السنوات الأخيرة. وتشير التقديرات إلى أنه في عام 2013، شارك أكثر من مليون مواطن، عبر قارات العالم الست، في “مسيرة ضد شركة مونسانتو”، بمشاركة اثنتين وخمسون دولة، وثمان وأربعين ولاية أمريكية. وبعد فترة طويلة من الاحتجاجات، أحرز النشطاء المناهضين للتعديل الوراثي نصرًا في عام 2014، عندما سحبت الحكومة التشيلية مشروع قانون من شأنه السماح للشركات الزراعية الكبرى، مثل مونسانتو، بتسجيل براءة اختراع البذور في البلاد. ومع تراجع الطلب على البذور المعدّلة وراثيًا في أمريكا الجنوبية، هبطت أرباح مونسانتو بنسبة 34% وفقًا للتقرير الفصلي الأخير للشركة. لكن لا يبدو واضحًا السبب وراء تراجع الطلب وهل جاء نتيجة للمقاومة العالمية، أو لانخفاض سعر الذرة، أو لكليهما معًا.

 كذلك، فرضت المكسيك حظرًا على الذرة المعدّلة وراثيًا عام 2013، بعد أيام من اندلاع احتجاجات عالمية ضد شركة مونسانتو وصناعة الأغذية المعدّلة وراثيًا بشكل عام. وهذا جعل من المكسيك ركيزة هامة في المعركة العالمية ضد الشركات العملاقة التي تصنّع الأغذية والمواد المعدًلة وراثيًا والمتسببة في التلوث الجيني. وفي العام الماضي، ألغى قاضٍ مكسيكي التصريح الممنوح لشركة مونسانتو والذي كان يسمح لها بزراعة أكثر من 253 ألف هكتار من الأراضي في سبع ولايات. وجاء هذا الحكم على إثر شكاوى قدمها مربو النحل في ولاية يوكاتان، تفيد بأن عزم شركة مونسانتو على زراعة فول الصويا المعدّل وراثيًا، من شأنه القضاء على النحل وبالتالي هدم صناعة العسل.

ولقد حافظت الصين على موقف قوي ضد المنتجات المعدّلة وراثيًا، مما أدى إلى رفع دعاوى قضائية ضد شركات البذور مثل شركة سينجينتا، التي عرضت على المزارعين مجموعة متنوعة من البذور المعدّلة وراثيًا قبل أن تتم الموافقة عليها في البلاد. ورغم أن الصين بدأت مؤخرًا في الموافقة على المزيد من البذور والمحاصيل المعدلة وراثيًا، إلا أنه من المرجح أن يمرر قانون الملصقات التعريفية الإلزامية ويبدأ العمل به.

علام تدل تلك التطورات؟
من ناحية، لا تزال الشركات الزراعية العملاقة تهيمن على نظامنا الغذائي العالمي، وتستخدم تلك الشركات سلطتها وقوتها لإبطال وإلغاء العمل بالتشريعات والقوانين التي تهدف لحماية مصالح المستهلكين والمزارعين، مع الفوائد والمزايا القليلة الملموسة لمنتجاتهم المعدلة وراثياً.

وفي ذات الوقت، تزداد المقاومة وتتعمق رغم السلطة التي تمارسها الشركات الكبرى. وفي كثير من الحالات، تواجه الشركات هذه المقاومة بخرقٍ صارخ القوانين. ولكن، تحققت بعض الانتصارات في بلدان مثل شيلي والمكسيك، وهناك أمل في ظهور بدائل جديدة واعدة مثل مبادرة المصدر المفتوح، كما أن محاولات خلق طرق جديدة لحماية المواد النباتية تمضي قدمًا.

كما أن تزايد الوعي والحشد الشعبي ضد خصخصة الغذاء لا يمكن إنكارهما. كذلك حققت الحركات المطالبة بوضع معايير للتعديل الوراثي، والتجارة العادلة، وإنشاء أسواق للمزارعين، ولجنة دعم الزراعة مكاسب ضخمة على مدى السنوات العشر الماضية. وعلينا، خلال العشر سنوات القادمة، أن نستثمر هذه النجاحات ونبني عليها لاستعادة سيادة البذور، وأن نقاوم سيطرة الشركات الكبرى على أراضينا ونظامنا الغذائي، وأن نزيد من المشاركة الشعبية وندعو لصحة كوكبنا وغذائنا.

 

Advertisements

تسعدني تعليقاتكم

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s