فادي إسكندر.. فنان رفضه السوق فحلّق مبدعًا (2-7) تجربة قصيرة ولكن عظيمة

Posted: 14 مايو 2015 in كتابات أدبية وفنية, أغاني وموسيقى
الوسوم:, , , ,

ولد فادي (1940-2013) لأسرة من الطبقة الوسطى تقطن فيلا شيدت بحي رشدي الراقي بمحافظة الإسكندرية، والتي كانت سببا لعثراته الفنية في البداية بسبب التقاليد الموروثة عن طبيعة مهنة الفن في تلك الأوساط ورفض الأسرة لأن يكون ابنهم مطربا يجوب الكازينوهات وسوق الكاسيت. ولكنه خلافا لرغبة الأسرة استطاع أن يضع قدميه في ساحة الغناء وبعد ذلك التلحين، أتيا في هذه الفترة على كتابات بيرم التونسي التي صدرت وقتها أعماله الكاملة في أجزاء، حيث قرأها بنهم وهضمها تماما ليستخرج منها أغنياته الرائعة.

مشواره الفني

بدأ فادي كمغني في ريعان شبابه في ستينيات القرن العشرين أثناء دراسته الجامعية بكلية الزراعة بجامعة الإسكندرية عندما بدأ في أداء الأغاني الغربية في عدد من الكازينوهات والفنادق بمحافظته. واتجه للتلحين أثناء رحلته للبنان التي قضى بها الفترة ما بين (1967-1975) عندما تبنى صوته الفنان والموسيقار فريد الأطرش وساعده في السفر لبيروت ليغني هناك، حتى عودته إلى مصر بعد بدء الحرب الأهلية في لبنان واستحالة الاستمرار هناك، ومعه مجموعة من الألحان لأغنيات ذات طابع وطني لبناني تعبر عن بشاعة الحرب الطائفية ودور الاحتلال الصهيوني فيها، علاوة على ثروة كبيرة ورثها عن عمته المليونيرة التي كانت مقيمة هناك وتوفت بعد وصوله بقليل.

وعند عودته إلى مصر تم اعتماده كمطرب من الفئة الأولى بالإذاعة وذلك بمعاونة الموسيقار فتحي جنيد، الذي عرفه أيضا بالموزع وعازف الجيتار الشاب محمد عماد الشاطر والذي كان يصغره بعشر سنوات (1)، في الوقت الذي كان يجهز فيه لإصدار ألبومه الأول غير المعنون مصحوبا غنائه بعزف للجيتار فقط. حتى اقترح عليه الشاطر بعد إصداره للألبوم ضرورة إعادة إصداره مرة أخرى ولكن بتوزيع موسيقي تلعب فيه الآلات المختلفة أدوارا مهمة، خصوصا أن الألحان معظمها شرقية ولأغنيات كانت في غالبيتها من نظم الشاعر الكبير بيرم التونسي. وبالفعل تم إصدار الألبوم مرة أخرى في عام 1984 مصحوبا بعزف لآلات شرقية مع استخدام آلات غربية كالأورج والجيتار والدرامز والاكتفاء بتوزيع أغنية “المطرب” على الجيتار فقط.

وفي نهاية الثمانيينات أصدر فادي ألبومه الثاني بعنوان “مش غريبة” والذي يحمل اسم الأغنية الوحيدة التي لم يقم هو بتلحينها. ومستخدما أغنيات من نظم شعراء مختلفين بالإضافة للجوءه لشاعره المفضل بيرم التونسي. وهو الألبوم الذي شاركته الغناء فيه المطربة مريم، الكونتيسة الهولندية كريستينا والتي أتت إلى مصر ليتعرف عليها فادي ويدخلها منطقة الفن، التي أكملتها بالانضمام لفرقة الـ4M بقيادة الفنان عزت أبو عوف بعد انسحاب واحدة منهن.

توزع إنتاجه الفني إذن على ألبومين اثنين فقط، الأول بلا عنوان حيث اكتفت شركة “سونار” منتجة الألبوم بوضع اسمه الأول فقط على غلاف الألبوم مثلما فعلت مع محمد منير في ألبومه الأول المعروف مجازا باسم “علموني” ويضم أغنيات (عطشان يا صبايا، هتجن يا ريت، يا ناس يا هوه، يا اهل المغنى، المطرب، قضي الأمر، ارخي الجدايل) والثاني بعنوان “مش غريبة” ويضم أغنيات (ابن البلد، بلادي، ستمرين، مش غريبة، الفول، ليلة الحنة، فلوس الست) علاوة على أغنية واحدة منفردة (صعبانة عليا يا مزيكا) لم يتم تضمينها في ألبوم لتوقف فادي عن استخدام آليات وقوانين السوق لنشر أغنياته لفترة طويلة انتهت بوفاته بعد صدور ألبومه الثاني بحوالي ربع قرن.

لم يصدر فادي أي ألبومات أخرى وظل ألبومه الثالث بعنوان “سلطان” حبيس التسجيلات حتى وافته المنية في مارس 2013 قبل أن يرى النور متوجسا من إصداره خصوصا أنه لم يحتو على أي أغنية لبيرم التونسي، وذلك على الرغم من تشييده لاستوديو للتسجيلات في نهاية التسعينيات لتكون أمامه الفرصة سانحة ولأصدقائه من الفنانين والفرق الجديدة لعمل أغنياتهم بعيدا عن ضغوط السوق الفني وحساباته المادية، أو على حسب قوله لصديقه الموزع محمد عماد الشاطر “إحنا دايما بنعمل الجديد، انت قلقان من إيه.. هنعمل الاستوديو عشان نشتغل براحتنا”.

