كتاب (“بؤس الفلسفة” الرد على فلسفة البؤس للسيد برودون) كارل ماركس 5 – ميتافيزيك الاقتصاد السياسي

Posted: 24 مايو 2015 in كلاسيكيات الماركسية, مختارات سياسية, عمال وجماهير
الوسوم:, , , , , , , , ,
 كارل ماركس
1847
ترجمة: أندريه يازجي
دار اليقظة العربية – سوريا
دار مكتبة الحياة – لبنان
الطريقة

نحن الآن في ألمانيا ! وسنتكلم الآن عن الميتافيزيك بينما نتكلم عن الاقتصاد السياسي. وسنتابع في عملنا هذا دراسة تناقضات برودون. ولقد أجبرنا الآن أن نتكلم الانكليزية وأن نصبح انكليزا. وأصبح الموقف الآن متغيرا. إن برودون ينقلنا إلى بلادنا العزيزة ويجبرنا أن نصبح ألمانا مرة أخرى إن شئنا أو لم نشأ.

إن كان الانكليزي يحول الرجال إلى قبعات فإن الألماني يحول القبعات إلى أفكار. فالرجل الانكليزي هو ريكاردو – اقتصادي مشهور وصاحب بنك غني–، أما الألماني فهو هيجل – أستاذ فلسفة بسيط في جامعة برلين.

إن لويس الخامس عشر – آخر الملكيين المطلقين وممثل انحلال الملكية الفرنسية – كان قد ألحق ببطانته طبيبا كان الرجل الاقتصادي الأول في فرنسا. هذا الطبيب، هذا الاقتصادي، مثـّل انتصارا معينا للبورجوازية الفرنسية. إن الطبيب كويزني Quesnay خلق العلم من الاقتصاد السياسي، ولقد لخصه في كتابه المشهور « اللوائح الاقتصادية » Tableau Economique. وعلاوة عن الكتابات والانتقادات والتعليقات الألف التي وجدت على طاولته، فإننا لا نملك إلا واحدا كتبه الطبيب نفسه. إن هذا الكتاب الذي نملكه هو « تحليل اللوائح الاقتصادية » Analyses of the Economic Table.

يمثل برودون طبيب كويزني آخر. إنه كويزني الميتافيزيك في الاقتصاد السياسي.

والآن فإن الميتافيزيك – وفي الواقع كل الفلسفة – يمكن أن تختصر، بالنسبة لهيجل، بالطريقة أو الفكرة. فيجب علينا إذن أن نوضح طريقة برودون الغامضة ككتاب « اللوائح الاقتصادية »، ولهذا السبب نقوم بتقديم سبع أو ثماني ملاحظات، مهمة أو غير مهمة، وإذا لم يفرح « الطبيب » برودون بملاحظاتنا فما علينا أن نصبح Abbé Beaudeau بودو، لكي يعطي بنفسه « شرح الطريقة الاقتصادية الميتافيزكية ».

الملاحظة الأولى:

« إننا لا نقدم تاريخا بالنسبة لنظام الوقت بل بالنسبة لتتابع الأفكار، إن الأطوار الاقتصادية وهي تتجلى بمفاهيمها تكون بعض الأحيان معاصرة وبعض الأحيان معكوسة… والنظريات الاقتصادية لها نتائجها المنطقية ولها علاقتها العددية في الفهم: إن هذا النظام هو الذي نخدع أنفسنا به، إننا اكتشفناه » (المجلد 1، صفحة 146).

لقد أراد برودون أن يخيف الفرنسيين إذ يتكلم معهم بجمل وعبارات شبيهة بأسلوب هيجل. وهكذا علينا أن نبحث في رجلين: أولا مع برودون وثانيا مع هيجل. كيف يقدر برودون أن يميز نفسه عن باقي الاقتصاديين ؟ وأي دور يلعبه هيجل في الاقتصاد السياسي عند برودون ؟

يقول الاقتصاديون عن العلاقات البورجوازية في الإنتاج وفي تقسيم العمل وفي الرصيد وفي النقد الخ.. أنها ثابتة لا تتحرك وأنها لوائح أبدية. وبرودون – وهو واضع أمامه هذه اللوائح الأبدية – يريد أن يشرح لنا عملية التشكيل وأساس تكوين هذه اللوائح والمبادئ والقوانين والمثل والأفكار.

يشرح الاقتصاديون كيف يحدث الإنتاج في ظل هذه العلاقات ذاتها، ولكن ما لا يشرحه هو كيف تنتج العلاقات ذاتها يعني، أن الحركة التاريخية التي أوجدها برودون – آخذين هذه العلاقات كمبادئ وكلوائح وكأفكار مجردة – عليها أن تجعل هذه الأفكار أن تخضع لنظام، ونستطيع أن نجد هذه الأفكار في نهاية كل كتاب يكتب عن الاقتصاد السياسي. إن جوهر الاقتصاد هو حياة الرجل النشيط الحيوي، أما جوهر برودون هو نسخ العقائد التي يفسرها الاقتصاديون. ولكن في الوقت الذي نتوقف عن متابعة الحركة التاريخية لعلاقات الانتاج – إذ أن اللوائح ليست إلا التعبير النظري – وفي الوقت الذي نريد أن نرى في هذه اللوائح مجرد مثل وأفكار مستقلة عن العلاقات الاقتصادية، عندئذ نجبر أن نعيد أصل هذه الأفكار إلى الحركة الحقيقية المجردة الصافية. وكيف تسبب الحقيقة المجردة والأبدية نهوض هذه الأفكار ؟ وكيف تتابع الحقيقة وجودها حتى تنتجها (أي الأفكار) ؟

إذا كانت شجاعة برودون ظاهر في مادة هيجل عندئذ يجب أن نقول: إنها تميز نفسها من نفسها. وما يعني هذا ؟ الحقيقة « غير الشخصية »، إذ لا يكون لها خارج ذاتها قاعدة تعتمد عليها ولا يكون لها أي شيء ذاتها ولا يكون لها موضوع لكي تشكل ذاتها، إن هذه الحقيقة تكون مجبرة أن تقلب رأسا على عقب لكي تجد قاعدة لذاتها ولكي تجابه ذاتها ولكي تؤلف وتشكل ذاتها، أي إيجاد قاعدة أو فكرة Thesis، فكرة مناقضة Antithesis، ونتيجة الفكرة Synthesis.

إننا سنقدم القاعدة المقدمة لهؤلاء الذين لا يعرفون لغة هيجل: التأكيد Affirmation والنفي Negation ونفي النفي Negation of Negation وهذا تعنيه اللغة. إنها ليست عبرية لكنها لغة هذه الحقيقة الصافية، هذه اللغة المختلفة عن لغة الفرد.

من العجيب أن نجد كل شيء في التجريد النهائي – وإذا ليس عندنا تجريد ولا تحليل – يمثل ذاته كلائحة منطقية ؟ من العجيب – إذا تجردت عن كل المواد التي تشكل البيت وإذا تجردت عن شكل المواد المركب منها وعن الشكل الذي يميز ذلك البيت عن غيره فإنك تنتهي إلى لا شيء ما عدا البنيان – أمِنَ المدهش إذا لم تأخذ حدود هذا البنيان بعين الإعتبار أن لا يبقى عندك سوى الفراغ – أي أنك لو تأخذ بعين الاعتبار قياسات الفراغ، فلا تجد شيئا متروكا على الإطلاق إلا الكمية الصافية، أي اللائحة المنطقية ؟ فإذا جردنا هكذا من كل موضوع كل الحوادث المتناسقة، الحوادث الحية أو غير الحية الناس أو الأشياء – نحن على حق أن نقول أنه في التجريد الأخير – فإن المادة المتبقية الوحيدة هي اللوائح المنطقية. وهكذا فالميتافيزيقيون الذين – عندما وضعوا هذه التجريدات يظنون أنهم يقومون بتحليل، والذين – كلما جردوا أنفسهم عن الأشياء يظنون أنفسهم أنهم يقتربون من نقطة الأصل أي اختراق اللب – إن هؤلاء الميتافيزيقيين على حق عندما يقولون أن الاشياء هنا هي كالتطريز الذي تنقشه اللوائح المنطقية على قطعة ثوب. وهذا ما يميز الفيلسوف عن المسيحي. إن المسيحي – رغم المنطق يعتقد بمفهوم تجسد واحد للكلمة Logos. أما الفيلسوف لم ينته أبدا من التجسدات. لو كان كل شيء موجودا، ولو كان كل شيء يعيش على اليابسة وتحت المياه يمكن تصغيره بواسطة التجريد إلى لائحة منطقية – إذا غرق العالم الواقعي كله في عالم من التجريدات، أي في عالم اللوائح المنطقية، فمن يعجب هذا ؟

إن كل شيء موجود، إن كل ما يعيش على اليابسة وفي الماء يوجد ويحيا فقط بسبب نوع من الحركة. إذن فحركة التاريخ تنتج العلاقات الاجتماعية، والعلاقات الصناعية تعطينا علاقات صناعية الخ.

لو استطعنا أن نحول كل شيء بواسطة التجريد إلى لائحة منطقية، لكان من السهل على كل شخص أن يجرد كل صفة مميزة لحركات مختلفة. إن تحقق الحركة في حالتها التجريدية – يعني الحركة العادية الصافية، القاعدة المنطقية الصافية للحركة. وإذا كان أي شخص يقدر أن يجد في اللوائح المنطقية جوهر كل الأشياء لكان يقدر أن يتخيل بأنه وجد في القاعدة المنطقية للحركة – الطريقة أو الفكرة المطلقة – التي لا تشرح فقط كل الأشياء بل إنها تطبق حركة كل الأشياء.

لقد عبر هيجل عن هذه الفكرة المطلقة بهذه التعابير: « الفكرة هي المطلق، هي الوصية العالية وهي القوة الميتافيزيقية التي لا يقاومها شيء، إنها ميل السبب ليعرف ذاته مرة أخرى، لكي يتذكر ذاته في كل شيء » (هيجل، المنطق المجلد الثالث). إن كل الأشياء لدى تصغيرها للائحة منطقية، وكل حركة وكل عملية انتاج لدى تصغيرها لفكرة، ينتج عندئذ أن كل مجموعة من المنتوجات والانتاج، من الأشياء والحركة، يجب أن تصغر بشكل ميتافيزيقي مطبق. فما عمله هيجل للدين والقانون الخ. يحاول برودون أن يعمله للاقتصاد السياسي.

وهكذا ما هي هذه الفكرة المطلقة ؟ هي الفكرة المجردة للحركة ؟ وما هو تجريد الحركة ؟ هي الحركة في حالتها المجردة… وما هي الحركة في حالتها المجردة ؟ هي القاعدة المنطقية الصافية للحركة أو حركة الحقيقة الصافية. وما تحتوي الحقيقة الصافية ؟ إنها تعمل على إقامة قاعدة لذاتها وعلى مناقضة ذاتها، وعلى تشكيل ذاتها وعلى وضع ذاتها بقاعدة أو بفكرة Thesis، وخلق فكرة مناقضة Antithesis، وايجاد نتيجة Synthesis وتعمل أيضا على تثبيت ذاتها، وعلى نفي ذاتها وعلى نفي نفيها…

وكيف تعمل الحقيقة لتثبت ذاتها ولتضع قاعدة لذاتها في لائحة منطقية ؟ إنه عمل الحقيقة وعمل تابعيها.

ولكن عندما تبدأ الحقيقة في وضع قاعدة لذاتها Thesis، فإن هذه القاعدة أي هذه الفكرة تناقض ذاتها Antithesis فتقسم إلى فكرتين متناقضتين – الايجابي والنفي، نعم ولا. والصراع بين هذين العاملين المضادين المتضمن في التناقض يشكل حركة الديالكتيك. النعم تصبح لا، ولا تصبع نعم، نعم تصبح لا ونعم، ولا تصبح نعم ولا، فتتعادل المتناقضات وتتجانس وتشكل بعضها. وتداخل هاتين الفكرتين المتناقضتين يشكل فكرة جديدة هي نتيجة الاثنين Synthesis. إن هذه الفكرة تنقسم مرة أخرى لفكرتين متعاكستين فتعود وتتشابك في نتيجة واحدة. ومن هذا العمل تتولد مجموعة من الأفكار. وهذه المجموعة من الأفكار تتبع نفس حركة الديالكتيك كلائحة بسيطة.

ولهذه المجموعة مجموعة أخرى متناقضة. ومن هاتين المجموعتين من الأفكار تتولد مجموعة أفكار جديدة تكون نتيجة للجميع.

وكما تتولد المجموعة من حركة الديالكتيك للوائح البسيطة، هكذا تتولد المجموعات من حركة الديالكتيك من المجموعات، وتتولد الطريقة الكاملة من حركة الديالكتيك للمجموعات.

طبّق هذه الطريقة على لوئح الاقتصاد السياسي فتحصل على منطق وميتافيزيك الاقتصاد السياسي. وبشكل آخر تحصل على اللوائح الاقتصادية التي يعرفها كل واحد، لوائح مترجمة إلى لغة بسيطة معروفة تجعلها تبدو كأنها تتفتح من جديد وتبدو كحقيقة صافية، وهكذا تبدو هذه اللوائح أنها تخلق بعضها البعض وأنها تتصل ببعضها اتصالا وثيقا بواسطة حركة الديالكتيك. يجب على القارئ أن لا يتألم لهذا الميتافيزيك الذين يتضمن هذه اللوائح والمجموعات والمناهج المزعجة. إن برودون – رغم كل التعب الذي أصابه لكي يضع مقياسا لأعالي طريقية المتناقضات – لم يكن قادرا أن يرفع نفسه عن الدائرتين الأوليتين – أي عن دائرتي الفكرة أو القاعدة Thesis والفكرة المضادة Antithesis، وحتى هذه لم يقدر أن يتكلم عنها إلا مرتين، ولقد فشل في احداهما.

لم نشرح لحد الآن سوى ديالكتيك هيجل. وسنرى كيف نجح برودون في تخفيضه إلى النسب المحقرة. وهكذا بالنسبة لهيجل، كل ما حدث ولا يزال يحدث هو الشيء الذي يحدث في عقله. وهكذا فلسفة فلسفة التاريخ ليست إلا تاريخ الفلسفة، فلسفته الخاصة. وهكذا لا يوجد « تاريخ بالنسبة للنظام في الوقت » يوجد فقط « تتابع وتلاحق الأفكار في الفهم ». فهو يعتقد أنه يبني العالم بواسطة حركة بينما هو يعيد بناء الأفكار التي هي في عقول الجميع بواسطة الفكرة المطلقة بطريقة تنظيمية.

الملاحظة الثانية:

إن اللوائح الاقتصادية هي الاصطلاحات النظرية، أي الفكرة المجردة المتعلقة بالعلاقات الاجتماعية للانتاج… إن برودون – وهو يمسك الأشياء بيده رأسا على عقب كفيلسوف – لا يرى في العلاقات العادية إلا تجسيدا لهذه المبادئ ولهذه اللوائح التي كانت قائمة – وهكذا يخبرنا برودون الفيلسوف أن هذه اللوائح كانت نائمة في صدر « الحقيقة الانسانية غير الشخصية ».

إن برودون الاقتصادي يفهم جيدا أن الناس يصنعون الثياب من الحرير أو القطن بعلاقات نسبية في الانتاج. ولكن ما لا يفهمه هو أن هذه العلاقات الاجتماعية المحدودة هي نتاج الناس كما أن الحرير هو نتاج الناس الخ… ترتبط العلاقات الاجتماعية وتتعلق بالقوى الانتاجية. ولدى تحقيقنا لقوى انتاجية جديدة يغير الناس نوع الانتاج وعند تغييرهم لنوع انتاجهم وعند تغيير طريقة كسبهم لمعيشتهم فإنهم يغيرون كل العلاقات الاجتماعية. إن الطاحونة التي تدار باليد تمثل لك مجتمعا يتحكم به السيد الاقطاعي، وتمثل الطاحونة البخارية مجتمعا تتحكم فيه الصناعة الرأسمالية.

إن نفس الناس الذين يؤسسون علاقاتهم الاجتماعية لتطابق انتاجهم المادي، تراهم ينتجون أيضا المبادئ والأفكار واللوائح، لكي تطابق علاقاتهم الاجتماعية.

وهكذا فإن هذه الأفكار وهذه اللوائح ليست أبدية كالعلاقات التي تعبر عنها. إنها إنتاج تاريخي وفترة انتقال.

توجد حركة مستمرة في نمو القوى الانتاجية، وتوجد حركة دائمة لتهديم وتقويض العلاقات الاجتماعية، وتوجد حركة دائمة لتشكيل الأفكار، وأما الشيء الثابت الوحيد الذي لا يخضع للحركة هو تجريد الحركة.

الملاحظة الثالثة:

تشكل علاقات الانتاج في كل مجتمع الكل. ويعتبر برودون العلاقات الاقتصادية كغيرها من الأطوار الاجتماعية، فهي تخلق بعضها وتنتج الواحدة عن الأخرى مثل التناقض Antithesis الناتج عن الفكرة Thesis، وهو يحقق في تتابعها وترتيبها المنطقي الحقيقة الشخصية الإنسانية غير الشخصية.

إن السيئة الوحيدة لهذه الطريقة هي أنه عندما يأتي لفحص طور واحد من هذه الأطوار، لا يقدر برودون أن يشرحها دون أن يعود ويصلها بالعلاقات الاجتماعية الأخرى، ورغم رجوعه لغيرها من العلاقات فإنه لم يستطع أن يجعلها تكون حركته في الديالكتيك. وعندما يتابع برودون – بواسطة الحقيقة الصافية – أن يخلق الأطوار الأخرى فإنه يعاملها كأنها أطفال صغار. فهو ينسى أنها بذات العمر الأول.

وهكذا لكي نصل إلى تشكيل القيمة – التي هي بالنسبة له أساس التطورات الاقتصادية – نراه لا يستطيع أن يقوم بالبحث دون أن يعود إلى تقسيم العمل وإلى المنافسة الخ… ورغم هذا نجد في لوائحه وفي التتابع والترتيب المنطقي، إن هذه العلاقات لم توجد بعد.

ولكي نبني هيكل طريقة أيديولوجية بواسطة لوائح الاقتصاد السياسي نجد أن أسس الطريقة الاجتماعية لم توضع في محلها. فأسس المجتمع المختلفة قد تحولت إلى مجتمعات مختلفة وعديدة، وهي تتبع الواحدة الأخرى. فكيف قدرت القاعدة المنطقية الواحدة للحركة وحركة التتابع والترتيب وحركة الوقت أن تشرح بنيان وهيكل المجتمع حيث توجد كل العلاقات إزاء بعضها لتساند بعضها ؟

الملاحظة الرابعة:

لننظر الآن ما هي الأوصاف التي يخضع بواسطتها برودون ديالكتيك هيجل عندما يطبقها على الاقتصاد السياسي.

يرى برودون أن كل لائحة اقتصادية لها جانبان – جانب خير وجانب شر. وهو ينظر إلى هذه اللوائح كما ينظر البورجوازي إلى العضماء في التاريخ: كان نابليون رجلا عظيما، قد فعل كثيرا من الحسنات وفعل كثيرا من السيئات.

عندما نأخذ هذه المتناقضات معا، جانب الخير وجانب الشر، الحسنات والسيئات، فإنها تشكل – بالنسبة لبرودون – التناقض في كل لائحة اقتصادية.

