فادي إسكندر.. فنان رفضه السوق فحلّق مبدعًا (1-7) على هامش التهميش

Posted: 13 مايو 2015 in كتابات أدبية وفنية, أغاني وموسيقى
الوسوم:, , , , ,

في تاريخ الأغنية المصرية خصوصا والأغنية العربية عموما، وفيما اعتقد العالمية أيضا، ظهر عدد من الفنانين المبدعين عن حق، ولكن لم يستمروا لأسباب مختلفة، منهم من قام بعض الموجودين على الساحة الفنية بإقصائهم عبر نفوذهم ونجوميتهم كنوع من الغيرة وحب التفرد والاستحواذ على مساحة أكبر في السوق الفني، ومنهم من لم يقبل الخضوع لآليات السوق ومن ثم رفض دفع ثمن النجومية بالتنازل عن بعض من قناعاته الفنية؛ فتم تهميشه كخطوة على طريق إخراجه من ساحة المنافسة، وصولا للخطوة الأخيرة بإبعاده تماما وإلقائه في منطقة طي النسيان.

التهميش الفني

فادي إسكندر الملحن والمغني السكندري واحدا من أهم هؤلاء المنسيين الذين لعبت ضدهم كل الظروف لطمس أي وجود لهم، ولكنهم ما زالوا عالقين بذاكرة محبيهم ومقدري فنهم، على الرغم من إنتاجهم الفني القليل ولكن عظيم الشأن، والذي لا يلتفت إليه الكثير من سامعي الأغاني والموسيقى بسبب عدم تسليط الأضواء عليهم تعمدا، نظرا لاختلافهم الشديد والواضح عن سياق متطلبات السوق بوصف الفن الغنائي سلعة تخضع لآلياته في المقام الأول، وتأتي قيمته الفنية في مقام تالي.

وبالتالي لن تقو ذاكرة معاصريه على تذكره خصوصا أنه لا تذاع أيا من أغنياته في الراديو أو التلفزيون، علاوة على عدم وجود تسجيلات جيدة على مواقع وشبكات الأغاني على الإنترنت حتى فترة قريبة جدا. فلم يظهر فادي على الشاشة الفضية سوى مرة واحدة غنى فيها في إحدى احتفالاته برأس السنة (في نهاية الثمانينيات على ما أتذكر) حيث قام في البداية بتوجيه الشكر للتلفزيون على ظهوره لأول مرة بشخصه والتي كانت -للأسف- الأخيرة أيضا. ظهر فادي مرة ثانية وأخيرة في التلفزيون ولكن بصوته فقط من خلال أحد إعلانات التوعية البيئية والصحية والتي كانت تحمل عنوان “لحظة من فضلك” والتي استخدم فيها مدخل أغنيته “عطشان يا صبايا” كمادة عن ضرورة الحفاظ على مياه النيل.

ولكن إذا كان فادي يتمتع بموهبة فنية في الغناء والتلحين والتوزيع أيضا، فلماذا لم يلق أي استحسان من الوسط الفني أو أي نوع من الدعم؟ الإجابة تكمن في نظام الكومبينات الذي يحكم سوق الفن، والنظرة الدونية والعنصرية للأقاليم وما تفرزه من موهوبين، ليس هذا في الفن الغنائي فقط بل في الكتابة والنشر، حتى في الرياضة، أيضا بالنسبة لفرق ومبدعي الفن المستقل عن سوق الإنتاج سواء في الغناء أو الأعمال الدرامية السينمائية والمسرحية. فعلى سبيل المثال وليس الحصر ظهر في تاريخ الأغنية المصرية فنانون موهوبون ككمال حسني وعادل مأمون وسعد عبد الوهاب، ولم يلقوا أي دعم بسبب دور خفي لعبد عبد الحليم حافظ في الحالة الأولى، ومحمد عبد الوهاب في الحالتين الثانية والثالثة. أيضا ظهر فنانون بالجملة ينتمون لما يمكن أن نطلق عليه الفن النوبي ولم يستطع أيا منهم العبور من بوابة النجومية والشهرة بسبب التهميش المتعمد لهذا النوع من الفن وبالتالي مبدعيه علاوة على العنصرية تجاه سكان النوبة، ولم ينجو من ذلك فنانون بقامة بحر أبو جريشة وخضر العطار والموسيقار الكبير حمزة علاء الدين الذي اضطر للهجرة كمنفى اختياري، ليعلو نجمه في الولايات المتحدة واليابان في حين أن بلاده لعبت دورا في طمس هويته وآثاره الفنية.

