كتاب (تطور الرأسمالية في روسيا “في عملية تكون سوق داخلية للصناعة الكبيرة”) فلاديمير لينين 6 – الفصل الثالث: انتقال ملاك الأراضي من اقتصاد السخرة إلى الاقتصاد الرأسمالي

Posted: 6 يونيو 2015 in كلاسيكيات الماركسية, مختارات سياسية, عمال وجماهير
الوسوم:, , , , , , , ,
فلاديمير إيلتش لينين
ترجمة: فوّاز طرابلسي
الطبعة الأولى – تموز/يوليو 1979
دار الطليعة للطباعة والنشر – بيروت
ترجم هذا الكتاب عن النسخة الانكليزية من مؤلفات لينين الكاملة، الجزء الثالث، الطبعة الثانية، دار التقدم بموسكو، 1964.

يجب أن ننتقل الآن من الاقتصاد الفلاحي إلى اقتصاد الملاّك العقاريين. ومهمتنا هنا أن ندرس السمات المميزة الرئيسية للنظام الاقتصادي-الاجتماعي الراهن لاقتصاد ملاّك الأرض، وان نصِف طبيعة تطوره في حقبة «ما بعد الاصلاح».

1-السمات المميزة الرئيسية لاقتصاد السخرة

ننطلق في دراستنا للنظام الراهن لاقتصاد الملاّك العقاريين من النظام الاقتصادي الذي كان سائدا في مرحلة القنانة. ويتلخص جوهر النظام الاقتصادي لتلك الفترة في ان كل مساحة الارض في وحدة معينة من وحدات الاقتصاد الزراعي –أي المزرعة الإقطاعية- كانت منقسمة بين أراض للمالك وأراض للفلاحين. وتتوزع هذه الأخيرة على شكل حصص [1] بين الفلاحين الذين كانوا يتسلمون أيضا وسائل انتاج اخرى كالخشب وأحيانا الماشية، الخ. وكان الفلاحون يزرعون هذه الحصص بعملهم وأدواتهم ويعتاشون منها. ان منتوج عمل الفلاحين هذا يشكل المنتوج الضروري –حسب المصطلح النظري للاقتصاد السياسي- وهو ضروري لأنه يوفر المعاش للفلاحين، مثلما يوفر الايدي العاملة للمالك العقاري. والمعنى هنا هو نفس المعنى الذي نشير اليه عندما نقول أن المنتوج الذي يحل محل القسم المتغير من قيمة رأس المال هو منتوج ضروري في المجتمع الرأسمالي. أما العمل الاضافي للفلاحين، فهو العمل الذي يبذله هؤلاء في فلاحة أرض المالك بواسطة أدوات الانتاج ذاتها؛ ويعود منتوج هذا العمل إلى المالك. وهكذا كان العمل الاضافي مفصولا جغرافياً عن العمل الضروري. فالفلاحون يفلحون اراضي المالك لصالح هذا المالك، فيما يفلحون حصصهم لصالحهم هم. وإذا كان الفلاحون يعملون لصالح المالك العقاري خلال بضعة أيام في الأسبوع، فإنهم يعملون لصالحهم هم في الأيام الباقية. والحقيقة أن حصص الفلاحين في ذلك النظام الاقتصادي كانت بمثابة أجور عينية تُدفع للفلاحين (إذا شئنا استخدام المصطلحات الحديثة) أو بمثابة وسائل لمد المالك العقاري بالأيدي العاملة. ان زراعة الفلاحين للحصص العائدة لهم كانت شرطا من شروط وجود اقتصاد الملاك العقاريين، وكان هدفها مد المالك العقاريي بالأيدي العاملة، لا توفير المعاش للفلاحين [2].

هذا هو النظام الاقتصادي الذي نسميه اقتصاد السخرة. وان سيادة هذا النظام تفترض توافر الظروف الضرورية التالية:

أولا، سيادة الاقتصاد الطبيعي. اذ يجب ان تكون المزرعة الاقطاعية مكتفية ذاتيا وقائمة بذاتها لا تملك إلا صلات واهية جدا بالعالم الخارجي. والواقع أن انتاج الملاك العقاريين للحبوب في سبيل بيعها، الذي ظهر في الطور الاخير من مرحلة القنانة، كان يبشر بانهيار النظام القديم.