فالموضوع الذي يجب حله: الاحتفاظ بالجهة الخيرة والتضييق على الجهة الشريرة.

إن العبودية لائحة اقتصادية كأية لائحة أخرى. وهكذا لها جانبان. ودعنا نترك الآن الناحية الشريرة لنتكلم عن الناحية الخيرة لهذه العبودية. لا حاجة لأن نقول إننا نتكلم عن العبودية المباشرة، ونتكلم عن عبودية العبيد في سرينام Surinam وفي البرازيل وفي الولايات الجنوبية في أمريكا الشمالية.

إن العبودية المباشرة هي تماما محور الصناعة البورجوازية كالآلة الخ… التي هي محور الصناعة أيضا. وبدون عبودية لا تحصل على صناعة حاضرة. هي العبودية التي أعطت المستعمرات قيمتها، وهي المستعمرات التي خلقت التجارة الدولية، وهي التجارة الدولية التي نعدها الشرط السابق للصناعة ذات الانتاج الضخم. وهكذا فالعبودية هي لائحة اقتصادية ذات أهمية كبرى.

وبدون العبودية لما تحولت أمريكا الشمالية – وهي أكثر البلدان تقدما – إلى بلاد بطريكية. فإذا محوت أمريكا الشمالية من خريطة العالم فإنك تحصل على الفوضى – إنك تحصل على الانحدار والتأخر الكامل للتجارة والمدنية الحاضرة. واجعل العبودية أن تختفي فإنك تمحو أمريكا من خريطة العالم[1].

وهكذا فالعبودية، لأن لها لائحة اقتصادية، وُجدت دوما بين المؤسسات التي شادتها الشعوب. وكانت الأمم الحديثة قادرة أن تخفي وجه العبودية في بلدانها، ولكنها فرضتها فرضا بدون تخفيته على العالم الجديد.

فماذا يفعل برودون لتخليص العبودية ؟ إنه يضع المسألة كقاعدة هكذا: احتفظ بالجهة الصالحة لهذه اللائحة، وخفف أو ضيق الخناق على الجهة الشريرة.

لم يكن لدى هيجل مسائل ليضعها في قواعد. كان عنده ديالكتيك فقط. ولم يأخذ برودون من ديالكتيك هيجل إلا اللغة. وبالنسبة له فإن حركة الديالكتيك هي التفريق المبدئي بين الخير والشر.

ودعنا لدقيقة واحدة نعتبر برودون لائحة. ولنفحص جهة الخير والشر عنده ولنفحص حسناته وسيئاته.

لو كان يمتاز بحسنة على هيجل لأنه وضع مسائل جعل من حقه الوحيد أن يحللها لخير البشرية، فإن له سيئة أنه عُرف بالعقم عوضا أن يخلق لائحة ديالكتيكية جديدة. إن ما يشكل حركة الديالكتيك هو وجود جهتين متناقضتين وصراع هاتين الجهتين المتناقضتين وادغامهما في لائحة جديدة. إن محاولة تخفيف الناحية الشريرة تكفي لأن تقضي على حركة الديالكتيك. ليست هي اللائحة التي تضع الفكرة وتناقضها لذاتها بطبيعتها المتناقضة، إنه برودون هو الذي يضطرب ويضيع بين جانبي اللائحة.

ولأن برودون لم يستطع أن يتخلص من مشكلة شرعية وسائله فإنه يعمل أن ينتقل بسرعة إلى لائحة أخرى. ولهذا فإنه لدهشته، يتكلم عن علاقة اللوائح بالنسبة لفهمه لها.

إنه يأخذ العلاقة الأولى التي يصلها ويعمل على أن يجد لها دواء لكي يطهرها من سيئتها. وهكذا اعتقدنا أن برودون يفرض أن يداوي سيئات الاحتكار وميزان التجارة وسيئات الضرائب والملكية الأرضية وسيئات الرصيد.

ولكن أخذه للوائح الاقتصادية بالتتابع واحدة بعد الأخرى ولدى جعله الواحدة مكملة للأخرى فإن برودون يحاول أن يجعل من هذا المزيج من المتناقضات، كتابين ضخمين يحتويان على المتناقضات ودعاهما: « طريقة التناقضات الاقتصادية »، The System of Economic Contradictions.

الملاحظة الخامسة:

« تكون كل هذه الأفكار في الحقيقة المطلقة… متساوية في البساطة والتصميم، – وفي الواقع نصل للمعرفة فقط بواسطة « نوع من بناء أفكارن ». لكن الحقيقة بذاتها مستقلة عن الرموز الديالكتيكية ومتحررة من وحدة عقولنا ». (المجلد 2، صفحة 97).

وهنا فجأة يصبح ميتافيزيك الاقتصاد السياسي خيالا ووهما ! لم يتكلم برودون بحق أكثر من هذه المرة. ومن اللحظة التي تصغر حركة الديالكتيك إلى عملية مقابلة أو مضادة بين الخير والشر، وفي اللحظة التي تضع مسائل لتخفيف الناحية الشريرة، ومن اللحظة التي تعمل على إدارة وتسيير لائحة كدواء للائحة أخرى، عندئذ نرى أن هذه اللوائح تتجرد عن كل حقائقها، وتبطل الفكرة أن تنتج وتعمل، ولا تبقى حياة بها. وهكذا لا توضع الفكرة ولا تتشكل لتصبح لوائح. وإن تتابع اللوائح أصبح نوعا من البنيان. ويقف الديالكتيك حتى يصبح حركة الحقيقة المطلقة. ولا يوجد بعد ديالكتيك على الأكثر إلا ديالكتيك الأخلاق المطلقة الصافية.

وعندما تكلم برودون عن مجموعات اللوائح والقيم في الفهم، وعن التتابع المنطقي لهذه اللوائح، صرح إيجابيا أنه كان يريد أن يقدم التاريخ بالنسبة للوقت، وكان يريد أن يظهر أن التتابع التاريخي (أي الحوادث الآتية وراء بعضها) يظهر اللوائح نفسها. وهكذا فكل شيء بالنسبة له حدث تاريخي في أثير الحقيقة الصافية. وكل شيء ينتج هذا الأثير بواسطة الديالكتيك. وبما أنه كان عليه الآن أن يظهر هذا الديالكتيك كواقع، كانت الحقيقة هي التي أخطأته. إن ديالكتيك برودون يعاكس هيجل والآن نراه يقول أن النظام الذي يقدمه لاظهار اللوائح الاقتصادية ليس هو النظام الذي تخلق فيه كل لائحة أخرى. فالتطورات الاقتصادية لم تعد تمثل تطورات الحقيقة ذاتها.

وماذا يعطينا برودون ؟ التاريخ الحقيقي الذي هو – بالنسبة لفهم برودون – التتابع الذي تظهر فيه اللوائح ذاتها في نظام الوقت. كلا ! التاريخ والمكان الذي يتبعه في الفكرة ذاتها ! وأقل من ذلك ! لا تاريخ اللوائح المدنس ولا تاريخها المقدس ! وماذا يقول لنا عن التاريخ ؟ تاريخ متناقضاته. ولننظر كيف تقود هذه الأقوال برودون وتغرقه معها.

وقبل أن نفحص هذه الأقوال – هذه الأقوال التي تقودنا للملاحظة السادسة – علينا أن نبحث في ملاحظة أقل قيمة.

دعنا نقبل مع برودون قوله أن التاريخ الحقيقي، التاريخ بالنسبة لنظام الوقت، هو تاريخ التتابع الذي تظهر فيه الأفكار واللوائح والمبادئ ذاتها.

لكل مبدأ كان له عصره الذي أظهر ذاته به. إن مبدأ السلطة مثلا ظهر في القرن الحادي عشر كما أن عصر الفردية ظهر في القرن الثامن عشر. ففي التتابع المنطقي نجد أن العصر هو الذي كان يتبع المبدأ وليس المبدأ هو الذي كان يخص العصر. وهكذا يكون أن المبدأ هو الذي صنع التاريخ وليس التاريخ هو الذي صنع المبدأ. وحتى نخلص المبدأ ونخلص التاريخ، علينا أن نسأل أنفسنا لماذا نرى مبدأ ما ظهر في القرن الحادي عشر أو في القرن الثامن عشر ولم يظهر في عصر آخر، لذلك نحن مجبرون أن نفحص بدقة كيف كان الناس في القرن الحادي عشر وكيف كانوا في القرن الثامن عشر، وماذا كانت حاجياتهم الضرورية وقواهم الإنتاجية ونوع إنتاجهم والمواد الأولية التي تستعمل للمواد الأولية – وبكلمة واحدة، نسأل ماذا كانت العلاقات التي حصلت بين الإنسان والإنسان من جراء هذه الأحوال الموجودة. ولكي نصل إلى أعماق هذه الأسئلة – أي لكي نعرف تاريخ الناس المدنس الحقيقي في كل عصر ولكي نظهر هؤلاء الناس أنفسهم كحكام وممثلين لهذه المسرحية ؟ ولكن عندما يظهر الناس كممثلين وكحكام تاريخهم فإنك تصل إلى نقطة البداية لأنك تكون قد أهملت وهجرت تلك المبادئ الرئيسية التي تكلمت عنها عند الابتداء.

لم يذهب برودون بعيدا في ملتقى الطرق، هذه الطريق التي يمشي عليها المثالي « الايديولوجي » لكي يصل الطريق الرئيسي للتاريخ.

الملاحظة السادسة:

دعنا نعبر ملتقى الطرق مع برودون.

نحن نوافق على أن العلاقات الاقتصادية – كما ينظر لها بأنها قواعد ثابتة غير متبدلة وبأنها مبادئ أبدية ولوائح مثالية – وجدت قبل وجود أناس أذكياء، ونحن نوافق أن هذه القوانين والمبادئ واللوائح كانت – منذ ابتداء الزمن – نائمة في « الحقيقة الانسانية غير الشخصية ». ورأينا مع كل هذه القيم الأبدية الثابتة والتي لا تتبدل أن التاريخ معكوس في الحقيقة الصافية لحركة الديالكتيك. إن برودون بقوله هذا – في حركة الديالكتيك أن الأفكار لا تختلف – يكون قد حطم ظل الحركة وحركة الظلال، إذ أن كل شخص كان يقدر أن يخلق من هذه الحركة تشبيها للتاريخ. وعوضا عن ذلك نراه يريد أن يصبغ التاريخ بصيغة تفكيره. إنه يضع اللوم على كل شيء حتى على اللغة الفرنسية، فيقول برودون الفيلسوف: « ليس صحيحا أن نقول أن شيئا ما يظهر وأن شيئا ما ينتج: ففي الحضارة كما في الكون نرى أن كل شيء وجد وصنع في الوجود منذ الأبدية ». (المجلد 2، صفحة 102).

إن قوة المتناقضات الإنتاجية التي تعمل والتي تجعل برودون يعمل هي كبيرة، ولدى محاولته أن يشرح التاريخ نراه مجبرا أن ينكره ولدى محاولته أن يشرح ظهور العلاقات الاجتماعية المتتابعة نراه ينكر أي شيء يقدر أن يظهر، ولدى محاولته شرح الإنتاج بكل تطوراته نراه يتساءل إن كان يمكن إنتاج أي شيء.

وهكذا لا يوجد تاريخ بالنسبة لبرودون، وهكذا لا يوجد تتابع للأفكار. ورغم ذلك فكتابه لا يزال موجودا، وبالتأكيد إن هذا الكتاب – لنستعمل تعبيره الخاص هو « تاريخ فيما يتعلق بتتابع الأفكار ». وكيف نجد قاعدة – إن برودون رجل القواعد – تساعده أن يوضح كل هذه المتناقضات في فقرة واحدة.

لهذا الحد نقول أنه اخترع حقيقة جديدة، هذا الاختراع الذي ليس هو حقيقة مطلقة صافية ولا حقيقة عامة للناس الذين يعيشون ويعملون في أزمنة مختلفة، لكنها حقيقة تختلف عن حقيقة الشخص « المجتمع » – الموضوع « الانسانية » – التي يصورها برودون بهيأة عبقرية اجتماعية، بشكل حقيقة عامة، وأخيرا يصورها بهيأة حقيقة إنسانية. هذه الحقيقة التي يتكلم عنها بأسماء كثيرة تخون ذاتها دوما وكل لحظة كما تخون حقيقة برودون الفردية ذاتها بناحيتها الشريرة والجيدة وبوسائلها العديدة.

إن الحقيقة الإنسانية لا تخلق « الحقيقة » لأنها مختبئة في أعماق الحقيقة الأبدية والمطلقة. إنها تقدر أن تكشف عنها النقاب، لكن حقائق كهذه كما كشف عن نقابها – هي غير تامة وغير كافية بالنتيجة متناقضة « وبما أن اللوائح الاقتصادية – كونها حقائق مكتشفة، وقد أظهرها الإنسان بحقيقته، بواسطة العبقرية الاجتماعية – إن هذه اللوائح غير كاملة وتحتوي على جرثومة التناقض. وقبل أن رأى برودون العبقري الاجتماعي – العوامل المتناقضة – وليست القواعد المتلاحقة – كانت كلا هاتين الحقيقتين العوامل المتناقضة والقواعد المتلاحقة مختبئتين في الحقيقة المطلقة. إن العلاقات الاقتصادية – التي تحققت على الأرض هذه الحقائق غير الكافية – متناقضة بذاتها وهي تمثل ناحيتين: ناحية صالحة وناحية شريرة.

إن عمل العبقري الاجتماعي هو أن يجد الحقيقة الكاملة والفكرة بمفهومها الكامل – يعني القاعدة المتناسبة المتلاحقة لكي تقضي على التناقض –.

هذا هو السبب أيضا – في وهم برودون – أن هذه العبقرية الاجتماعية انتقلت من لائحة للائحة أخرى دون أن تكون قادرة – رغم كل اللوائح التي تحتويها – أن تنزع ذاتها من الله ومن الحقيقة المطلقة.

« وفي البدء يضع المجتمع (العبقرية الاجتماعية) واقعا أوليا، إنه يضع افتراضا.. تناقضا واقعيا، وتناقضه ينتج ويظهر في الاقتصاد الاجتماعي بنفس الطريقة التي يمكن لنتائجه أن تفرض على العقل، على تكوين الحركة الصناعية – وهي تتبع في كل الأشياء تنقل الأفكار – وينقسم إلى قسمين: قسم له تأثيراته النافعة وقسم له تأثيراته المتقلبه. ولكي نخلق انسجاما بين تشكيل هذين المبدأين ولكي نحل هذا التناقض على المجتمع أن يخلق تشكيلا آخر، ويخلق تشكيلا ثالثا، وتقدم العبقرية الاجتماعية ستحتل مكانتها في هذه العملية حتى – عندما تنتهي كل متناقضاتها – لا يعود برهان يوضع حدودا للتناقضات البشرية – فإنها تعود بفقرة واحدة إلى أمكنتها الأولى وبقاعدة واحدة تحل مسائلها كلها ». (المجلد 1، صفحة 133).

وكما أن الفكرة العكسية انقلبت قبلا إلى تناقض كهذا تصبح الفكرة الآن فرضية. وهذا التبديل في الشروط – الذي أوجده برودون – لا يعود يدهشنا. الحقيقة الإنسانية – التي هي صافية – وهي تتضمن رؤيا غير كاملة تجد في كل خطوة تخطوها مسائل يجب أن تحلها. وكل فكرة Thesis جديدة تكتشفها في الحقيقة المطلقة – وهي نفي الفكرة الأولى، تصبح نتيجة Synthesis وتقبل هذه النتيجة ببساطة كحل للمسألة. وهكذا نرى هذه الحقيقة تتدخل في كل المتناقضات الجديدة حتى – لدى وصولنا لآخر هذه التناقضات – تدرك كل أفكارها Thesis وكل أفكارها المعاكسية Antithesis أنها فرضيات متعاكسة. وفي مثل هذه الفوضى « تعود الانسانية (العبقرية الاجتماعية) بقفزة واحدة إلى أمكنتها الأولى وتحل بقاعدة واحدة كل مسائلها ». وتشكل هذه القاعدة الوحيدة اكتشاف برودون الحقيقي – وهو « القيمة المشكلة ». تقوم الفرضيات بالنسبة لهدف ما. إن العبقرية الاجتماعية كهدف لها – نتكلم الآن بفم برودون – إذ تضع ذاتها في المرتبة الأولى، كانت تهدف أن تنقض الناحية الشريرة الموجودة في كل لائحة اقتصادية حتى تبقى الناحية الصالحة. فالصالح والصيرورة الحسنة، والهدف الحقيقي الواقعي، هو المساواة. ولماذا تهدف العبقرية الاجتماعية إلى المساواة بينما لا تهدف للامساواة أو للأخوة أو للكاثوليكية أو لأي مبدأ آخر ؟ لأن « الإنسانية حققت فرضيات عديدة بالنسبة لفرضية متفوقة » وهذه هي المساواة. وإذا وضعناها بكلمات أخرى: لأن المساواة هي مثالية برودون. يتصور أن تقسيم العمل والرصيد، والمعمل – وكل العلاقات الاقتصادية – اخترعت فقط لفائدة المساواة، ولكنه رأى أن هذه المفاهيم انقلبت ضدها وبما يستنتج أنه يوجد تناقض وإذ يوجد تناقض فإنه يوجد بين رأيه الثابت والحركة الحقيقية.

وطالما أن الناحية الصالحة في علاقة اقتصادية هي التي تؤكد المساواة فإن الناحية الشريرة تؤكد اللامساواة. إن كل لائحة جديدة هي فرضية العبقرية الاجتماعية لكي تخف اللامساواة التي خلقتها الفرضية السابقة. وباختصار، إن المساواة هي « النسبة الأصلية » أو الميل الصوفي، الهدف الإلهي، وهذه كلها تقر العبقرية الاجتماعية وتضع أمام عينيها دوما كل هذه الأقوال بينما تدور في حلقة مفرغة من التناقضات الاقتصادية – وهكذا فالعزة الإلهية هي القاطرة التي تجعل حقيبة برودون الاقتصادية تتحرك كحقيقة الإرادة الصافية. ولقد كرس للعزة الإلهية فصلا خاصا، ويأتي بعد الفصل الذي خصصه لبحث الضرائب.

إن العزة الإلهية أو الهدف الإلهي هي الكلمة الكبيرة المستعملة اليوم لتشرح حركة التاريخ. والواقع أن هذه الكلمة لا تشرح شيئا.

إنها حقيقة عندما نقول أن ملكية الأرض في اسكتلاندا أصبح لها قيمة جديدة لدى نمو الصناعة الانكليزية. لقد فتحت هذه الصناعة منافذ جديدة للصوف، ولكي يصير إنتاج الصوف بكميات ضخمة يجب تحويل الأرض غير المزروعة إلى أرض مزروعة. ولتحقيق هذا التحويل يجب تحديد الملكيات القابلة للتحويل. ولتحقيق هذه الملكيات القابلة للتحويل يجب القضاء على الملكيات الصغيرة، وهذا لا يعني طرد ألوف الساكنين على الأرض من مساكنهم، ووضع محلهم ملايين من الخراف يحميها بعض الرعاة. وهكذا بعد تحويلات متتابعة، نرى أن الممتلكات الأرضية في اسكتلندا قد تلخصت بطرد الرجال ووضع الخراف محلهم. والآن قل إن العزة الإلهية بالنسبة لتأسيس ملكية الأرض في اسكتلندا كان هدفها أن تضع الخراف مكان الرجال، وهكذا تحصل على التاريخ الذي كونته العزة الإلهية.