لقي فادي في بداية مشواره الفني دعما محدودا من الموسيقار الراحل فريد الأطرش، والذي سهل له السفر إلى لبنان عام 1967، ولكن وفاة الأطرش قبل عودة فادي بعام واحد، ربما لعبت دورا في بدايته من منطقة كانت أقرب إلى الصفر، ولولا دعم الموسيقار فتحي جنيد ما اعتمد فادي في الإذاعة في منتصف السبعينيات والتي شهدت بداية أفول مرحلة فنية برحيل عمالقة الفن القدامى (فريد الأطرش 26 ديسمبر 1974، أم كلثوم 3 فبراير 1975، عبد الحليم حافظ 30 مارس 1977) واعتزال محمد عبد الوهاب الغناء لفترة طويلة قبل أن يعود بأغنية ضعيفة قبيل وفاته في 4 مايو 1991 بفترة وجيزة وهي “من غير ليه”.

وبالرغم من استمرار أسماء ذات وزن كبير في عالم الغناء مثل (شادية، صباح، وردة، محمد رشدي، محمد قنديل، نجاة الصغيرة) إلا أن شيئا جديدا بدأ يلوح في الأفق وهو ظهور جيل جديد، كان فادي ومحمد نوح أكبرهم سنا، يضم أسماءً مثل (محمد منير، علي الحجار، عمر فتحي) وباستثناء الأخير فقد قدم الأول والثاني لونا فنيا جديدا من حيث الشكل والمضمون مختلفا عن اللون التقليدي الذي هيمن على سوق الغناء في الثلث الثاني من القرن العشرين كامتداد بدرجة أو بأخرى لما كان يقدم في ثلث القرن الأول مع تطور في استخدام الكلمة واللحن، لو استثنينا تجربة فنان الشعب الشيخ سيد درويش الفارقة، والتي لعبت دورا في تطور الموسيقى والألحان في الثلث الثاني وظهور هامات مثل (رياض السنباطي، زكريا أحمد، محمد القصبجي، محمد عبد الوهاب، الأخوين رحباني، فريد الأطرش، محمد فوزي، منير مراد، محمود الشريف، محمد الموجي، كمال الطويل، بليغ حمدي، رؤوف ذهني) رغم التراجع عنها على مستوى اختيار الكلمات ومضمونها.

النجومية وقوانين السوق

لماذا إذن عبر نوح ومنير والحجار إلى النجومية ولم ينجح فادي في مبارحة موقعه في سوق الفن؟ في الحقيقة تمت محاولة تهميش منير والحجار في بداية مشوارهما الفني، وذلك بتجاهلهما في جهازي الإذاعة الرسميين (المرئي والمسموع) للدولة وقتذاك وذلك قبل ظهور الفضائيات بوقت طويل، مما اضطرهما في بداية حياتهما للغناء في كازينوهات شارع الأهرام، ولم يكن نوح أيضا أوفر حظا منهما، ولكن ثقل أوزان شعراء كعبد الرحيم منصور، ومجدي نجيب، وسيد حجاب، وإبراهيم رضوان، وملحنين كبليغ حمدي وهاني شنودة وأحمد منيب ومحمد الشيخ وعمار الشريعي لعبوا بالتأكيد أدوارا مهمة في الدفع بصوتي منير والحجار الجديدين والمتميزين، أيضا دأب نوح على شغل مساحة في عالم الفن وقدراته الموسيقية العالية، بغض النظر عن بعض اختياراته ومواقفه.. لعبت هذه الأسباب مجتمعة دورا في الدفع بهذا اللون الجديد الذي بدأ في إثبات نفسه وإزاحته للون القديم ببطء، خصوصا في ظل اختفاء عمالقة كعبد الوهاب وأم كلثوم وعبد الحليم عن الساحة، دون الإجهاز عليه تماما لظهور أتباع جدد ساعدتهم الأجهزة الرسمية أمثال هاني شاكر وعماد عبد الحليم. وفي المقابل لم يكن بيرم التونسي المضطهد حيا وميتا بالوزن الذي يمكن لأشعاره أن تنفذ للسوق من خلال ألحان وصوت فادي، خصوصا أن بيرم قد توفي مبكرا ولم يشهد اختيارات فادي الصعبة لأزجال من أعماله كانت الأكثر قوة ونقدا للنظام الاجتماعي الذي أفرز سلوكيات في معظمها تعبر عن تفسخه. أيضا كون فادي مطرب وملحن شاب ومن الأقاليم حيث لم يبرح محافظة الإسكندرية ليغوص في متاهات العاصمة كالآخرين، كانا سببين كافيين لتهميشه بأغنياته وألحانه التي وزعها موزع شاب وقتها ليس في وزن هاني شنودة ويحيى خليل ومودي وحسين أبناء المخرج الراحل حسن الإمام.