ثانيا، ان مثل هذا النظام الاقتصادي (اقتصاد السخرة) كان يتطلب أن يتوفر للمنتج المباشر وسيلة الانتاج بشكل عام، والأرض بشكل خاص. بل أكثر من ذلك: كان لا بد للمنتج المباشر من أن يكون مقيدا بالأرض، وإلا حُرم المالك العقاري من الأيدي العاملة. من هنا، فإن وسائل استخراج المنتوج الاضافي في ظل اقتصاد السخرة مناقضة تماما لوائل استخراجه في ظل الاقتصاد الرأسمال. قوم الأول على منح الارض للمنتج، في حين يفترض الثاني تجريده منها [3].

ثالثا، ان شرطا اضافا لوجود اقتصاد الخرة هو التبعية الشخصية التي تشد الفلاح إلى المالك العقار. فلو لم يكن المالك العقاري يملك سلطة مباشرة على شخص الفلاح، لعجز عن ارغام هذا الفلاح، الحائز على قطعة ارض والذي يدير مزرعته بنفسه، على ان يعمل من أجله. فالمطلوب هنا «ما يتعدى الارغام الاقتصادي»، على حد تعبير ماركس في وصفه لهذا النظام الاقتصادي (الذي يصنفه تحت مقولة العمل-الريع، انظر رأس المال، المجلد 3، ص 324). وقد تتفاوت أشكال هذا الارغام وتتابين درجاته، وتتراوح بين وضعية الفلاح كقن وبين حرمانه من الحقوق ضمن نظام المراتب الاجتماعية [4].

رابعا وأخيرا، من شروط هذا النظام الاقتصادي الآنف الذكر (ونتائجه) انخفاضه مستوى التقنية او مراوحته في مكانه. والسبب في ذلك هو أن الفلاحة هي بين أيدي فلاحين صغار، يسحقهم الفقر، يرمي بهم الجهل والتبعية الشخصية في مهاوي الانحطاط.

2-الاندماج بين اقتصاد السخرة والاقتصاد الرأسمالي

أدى الغاء القنانة إلى نسف بنيان اقتصاد السخرة. وهكذا تقوضت كافة الأسس التي كان يرتكز اليها هذا النظام: الاقتصاد الطبيعي، الطابع المغلق والمكتفي ذاتيا للمزرعة الاقطاعية والعلاقة الحميمة بين العناصر المكونة لها، وسلطة ملاك الارض على الفلاحين. انفصلت مزرعة الفلاح عن مزرعة المالك العقاري. وإذا بالفلاح يشتري أرضه ويصبح مالكا كاملا لها. أما مالك الأرض، فقد تبنى نظام الزراعة الرأسمالي وهو يرتكز إلى قاعدة مناقضة تماما للقاعدة التي يرتكز اليها اقتصاد السخرة، كما بيَّنا أعلاه. على أن هذا الانتقال إلى نظام اقتصادي مختلف كل الاختلاف، لم يكن ليحصل، طبعا، دفعة واحدة، وذلك لسببين مختلفين. السبب الاول هو عدم توافر الظروف المطلوبة لقيام الانتاج الرأسمالي. كان يقتضي الأمر أن تنشأ طبقة من الناس معتادة على العمل المأجور، وان يجري استبدال ادوات الفلاحين بأدوات المالك العقاري؛ وان يجري تنظيم الزراعة على نمط تنظيم المنشآت التجارية والصناعية، وليس وفق مشيئة المالك العقاري. وكان حتميا ان تنضج هذه الظروف تدريجيا. أما المحاولات التي بذلها الملاك العقاريون، مباشرة بعد «الإصلاح» لاستيراد الآلات وحتى العمال من الخارج، فكان محتما عليها أيضا أن تبوء بالفشل الذريع.