طبعا، إن الميل نحو المساواة يعود لعصرنا. ولنقول الآن أن كل العصور السابقة – إذا كانت لها حاجات مختلفة ووسائل إنتاج الخ. كانت تعمل حسب إرادة العزة الإلهية لتحقيق المساواة وهذا يعني أولا، أن نبدل وسائل ورجال عصرنا برجال ووسائل العصور السابقة لنسيء فهم الحركة التاريخية التي بواسطتها نرى الأجيال المتتابعة قد حولت النتائج التي طبقتها الأجيال التي سبقتها. يعرف الاقتصاديون جيدا أن الشيء الحقيقي الذي كان بالنسبة لشخص ما منتوجا حسنا كان بالنسبة لشخص آخر مادة أولية لإنتاج شيء جديد.

افترض، كما يفترض برودون، أن العبقرية الاجتماعية انتجت أو أخرجت الأسياد الاقطاعيين تديرهم العزة الإلهية لتحويل الساكنين عندهم إلى عمال مسؤولني متساوين في العمل، ولدى هذه الفرضية تكون قد وضعت شيئا مكان شيء آخر وتكون قد أثرت على استبدال الأهداف والأشخاص الذين يستحقون العزة الإلهية التي أسست ملكية الأرض في اسكتلندا حتى تضع الخراف مكان الناس.

وبما أن برودون يهتم بالعزة الإلهية فنحن ننصحه أن يقرأ كتاب « تاريخ الاقتصاد السياسي » للكتاب فيلنوف، الذي يتبع أيضا مفهوم العزة الإلهية. إن هذا لا يعد مساواة بل يعد كاثوليكية.

الملاحظة السابعة والأخيرة:

يتبع الاقتصاديون طريقة معينة. وتوجد مؤسستان للاقتصايين، طبيعية واصطناعية. إن مؤسسات الاقطاعية هي مؤسسات اصطناعية ومؤسسات البورجوازية هي مؤسسات طبيعية. وفي طريقتهم هذه يشبهون اللاهوتيين الذين يؤسسون نوعين من الديانة. إن كل ديانة لا تخصهم تكون من صنع الناس، بينما ديانتهم انبثقت عن الله.

فعندما يقول الاقتصاديون أن علاقات الوقت الحاضر – علاقات الانتاج البورجوازي – هي طبيعية، فإنهم يعنون أن هذه علاقات تخلق فيها الثروة وتنمو القوى الانتاجية وتتوافق قوانين الطبيعة. ويعنون أن هذه العلاقات طبيعية مستقلة عن تأثير الزمن. هي قوانين أبدية يجب أن تحكم المجتمع دوما. هكذا كان يوجد تاريخ ولكن سوف لن يوجد بعد الآن. كان يوجد تاريخ منذ أن كانت المؤسسات الاقطاعية موجودة ونجد في هذه المؤسسات الاقطاعية علاقات انتاج مختلفة تمام الاختلاف عن علاقات المجتمع البورجوازي، هذا المجتمع الذي يعده الاقتصاديون طبيعيا وأبديا.

كان للاقطاعية بروليتاريا أيضا « وعبوديتها » وكانت تحتوي على كل جراثيم البورجوازية – كان للانتاج البورجوازي عاملان متناقضان دعيا بالناحية الصالحة للاقطاعية وبالناحية الشريرة لها، غير معتبرين أن الناحية الشريرة هي التي تغلب في النهاية. إنها الناحية الشريرة التي تنتج الحركة التي تصنع التاريخ لأنها تخلق الصراع. ولو كان الاقتصاديون، أثناء عصر حكم الاقطاع، يتحمسون لفضائل الفروسية وللانسجام الجميل بين الحقوق والواجبات، ولحياة المدنية البطريكية، ولحالة الصناعة المزدهرة في الضواحي، ولجمعيات والأخويات، ولكل شيء كان يشكل الناحية الصالحة في الاقطاعية، لو وضعوا أمام أنفسهم مسألة تخفيه كل شيء كان يرمي ظلا على هذا الرسم – العبودية، الامتيازات، الفوضى – فماذا كان حدث ؟ إن كل العوامل التي دعت لخلق الصراع كانت تحطمت ولازدهر نمو البورجوازية.

بعد انتصار البورجوازية لم يقدم أي سؤال عن الناحية الصالحة أو الشريرة في الاقطاعية. إن البورجوازية امتلكت القوى الانتاجية التي نمت تحت النظام الاقطاعي. وكل الاشكال الاقتصادية القديمة وكل العلاقات المدنية المقابلة، والدولة السياسية هذا التعبير الذي كان يطلق على المجتمع القديم، لقد تحطمت هذه الأشكال.

وهكذا يجب أن نعتبر الانتاج الاقطاعي – لنحكم عليه بنزاهة – كنوع من الانتاج القائم على التناقض. ويجب أن يظهر كيف كانت الثروة تنتج ضمن هذا التناقض وكيف كانت القوى الانتاجية تنمو بنفس الوقت كصراع طبقي، وكيف كانت طبقة من الطبقات – الناحية الشريرة وسوء المجتمع – تنمو حتى ساعدتها الأحوال المادية أن تتحرر لتبلغ نضجها. أليس هذا خيرا أن نقول أن نوع الإنتاج أي العلاقات التي تنمو بواسطتها القوى الإنتاجية، ليست إلا قوانين أبدية لكنها تقابل نموا محدودا للناس ولقواهم الإنتاجية، وأن تغييرا في القوى الإنتاجية عند الناس يسبب تغييرا ضروريا في علاقات إنتاجهم ؟ وبما أن الشيء الرئيسي يجب أن لا يطرد من ثمار المدنية، ومن القوى الإنتاجية المطلوبة، فإن الأشكال الخرافية التي في ظلها أنتجت يجب أن تتحطم، ومن هذه اللحظة تصبح الطبقة الثورية محافظة.

تبتدئ البورجوازية من البروليتاريا التي هي ذاتها أثر بال لبروليتاريا الزمن الاقطاعي. وفي مجرى نموها التاريخي نجد أن البورجوازية تقوي صفتها التناقضية، هذه الصفة التي تختفي بادئ الأمر، ولا توجد إلا في حالة متأخرة، وبينما تنمو البورجوازية، فإن بروليتاريا جديدة تنمو في صدرها، وهي بروليتاريا حديثة، فينشأ صراع بين طبقة البروليتاريا وطبقة البورجوازية، صراع – وقد شعر به كل فرد وفهمه وحبذه وأدركه – يعبر عن ذاته، ويبتدئ في بعض أوقات النزاع المؤقت. ومن الناحية الثانية، إذا كان كل أعضاء البورجوازية الحديثة عندهم نفس المصالح طالما أنهم يشكلون طبقة ضد طبقة أخرى، فيكون لهم مصالح مضادة ومعاكسة طالما أنهم يقفون وجها لوجه مع طبقة أخرى، وهذا التناقض في المصالح ينتج عن أحوال الاقتصادية في الحياة البورجوازية ليس لها صفة عامة وبيسطة بل لها صفتان مضادتان: أي أن نفس العلاقات التي تنتج للغني تنتج للفقير أيضا. ونفس العلاقات التي نجدها في نمو القوى الانتاجية، نجد فيها تأخر للقوى الانتاجية، ونجد أن هذه العلاقات تنتج الثروة البورجوازية أي ثروة الطبقة البورجوازية. وتنمو هذه الثروة فقط لدى القضاء وباستمرار على ثروة الأعضاء الأفراد في هذه الطبقة وبإنتاج بروليتاريا متزايدة.

وكلما كانت الصفة التناقضية كبيرة كلما وجد الاقتصاديون – الممثلون العلميون للانتاج البورجوازي – أنفسهم في نزاع مع نظريتهم، وهكذا تقوم مدارس مختلفة.

عندنا الاقتصاديون الضالون الذين ينتحلون في نظريتهم بالنسبة ما يدعونه سيئات الانتاج الرأسمالي عندما يقابلون هذه النظرية بالبورجوازية أنفسهم إذ لا يهتمون لآلام البروليتاريا التي تساعدهم أن يجمعوا ثروتهم. ونجد في هذه المدرسة المضرة الكلاسيكيين والرومانتيكيين. الكلاسيكيون، كآدم سميث وريكاردو، يمثلون بورجوازية لا تزال تصارع ببقايا آثار المجتمع الاقطاعي، ويعملون على أن يطهروا العلاقات الاقتصادية من بقايا الاقطاعية وليزيدوا القوى الانتاجية وليقودوا الصناعة والتجارة. إن البروليتاريا تشارك في هذا الصراع وتقوم بتجربة هذا العمل وتتألم لأجله. إن البروليتاريا تشارك كآدم سميث وريكاردو اللذين يمثلون مؤرخي هذا العصر، لم يحملا أية رسالة إلا ليظهرا كيف أن الثروة تتجمع في علاقات الانتاج البورجوازي، وكيف يضعان قواعد هذه العلاقات في لوائح وقوانين، وأن يظهروا أن هذه القوانين واللوائح رفيعة وعالية وتناسب انتاج الثورة. إن الفقر في نظرهم ليس إلا الصرخة الصغيرة التي ترافق ولادة الطفل، في الطبيعة أو في الصناعة.

أما الرومانتيكيون فإنهم يخصون عصرنا الذي نجد فيه البورجوازية تعاكس البروليتاريا مباشرة في هذا العصر الذي يتكاثر فيه الفقر كما تتكاثر الثروة. يلقى الاقتصاديون من برجهم العالي، نظرة احتقار على الآلات البشرية التي تصنع الثروة. إنهم ينسخون كل التطورات التي تقدم بها سابقوهم.

وتأتي في الدرجة الثانية « المدرسة الانسانية » Humanitarian School التي توافق مع الناحية الشريرة لعلاقات الانتاج. وهي تبكي وتنوح على شقاء وتعاسة البروليتاريا، وعلى المنافسة الدائمة بين البورجوازيين أنفسهم، إنها تنصح العمال أن يتعلقوا بالصبر ويعملوا بنشاط وأن ينجبوا أطفالا قليلين، وهي تنصح البورجوازيين أن يفرضوا نشاطا منطقيا في الانتاج. وتعتمد نظرية هذه المدرسة على تمييز لا ينتهي بين النظري والواقعي، بين المبادئ والنتائج، بين الفكرة التطبيق، بين الشكل والمضمون، بين الجوهر والحقيقة، بين الحق والواقع وبين الناحية الصالحة والناحية الشريرة.

إن مدرسة الشفقة والرحمة Philanthropic هي المدرسة الانسانية ولكنها تحاول أن تصل الكمال. إنها تنكر ضرورة التناقض، وتريد أن تجعل كل الناس بورجوازيين، إنها تريد أن تحقق النظرية طالما هي بعيدة عن الواقع وطالما أنها لا تحتوي على تناقض. وهي تكمل – دون أن تقوله – أنه من السهل أن تخلق فكرة مجردة من المتناقضات التي نصادفها كل لحظة في الحقيقة الواقعية. وهذه النظرة تصبح حقيقة مثالية. يريد الانسانيون أن يتكلموا عن اللوائح التي تعبر عن فكرة العلاقات البورجوازية لكن دن إرجاعها إلى التناقض الذي يشكلها ولا يفترق عنها، يفكرون أنهم يحاربون البورجوازية جديا، وعلميا، بينما هم بورجوازيون أكثر من الجميع.

وبما أن الاقتصاديين هم الممثلون العلميون للطبقة البورجوازية، هكذا الاشتراكيون والشيوعيون هم نظريو صراع البروليتاريا. وطالما أن البروليتاريا لم تنم كفاية لتشكيل طبقة بذاتها وطالما أن صراع البروليتاريا ذاته مع البورجوازية لم يتخذ صفة سياسية بعد، والقوى الانتاجية لم تنم بكفاية في صدر البورجوازية ذاتها لتساعدنا على تحرير البروليتاريا وعلى تشكيل مجتمع جديد، فإن هؤلاء النظريين هم الطوباويون الذين – ليحققوا رغبات الطبقات المظلومة – يقدمون مناهجهم ويمضون ليفتشوا عن علم خلاق، ولكن لدى القول أن التاريخ يتحرك إلى الأمام، ويتقدم معه صراع البروليتاريا ويصبح أوضح، فإنهم لا يحتاجون أن يفتشوا عن العلم ولا يقدمون إلا المناهج، وطالما أنهم لا يزالون إلا في بداية الصراع، فإنهم لا يرون في الفقر إلا الفقر، دون أن يروه في الناحية الثورية التي ستجتاح المجتمع كله. ومن هذه اللحظة يوافق العلم – العلم الذي هو انتاج الحركة التاريخية – على هذه الناحية ولا يبقى نظريا بل يصبح ثوريا.

ولنعد الآن لبرودون.

لكل علاقة اقتصادية ناحيتها الصالحة وناحيتها الشريرة. ويرى برودون أن الاقتصاديين يعرضون الناحية الصالحة ويرى الاشتراكيين يرفضون ولا يقبلون الناحية الشريرة. فهو يستعير من الاقتصاديين ضرورة العلاقات الأبدية، ويستعير من الاشتراكيين خياله ليرى في الفقر لا شيء سوى الفقر. إنه يتفق مع كليهما إذ أنه يريد أن يقع على سيطرة العلم. والعلم بالنسبة له يصغر حتى يصبح نسبيا لقاعدة علمية، وهو الرجل الذي يفتش عن القواعد. إنه أقل من الاقتصاديين بما أنه – كفيلسوف – أراد أن يبدع قاعدة – فكر أنه يقدر أن يستغني عنهم وأن يمضي بمفرده ويبحث القضايا الاقتصادية – وهو أقل من الاشتراكيين لأنه لم تكن عنده الشجاعة الكافية ولا النظر البعيد لكي يرتفع عن مصاف البورجوازيين.

إنه يريد أن يكون الفكرة الناتجة Synthesis، إنه خطأ مركب. إنه يريد أن يظهر بمظهر رجل العلم الذي هو أعلى من البورجوازية والبروليتاريا، إنه بورجوازي صغير يتأرجح بين رأس المال والعمل، وبين الاقتصاد السياسي والشيوعية.

تقسيم العمل واستعمال الآلة

إن تقسيم العلم بالنسبة لبرودون يفتح الباب لمجموعات التطورات الاقتصادية :

الجانب الصالح لتقسيم العمل

« إن تقسيم العمل هو الطريقة التي تحقق مساواة الأحوال والذكاء » (المجلد 1، صفحة 93).

« أصبح تقسيم العمل بالنسبة لنا آلة الفقر » (المجلد 1، صفحة 94).

الجانب الشرير لتقسيم العمل

« إن العمل، لدى تقسيم ذاته وفقا للقانون الخاص به، ينتهي إلى نفي أهدافه ويحطم ذاته » (المجلد 1، صفحة 94).

حل المسألة

« لكي تجد الحل الذي يقضي على مساوئ تقسيم العمل وفي نفس الوقت تحتفظ بتأثيراته النافعة ». (المجلد 1، صفحة 97).

إن تقسيم العمل بالنسبة لبرودون قانون أبدي ولائحة بسيطة مجردة. إذن فالتجريد أو الفكرة يجب أن تكفي ليشرح تقسيم العمل وفقا لأزمنة تاريخية مختلفة. إن المذاهب، والشركات التضامنية، ذات الانتاج الضخم يجب أن تفسرها الكلمة الوحيدة « التقسيم » وأول ما يجب أن تعمله هو أن تدرس بإمعان معنى كلمة « تقسيم » ولا تحتاج بعدئذ أن تدرس العوامل المؤثرة العديدة التي تعطي تقسيم ا لعمل صفة محددة في كل عصر.

نجد بالتأكيد، أن الأشياء تصبح أسهل بكثير لو أننا أخفضناها للوائح برودون. والتاريخ لا يتابع مجراه بتنظيم التام كاللائحة. لقد أخذت ألمانيا ثلاث سنوات كاملة لكي تؤسس أول تقسيم للعمل ولفصل المدن عن الضواحي. وبنسبة علاقة المدينة والقرية نجد أن كل المجتمع قد نال أوصافه. وإذا أخذنا هذا المظهر من مظاهر تقسيم العمل، يحصل لدينا الجمهوريات القديمة، ويحصل لديك الاقطاعية المسيحية، وتحصل على انكلترا القديمة بباروناتها وتحصل على انكلترا الجديدة بأسياد القطن فيها.

ففي القرن الرابع والخامس عشر، عندما لم توجد مستعمرات بعد، وعندما لم يمكن لأمريكا تأثيرها على أوروبا ولم تكن معروفة جيدا، وعندما كانت آسيا توجد وتعيش بظل القسطنطينية، وعندما كان المتوسط محور النشاط التجاري، وعندما كان الاسبانيون والبرتغاليون والهولانديون والانكليز والفرنسيون، عندما كان لهم مستعمرات مؤسسة في كل أقسام العالم، إن اتساع السوق وهيكله الخارجي يعطي تقسيم العمل في أزمنة مختلفة شكلا خارجيا يعطيه صفته التي كان من الصعب الوصول إليها من كلمة تقسيم، من الفكرة، من اللائحة.

يقول برودون « إن كل الاقتصاديين منذ آدم سميث أشاروا إلى حسنات ومساوئ قانون التقسيم ولكنهم أصروا على الحسنات أكثر مما أصروا على السيئات لأن الحسنات كانت ذات خدمات أكثر لتفاؤلهم، ولم يعذب أحد بينهم نفسه ليعرف ما هي مساوئ القانون.. فكيف نرى نفس المبدأ يقود إلى نتائج معاكسة ؟ لم يوحد اقتصادي قبل أو بعد آدم سميث قدر أن يدرك أية مسألة يجب حلها. فساي يعترف أنه بتقسيم العمل نجد أن نفس السبب الذي يخلق الصالح يخلق الرديء أيضا ». (المجلد 1، صفحة 95-96).

يذهب آدم سميث أبعد مما يظن برودون. لقد رأى بوضوح « إن الفرق في المواهب الطبيعية عند رجال مختلفين، يقود إلى تقسيم العمل ». وكمبدأ، نجد أن الحمال يختلف عن الفيلسوف أقل مما يختلف كلب كبير عن كلب كبير آخر أصغر بقليل. إنه تقسيم العمل الذي أوجد خليجا بين الاثنين. وكل هذا لم يمنع برودون أن يقول في مكان ما أن آدم سميث لم تكن عنده أقل فكرة عن المساوئ التي يخلقها تقسيم العمل. وهذا ما يجعله يقول مرة أخرى أن ج. ب. ساي كان أول من اعترف أن تقسيم العمل يسبب « إنتاج الصالح وإنتاج الردئ ».

والآن لنستمع إلى لومونتي Lemontey « لكل واحد حاجته ».

« لقد شرفني ج. ب. ساي عندما تبنى في كتابه عن الاقتصاد السياسي المبدأ الذي أخرجته للنور، في المقطع الذي يتحدث به عن تقسيم العمل. وقد اقنع أن يعود إلى كتابي ويقول أنه أخذ المبدأ عني. هذا هو الدافع الوحيد الذي أقدر أن أصف به سكوت كاتب غني في مجموعاته أن يتنكر لدين صغير ». لومونتي، « الأعمال الكاملة ».