صحيح أن الأجواء في نهاية عقد السبعينيات وعقد الثمانينيات كله تحديدا، شهدت بزوغ جيل مختلف ليس في الفن الغنائي فقط ولكن في السينما أيضا والمسرح، فقد ظهر في السينما مخرجون أمثال علي بدرخان ومحمد خان ورأفت الميهي وخيري بشارة وعاطف الطيب ومن بعدهم رضوان الكاشف وداوود عبد السيد ويسري نصر الله، الذين قرروا خوض معركتهم ضد سوق أفلام المقاولات التي تنضح بموضوعات عن الجنس والمخدرات (نادية الجندي، مديحة كامل، نبيلة عبيد) لا تقل تفاهة في تناول موضوعاتها عن الأفلام الكوميدية التافهة التي سيطرت على السوق وكان نجومها بالكوم (سمير غانم، محمد عوض، محمد صبحي، صفاء أبو السعود، عادل إمام.. الخ). ولكن هذا البزوغ لفجر الفن الحديث المرتبط بهموم وقضايا ومشكلات الواقع وبالذات عوالمه السفلية لم يحقق نجاحات جماهيرية تذكر باستثناء عاطف الطيب صاحب الأفلام الجماهيرية الهادفة، إلا عبر الجوائز التي حصلت عليها تلك الأفلام في المهرجانات العالمية، هذا غير محاولات التضييق عليها وبالذات في دور العرض التجارية كمحاولة لإفشال تلك التجربة وهدمها بوصفها مرآة تعكس قبح وأزمة الواقع الذي نعيشه. هكذا أيضا في المسرح ظل مخرجون أمثال (مراد منير، بهائي الميرغني، سلامة حسن.. الخ، وبدرجات مختلفة محمد صبحي من خلال نصوص كتبها بحرفية وقوة لينين الرملي) يحاولون الدفع بمسرح هادف عينه على مشكلات الجمهور الفقير وأحلامه في واقع أفضل في وقت هيمنت بشدة معايير مسرح الكباريه على المنتج الفني وقتها.

هذا الوضع هو ما أفرز تجربة فادي الغنائية، التي أعادت الفقراء وأصحاب الحق في الحياة ونظافة الذوق في الفن والعادات والسلوكيات إلى مقدمة المشهد بعد أن ظلت الأغنية لزمن طويل يدور موضوعها الأساسي في العلاقات العاطفية وقليلها في الأغنيات ذات المناسبات الدينية أو الوطنية، دون الاهتمام بالإنسان بوصفه مجموعة من المشاعر والأفكار والوجدانيات والقيم، العواطف جزء منها لا تزيد عن باقي الاحتياجات الأخرى، وهو ما عبر عنه على الحجار ومحمد منير وخضر العطار وبحر أبو جريشة ومحمد نوح في تجاربهم رغم تنوعها وفروقها النسبية.