فنان من طراز مختلف

لا ينتمي فادي لمنطقة المغنيين ذوي الأصوات الناعمة أو الرقيقة التي تنضح بالعواطف وتصلح للأغاني الرومانسية التقليدية، فهو صاحب صوت قوي، مساحته عريضة ويتمتع بالرصانة والتماسك والحدة، كمعظم الملحنين الكبار الذين لم يكن الغناء طريقهم أو مدخلهم للفن، مثل زكريا أحمد، محمد الكحلاوي، الشيخ إمام عيسى، سيد مكاوي، عمار الشريعي، أحمد منيب، محمد نوح، أحمد الحجار، وبالطبع المطرب الجميل محمد عبد المطلب، على اختلاف خامات أصواتهم، أو كما يقول الشاطر عنه أنه “وحشا يملك صوتا قويا وشخصية فنية فذة متفردة تغذي من حولها دوما بالأفكار الجديدة، وكان يريد أن يصنع خطا فنيا وموسيقيا مختلفا عن السائد في السوق والساحة الفنية”. ولكن تجربة فادي القصيرة في الفن وضعته في منطقة واحدة وهي الملحن-المغني. ففي حدود علمي لم يلحن فادي لأيا من الموجودين على الساحة باستثناء أغنية “ارخي الجدايل” والتي غناها مغني شاب في التسعينيات، واعتقد أنه لم يستمر، اسمه محسن منير، والتي كان فادي ضمنها في ألبومه الأول في أوائل الثمانينيات.

اختار فادي أغنيات جميلة وبعضها صعب التلحين لشعراء كبار كشاعر الشعب بيرم التونسي، والشاعر العامي فؤاد قاعود، وشاعر الفصحى كامل الشناوي، وقدم من خلال هذه الكتابات ألحانا قوية ومعبرة ومتميزة، وبالرغم من أن إنتاجه لم يتخط الـ15 أغنية فقط، إلا أن ثلاثة منهم كانوا باللغة العربية الفصيحة (بلادي، ستمرين، انتهينا) بالإضافة إلى واحدة كتبت على طريقة الشعر الحلمنتيشي أو الساخر وتعمل اسم “الفول”. واستحوذ بيرم التونسي على نصيب الأسد من إنتاج فادي الغنائي، فقد غنى ملحنا المبدع لشاعرنا الكبير 8 أغنيات.

وعلى الرغم من أن فادي لم يدرس الموسيقى بالمعنى الأكاديمي للكلمة، ولم يسبق له العزف على أي آلة موسيقية، لكنه أبدع كملحن مكونا ثقافته الموسيقية والفنية عبر الاستماع الجيد والتجريب الذي وصل إلى حد الاحتراف في وقت كانت هناك أسماءً مهمة كإبراهيم رجب وعبد العظيم عويضة وهاني شنودة وأحمد الحجار وأحمد منيب ومحمد الشيخ ومحمد نوح وحمدي رؤوف. فألحان فادي من البساطة والعمق الفني الذي جعلها متفردة رغم عددها القليل وقصر عمر تجربته فنيا، أيضا في تقديري ظهرت موهبته كموزع في تجربته مع أغنيتي (عطشان يا صبايا، وقضي الأمر) وهما من أفضل ما غنى ولحن.

أيضا التوزيعات الموسيقية التي نفذها محمد عماد الشاطر وفادي نفسه وكامل الشريف وشرف فرنسيس لعبت دورا هاما جدا في طرح نوع من الموسيقى وقتها مختلفا بعض الشيء عن الإمعان في لغة الجاز التي برع فيها يحيى خليل وقتها وبدرجة أقل هاني شنودة، فاستخدام مزيج من الآلات الشرقية والغربية أعطى لألحان فادي نكهة مختلفة، مثلا الاعتماد على الطبلة والكوله/الناي/الفلوت والقانون بجانب الجيتار والدرامز والأوكرديون والأورج، خلق حالة من التناغم يصعب صنعها إلا بحرفية وذكاء القادر على فهم طبيعة اللحن ونوع ومضمون الكلمة الملحنة وإمكانيات صوت فادي ذات الأبعاد المتعددة.

حرص فادي أيضا على إشراك المجموعة في الغناء في عدد من الأغاني وترك مساحة كاملة لمطربة مطموسة مثله صاحبة صوت جميل ومتميز وهي المطربة مريم في أغنية “ليلة الحنة” ليقوم هو بالرد عليها، ومستخدما صوتها لترديد جمل غنائية أو بمشاركته الغناء كما في أغنية “ابن البلد”. وقد قرر أن تتقاسم صورتيهما غلاف ألبومه الثاني. كما استند في معظم أعماله على إبداعات الفنان عازف الجيتار والموزع/ محمد عماد الشاطر الذي لم يلق هو الآخر نصيبه من الشهرة رغم موهبته الفريدة هو الآخر وفهمه الواعي والراقي لأصول التوزيع الموسيقي ومناسبته لأي نوع من الألحان والكلمات الموضوعة. أيضا استخدامه لصوت عزة مسعود في الرد عليه في ألبومه الأول غير المعنون في ترديد الآهات كما في أغنية “قضي الأمرا” ومشاركته الرد في أغنية “عطشان” أو لعمل خلفية صوتية مصاحبة للموسيقى مثلما في أغنية “هتجن” وهي المطربة المجهولة التي لعبت دورا في تكوين مجموعة كورال لترديد الأغنيات وراء المطربين في الثمانينيات.

ـــــــــــــــــــــــــــ

(1) كل المعلومات الشخصية والفنية عن الفنان فادي إسكندر أوردها الموزع محمد عماد الشاطر في حواري معه في 10 أبريل 2015

Advertisements

تسعدني تعليقاتكم

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s