ولنقدم هذا المعروف له : لقد عرض لومونتي نتائج تقسيم العمل غير المسرة كما هي معروفة اليوم ولم يجد برودون شيئا ليضيفه عليه. والآن بسبب خطيئة برودون، نعود إلى هذا السؤال، من سبق الآخرين في عرض فكرته. ونقول مرة أخرى أنه قبل لومونتي، وقبل آدم سميث (كان آدم سميث تلميذا لفرجسون Fergson. لقد قدم فرجسون عرضا واضحا عن الموضوع في الفصل الذي يبحث بصورة خاصة تقسيم العمل).

« يشك بعض الأحيان أن كانت مقدرة الأمة تزداد بتقدم الفنون. إن كثيرا من الفنون الميكانيكية.. تنجح كثيرا تحت ضغط الشعور والمنطق، والجهل هو أم الصناعة والخرافة، والانعكاس والخطأ يخضعان للخطأ، ولكن عادة تحريك اليد أو القدم مستقلة عن المنطق والجهل. والصناعات نسبيا، تزدهر حيث لا يستشار العقل وحيث يمكن المعمل – دون جهد كثير وتفكير – أن يعتبر كآلة، والناس هم أقسام هذه الآلة… إن المدير العام يقدر أن يكون ماهرا في معرفة الحرب، بينما مهارة الجندي يمكن أن تنحصر بحركات قليلة باليد والرجل. فالأول يمكن أن يربح ما خسره الثاني.. والتفكير في هذا العصر، عصر التفرقة يمكن أن يصبح مهنة خاصة ». فرجسون، « بحث في تاريخ المجتمع المدني ».

ولكي نضع حدا لهذا الوصف الأدبي نفكر أن « كل الاقتصاديين أصروا على حسنات تقسيم العمل أكثر مما أصروا على سيئاته ». يكفي القول عندما نذكر سيسموندي.

وهكذا طالما أن حسنات تقسيم العمل تهمنا، فما كان من برودون إلا أن يقتطع الجمل والعبارات التي يعرفها.

ودعنا ننظر كيف يستنتج من تقسيم العمل – ويأخذ التقسيم كقاعدة عامة وكلائحة وكفكرة – السيئات المتعلقة به. وكيف يمكن أن هذه اللائحة أو هذا القانون أن يدعو إلى توزيع غير عادل للعمل فيدمر طريقة التعامل لبرودون ؟

« وفي هذه الساعة الرهيبة لدى تقسيم العمل تبتدئ العواطف تعصف بالانسانية. إن النجاح لا يكون في حالة متساوية وعلى نمط واحد… إنه يبتدئ بامتلاك عدد صغير من ذوي الامتيازات… إنه تفصيل الأشخاص في مجرى التقدم الذي حفظ لنا الاعتقاد في لامساواة الأحوال الطبيعية والالهية، وهذا هو سبب وجود المذاهب، إذ تعم الفوضى كل المجتمع » برودون، المجلد، صفحة 94.

إن تقسيم العمل خلق المذاهب. وأصبحت المذاهب الآن تشكل سيئات تقسيم العمل. وهكذا يكون تقسيم العمل هو الذي خلق السيئات. هل تريد أن تنقص الحقيقة وتسأل ما الذي جعل تقسيم العمل يخلق المذاهب والمؤسسات الفوضوية والأشخاص ذوي الامتيازات؟ سيخبرك برودون : إنه التقدم والنجاح. وما الذي خلق التقدم ؟ إنه التحديد. والتحديد بالنسبة لبرودون هو قبول الأشخاص في مجرى التقدم.

وبعد الفلسفة يأتي التاريخ. وليس التاريخ الوضعي أو التاريخ الديالكتيكي بل هو التاريخ المقارن. يقدم برودون برهانا عن عامل مطبعة في الزمن الحديث وعامل مطبعة في القرون الوسطى، وبين رجل العلم الحديث ورجل العلم في القرون الوسطى، وهو يرجح الميزان لكفة هؤلاء الذين يخلصون قليلا أو كثيرا لتقسيم العمل كما كان مفهوم في القرون الوسطى. إنه يقارن تقسيم العمل في زمن تاريخي معين بتقسيم العمل لزمن تاريخي آخر. أكان هذا ما أراد برودون أن يبرهن عليه ؟ كلا. كان يجب أن يرينا سيئات العمل عامة وسيئات تقسيم العمل كلائحة. وعلاوة على ذلك لماذا نعلق كثيرا على برودون، طالما أننا بعد قليل سنراه يقوم ضد هذه التطورات ؟

يتابع برودون ويقول : إن أول تأثير للعمل الجزئي بعد تحطيم الروح هو تطويل نقط التحول التي تكون في نسب معاكسة لحاصل مجموع الذكاء… ولكن بما أن طول مدة نقط التحول لا يمكن أن تزيد على 16 إلى 18 ساعة في اليوم – وفي الوقت الذي لا يمكننا أن نأخذ مكافأة من الوقت فإننا نأخذها من السعر فتهبط الأجور. والمؤكد – وهو الشيء الوحيد الذي يجب ملاحظته – أن الضمير العالمي لا يتحدد بنفس النسبة التي نحدد فيها عمل رئيس الورشة وعمل مساعد ميكانيكي. فمن الضروري إذن أن ننقص يوم العمل حتى لا يتأثر العامل – بعد أن يكون قد تأثر بروحه لهذا العمل التأخيري – من الضربة التي أصابت جسده من جراء اضعاف مكافأته ». (المجلد 1، صفحة 97-98).

نحن نمر مرور الكرام على القيمة المنطقية لهذا الاستقرار، هذا الاستقرار الذي يدرسونه كان استقرارا كاذبا يقود للضلال.

وهذا هو صلب وماهية هذا الاستقرار :

إن تقسيم العمل يحقر العامل إلى درجة متأخرة، وبهذه الدرجة المتأخرة تتعلق روح تعيسة، والروح التعيسة بنقصان مستمر لهبوط الأجور ولكي يبرهن أن هذا التنقيص مؤلم لروح تعيسة يقول برودون – وهو يحاول أن يخفف ألم ضميره – هذا هو ما يريد الضمير العالمي. وهل نقدر أن نعد روح برودون في عداد الضمير العالمي؟

إن الاعتماد على الآلة هو بالنسبة لبرودون « تعاكس الفكرة Antithesis المنطقي لتقسيم العمل » وبمساعدة ديالكتيكية يبتدئ بتحويل استعمال الآلة إلى المعمل.

وبعد أن يكون قد افترض مسبقا المصنع الحديث – حتى يجعل الفقر نتيجة تقسيم العمل – يفترض برودون مسبقا أن تقسيم العمل أوجد الفقر، ولكي يأتي إلى المصنع ويكون قادرا أن يمثله ويقدمه كديالكتيك النفي لذلك الفقر. وبعد أن يقضي على العامل أخلاقيا بعملية التأخير والتنقيص التي قام بها، وبعد أن يقضي عليه جسديا بواسطة قلة الأجور، وبعد أن يضع العامل تحت رحمة رئيس العمل، وبعد أن يخفض من قيمة عمله حتى يقارنه بعمل مساعد ميكانيكي، نراه يلقي اللوم مرة أخرى على المصنع وعلى استعمال الآلة لأنها كانت سبب تأخر العامل « لأنها أصبحت سيدا له »، ويكمل تنقيصه وتحقيره إذ يجعل العامل يسقط من درجة عامل إلى درجة عامل بسيط ». يا له من ديالكتيك ممتاز ! ولو كان قد توقف هنا ! لكن كلا، كان عليه أن يوجد تاريخا جديدا لتقسيم العمل، وليس عليه أن يستنبط المتناقضات منه، بل أن يبني المصنع بالنسبة لذوقه. وليصل لهذا الهدف يجد نفسه مجبرا أن ينسى كل ما قاله عن تقسيم العمل.

ينظم العمل ويقسم بطرق مختلفة بناء على العوامل التي تقوم عليها، إن طاحونة اليد تفترض مسبقا تقسيم عمل مختلف عن تقسيم العمل لطاحونة بخارية. وهكذا فهو يصنع التاريخ بهذا الوجه لأنه يريده أن يبتدئ بتقسيم العمل عامة حتى يحصل على آلة خاصة للإنتاج، أي الآلة.

إن استعمال الآلة لم يعد لائحة اقتصادية أكثر مما هي محراث يسحب سكة الفلاحة. إن الآلة هي قوة إنتاجية. والمصنع الحديث – إذ يعتمد على استعمال الآلة – يكون علاقة اقتصادية، ولائحة اقتصادية.

ولننظر كيف تحدث الأشياء في خيال برودون.

« نجد في المجتمع أن المظهر الدائم للآلة هو الفكرة العكسية Antithesis أي القاعدة المعكوسة لتقسيم العمل، إنها احتجاج العبقرية الصناعة على العمل الجزئي. وما هي الآلة؟ إنها طريقة لتوحيد عدة أجزاء من العمل تفرقت من جراء تقسيم العمل. ويمكن تحديد كل آلة كأنها خلاصة لعمليات عديدة… وهكذا بواسطة الآلة يمكن إعادة سيطرة العمل… واستعمال الآلة – الذي هو في الاقتصاد السياسي مناقض لتقسيم العمل – يمثل نتيجة الفكرة Synthesis والتي يجدها في العقل الإنساني معاكسة للتحليل. لقد فرق التقسيم اقتسام العمل المختلفة وترك كل قسم أن يكرس ذاته للتخصيص الذي يناسبه أكثر من غيره، فالمصنع يجمع العمال وفقا لعلاقة كل جزء بالكل… إنه يدخل مبدأ السلطة في العمل… ولكن ليس هذا كل ما في الأمر : فالآلة أو المصنع – بعد أن يحقر أو يؤخر العامل لأنه أوجد سيدا له (الآلة) – يكمل تحقيره إذ يجعله يهبط من درجة عامل مهني إلى درجة عامل بسيط… والفترة التي نمر بها الآن – فترة استعمال آلة – تمتاز بصفة خاصة هي العامل الذي يتقاضى أجرة. إن عامل الأجرة نتيجة لتقسيم العمل واللتبادل » (المجلد 1، صفحة 135، 136، 161).

ولنقدم ملاحظة بسيطة لبرودون. إن تفريق أقسام العمل المختلفة – تاركا كل قسم نوع اختصاصه الذي يناسبه – يعد تفرقة يضع لها برودون تاريخا يعود إلى بداية العالم – ويوجد هذا التفريق اليوم في الصناعة الحديثة في ظل نظام المنافسة.

يستمر برودون ليعطي « تسلسا مهما » ليظهر كيف أن المصنع قام من جراء تقسيم العمل وأن عامل الأجرة قام من جراء وجود المصنع.

1- إنه يفترض رجلا « لاحظ أنه إذا قسم الإنتاج إلى أقسام مختلفة وجعل عاملا يقوم بكل قسم على حدة » فإن قوى الانتاج تتضاعف.

2- هذا الرجل « وهو ماسك بخيط الفكرة يخبر نفسه أنه عندما يشكل جماعة دائمة من العمال يختارهم لهدف خاص يحصل على انتاج أحسن ».

3- يقدم هذا الرجل اقتراحا أو عرضا للرجال الآخرين ليجعلهم أن يعقلوا فكرته وخيط فكرته.

4- هذا الرجل، عند بدء الصناعة، يطبق شروط المساواة مع رفاقه الذين يصبحون بعدئذ عماله.

5- كل واحد يتحقق، بالواقع، أن هذه المساواة الأصلية يجب أن تختفي بسرعة وفقا لمركز السيد واعتمادا عامل الأجرة عليه.

هذا هو مثال طريقة التاريخ الوضعي.

ودعنا الآن نفحص – من الناحية التاريخية والاقتصادية – إن كان المصنع أو الآلة قد أدخلت مبدأ السلطة في المجتمع نتيجة لتقسيم العمل، فيما إذا عوضت للعامل من جهة بينما اخضعته للسلطة من جهة ثانية، وفيما إذا كانت الآلة عبارة عن إعادة تشكيل تقسيم العمل.

إن المجتمع كله يمثل المصنع بداخله وله أيضا تقسيم العمل. وإذا أخذ شخص تقسيم العمل في معمل ما حتى يطبقه على المجتمع كله، نجد أن المجتمع الذي ينظم جيدا لانتاج الثروة يجب أن يكون له رئيس، مستخدم واحد. ويوزع هذا الرئيس الواجبات على أعضاء الجماعة العديدين بناء على قاعدة ثابتة ولكن ليست هذه هي الحالة. بينما نجد داخل المصنع الحديث أن تقسيم العمل ينظم برداءة بواسطة المستخدم، نجد أن المجتمع الحديث لا يملك قاعدة أخرى ولا سلطة أخرى لأجل توزيع العمل إلا المنافسة الحرة.

كان تقسيم العمل في النظام البطريكي وفي نظام المذاهب وفي النظام الاقطاعي والنظام التضامني موجودا في المجتمع كله وفقا لقواعد ثابتة. هل هو المشروع الذي وضع هذه القواعد؟ كلا. لقد انبثقت في الأصل عن أحوال الانتاج المادي، وأصبحت قوانين بعد ذلك. ونجد بهذه الطريقة أن أشكال تقسيم العمل المختلفة أصبحت قواعد كثيرة للتنظيم الاجتماعي. وبما يتعلق بتقسيم العمل في المعمل فإن تطورة ونموه كان قليلا كما كان في المجتمع.

ونقدر أن نقول كقاعدة عامة أنه كلما قلت السلطة القائمة على تقسيم العمل داخل المجتمع كلما زاد نمو تقسيم العمل في المعمل، وكلما خضع العمال في المعمل لسلطة شخص واحد. وهكذا نجد السلطة في المعمل والسلطة في المجتمع – بالنسبة لتقسيم العمل – بنسبة معاكسة لبعضها.

والسؤال الذي يطرح الآن ! ما هو هذا المصنع الذي تجد فيه الأعمال متفرقة عن بعضها، وتجد عمل كل عامل مصغرا لعملية بسيطة، وتجد السلطة ورأس المال يجتمعان ليوجها ويقودا العمل، وكيف وجد هذا العمل ؟ وحتى نجيب على هذا السؤال علينا أن نفحص كيفية نمو الصناعة المنتجة، وإني لا أتكلم هنا عن تلك الصناعة التي لا نسميها صناعة حديثة بآلاتها، ولا نسميها صناعة مهنيي القرون الوسطى ولا نسيمها صناعة وطنية. وسوف لن نتطرق لذكر تفاصيل عديدة : بل سنقدم عدة نقط رئيسية لنظهر أن التاريخ لا يضيع بالقواعد والمعادلات.

إن الشروط الرئيسية لتشكيل الصناعة المنتجة كانت : تجمع رأس المال واكتشاف أمريكا واستيراد معادنها الثمينة، هو الذي سهل تجمع رأس المال.

لقد برهن أن زيادة وسائل التبادل أدت إلى تخفيض الأجور وتخفيض ريع الأرض. هذا من جهة، ومن جهة ثانية أدت إلى نمو الأرباح الصناعية. وبشكل آخر : أدت إلى الحد الذي غرقت إليه الطبقة الحاكمة وطبقة العمال، السيد الاقطاعي والشعب الفقير، لقد أدى هذا التناقض إلى قيام الرأسمالي « البورجوازي ».

كانت توجد ظروف أخرى ساعدت على نمو الصناعة المنتجة : إن زيادة السلع الموضوعة للتداول من اللحظة التي اخترقت فيها التجارة الهند الشرقية عن طريق رأس الرجاء الصالح، أدت إلى طرق باب الاستعمار وإلى نمو التجارة البحرية.

وهناك نقطة أخرى لم تبرهن بكفاية لدى دراستنا لتاريخ الصناعة المنتجة وهي تحطيم اتباع وضحايا الأسياد الاقطاعيين الذين أصبحوا متجولين فقراء قبل أن يدخلوا المعمل. إن خلق المعمل سبقته بطالة وفقر شديد في القرن الخامس عشر والقرن السادس عشر.

وقد وجد المعمل مساعدا قويا في الفلاحين العديدين الذين كانوا يطردون باستمرار من القرى وسبب هذا الطرد كان من جراء تحويل الحقول إلى مراع ومن جراء التقدم في الزراعة التي أصبحت تحتاج لعمال قليلين لفلاحة الأرض، لقد تجمهر هؤلاء الفلاحون في المدن أثناء القرن كله.

فنمو السوق وتجمع رأس المال وتكييف الوضع الاجتماعي للطبقات، ولوجود عدد كبير من الأشخاص مجردين عن دخلهم، هذه كلها هي الأحوال التاريخية التي أدت لتشكيل الصناعة. ولم تكن الأسباب، كما يقول برودون، عبارة عن اتفاقات ودية بين أفراد متساوين أدت إلى جذب الناس للمعمل. ولم يكن السبب الذي أدى لخلق الصناعة نائما في صدور النقابات القديمة، لقد كان التاجر الذي أصبح رئيس المصنع الحديث، ولم يكن رئيس النقابة القديمة هو الذي أصبح رئيس المصنع. وتقريبا في كل مكان كنا نجد صراعا هائلا بين الصناعة وبين أرباب المهن.

إن تجمع وحصر الوسائل والعمال سبق نمو تقسيم العمل داخل المصنع. وكانت الصناعة عبارة عن تجمع كثير من العمال وكثير من المهنيين في مكان واحد وفي غرفة واحدة ليكونوا تحت أمر الرأسمالي أكثر مما كانت نتيجة العمل وتقسيمه أو لتعرض عامل مختص لعمل بسيط جدا.

وكانت منفعة المعمل لا تقوم إلا قليلا على تقسيم العمل ولم تقم على أن المعمل كان على نطاق واسع أو أن المصاريف غير الضرورية يجب أن توفر الخ.. وفي نهاية القرن السادس عشر وفي بداية القرن السابع عشر : كنا نجد الصناعة الهولندية لا تعرف شيئا عن تقسيم العمل.

إن نمو تقسيم العمل يفترض تجميع العمال في المصنع. ولم يكن هناك برهان واحد – في القرن السادس عشر والسابع عشر – يدلنا على وجود فروع مختلفة لمهنة عمل واحد أو أن الصناعة كانت تحتاج لتجميع عدد من العمال ليختصوا في عمال ما، ليقوموا بالعمل. ولكن حالما وُجد الناس ووُجدت الآلام معهم نجد عندئذ أن تقسيم العمل – كالتقسيم الذي كان موجودا بشكل نقابات – كان نتيجة لوجود الناس والآلات بجانبهم، وعكست هذه النتيجة تقسيم العمل داخل المعمل.

ولنقل لبرودون الذي يرى الأشياء عاليها سافلها – إن كان يراها – أن تقسيم العمل – بنظر آدم سميث – يسبق المعمل الذي هو شرط لوجوده.

واستعمال الآلة – كما ندعوها – تعود لأواخر القرن الثامن عشر ولا تعد شيئا أكثر حقا من أن نرى أن الآلة، الفكرة المعاكسة Antithesis، لتقسيم العمل، ونتيجة الفكرة Synthesis تعيد وحدة تقسيم العمل.