أسباب التراجع

بالفعل كانت فترة ما بعد هزيمة 5 يونيه 1967 وسقوط وهم التنمية المستقلة والاستقلال الوطني ضربة قاصمة للمثقفين والكتاب والفنانين الذي تحلقوا حول تجربة عبد الناصر القومية، فلا البلد تقدمت للأمام ولا انتصرنا على العدو المرابض على حدودنا باحتلال أراضي الأشقاء الفلسطينيين، بل تم احتلال جزء ليس بصغير من أراضينا وابتلاع باقي فلسطين. هذا الوضع بدلا من أن يدفع في اتجاه إعادة تقييم التجربة والإصرار على تصحيح أخطائها والمضي قدما على طريق الحرية والاستقلال، أسفر عن إحباط كبير وتراجع مذهل في نوعية الفنون والكتابات المقدمة تماما كتراجع العمل السياسي باستثناءات قليلة غير مؤثرة، حتى سيطرت قيم النظام السياسي الجديد على يد السادات والمنتفعين والسماسرة الجدد من خلال سياسات الانفتاح الاقتصادي والسلام مع العدو بعد حرب ليست بانتصار وليست بهزيمة بالمعنى العسكري، ولكنها لعبت دورا في تكريس الهزيمة والتفسخ والتردي على مستويات عديدة ومنها الفن والثقافة، فانهارت الفنون وأصبح السائد هو المدعوم من الدولة وأباطرة الإنتاج الجدد متمثلين في شركات للإنتاج الفني برأسمال كبير التهم السوق كله وسيطر بشكل مرعب على المنتوج الفني وقتها.

في هذه السياقات كان ظهور نوع مختلف من الفن أو إعادة العزف على نوع كان له جمهوره ومؤيديه قبل ذلك بمثابة سباحة عكس التيار، خصوصا أن هذا الفن لم يكن مرتبطا بحركة الناس على الأرض، أي لم يكن ذو طابع ثوري بل تقدميا في أفضل أحواله -باستثناءات قليلة كتجربة الشيخ إمام الفنية ضد السلطة بكل استبدادها وظلمها وقهرها ومهادنتها للعدو وتبعيتها للإمبريالية- والتي أسفرت في السبعينيات عن انتفاضة شعبية ضد الاستغلال والفساد وغلاء الأسعار في 18 و19 يناير 1977، وبعدها في الثمانينيات في موجات إضرابات عمالية كبيرة هزت مصر من عام 1984 حتى 1989، وفي حركة واسعة مطالبة بالديمقراطية والحقوق الاقتصادية والاجتماعية ومعاداة الإمبريالية والصهيونية هيمنت بشكل كبير على الساحة السياسية في الألفية الجديدة حتى تمكنت من إسقاط نظام مبارك في 25 يناير 2011 من خلال ثورة شعبية شاركت فيها الجماهير بالملايين.

الارتباط بالناس وإبداع الطرق للوصول إليهم ومواجهة قوانين السوق واستبداد السلطة وطغمة رأس المال وهيمنة الإسفاف، معركة بالتأكيد ليست هينة، وبالرغم من اعتبار البعض في تجاربهم فنانين تقدميين وفي حالات قليلة ثوريين، إلا أن هذه المواجهة والعمل بدأب على حفر مجرى مختلف للفن الملتزم بقضايا وهموم ومطالب الناس مسألة في تقديري تحتاج إلى عمل مؤسسي أكثر منه تجارب فردية حتى لو كانت مخلصة وأمينة مع نفسها. هذا السبب هو ما ضيق الخناقي على تجارب بعينها وما دفع بعضها إلى الهاوية أو في أفضل الحالات عدم الاستمرار والقدرة على الصمود في وجه طوفان تغييب الوعي وتسطيح الفن.

هذا التقدير ليس بمثابة التماسا للعذر لحالات التراجع التي شاهدناها من فنانين كنا نراهن على جودة وجدية ما يقدمونه من فنون، ولكن محاولة لفهم أعمق لطبيعة الواقع ومجرياته والاستفادة من هذه التراجعات في طرح فن يلعب دورا في الرقي بوجدان ومشاعر ووعي البشر، وتكريس أفكار لتثويره ليس بمعنى أن يلعب الفن دورا سياسيا فجا يدفع به بعيدا عن جمالياته وألياته المستخدمة المستقلة، ولكن في تربية وخلق ذوق مختلف مهموم بأن يكون الفن انعكاسا تفاعليا مه هموم ومشكلات وأحلام الواقع في التغيير.

تسعدني تعليقاتكم

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s