إن الآلة هي توحيد وسائل العمل، وهي أيضا توحيد عدة عمليات للعامل نفسه « وعندما، لدى تقسيم العمل، تكون كل عملية خاصة مبسطة وسهلة لاستعمال أداة واحدة، فإن اتحاد هذه الأدوات لكل عملية خاصة، وعندما نضعها لتقوم بحركة واحدة في الجرك، هذا العمل يشكل مفهوم – الآلة ». إن الأدوات البسيطة وتجميع الأدوات البسيطة، والأداة المركبة، لدى وضع هذه الأدوات لتحريك الأداة المركبة بيد واحدة بواسطة الرجل، ولدى تحريك هذه الأدوات بالقوى الطبيعية بالآلات، وطريقة الآلات التي لها محرك واحد، وطريقة الآلات التي لها محرك أوماتيكي – هذا هو تقدم الآلة.

إن تجمع وسائل الانتاج وتقسيم العمل وعدم تفريقهما عن بعضهما يشبه في الحقل السياسي، تجمع السلطة العامة وتقسيم المصالح الفردية. فانكلترا – وهي بحالة تجمع الأرض، والأرض هي أداة العمل الزراعي – كان لها في نفس الوقت تقسيم الوقت للعمل الزراعي وتطبيق الآلة لاستثمار التربة. وفرنسا التي كانت معروفة بتقسيم الوسائل أي طريقة الممتلكات – لم يكن لها لا تقسيم عمل زراعي ولا تطبيق الآلة لاستثمار التربة.

إن تجمع وسائل العمل بالنسبة لبرودون هو نفي تقسيم العمل. وفي الواقع نجد العكس. وبما أن تجمع الوسائل ينمو فإن التقسيم ينمو أيضا، والعكس بالعكس. وهذا هو السبب أن كل كل اختراع ميكانيكي كبير يتبعه تقسيم عمل أكبر، وكل زيادة في تقسيم العمل يخلق بدوره اختراعات ميكانيكية جديدة.

لا نريد أن نذكر أن التقدم العظيم لتقسيم العمل ابتدأ في انكلترا بعد اختراع الآلة. وهكذا فالحياكيون والغزالون كانوا بأكثريتهم فلاحين مثل الفلاحين والحياكين الذين لا نزال نجدهم في الدول المتخلفة. إن اختراع الآلة سبب تفريق الصناعة المنتجة عن الصناعة الزراعية. لقد مزقت الآلة بين النساج والغزّال وقد كانوا متسلسلين من نفس العائلة أي من نفس نوع العمل. وشكرا للآلة، فالغزال أصبح يعيش في انكلترا بينما النساج أصبح يعيش في جزر الهند الشرقية – وقبل اختراع الآلة كانت صناعة بلاد تقوم بالدرجة الأولى على المواد الأولية التي كانت من منتوجات ترابها : ففي انكترا – الصوف، وفي ألمانيا – الغزل، وفي فرنسا – الحرير، وفي جزر الهند الشرقية وفي الشرق – القطن الخ.. وشكرا لادخال الآلة والبخار لأن تقسيم العمل أصبح قادرا أن يخلق هذه المقاييس التي تعتمد عليها الصناعة ذات الانتاج الضخم في السوق العالمي وفي التبادل العالمي – في تقسيم العمل العالمي. وباختصار – نقول أن الآلة لها تأثير كبير على تقسيم العمل لأنه لدى صناعة شيء ما نقدر أن نجد وسيلة لتنتج أقسامه ميكانيكيا : والشيء المصنوع ينقسم إلى عملين مستقلين عن بعضهما.

وهل نحتاج أن نتكلم عن الهدف الإنساني والهدف الإلهي الذي يكتشفه برودون في اكتشاف واستعمال أول آلة؟

عندما نما السوق في انكلترا نموا كبيرا حتى أن الصناعة اليدوية لم يعد لها مكان، نجد أن الحاجة للآلة أصبحت مهمة. وبعدئذ أتت فكرة تطبيق العلم الميكانيكي الذي ابتدأ ينمو في القرن الثامن عشر.

لقد ابتدأ المعمل الأوتوماتيكي عمله ببعض الأعمال الصغيرة التي كانت تحسب أعمالا إنسانية. لقد كان الأولاد يعملون تحت ضربات السوط، وجعل الأولاد مسألة مصلحة حتى أن المعامل أخذت تفتش عن الأيتام لتشغيلهم. وكانت كل القوانين المطبقة على تعليم المهن قد أعيدت لأنه – لنستعمل جملة برودون – لم يعد أحد بحاجة للعمال كنتيجة للفكرة Synthesis. وأخيرا من سنة 1825 أو ما بعدها كانت تقريبا كل الاختراعات الجديدة نتيحة لاصطدامات بين العامل ورب العمل، لأنه رب العمل كان يحاول مهما كلفه الأمر أن ينقص ويحقر مقدرة الاختصاص عند العامل، وبعد كل اضراب مهما كانت أهميته كانت تظهر آلة جديدة، وقليلا ما كان العامل يرى في الآلة نوعا من استعاضة عمله لكنه في القرن الثامن عشر وقف موقفا لسلطة الآلة.

يقول الدكتور أور « لقد اخترع هوايت الآلة التي تدور… (وأصابع الغزل اخترعها اركرايت)… ولم تكن الصعوبة الوحيدة في اختراع الآلة لذاتها… بل الصعوبة في تثقيف الناس ليستلموا عادات العمل غير المنظمة وأن تجعلهم يخضعون أنفسهم لنظام الآلة المتغير. ولوضع شريعة ناجحة لنظام المعمل (تناسب حاجيات ومتطلبات آداب المعمل) كان مشروع اركرايت ».

ونقول باختصار أن ادخال الآلة سبب نمو تقسيم العمل ضمن المجتمع، وسهل عمل العامل ضمن المعمل، وسبب تجمع رأس المال وسبب أيضا تقسيم الناس.

وعندما يريد برودون أن يكون اقتصاديا وأن يهمل لزمن ما « تطور الأفكار في فهم علاقة اللوائح » فإنه يتخذ أقواله من آدم سميث ولكي نشرح هذا جيدا علينا أن نقرأ هذه المقاطع من كتاب الدكتور أور ( كتابه « فلسفة الصناعيين » ).

« عندما كتب آدم سميث آراءه الإقتصادية الخالدة – وكانت الآلة الأوتوماتيكية تكاد أن تكون مجهولة – أعتـُبر تقسيم العمل المبدأ الأول لتحسين الصناعة وبرهن في مثاله عن صناعة الدبُّوس – كيف أن كل صاحب مهنة وهو قادر على أن يتمرن ليتخصص في نقطة واحدة يصبح عاملا أرخص وأسرع. ورأى في في كل فرع من فروع الصناعة أن بعض الأقسام – بناءاً على مثال صناعة الدبوس – سهلة مثل قطع دبابيس من الأسلاك بأطوال متناسبة وبعضها صعب مثل تشكيل وتثبيت الرؤوس (أي رؤوس الدبابيس) ! واستنتجَ أن لكل قسم من أقسام صناعة الدبوس يجب تعيين عامل ذي قيمة مناسبة، وهذه القيمة المناسبة تشكل جوهر تقسيم العمل.. ولكن الشيء الذي كان على أيام الدكتور سميث موضوعاً مهماً، لا يمكن أن يُعدَّ اليوم هاماً ؛ لكي لا نقود الشعب إلى الخطأ، ولكي لا يكون مبدءاً للصناعة. وفي الواقع أن التقسيم، أو بالأحرى تكييف العمل لذكاء الناس المختلف لا يفكر به المعمل. وعلى العكس عندما تحتاج عملية ما مهارة خاصة وثبات يد، فإن هذه العملية لا تطبق على العامل الماهر؛ لأن عملاً آخر لايناسبه يُعطى له، ويقوم بعمل ميكانيكي آخر يقوم به طفل صغير.

« إن مبدأ نهج المصنع هو – استبدال مهارة اليد بالعلم الميكانيكي – تفريق عملية لأقسامها الضرورية، بالنسبة لتقسيم وإعطاء درجات العمل للعمال والمهنيين. ففي أيام الصناعة اليدوية كان الإنتاج يكلف كثيراً، ولكن بالطريقة الأوتوماتيكية (أي الآلة) نجد أن المهارة في العمل تتفوق ويستعاض عنها بأناس ينظرون إلى الآلات فقط ولا يعملون شيئاً بأيديهم. »

« ونرى أنه كلما كان العامل ماهراً، ورغم أنه قادر على أن يبدع في عمله، فإنه لن ينفع شيئاً طالما أن الآلة هي التي تقوم بالعمل عنه، ولذلك فهو يسبب خسارةً لكل المصنع إن عمل بمهارته. فالشيء المهم بالنسبة للصناعة الحديثة هو– إتحاد رأس المال والعلم – تخفيف مهارة العمال. »

« وبالنسبة لإيجاد درجات العمل نجد أن الرجل عليه أن يخدم في مهنته سنين عديدة قبل أن تصبح يده أو عينه ماهرة لكي تقوم بالعمل الآلي، ولكن لدى تقسيم العمل إلى أعمال صغيرة جداً، أو لدى قيام الآلات بهذه الأعمال الصغيرة، نرى أنه لا يمكن تسليم هذه الآلة لشخص معتدل في مهارته ويمكن مدير العمل استبداله متى شاء.أن هذا لا يتفق مع مبدأ تقسيم العمل في الماضي؛ إذ كان يوضع رجل لتهيئة رأس الدبوس وآخر لتنعيمه، هذا العمل البسيط المزعج طول الحياة… ولكن لدى تساوي العمال كلهم بوجود آلات تعمل بذاتها، فإن فن الشخص ومهارته يجب أن تخضع لتمرين خاص يناسب عمل الآلة.. وبما أن العمل هو الوقوف على آلة منظمة بذاتها فإنه يقدر أن يستلم عمله بمدة قصيرة، وعندئذ ينتقل من العمل على آلة للعمل على آلة أخرى، فإنه يبدل عمله ويوسع آراءه لأنه يفكر بهذه الأقسام المختلفة تنتج عن عمله وعمل رفاقه العمال. إذاً لنتخلص من النظرة الضيقة التي وصفت بها تقسيم العمل أنها تضيق أقف العامل،إن هذه النظرة الضيقة لا توجد بعد في حالة التوزيع العادل للصناعة… »

« إن هدف تحسين كل صناعة حتى تتفوق على العمل البشري، أو لكي تنقص من قيمته ولكي يستعيض تحسين الصناعة بعمل الرجال عن عمل النساء والأولاد أو بالأستغناء عن عمل المهنيين… وهذا الميل الذي يهدف لخلق أولاد بعيون يقظة، وبأصابع ماهرة عوضاً عن عمال مياومة ولهم إختبارات كبيرة يظهر لنا كيف أن الصناعيين المتنورين لم يطبقوا نظرية تقسيم العمل بالنسبة لدرجات المهارة ».

يقول لومتني « إننا نُعجب ونُدهش عندما نرى بين الأقدمين شخصاً يميزه عن غيره بأنه فيلسوف، وشاعر، وخطيب، ومؤرخ، وكاهن، وإداري وقائد جيش من الدرجة الأولى. إن أرواحنا تتألم لمثل هذا الحكم. وكل واحد منا يحصر نفسه في دائرة صغيرة، ويطلق النار على نفسه، ولا أدري إن كان هذا العمل يوسع العلم أو ينقصه ».

والصفة التي نطلقها على تقسيم العمل في المصنع الأوتوماتيكي هي أن العمل هناك فقد صفته في الإختصاص. ولكن عندما يقف كل نمو خاص فالحاجة للتعليم والميل لوجود نمو جديد للفردية يقود الثورة. إن المصنع الأوتوماتيكي يقضي على الإختصاصيين والمهنيين المجانين.

إن برودون – وهو لم يفهم هذه الناحية الثورية في المصنع الأوتوماتيكي – يأخذ خطوة للوراء ويقترح على العامل أنه لا يقوم فقط بالقسم الثاني عشر من صناعة الدبوس، لكنه يجب أن يعمل كل الأقسام الثانية عشرة. والعامل عندئذ يصل إلى فهم وإدراك صناعة الدبوس. وهذه هي نتيجة فكرة برودون – ولا أحد يعارض أنه لدى القيام بحركة للأمام وحركة للوراء، يعني القيام بحركة نتيجة فكرة.

ولنقل خلاصة، نقول أن برودون لم يكن إلا بورجوازياً صغيراً مثاليا. ولكي يحقق مثاليته ما كان يفكر إلا أن يرجعنا إلى العامل اليومي، وإلى المهنيين الإختصاصيين في القرون الوسطى. هذا ما يقوله في مكان ما في كتابه أنه يكفي أن يخلق عملاً عظيما مرة في الحياة، وأنه يشعر أنه كان رجلا ولو مرة واحدة ! ليس هذا العمل العظيم هو الشيء الذي كانت تطلبه النقابات التجاريه في القرون الوسطى.

المنافسة والاحتكار

الناحية الصالحة للمنافسة: « المنافسة ضرورية للعمل، كتقسيم العمل، وضروريه لتقدم المساواة ».

الناحية الشريرة للمنافسة: « المبدأ هو نفي ذاته. ونتيجته الكبرى هي أنها تسبب خراب كل من يجري ورائه ».

الإنعكاس العام: « إن المساوىء التي تظهر عند بدء المنافسة كالناحيه الصالحة… وكلا الحالتين (الصالحة والشريرة) تصدر عن نفس المبدأ ».

الموضوع الذي يجب حله: « لكي نطبق مبدأ التناسب يجب أن نقتبسه عن قانون أعلى من الحرية ذاتها ».
« لا يمكن أن نوجد سؤالا ليهدم المنافسة، وهذا شيء مستحيل، إذ لا يمكن تهديم النافسة كما لا يمكن تهديم الحرية، علينا فقط أن نوجد تساوياً ».

يبتديء برودون ويدافع عن الضرورة الأبدية للمنافسة ضد هؤلاء الذين يريدون أن يستعيضوا عنها بالتناحر(وهؤلاء هم أتباع فورييه).

لا توجد « منافسة لا هدف لها ». وربما أن موضوع كل شعور وميل يشبه الشعور نفسه، مثلاً – امرأة بالنسبة للحب، القوة بالنسبة للطموح، الذهب بالنسبة للرجل الذي ينكر نفسه ويتعلق بشهواته ولذاته، والكيل الزهر بالنسبة للشاعر – إن موضوع التناحر الصناعي يعني بالضرورة الربح، والتناحر ليس إلا المنافسة ذاتها ». المجلد 1، صفحة 187.

إن المنافسة هي التناحر بالنسبة للربح. وهل التناحر الصناعي بالضروره تناحر بالنسبة للربح، أي المنافسة ؟ يبرهن برودون هذا القول لدى تأكيده. ونحن رأينا بالنسبة له أن التثبيت في القول هو البرهان، كما أن الإفتراض هو النكران.

إن كانت المرأة موضوع أو هدف المحب، فإن الإنتاج وليس الربح هو هدف التناحر الصناعي.

ليست المنافسة تناحرا صناعيا، إنها تناحر تجاري. ويوجد في وقتنا تناحر صناعي فقط في نظر التجارة. وتوجد أوقات في التاريخ الإقتصادي للأمم نجد كلاً يحاول أن يربح دون أن ينتج. إن هذه المحاولة لأجل الربح إذ تحدث في أوقات معينة، تحمل في ثناياها شخصية المنافسة، هذه المنافسة التي تحاول أن تتهرب من حاجة التناحر الإقتصادي.

لو أخبرت مهنياً في القرن الرابع عشر أن الإمتيازات، وأن التنظيم الإقطاعي الصناعي سيقضى عليهما، وسيستعاض عنهما بالتناحر الصناعي، الذي يدعى المنافسه، لأجابك أن إمتيازات الإتحادات التجارية العديدة والنقابات والجمعيات الأخوية، كانت عبارة عن منافسة منظمة. يبرهن برودون أنه يحسن هذا القول عندما يثبت أن التناحر ليس إلا المنافسة ذاتها.

« صدر مرسوم في كانون الثاني سنة 1847 يؤكد أنه سيضمن العمل والأجور للجميع، وحالاً بعد هذا سيتبع ركود هائل للصناعة » (المجلد 1، صفحة 189).

وعوض الإفتراض والنفي، حصل عندنا مرسوم وهو أن برودون سيبرهن عن ضرورة المنافسة، وخلودها كلائحة، إلخ.

إننا لن نخفف شيئاً من المصيبة إذا اعتقدنا أن المراسيم هي كل ما نحتاجه لكي نقضي علة المنافسة. وإذا كنا نتخيل كثيراً، ونقترح أن نقضي على المنافسة بينما نضيف على الأجور، فنكون كأننا نقترح لا شيء لدى استعمال مرسوم ملكي. لكن الأمم لا تقوم على المراسيم الملكية. وقبل تهيئة هذه المراسيم، يجب أن تكون قد حوت وتضمنت من عاليها لسافلها شروط وجودها الصناعي والسياسي، وبالنتيجة يجب أن تبدل كيانها الملكي.

يجيب برودون – بتأكيده الثابت – إن هذه ليست إلا فرضية « تحويل طبيعتنا دون مقدمات تاريخية »، وأنه محق « عندما يبعدنا ويجردنا عن النقاش »؛ لأننا لا نعرف شيئا عن المراسيم.

لا يعرف برودون أن التاريخ كله ليس إلا تحويلاً مستمراً للطبيعة البشرية.

« دعنا نتعلق بالواقع. قامت الثورة الفرنسية لأجل الحرية الصناعية، كما أنها قامت لأجل الحرية السياسية، رغم أن فرنسا سنة 1789، لم تدرك – لنقل هذه الكلمة بصراحة – كل نتائج البدأ الذي طلبت تطبيقه. ولن أنازع أبدا من يقوم ضدي ويقول أن مبدأ 25 مليوناًً من الناس كان مبدأ خاطئاً… لماذا إذن المنافسة مبدأ للإقتصاد الإجتماعي مرسوما للمصير، وحاجة للروح البشرية، لماذا عوضاً أن نقضي على الإعتمادات الكبرى والنقابات والأخويات، لماذا لا يفكر كل واحد أن يصلح الجميع ؟ (المجلد 1، صفحة 191-192).

وهكذا، بما أن فرنسا القرن الثامن عشر قضت على الأتحادات الكبرى، والنقابات والأخويات عوضاً عن إصلاحها وتكييفها، فإن فرنسا القرن التاسع عشر يجب أن تكيف المنافسة وتصلحها عوضاً عن القضاء عليها. وبما أن المنافسة تأسست في فرنسا، في القرن الثامن عشر كنتيجة للحاجات التاريخية،فيجب أن لا تهدم هذه المنافسة في القرن التاسع عشر من جراء وجود حاجات تاريخية أخرى. إن برودون – وهو يعرف أن تأسيس المنافسة كان مرتبطاً بتطور الناس في القرن الثامن عشر– يجعل المنافسة ضرورة للروح البشرية في Partilus infidelium (أرض ناكري الجميل) وماذا كان يريد أن يصنع بكولبرت القرن السابع عشر العظيم ؟

إن مشاريع وأعمال الدولة الحاضرة تأتي بعد الثورة. ويستنتج برودون وقائع منها ليظهر خلود المنافسة، ببرهانه إن كل الصناعات هي في حالة انحطاط وتقهقر.

ولنقل أنه توجد صناعات لم تصل بعد درجة المنافسة، وأن بعض الصناعات لا تزال تحت مستوى الإنتاج البورجوازي. إن هذا القول ليس إلا مقدرا لا يقدم لنا ولو برهانا صغيراً على خلود المنافسة.

إن منطق برودون يقود إلى هذا: المنافسة هي علاقة إجتماعية نطور بها قوانا الإنتاجية. إنه لا يعطي لهذا الحق نمواً وتطوراً منطقياً، بل يعطي اشكالاً – غالبا تكون نامية ومتطورة – عندما يقول أن المنافسة هي احتكار صناعي وهي حرية العصر الحاضر، وهي مسؤولية في العمل، وهي تشكل القيمة، وشرط من شروط تقدم المساواة ومبدأالإقتصاد الإجتماعي، ومرسوم يقرر المصير، وضرورة للروح اليشرية، وإلهام العدل الأبدي، والحرية في التقسيم والتقسيم في الحرية، وهي لائحة إقتصادية.

« إن المنافسة والتجمع لا تساند الواحدة الأخرى، وليستا مفترقتين، وكل من يتكلم عن المنافسة يفترض حالا هدفاً عامَاً. فالمنافسة إذن ليست أنانية. وخطيئة الإشتراكية الكبرى هي افتراضها أن المنافسة تهدم الجميع ». (المجلد 1، صفحة 223).

كل واحد يتكلم عن المنافسة يقصد هدفا عاماً، وهذا يبرهن أن المنافسة هي التجمع، وأنها ليست أنانية. ومن يتكلم عن الأنانية،الا يقصد هدفا عاماً ؟ إن كل أنانية تعمل في المجتمع وبواقع المجتمع. وهي تفترض مسبقاً المجتمع؛ أي تفترض أهدافاً عامة، وحاجات عامة، ووسائل إنتاج عامة إلخ… ألا يكون عندئذ أن المنافسة والتجمع – الذي يتكلم عنه الإشتراكيون – غير مفترقين.

يعرف الإشتراكيون جيدا أن مجتمع الوقت الحاضرمبني على المنافسة. فكيف يقدرون اتهام المنافسة أنها تهدد المجتمع الحاضر، بينما يعمل الإثنان على تهديم يعضهما ؟ وكيف يقدرون أن يتهموا المنافسة أنها تهدم المجتمع الذي سيأتي ؟ إذ يرون في هذا المستقبل – على العكس – أنه يهدد المنافسة.

يقول برودون أن المنافسة معاكسة للإحتكار، وهكذا لا تكون ضد المجتمع.

كانت الإقطاعية – من أصلها – مناقضة للملكية البطريركية، وهكذا لم تكن تناقض المنافسة التي لم تكن موجودة بعد. فهل من هذا أن النافسة لا تناقض الإقطاعية ؟

في الواقع أن المجتمع – والتجمع – هما مخارج تمثل كل مجتمع آخر، تمثل المجتمع الإقطاعي، كما تمثل المجتمع البورجوازي الذي هو تجمع قائم على المنافسة. فكيف يمكن أن يكون هناك إشتراكيون – فقط بوجود كلمة تجمع – يعتقدون أنهم يقدرون أن يدحضوا المنافسة ؟ وكيف يقدر برودون نفسه أن يدافع عن المنافسة الإشتراكيين، إذ يصف المنافسة بكلمة تجمع ؟

إن كل ما قلناه يشكل الناحية الجميلة للمنافسة، كما يراها برودون. فكيف ننتقل إلى الناحية الشريرة – الناحية السلبية – للمنافسة، ولمساوئها ولناحيتها الهدامة، ولصفاتها المؤذية ؟

إن الصورة التي يراها برودون هي صورة قاتمة.

إن المنافسة تخلق التعاسة والشقاء، وتسبب الحرب المدنية، إنها« تغيرالمناطق والطبيعة »، وتمذج القوميات، إنها تسبب المشاكل عند العائلات وتخرب الرأي العام، إنها « تقلب أفكار الحرية والمساواة » والأخلاق وتهدم التجارة الحرة الشريفة ولا تقدم عوضا عنها قيمة ناتجة، وسعراً ثابتا وشريفا. إنها تخدع نظر كل شخص، حتى أنها تخدع الإقتصاديين. إنها تدفع الأشياء بعيدا حتى تهدم ذاتها.

إن برودون بعد كل ما يقول عنها من شر، أيمكن أن يكون هناك شيء أكثر ضررا وتخريبا من المنافسة على علاقات التجمع البورجوازي وعلى مبادئه وخيالاته ؟

يجب أن يلاحظ جيداً أن المنافسة تصبح دوماً المهدمة الكبرى لعلاقات البورجوازية؛ لأنها تشجع على خلق قوى إنتاجية جديدة؛ أي خلق أحوال مادية لتجمع جديد. وفي هذا المجال على الأقل، نجد أن الناحية السيئة للمنافسة لها نقاطها المفيدة.

« إن المنافسة كنقطة إقتصادية هي نتيجة ضرورية لنظرية نتقيص وتخفيض المصاريف العامة ». (المجلد الأول، صفحة 235).

إن دوران الدم يجب أن يكون بالنسبة لبرودون نتيجة لنظرية هارفي.

« الإحتكار هو النهاية المتوقعة للمنافسة، والمنافسة تخلق الإحتكار بنفي مستمر لذاتها، إن خلق هذا الإحتكار هو بحد ذاته تبرير له… إن الإحتكار هو التناقض الطبيعي للمنافسة، ولكن بما أن المنافسة ضرورية، فأنها تنطبق وتستعمل فكرة الإحتكار بما أن الإحتكار مقعد كل فردية منافسة ». (المجلد الأول، صفحة 236-237).

نحن نفرح مع برودون إذ يقدر ولو مرة على الأقل أن قاعدته بخصوص الفكرة Thesis والفكرة المناقضة Antithesis وكل واحد يعرف أن الإحتكار الحديث يتكون يواسطة المنافسة ذاتها.

إن برودون يتمسك بصورة شعرية، إن المنافسة المصنوعة « من كل تقسيم صغير للعمل هي نوع من السلطة، إذ يتمسك بها كل فرد بقوته واستقلاله ». والإحتكار هو « مقعد كل فردية منافسة »، والسلطة تستحق هذا المقعد أكثر من غيرها.

إن برودون لا يتكلم عن شيء إلا عن الإحتكار الحديث الذي توجده المنافسة. ولكن كلنا يعلم أن المنافسة قد أوجدها الاحتكار الاقطاعي وهكذا فالمنافسة كانت في الأصل مناقضة للاحتكار وليس الاحتكار هو الذي كان مناقضا لها. وهكذا ليس الاحتكار الحديث فكرة بسيطة معاكسة، بل على العكس هو نتيجة الفكرة الحقة.

الفكرة: الاحتكار القطاعي قبل المنافسة.

الفكرة المعاكسة: المنافسة.

نتيجة الفكرة: إن الاحتكار الحديث هو نفي الاحتكار الاقطاعي طالما أنه يطبق قاعدة المنافسة ونفي المنافسة طالما أنه احتكار.

وهكذا فالاحتكار الحديث، الاحتكار البرجوازي هو احتكار نتيجة الفكرة أي نفي النفي أي اتحاد المتناقضات، إنه الاحتكار في الحالة المنطقية والطبيعية والصافية.

يناقض برودون فلسفته عندما يقلب الاحتكار البرجوازي إلى احتكار بدائي ومتناقض. إن السيد روسي الذي يعود إليه برودون مرات في موضوع الاحتكار – يظهر أنه يفهم أكثر نتيجة الفكرة للاحتكار البرجوازي –. وفي كتابه « بحث الاقتصاد السياسي » يميز بين الاحتكار الصناعي والاحتكار الطبيعي. ويقول إن الاحتكار الاقطاعي اصطناعي والاحتكار البرجوازي طبيعي منطقي.

إن الاحتكار شيء جيد – يحلل برودون – طالما أنه لائحة اقتصادية أو أنه انبثاق « عن الحقيقة الانسانية غير الشخصية ». والمنافسة مرة أخرى، شيء جيد طالما أنها أيضا لائحة اقتصادية. لكن الحقيقة هو أن المنافسة والاحتكار هما شيئان عاطلان. والأسوأ هو أن المنافسة والاحتكار يبتلعان بعضهما. فماذا يجب ان نفعل ؟ فتش عن نتيجة الفكرة لهاتين الفكرتين الخالدتين وانتزعهما من صدر الله إذ أنها بقيت هناك من زمان لا يحد.

لا نجد في الحياة الواقعية التناقض بين المنافسة والاحتكار بل نجد نتيجة تناقض الاثنين، وليس هذا التناقض قاعدة لكنه حركة، الاحتكار ينتج المنافسة، والمنافسة تنتج الاحتكار. الاحتكارات تصنعها المنافسة، والمنافسون يصبحون محتكرين، وإذا ضيق المحتكرون على منافستهم الودية بوسائل تجمعات جزئية، فإن المنافسة تزداد بين العمال، وكلما نمت جماعة البروليتاريا ضد الاحتكارات في أمة كلما رأينا أن المنافسة تصبح بائسة وضعيفة بين المحتكرين في أمم مختلفة. إن نتيجة الفكرة تقول إن الاحتكار يقدر أن يظهر ذاته فقط عندما يدخل في صراع مع المنافسة.

ولكي نسهل انتقال ديالكتيك للضرائب التي تأتي بعد الاحتكار، يكلمنا برودون عن العبقرية الاجتماعية التي تمشي وهي تتخبط لتصل زاوية الاحتكار، وتلقي ورائها نظرة بؤس وحزن وتهاجم بعد تفكير عميق كل المنتوجات إذ تفرض ضرائب وتخلق منظمة إدارية كاملة حتى تقدم كل الخدمات للبروليتاريا ولتدفع حقوق رجال الاحتكار. (المجلد الأول، صفحة 284-285).

وماذا نقدر أن نقول عن هذه العبقرية التي تسير بسرعة وتميل لليمين والشمال ؟ وماذا نقدر أن نقول عن هذا السير الذي لايهدف إلا للقضاء على البرجوازي بفرض الضرائب بينما الضرائب هي الوسائل الوحيدة الحقة التي تعطي البرجوازي لحظة من الوقت ليحتفظ بنفسه كطبقة حاكمة ؟

ومجرد إلقاء نظرة على الطريقة التي يصف بها برودون التفاصيل الاقتصادية يكفينا أن نقول – بالنسبة له – أن الضريبة على الاستهلاك تأسست بالنسبة للمساواة لكي تخفف الظلم الملقي على البروليتاريا.

لقد حققت الضريبة على الاستهلاك نموها الحقيقي منذ قيام البرجوازية وهي في يد الرأسمالي الصناعي، أي وهي كثروة اقتصادية تنتج وتزيد ذاتها باستغلال مباشر للعمل فإن الضريبة على الاستهلاك كانت وسيلة لاستغلال ثروة الأسياد الذين لم يفعلوا شيئا إلا الاستهلاك، ولقد حقق جيمس ستيوارت هذا الهدف الرئيسي للضريبة على الاستهلاك في كتابه « بحث مبادئ الاقتصاد السياسي » الذي نشره عشر سنوات قبل آدم سميث.

« في نظام الملكية المطلقة تجد الامير حسوداً من الثروة النامية وهكذا يضع الضرائب على الناس الذين تزداد ثروتهم. وفي نظام الحكومة المقيدة تحسب الضرائب على على هؤلاء الذين يصبحون فقراء بعد ان كانو اغنياء وهكذا فالملك المطلق يضع ضريبة على الصناعة وتوضع هذه الضرائب على نسبة أرباح كل شخص يفترض انه يربحها بمهنته وعمله. فالضريبة اذن تناسبية ال تصاعدية… أما في الحكومات المقيدة، نجد ان فرض الضريبة تكون عاى الاستهلاك ». (المجلد 22 صفحة 190-191).

وبالنسبة للنتيجة المنطقية للضرائب ولميزان اتجارة والرصيد، حسب مفهوم برودون – نلاحظ أن البرجوازي الانكليزي عندما حصل على دستوره أيام حكم وليام أورانج، خلق طريقة جديدة للضريبة – ضريبة الرصيد العام وطريقة الجمارك المانعة – حالما استطاع البرجوازي أن يحقق هذا الهدف.

تكفي هذه الخلاصة القصيرة أن نقدم للقارئ فكرة حقة، فيما يتعلق بالضريبة وميزان التجارة، وبالرصيد وبالشيوعية والسكان، ونحن نتحدى النقد لكي ندرس هذه الفصول برزانة.

الملكية أو ريع الأرض

في كل حقبة تاريخية تطورت الملكية ونمت حسب مفهوم علاقات اجتماعية مختلفة، وهكذا لكي نعدد الملكية البرجوازية ماعلينا إلا أن نقدم عرضا عن كل العلاقات الاجتماعية للانتاج البرجوازي.

ولكي نحاول أن نحدد الملكية بأنها علاقات مستقلة أو لائحة مستقلة أو فكرة خالدة ومثالية، لا يكون هذا إلا خيالياً يمتطيه الميتافيزيك والفقه.

إن برودون – وهو يظهر أنه يتكلم عن الملكية عامة – يتكلم فقط عن ملكية الأرض أو ريع الأرض.

« إن أصل الريع، الملكية، هو شيء فوق الاقتصاد: إنه يوجد بوجود اعتبارات نفسية وأخلاقية وهذه الاعتبارات بعيدة الاتصال عن إنتاج الثروة » (المجلد ٢، صفحة ٢٦٥).

وهكذا يعني برودون أنه غير قادر أن يفهم الأصل الاقتصادي للريع والملكية، ويقول أن مقدرته تجبره أن ينسبها إلى اعتبارات أخلاقية ونفسية بعيدة الاتصال بانتاج الثروة، ولكن لها علاقة بضيق أفقه التاريخي. يؤكد برودون أنه يوجد شيء صوفي وعجيب فيما يتعلق بأصل الملكية. والآن – لننظر أعجوبة في أصل الملكية – أو لنعجل علاقة سرية بين الانتاج ذاته وتوزيع أدوات الانتاج. أليس هذا – لنستعمل لغة برودون – رفض أكيد لكل ادعاءات علم الاقتصاد ؟

إن برودون يضيف على نفسه قوله إنه في الحقيقة السابقة للتطور الاقتصادي – أي الرصيد – عندما كانت الاسطورة سبباً لاختفاء الحقيقة، وعندما هدد النشاط الانساني بفقدان ذاته، أضحى ضرورياً أن يرتبط الإنسان بقوة أكثر بالطبيعة، والآن كان الريع سعر هذا العقد أو الرباط. (المجلد ٢، صفحة ٢٦٩).

L’homme aux quarante écus تنبأ به برودون للمستقبل: « السيد الخالق. كل فرد سيد في عالمه، ولكن، ليس ممكناً أن تجعلني أعتقد ان العالم الذي يعيش به مصنوع من البذور ». في عالمك – حيث الرصيد النقدي كان وسيلة لفقدان الشخص في فراغ عميق، من الممكن أن تصبح الملكية ضرورية حتى تعمي إنسان الطبيعة. وفي عالم الانتاج الحقيقي حيث كانت ملكية اﻷرض دوماً تسبق الرصيد النقدي، نجد أن خوف برودون لم يكن موجوداً.

ولدى قبول فكرة الريع ولو مرة – مهما كان أصلها – تصبح موضوع مفاوضات مضادة بين المزارع ومالك الأرض. وماهي النتائج القصوى لهذه المفاوضات، أي ما هو المعدل العام للريع ؟ هذا ما يقوله برودون:

« ﺇن نظرية ريكاردو لاتجيب هذا السؤال. عندما ابتدأت المجتمعات، عندما كان الإنسان جديداً على الأرض، لم تكن أمامه إلا الغابات الواسعة الضخمة، عندما كانت الأرض واسعة وعندما كانت الصناعة مبتدئة، عندما كان كل هذا الريع لا يزال عدماً. واﻷرض – ولم تكن بعد نتيجة تشكيل العمل – كانت موضوع منفعة ولم تكن قيمة تبادل، كانت الأرض عامة ولم تكن اجتماعية، ورويداً رويداً نرى أن تكاثر العائلات وتقدم الزراعة أظهر قيمة الأرض وأصبح العمل يعطي الأرض قيمتها أي ما تستحقه: ومن هذا وجد الريع، فكلما أعطى الحقل ثماراً أكثر بنفس كمية العمل كلما كانت قيمته ترتفع ! وبما أن هدف المالكين كان الحصول على كل ما تنتجه الأرض لذلك أصبحت أجور المزارع أقل – يعني أقل من تكاليف الانتاج – وهكذا تبعث الملكية آثار العمل لكي تأخذ كل الانتاج الذي يزيد المصاريف الحقيقية. وبما أن المالك كان يحقق عملاً خارقاً، فالمزارع إذاً ليس إلا عاملاً مسؤولاً – هكذا تريد العزة الالهية – وعليه أن يؤدي للمجتمع كل زيادة عن أجرة المشروع… فالريع بجوهره هو وسيلة لتوزيع العدل وهو وسيلة من ألوف الوسائل التي تستخدمها عبقرية الاقتصاد لتحقق المساواة – لقد حصل تناقض عظيم بين المزارعين والملاكين من جراء تقدير الأرض – ولكن بدون وقوع اصطدام – وكان هذا التناقض يهدف إلى تسوية ملكيات الأرض بين مستغليها وصانعيها… وما كانت هذه الملكية السحرية تحتاج ﺇلا أن تنزع من المستغل فائض الانتاج الذي كان يعتبره ملكاً وحقاً له. فالريع أو باﻷحرى الملكية، حطم الأنانية الزراعية وأوجد واقعاً لايمكن أن تخلفه لاقوة ولا تقسيم الأرض… والتأثير الأخلاقي الذي تركته الملكية في الوقت الحاضر هو العمل على توزيع الريع » (المجلد ٢، صفحة ٢٧٠، ٢٧٢).

يمكن اختصار كل هذا المزيج من الكلام هكذا: يقول ريكاردو أن زيادة سعر المنتوجات الزراعية عن تكاليف إنتاجها – متضمناً الربح العادي والفائدة على رأس المال – يعطينا مقياس الريع. إن برودون يصيب أكثر ﺇذ يجعل المالك يتدخل وينتزع من المستغل كل فائض انتاجه الذي يزيد عن تكاليف الانتاج. إنه ينتفغ من تدخل المالك لكي يشرح الريع، إنه يجيب على السؤال عندما يصيغ قاعدة لنفس المسألة ويضيف عليها مقطعاً.

ولنلاحظ أنه لدى تحديد الريع من جراء اختلاف خصوبة الأرض، نجد برودون يعني أصلاً جديداً له – بما أن الأرض قبل وجودها تشكل درجات متفاوتة الخصوبة – لم تكن في نظره قيمة التبادل بل كانت عامة، ماذا حدث ﺇذاً لأسطورة الريع التي وجدت من ضرورة ﺇرجاع إنسان للأرض كاد أن يفقد نفسه في أبدية فراغ هائل ؟

والآن لنحرر نظرية ريكاردو من سيطرة القوة الالهية ومن القالب الذي صاغها به برودون ؟

ﺇن الريع – حسب نظرية ريكاردو – هو ملكية الأرض في حالتها البرجوازية، أي ملكية الاقطاع التي أصبحت خاضعة لشروط الانتاج البرجوازي.

لقد رأينا – بالنسبة لنظرية برودون – أن سعر كل الأشياء يتحدد بتكاليف إنتاجها، بالاضافة للربح الصناعي، أي وقت العمل المستخدم. ففي الصناعة الآلية نجد سعر المنتوج المحصول بأقل كمية عمل ممكن ينظم سعر كل السلع الاخرى التي هي من نفس النوع، أخذه بعين الاعتبار أن أرخص أدوات الانتاج وأكثرها انتاجية يمكن إكثارها للانهاية وأن المنافسة تخلق سعر السوق، أي تخلق سعراً عاماً لكل المنتوجات من نفس النوع.

وفي الصناعة الزراعية على العكس، نجد أن سعر المنتوج المحصول عليه بأكبر كمية عمل ينظم سعر المنتوجات الأخرى التي هي من نفس النوع. ففي الدرجة لا يقدر أحد – كما هو المثال في الصناعة الآلية أن يكثر كما يريد أدوات الانتاج التي لها نفس درجة الانتاج، أي إيجاد أراضي لها نفس درجة الخصوبة. وهكذا، لدى زيادة السكان – نجد أن الأرضي ذات القيمة المنخفضة، يوظف فيها رأسمال قليل. وفي كلا الحالتين تتطلب كمية أكبر من العمل للحصول على إنتاج أقل. وبما أن حاجات السكان تطلبت ضرورة زيادة العمل، فإن منتوج الأرض الذي يكلف استغلالها أكثر يكون كبيع أرض استغلالها أرخص. وبما أن المنافسة تخلق سعر منتوج الأرض، فإن زيادة سعر المنتوجات – الذي يعود لتربة أحسن يزيد على تكاليف انتاجها – هذا الانتاج الذي يشكل الريع. ولو كان يقدر شخص أن يجد أراضي بنفس درجة الخصوبة ولو كان يقدر – في الصناعة الآلية – أن يؤدي باستمرار إنتاج الأشياء وبشكل أرخص وتقديم آلات إنتاج أكثر وأرخص، وأن توظيف رأس المال الاضافي كان يعطي نتيجة كاﻷول، لكان سعر المنتوجات الزراعية يتحدد بسعر السلع المنتوجة بأحسن وسائل الانتاج – كما رأينا بمثل سعر المنتوجات المصنوعة. ولكن الريع يختفي منذ هذه اللحظة.

ولو كانت نظرية ريكاردو كلها حقيقة، لكان من الضروري لرأس المال أن يستعمل بحريته في فروع الصناعة المختلفة، لكننا نجد منافسة قديمة بين الرأسماليين تحصر الأرباح في مستوى واحد متساو، ولكنا نجد المزارع رأسمالياً صناعياً يطلب توظيف رأسماله في أرض ثانوية لينال ربحاً مساوياً ﻷي ربح في أي صناعة، ولو كان هذا لكان الاستقلال الزراعي يخضع للصناعة ذات الانتاج الضخم، وأخيراً لكان مالك الأرض نفسه لايهدف ﺇلا لارجاع دراهمه.

لا يمكن أن يحدث – كما حدث في ايرلندا – أن الريع لا يوجد رغم أن تطور الأرض ونموها وصل درجة قسوى. والريع، بما أنه زيادة عن الأجور وعن الربح الصناعي لا يمكن أن يوجد حيث لا تكون واردات مالك الأرض شيئاً.

وهكذا، بعد أن تتصور تحويل مستغل اﻷرض أو المزارع إلى عامل بسيط، وأن ننتزع من المستغل فائض انتاجه الذي لا يتنازل عنه ﻷنه يعده خاصاً به، فإن الريع يقف مانعاً لصاحب اﻷرض ليس بواسطة الخادم بل بواسطة من يجعل صاحب الأرض أن يقف مضاداً للرأسمالي الصناعي وليس مع الخادم أو مع العبد أو مع دافع الفريضة أو مع عامل الاجرة.

إذا اعتبرنا ولو مرة ريع الأرض، فإن ملكية الأرض لاتعود تملك فائض تكاليف الانتاج التي تتحدد بالأجور وبأرباح الصناعة. لذلك نجد أن ريع اﻷرض انتزع من مالك اﻷرض قسماً من دخله. وهكذا مر وقت طويل قبل أن يحل الرأسمالي الصناعي محل المزارع الاقطاعي. ففي ألمانيا مثلاً، ابتدأ هذا التحويل قي آخر القسم الثالث من القرن الثامن عشر. وفي انكلترا فقط كانت هذه العلاقة قائمة بين الرأسمالي الصناعي ومالك الأرض.

وطالما أن مستغل الأرض الذي قال عنه برودون، موجود فلا وجود للريع. وفي الوقت الذي يوجد فيه الريع، فإن مستغل الأرض لا يبقى المزارع بل يكون العامل أي مزارع مستغل الأرض. إن تحقير العامل وجعله بمثابة شغيل بسيط، أي شغيل يومي، وجعله يعمل للرأسمالي الصناعي، وتدخل الرأسمالي الصناعي – وهو يستغل اﻷرض كأنه يستغل مصنعاً – وتمويل مالك اﻷرض من حاكم مطلق صغير إلى مرابي فظيع، هذه كلها هي العلاقات المختلفة التي يعبر عنها الريع.

ﺇن الريع – في نظرية ريكاردو – هو الزراعة البطريركية المتحولة لصناعة تجارية وهو الرأسمال الصناعي الذي يستعمل لاستثمار الأرض وهو برجوازية المدنية المطبقة في القرية. والريع – عوضاً ان يوجد الانسان بالطبيعة. قد ربط استغلال الأرض بالمنافسة. وعندما تعد ملكية اﻷرض ريعاً فان ملكية اﻷرض ذاتها تصبح نتيجة للمنافسة ولذلك فهي من ذلك الوقت تعتمد على قيمة السوق للانتاج الزراعي. وكريع، تصبح ملكية الأرض مادة للتجارة. ان الريع ممكن تحقيقه فقط من لحظة تطور الصناعة القعرية ومن لحظة ما ينتج عنها تنظيم اجتماعي، وهذا م اجبر مالك الأرض ان يحصر هدفه في الارباح النقدية. وان ينظر ال العلاقة النقدية لمنتوجاته الزراعية – وفي الواقع ينتظر من ملكيته للاْرض ان تكون تربة آلة لتحصيل النقد. لقد جعل الريع مالك ﻷرض ان يطلق التربة، وان يطلق الطبيعة حتى انه لا يحتاج ان يعرف ملكياته، وهذا ما حدث في انكلترا. فيما يتعلق بالمزارع وبالرأسمالي الصناعي والشغيل الزراعي، فانهم لايرتبطون باﻷرض التي يستغلونها اكثر من المستخدم والشغيل في المصانع بالنسبة للقطن والصوف الذي يصنعونه، انهم يسعرون برباط فقط لانتاجهم النقدي. وهناك بعض الذين يعدون أنفسهم تقدميين تقدمون صلواتهم لاعادة الاقطاعية والحياة البطريركية الصالحة وعادات آبائنا وأجدادنا الصالحين. ان اخضاع التربة للقوانين التي تحكم كل الصناعات اﻷخرى يخضع دائماً للمصالحة.وهكذا يمكن القول أن يقال ان الريع أصبح دافع القوة التي ادخلت الشعر إلى حركة التاريخ.

ﺇن ريكاردو بعد ان جعل الانتاج البرجوازي ضرورياً لتحديد الريع – يطبق فكرة الريع بالنسبة لملكية اﻷرض في كل العصور وفي كل البلدان. وهذا خطأ تجده عند كل الاقتصاديين الذين يمثلون علاقات الانتاج البرجوازية كلوائح أبدية.

يستنتج من الهدف اﻹلهي للريع الذي هو بالنسبة لبرودون تحويل المستغل إلى شغيل مسؤول ليحصل على مكافأة الريع المتساوية.

ﺇن الريع، كما رأينا، يشكل بالسعر المتساوي لكل منتوجات اﻷراضي ذات الخصوبة غير المتساوية حتى أن هكتوليتر القمح الذي كلف 10 فرنكات يباع ﺑ 20 فرنكاً إذ أن تكاليف الانتاج ترتفع إلى 20 فرنكاً زيادة عن خصوبة تربة من نوع أدنى.

وطالما أن الحاجة تجبر شراء كل المنتوجات الزراعية التي تأتي للسوق، فإن سعر السوق يتحدد بتكاليغ أغلى منتوج. وهكذا نرى أن هذا التساوي في السعر – الناتج عن المنافسة وليس عن اختلاف خصوبة الأرضي – هو الذي يحفظ لصاحب أحسن تربة ريعاً من 10 فرنكات لكل هكتوليتر يبيعه الرجل الذي يشتغل بأرضه[2].

لنفترض أن سعر القمح يحدد بوقت العمل الذي تحتاج لانتاجه، فنجد أن هكتوليتر القمح الذي نحصل عليه من تربة أحسن يباع ﺑ 10 فرنكات، بينما هكتوليتر القمح الذي يحصل عليه من نوع أقل يكلف 20 فرنكاً. لدى قبوانا بهذا نرى أن معدل سعر السوق يكون 15 فرنكاً. وبما أن سعر السوق يتبع قانون المنافسة فانه يصبح 20 فرنكاً. وإذا كان معدل السوق 15 فرنكاً فعندئذ لا تسنح فرصة لأي موزع أن يكون له ريع. يوجد الريع فقط عندما يستطيع شخص أن يبيع ﺑ 20 فرنكاً هكتوليتر القمح الذي يكلف المنتج 10 فرنكات. ويفترض برودون تساوي سعر السوق بتكاليف إنتاج غير متساوية لكي يصل إلى مشاركة متساوية لانتاج غير متساو.

نحن نفهم اقتصاديين مثل: هيدلتش، وتربليو، وميل، وآخرين يقولون أن الريع يجب أن يعطي للدولة لكي تقوم مقام الضرائب. ﺇن هذا التعبير صريح لكره الرأسمالي الصناعي وهذا العمل يحمل لمالك الأرض لنفس النتيجة.

ولكن لنجعل أولاً سعر هكتوليتر القمح 20 فرنكاً حتى نجعل توزيعاً عاماً ﻟ 10 فرنكات أتعاب اضافية على المستهلك، وهذا يكفي لجعل العبقرية الاجتماعية أن تتبع طريقها الملتوي بحزن – وتطرق برأسها خجلاً.

يصبح الريع – حسب تعبير برودون « تقسيم أرض كبيرة متناقضة بنظر المزارع ومالك الأرض… تكون نتيجتها الكلية مساوية لملكية الأرض لمصلحة المستغلين للتربة والصناعيين » (المجلد 2، صفحة 27).

ﺇن تقييم أية قطعة أرض قائمة على الريع لتكون ذات قيمة واقعية، وشروط المجتمع الحاضر يجب أن يكون مختلفاً عن التقييم.

والآن أظهرنا أن ريع المزرعة الذي يدفعه المزارع لسيده يعبر عن الريع بالضبط في البلدان المتقدمة في الصناعة والتجارة. حتى أن هذا الريع لا يتضمن الفائدة المدفوعة لصاحب الأرض على رأس المال المستثمر في الأرض. إن مركز الأرض وجوارها من المدن وعوامل أخرى تؤثر على ريع المزرعة وبشكل ريع الأرض. هذه الاسباب تعد كافية لتبرهن عن عدم دقة تقييم الأرض القائم على الريع.

ومن جهة ثانية، يمكن للريع أن لا يكون الدليل الثابت عن وجه خصوبة قطعة الأرض بما أن كل تغيير في تطبيق علم الكيمياء الحديث يغير التربة، والمعرفة الجيولوجية تبدل اليوم كل تقديرات الخصوبة النسبية. لقد كان منذ 20 سنة حتى تم استعمال الأرضي في قرى انكلترا الشرقية. لقد تركت غير مفلوحة نتيجة للجهل.

وهكذا فالتاريخ وهو قاصر على أن يجد في الريع تقييماً حاضراً للأرض، لا يعمل شيئاً ﺇلا أنه يغير ويقلب تقييمات الأرض الحاضرة.

ونقول أخيراً إن الخصوبة ليست صفة طبيعية كما يظن، إنها مرتبطة بالعلاقات الاجتماعية للوقت السائد. يمكن أن تكون قطعة أرض خصبة جداً لزراعة القمح، ولكن السعر المحدود يجعل الفلاح يفلبها إلى مرعى طبيعي ويجعلها غير خصبة.

لقد فرض برودون تقييمه للأرض – هذا التقييم الذي ليس له قيمة لتقييم أرض عادية – ليبرهن فقط عن هدف العزة الالهية للريع.

يتابع برودون قائلاً « إن الريع هو الفائدة المدفوعة على رأسمال لايغنى – وهو الأرض. وبما أن رأس المال قادر أن لا يزيد في مادته لكن في تحسين طريقة استعماله، نستنتج أنه بينما نرى فائدة أو ربح قرض يميل للنقصان تدريجياُ بواسطة غزارة رأس المال، فإن الريع يميل دوماً للزيادة بواسطة تكميا الصناعة. ومن هذا ينتج تحسين في استعمال الأرض… وهذا هو الريع في جوهره ». ( المجلد 2، صفحة 265).

يرى برودون هذه المرة في الريع كل أوصاف الفائدة ما عدا أنه ينبثق من رأسمال له طبيعته الخاصة. هذا الرأسمال هو الأرض، رأسمال أبدي « غير قادر ان يزداد في مادته لكن بتحسين طريقة استعماله ». ونجد في تقدم المدنية أن الفائدة تميل باستمرار للهبوط، بينما يميل الريع للارتفاع دوماً. تهبط الفائدة بسبب غزارة رأس المال، ويرتفع الريع بسبب التحسين الذي يدخل على الصناعة والتي تنتج إذ تنتفع دوماً من الأرض.

وهذه هي نظرية برودون في جوهرها.

دعنا بادىْ الاْمر نفحص إلى أي حد نعتبرها حقيقة عندما نقول أن الريع هو فائدة على رأس المال.

إن الريع بالنسبة لمالك الأرض نفسه يمثل فائدة على رأس المال الذي كلفته ﺇياه الأرض، أو الرأسمال الذي حصل عليه من بيع الأرض ولكنه في بيع وشراء الأرض فإنه يبيع أو يشتري ريعاً. والسعر الذي يدفعه ليجعل من نفسه قابضاً للريع ينظم عامة بنسبة الفائدة وليس له علاقة بطبيعة الريع. إن الفائدة على الرأسمال الموظف في الصناعة أو في التجارة. وهكذا بالنسبة الذين لايميزون بين الفائدة التي تمثلها الأرض لصاحبها وبين الريع ذاته فان فائدة رأس مال الأرض تنقص أكثر من رأس مال يوظف في أي عمل آخر. ولكن السؤال ليس مجرد مسألة بيع أو شراء سعر الريع أو قيمة السوق للريع أو ريع الرأسمال، إنه سؤال عن الريع ذاته.

ﺇن ريع المزرعة يمكن أن يطبق ثانية – ليس كريع صاف – الفائدة على رأسمال موظف في الأرض. وفي هذه اللحظة يستلم السيد هذا القسم من ريع المزرعة، ليس كصاحب أرض بل كرأسمالي ! ولكن ليس هذا هو الريع الصافي الذي نتكلم عنه.

الأرض طالما أنها لا تستغل كوسيلة إنتاج لا تكون رأسمالاً. والأرض كرأسمال يمكن أن يزداد كما تزداد كل وسائل الانتاج. ولا شيء يضاف لمادتها لنستعمل لغة برودون – لكن الأرضي التي تخدم كوسائل إنتاج تتكاثر. وإذا كنا نستعمل رؤوس أموال إضافية لاْرض تحولت إلى وسيلة إنتاج فإن الأرض تزداد بزيادة رأس المال بدون إضافة أي شيء على الأرض كمادة، يعني لا نضيف شيئاً لامتداد الأرض… إن أرض برودون كمادة هي التراب وتحديداته. وفيما يتعلق بالأبدية التي يصف بها الأرض فإن لها صفة مادة. الأرض كرأسمال ليست خالدة أكثر من أي رأسمال آخر.

إن الذهب والفضة اللذين يعطيان فائدة، هما دائمان وأبديان كالأرض. وإذا هبط سعر الذهب أو الفضة – بينما يبقى سعر الأرض في ارتفاع – فإن هذا الهبوط لا لكثرة أو قلة طبيعته الأبدية.

إن الأرض كرأسمال هي رأسمال ثابت، لكن الرأسمال الثابت يستعمل كرأسمال متداول. إن التحسينات التي تطرأ على الأرض تحتاج لتجديد الانتاج، وهذا يثبت تحويل المادة إلى وسيلة انتاج. ولو كانت الأرض كرأسماية أبدية، لكانت بعض الأرضي تمثل مظهراً مختلفاً عن المظاهر التي هي اليوم، ونلقي نظرة على الكمبانيا الرومانية وسيسلي كما كانت في ازدهارهما الماضي.

توجد أوقات تختفي الأرض كرأسمال رغم أن التحسينات تبقى في الأرض.

ففي الدرجة الأولى، يحدث هذا كل وقت يقضي على الريع الصافي بمناسبة أراض جديدة وأكثر خصوبة، وفي الدرجة الثانية، إن التحسينات التي يمكن أن تكون ذات قيمة في وقت ما تبطل أن تكون ذات قيمة عندما تصبح عامة وفقاً لتطور الزراعة العلمية.

ﺇن ممثل الأرض كرأسمال لا يكون صاحب الأرض بل هو المزارع. والنتائج التي تقدمها الأرض كرأسمال هي الفائدة والربح الصناعي وليس الريع. توجد أراضي تعطي فائدة وربحاَ لكنها لاتعطي ريعاً.

وباختصار، فالأرض طالما أنها تعطي فائدة فهي أرض رأسمال. بما أن أرض رأسمال لاتعطي ريعاً، اذن ليست هي ملكية أرض. إن الريع يحصل على العلاقات الاجتماعية حيث يحصل استغلال الأرض. ولا يمكن أن يكون الريع نتيجة لطبيعة الأرض. إن الريع هو نتاج اجتماع وليس نتيجة للتربة.

« ﺇن التحسينات في استعمال الأرض » نتيجة « لتكميل الصناعة » تسبب – بالنسبة لبرودون – ارتفاعاً مستمراً للريع. يسبب هذا التحسين هبوطه الزمني المؤقت.

وأين نضمن أي تحسين زراعي أو صناعي ؟ عندما نجعل العامل ينتج أكثر وعندما نجعل العامل ينتج أقل، شكراً لهذه التحسينات – فالعامل يتخلص من استعمال كمية عمل أكبر لانتاج أصغر نسبياً، ولا يحتاج أن يعود للتربة الثانوية وأن يوظف رأسمالاً لنفس الأرض التي تبقى منتجة بالتساوي مع غيرها.

وهكذا فإن هذه التحسينات، وهي أبعد من أن تحقق ريعاً كما يقول برودون تصبح على العكس صعوبات تمنع تحقيقها.

ﺇن ملاكي الأرض الانكليز في القرن السابع عشر لم يكونوا يتعلقون بهذه الحقيقة كي يعارضوا تقدم الزراعة لانهم يخافون ان تنقص مداخيلهم.

اضرابات واتحادات العمال

كل حركة ارتفاع في الأجور ليس لها إلا تأثير أوحد وهو ارتفاع أسعار القمح والخمر الخ. أي تأثير في القلة والعوز. وماهي الأجور ؟ هي سعر تكاليف القمح الخ. وهي السعر الجزئي لكل شيء ونقدر أن نقول أكثر من هذا: إن الأجور هي نسبة العوامل التي تشكل الثروة وهي استهلاك انتاج كل يوم يقوم به العمال. والآن لنشك في الأجور… أي لنقدم لكل منتج حصة أكبر من انتاجه، وهذا شيء مناقض. وإذا كان الارتفاع يتحدد لعدد صغير منا الصناعات الاخرى، فإن هذا الارتفاع يسبب اضطراباً عاماً في التبادل، أي يسبب عوزاً وقلة… من المستحيل، اصرح، ان الاضرابات التي يتبعها زيادة في الأجور لاتتحدد في الاتفاع عام للاسعار : هذا أكيد كما أن 2 + 2 = 4 ( المجلد 1، صفحة 110 و111).

أولاً – لا يوجد ارتفاع عام للاسعار. إذا كان كل شيء قد تضاعف بنفس نسبة ارتفاع الأجور، فإننا لانسمي هذا ارتفاع أسعار، والتعبير هو التغيير الوحيد.

وثانياً – ﺇن ارتفاعاً في الأجور لا يؤثر كثيراً أو قليلاً في ارتفاع عام لسعر البضائع، لو أن كل صناعة استخدمت نفس عدد العمال بالنسبة لرأسمال ثابت أو بالنسبة للادوات المستعملة، فإن ارتفاعاً عاماً في الأجور ينتج هبوطاً عاماً في الارباح وسعر البضائع لا يتغير.

ولكن فيما يتعلق بالعمل اليدوي والرأسمال الثابت فلا يكون نفس الشيء في صناعات مختلفة، إذ أن كل الصناعات التي تستخدم كمية أكبر نسبياً من رأسمال وعمال أقل، ستكون مجبرة عاجلاً أو آجلاً أن تخفض سعر بضائعها. وفي الحالة المعاكسة، حيث أن سعر بضائعها لا يخفض، فإن سعرها سيعلو أكثر من مستوى الأرباح العام. ليست الآلات بكاسبي أجور إذن، نرى أن ارتفاعاً عاماً في الأجور يؤثر أقل في الصناعات التي إذا قابلناها بالصناعة الاخرى، فإنها تستخدم آلات أكثر مما تستخدم عمالا. ولكن الأرباح التي تعلو أكثر من معدل النسبة تكون أرباحاً انتقالية. وهكذا – رغم وجود بعض الذبذبات – فإن ارتفاعاً عاماً في الأجور سيعود – لا كما يقول برودون إلى زيادة عامة في الأسعار – بل إلى هبوط جزئي، أي هبوط في سعر البضائع التي تصنع بالدرجة الاْولى بواسطة الآلات.

ﺇن ارتفاع أو انخفاض الاْرباح والأجور تعبر عن النسبة التي يشارك فيها معظم الرأسماليون والعمال في إنتاج يوم عمل بدون أن يؤثروا في معظم الأوقات بسعر المنتوج. ولكن « الاضرابات التي يتبعها زيادة في الأجور تظهر في ارتفاع عام للاسعار في قلة وعوز ». هذه ليست إلا أفكاراً تزخر فقط في دماغ شاعر لا يفهم.

نرى في انكلترا أن الاضرابات تسبب ارتفاعاً لدى اختراع وتطبيق الآلات الجديدة. كانت الآلات – كما يقال – السلاح الذي يستخدمه الرأسماليون ليقهروا تمرد العمل المختص. إن آلة الغزل التي تعمل لذاتها – وهي أعظم اختراع صناعي حديث – جردت النساجين من عملهم وجعلتهم يتمردون: لو لم يكن للاضرابات والاتحادات إلا جعل العبقرية الميكانيكية تعمل ضدهم، لكلنوا لايزالون بفرضون تأثيراً على نمو الصناعة.

يتابع برودون: « أجد في كتاب نشره ليون فوشر… أيلول سنة 1845 أن العمال الانكليز كانوا لوقت ما قد أقلعوا عن عادة الاتحاد الذي هو تقدم يجب تهنئتهم عليه: لكن هذا التحسن في أخلاق العمال يأتي بالدرجة الأولى عن ثقافتهم الاقتصادية. لقد صرح عامل نساج في طاحونة في اجتماع بولطن « يستعمل الأسياد الأجور أوقات الانخفاض والأزمات كسوط يستعملونه إن أرادوا أو ما أرادوا. إن المبدأ المنظم هو علاقة العرض بالطلب، وليس للأسياد هذه القوة،… حسناً فعلت ». يصرخ برودون « هؤلاء هم عمال عاقلون مدربون جيداً انهم نموذج للعمال الخ. أن فقراً كهذا لم يوجد في انكلترا، وسوف لا يعبر القنال » ( المجلد 1، صفحة 261، 262 ).

كانت بولطن من بين المدن الانكليزية إحدى المدن حيث كانت التقدمية فيها نامية أكثر من المدن الأخرى. ويعرف عمال بولطن أنهم ثوريون أكثر من أي عمال آخرين. وفي وقت اضطراب انكلترا الذي سبب القضاء على قوانين القمح، فكر الصناعيون الانكليز أنهم كانوا يقدرون ما إن يتفقوا مع مالكي الأرض إذا هم دفعوا العمال إلى الامام. ولكن بما أن مصالح العمال كانت مناقضة لمصالح الصناعيين كما كانت مصالح الملاكين تناقض مصالح الصناعيين فكان من الطبيعي أن الصناعيين سيكونون ضد العمال في اجتماعهم. وماذا فعل الصناعيون ؟ إنهم نظموا اجتماعات مؤلفة من رؤساء العمل ومن عدد صغير من العمال الاْذكياء – كما في بولطن ومانشستر – ان يشاركوا في الاجتماعات حتى يحتجوا ضدهم ومنعوا من القبول على أساس أنهم لا يحملون تذاكر حضور – هذا الاجتماع الذي كان يقبل من كل حامل بطاقة دخول. لكن حاملي الاعتراضات تجمهروا حول الجدران وأعلنو اجتماعات عامة. وكلما عقد اجتماع من هذه الاجتماعات، كنت ترى جرائد الصناعيين يصفونه بروعته ويصفون الخطابات التي ألقيت. ومما لاشك فيه أن رؤساء العمل هم الذين ألقوا الخطابات وليس الصناعيين. وكانت جرائد لندن تكتبها كلمة كلمة. وقد خلط برودون بين رؤساء العمل والعمال.

و لو كانت الاضرابات سنة 1844 و1845 قد جذبت انتباهاً أقل من قبل، ذلك لأن سنة 1844 – 45 كانت أول سنتين ازدهرت فيهما الصناعة الانكليزية منذ سنة 1837، ومع ذلك لم تحل ولا نقابة عمال واحدة.

والآن لنستمع لرؤساء عمال بولطن: بالنسبة لهم ليس للصناعيين قيادة أو سلطة على الأجور لأن ليس لهم سلطة على السوق العالمي. ولهذا السبب يريدون أن يفهم الغير أن الاتحادات يجب أن لا تشكل حتى تنال زيادة في الأجور من الأسياد، وبرودون على العكس، يمنع الاتحادات لخوفه أن ارتفاعاً في الأجور سيتبعه وهذا الارتفاع في الأجور يقود للقلة والعوز، لا نحتاج أن نقول من جهة يوجد اتحاد ضمني وودي بين برودون ورؤساء العمل وهذا الاتحاد: إن ارتفاعاً في الأجور يعادل ارتفاعاً في أسعار المنتوجات.

ولكن هل الخوف من القلة هو السبب الحقيقي لمخاوف برودون ؟ كلا، إنه ينزعج من رؤساء عمل في بولطن لأنهم لا يحددون القيمة بالعرض والطلب ولأنهم لايعتبرون القيمة مشكلة، أي القيمة التي مرت بطور التشكيل، أي لايهتمون بتشكيل القيمة وهي تتضمن تبادلاً دائماً لكل نسب العلاقات وعلاقات النسب، مع العزة اﻹلهية بجانبها.

« إن إضراب العمال غير شرعي، وليس قانون العقوبات الذي يقول هذا، بل إن الطريقة الاقتصادية وضرورة النظام المستتب هي التي تقوله، إن عاملاً واحداً أو عمالاً أفراديين لا يقدرون أن يقوموا بعمل ما بل إن اتحادهم ضروري ليقاوموا الاحتكار، إن عملهم هذا لا يقره المجتمع ». (المجلد 1، صفحة 332 و335).

يريد برودون أن يوجد مادة من مواد قانون العقوبات وليراها ضرورة ونتيجة عامة لعلاقات الانتاج البرجوازي.

نالت الاتحادات في انكلترا حقوقها بواسطة البرلمان وكانت الطريقة الاقتصادية هي التي أجبرت الألمان أن يمنحها حقوقها. ففي سنة 1825 على أيام حكم الوزير هسكون كان على البرلمان أن يعدّل القانون حتى يطابق الأحوال الناتجة عن المنافسة الحرة، وهكذا كان من الضروري القضاء على قانون يمنع اتحادات العمال. وكلما نمت الصناعة الحديثة والمنافسة كلما دعت عوامل جديدة لتقوي الاتحادات وعندما يصبح الاتحاد واقعا اقتصادياً يصبح عندئذ حقاً شرعياً.

وهكذا فإن مادة قانون العقوبات تبرهن على الأكثر أن الصناعة الحديثة والمنافسة لم تكونا ناميتيين في ظل “التجمع الدستوري” وفي الأمبراطورية.

يتفق الاقتصاديون والاشتراكيون (اشتراكيو ذلك الوقت: أتباع فوريية في فرنسا وأتباع أوين في انكلترا) على نقطة واحدة: القضاء على الاتحادات. إنهم يتحيزون بدوافع مختلفة لتحقيق القضاء على الاتحاد.

يقول الاقتصاديون للعمال: لا تندموا. وباتحادكم تمنعون التقدم الطبيعي للصناعة. إنكم تمنعون الصناعيين من تنفيذ وتحقيق أوامرهم، إنكم تخربون التجارة وتؤخرون تقدم الآلات، وعندما تجعلون عملكم غير نافع فإنكم تجبرون أن تقبلوا أجوراً أقل. وعلاوة على هذا ورغم كل ما تفعلونه، فإن اجوركم ستتحدد دوماً بعلاقة الأيدي المطلوبة بالنسبة للأيدي المعروضة، ويكون مجهود مضحك وخطر لكم أن تثوروا ضد القوانين الأبدية للاقتصاد السياسي !

يقول الاشتراكيون للعمال: لا تتحدوا لأنكم ماذا تربحون من اتحادكم ؟ ارتفاع في الأجور ؟ سيبرهن لكم الاقتصاديون بوضوح أن الشيء القليل الذي تنالونه إذا نجحتم سيكون نتيجة سقوط دائم. إن المحاسبين الماهرين سيبرهنون لكم أنكم ستأخذون سنين حتى تعيدوا – بواسطة زيادة أجوركم – المصاريف المنفقة على المنظمة وعلى الاتحادات. ونحن كاشتراكيين نخبركم علاوة على مسالة النقود أنكم ستبقون عمالا وسيبقى الأسياد أسياداً كما كانوا قبلاً. وهكذا لا اتحاد بل سياسة ! أليس الدخول في اتحاد هو عمل سياسي ؟

يريد الاقتصاديون أن يبقى العمال في مجتمع كما كان مشكلاً ومؤلفاً من قبل.

ويريد الاشتراكيون أن يترك العمال المجتمع القديم لوحده وأن يدخلوا المجتمع الجديد الذي حضروه لهم.

ورغم الجهتين ورغم أفكارهم الطوباوية فإن الاتحاد سيتقدم وسيمتد كلما نمت الصناعة الحديثة. ولقد وصل الآن إلى درجة، والدرجة التي يصلها الاتحاد في أي بلد يبرهن عن المرتبة التي يمثلها في فوضى السوق العمالي. إن انكلترا التي وصلت صناعتها أعلى درجات النمو عندها أحسن وأكبر اتحادات منتظمة.

لا تقوم الاتحادات في انكلترا على مفاهيم بسيطة فتزول بزوال اضراب. لقد تشكلت اتحادات دائمة – نقابات العمال – تعمل كسلاح ضد المستخدمين. ونرى في الوقت الحاضر كل نقابات العمال المحلية انها نقطة ثقل في المجتمع الوطني لنقابات العمال ومركزها في لندت واعضائها 80 الفاً. ان تنظيم هذه الاضرابات والاتحادات ونقابات العمال استمر وجوده بصراع العمال السياسي الذي يشكل الان حزباً قويا سياسياً باسم لائحة الحقوق.

إن أولى الصناعة محاولات العمال ليجتمعوا مع بعضهم كانت بشكل اتحادات. إن الصناعة ذات الانتاج الضخم تحصر في مكان واحد جماعة من الناس يجهلون بعضهم. وتقسم المنافسة لمصالحهم. لكن وجود الأجور – هذه المصلحة العامة التي تجمعهم ضد سيدهم – توحدهم وتجعل لهم فكرة واحدة للمقاومة وهي الاتحاد. وهكذا فالاتحاد يمتاز دوماًبهدف مضاعف: ان يضع حداص للمنافسة بين العمال حتى يستطيعوا ان يحققوا المنافسة العامة مع الرأسمالي. اذا كان اول هدف النقاومة عبارة عن تحقيق الأجورفان الاتحادات تشكل نفسها بجماعات كما ان الأسماليين بدورهم يتحدون وهدفهم اخضاع العمال، وتصبح وحدتهم اهم من مسالة الأجور. هذه حقيقة، حتى ان القتصاديين الانكليز يدهشون عندما يرون العمال يضحون قسماً كبيراً من اجورهم لأجل تجمعاتهم التي هي في نظر هؤلاء الاقتصاديين قد تاسست فقط لأجل الأجور. وفي هذا الصراع – وهو حرب مدنية حقيقية تتحد وتنمو كل العوامل الضرورية لمعركة مقبلة، وعندما تصل هذه النقطة يتخذ التجمع شكلاً سياسياً.

إن الأحوال الاقتصادية حولت مجموعة سكان القرى إلى عمال. وخلق اتحاد رأس المال لهذه المجموعة حالة عامة ومصالح عامة. وهذه المجموعة هي بذاتها طبقة ضد الرأسمال. ففي هذا الصراع تتحد هذه المجموعة وتشكل كطبقة لنفسها. وتصبح المصالح التي تدافع عنها مصالح طبقة. لكن صراع طبقة ضد طبقة يكون صراعاً سياسياً.

نجد في البرجوازية ناحيتين: إنها شكلت نفسها كطبقة في النظام الاقطاعي وفي الملكية المطلقة فشكلت طبقة وطفت وخدمت الاقطاعية والملكية لتجعل المجتمع مجتمعاً برجوازياً. وكانت أولى هاتين الناحيتين الاطول وكانت تحتاج لجهد اكبر. وابتدأ هذا باتحادات جزئية ضد الاسياد الاقطاعيين.

حاول الناس كثيراً ان يعرفوا حقبات التاريخ النختلفة التي مرت بها البرجوازية. من طورها كجماعة لتشكيلها كطبقة، ولكن عندما تكون المسألة مسألة دراسة الاضرابات والاتحادات واشكال اخرى تقوم بها البروليتاريا لينظموا انفسهم كطبقة فإن البعض يخافون والبعض ينظرون لهذه الدراسة بنوع من الحتقار والهزء.

إن وجود طبقة مظلومة هو الشرط الأساسي لكل مجتمع قائم على صراع الطبقات. وان تحرير الطبقة المظلومة يتطلب خلق مجتمع جديد. ولكي تكون الطبقة المظلومة قادرة ان تحرر نفسها فمن الضروري ان لا تكون القوى الانتاجية والعلاقات الاجتماعية الموجودة قادرة ان تكون جنباً إلى جنب. ان كل وسائل الانتاج، وات اعظم قوى منتجة هي الطبقة الثورية نفسها. ان تنظيم العوامل الثورية كطبقة يفترض وجود كل القوى الانتاجية التي يمكن خلقها في صدر المجتمع الجديد.

هل هذا يعني انه بعد سقوط المجتمع القديم ان طبقة جديدة ستكون قادرة على ادارة حكم سياسي قدير ؟ كلا.

إن شرط تحرير الطبقة العاملة هو القضاء على طبقة، كما ان شرط تحرير الحالة الثالثة أي النظام البرجوازي كان القضاء على الملكيات وعلى كل الانظمة الأخرى.

إن الطبقة العاملة – وهي في طريق نموها – ستقيم مقام المجتمع المدني القديم تجمعاً يقضي على الطبقات وصراعها ولا تكون قوة سياسية كما ندعوها، طالما ان القوة السياسية هي الضغط القانوني على الصراع في مجتمع مدني.

إن الصراع بين البروليتاريا والبرجوازية هو صراع طبقة ضد طبقة – صراع يؤدي غلى ثورة عامة- ليس مدهشاً ان مجتمعاً قائماً على صراع الطبقات يجب ان يؤدي غلى تناقص وحشي، غلى اصطدام جسد بجسد، كنتيجة محتومة له ؟

لا تقل ان الحركة الاجتماعية تقضي على الحركة السياسية. لا توجد حركة سياسية الا وهي حركة اجتماعية.

إنه في نظام الاشياء فقط حيث لا توجد طبقات ولا صراع طبقات نجد ان التطورات الاجتماعية ستظل ان تكون ثورات سياسية. وان اخر كلمات العلم الاجتماعي- لدى تنظيف المجتمع – ستكون:

« الصراع أو الموت، الاصطدام الدموي أو العدم. هكذا يجب أن نضع المسألة».

كتبه ماركس في النصف الأول من سنة 1847

نشر لأول مرة في باريس وبروكسيل, سنة 1847

نسخ إلكتروني: مجموعة من المتطوعين (أكتوبر 2004 – مارس 2005)

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

[1] كان هذا حقيقة بالنسبة لسنة 1847. في ذلك الوقت كانت التجارة الدولية في الولايات المتحدة محدودة على استيراد المهاجرين والمنتوجات الصناعية، وعلى تصدير القطن والتبغ، أي على نتاج عمل العبيد في الجنوب. وكانت الولايات الشمالية تنتج القمح واللحوم وترسلها للولايات التي كانت تقوم على العبودية. لقد كان الوقت الذي بدأت الولايات الشمالية بتصدير القمح واللحوم وأصبحت بلدا صناعيا، وعندما أصبح احتكار الصوف يجد منافسة قوية في الهند ومصر والبرازيل الخ… إن تحرير العبيد أصبح ممكنا في مثل هذا الوقت. ورغم هذا فإن تحرير العبيد أدى إلى خراب الجنوب الذي لم ينجح في أن يبدل العبيد السود بعبودية الهنود « الصينيين ». (الملاحظة لانجلز للطبعة الألمانية).

[2] الرجل الذي ينال ٤۰ اكو – هو بطل قصة فولتير لنفس العنوان: هو رجل متواضع وفلاح يعمل بكد ونشاط وينال دخلاً سنويا مقداره ٤۰ اكو.

تسعدني تعليقاتكم

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s