وأما السبب الآخر لاستحالة الانتقال الفوري إلى النظام الرأسمالي، فهو أن اقتصاد السخرة القديم قد تقوضت أسسه، لكنه لم يتعرض لعملية تدمير كاملة. فمزارع الفلاحين لم تنفصل نهائيا عن أراضي الملاك، وذلك ان هؤلاء الاخيرين ظلوا حائزين على «الاراضي المقتطعة» [5]، اي الغابات والمروج والآبار والمراعي وسواها. فبدون حيازة الفلاحين لهذه الأراضي (أو تمتعهم بحق استخدامها) يعجزون عجزا كالملا عن ممارسة الزراعة المستقلة، بحيث ظل بمستطاع المالك العقاري الاستمرار بالنظام الاقتصادي القديم على شكل اقتصاد العمل-الخدمة. كذلك، احتفظ الملاك العقاريون بحق استخدام «الإرغام غير الاقتصادي» عبر حالة «التبعية المؤقتة» [6] التي ظلت تقيد الفلاحين والمسؤولية الجماعية والعقوبات الجسدية، والعمل الالزامي في المشاريع العامة، الخ.

وهكذا، فإنه لم يكن بمقدور الاقتصاد الرأسمالي أن ينشأ فجأة، ولا كان بمقدور اقتصاد السخرة أن يختفي بين ليلة وضحاها. من هنا، فالنظام الاقتصادي الوحيد الذي كان ممكنا هو نظام يجمع مميزات كل من اقتصاد السخرة والاقتصاد الرأسمالي. وبالفعل فإن النظام الزراعي الذي مارسه الملاك العقاريون بعد «الاصلاح» يحمل هذه المميزات تحديدا. وعلى الرغم من أن التنظيم الاقتصادي لمزارعة الملاك العقاريين المعاصرين يحمل المنوعات اللامتناهية التي تتميز بها الحقبات الانتقالية، إلا ان هذا التنظيم الاقتصادي يتلخص في نظامين اثنين، بخلائطهما المختلفة: نظام العمل-الخدمة [7] والنظام الرأسمالي.

ويتلخص النظام الأول في أن مزارعة الملاك العقاريين تتم فيه بواسطة ادوات الفلاحين المجاورين، دون أن يؤدي شكل الدفع إلى تبديل في جوهر النظام (سواء كان الدفع نقدا –في استئجار الأيدي العاملة- أو عينيا- في المقامة او المحاصصة- أو كان الدفع لقاء أراض ومراع، كما هو الحال في العمل- الخدمة بالمعنى الحَرفي للعبارة). وهذا استمرار مباشر لاقتصاد السخرة [8]. وينطبق التصميف الاقتصادي لهذا الأخير، كما عرضناه أعلاه، انطباقا كاملا تقريبا على نظام العمل-الخدمة (أما الاستثناء الوحيد فهو زوال شروط اقتصاد السخرة في واحد في أشكال نظام العمل-الخدمة. وهذا هو الحال بالنسبة لاستئجار الأيدي العاملة، حيث يدفع المالك المال، بدل الدفع العيني، لقاء العمل المبذول).

أما المزراعة الرأسمالية، فإنها تقوم على استئجار العمال (على أساس سنوي، موسمي، يومي أو خلافه) لفلاحة الأرض بواسطة أدوات يملكها المالك العقاري نفسه. والحقيقة ان هذين النظامين يندمجان بأكثر الاشكال تنوعا وإثارة. فعلى مجموعة من المزارع نجد مزيجا من هذين النظامين مطبقا على عمليات مزارعة مختلفة. وانه لمن الطبيعي أن يُؤدي اندماج مثل هذين النظامين المختلفين، بل والمتعارضَين، إلى بروز العديد من النزاعات والتناقضات العملية، كما أنه من الطبيعي أن يُؤدي ضغط هذه التناقضات إلى إفلاس مزارعين عديدين. فهذه كلها ظواهر تتميز بها كافة المراحل الانتقالية.

(…) وهكذا، فعلى الرغم من ان نظام العمل-الخدمة يطغى في المقاطعات الروسية المحضة، فان النظام الرأسمالي لزراعة الملاك العقاريين هو الذي يطغى حاليا في روسيا الأوروبية عامة…

وأخيرا، لا بد من الملاحظة ان نظام العمل-الخدمة ينتقل أحيانا إلى النظام الرأسمالي ويختلط به إلى درجة انه يتعذر معه تمييز الواحد عن الثاني. يستأجر أحد الفلاحين قطعة أرض، مثلا، ويتعهد بأن يبذل، في المقابل، عددا معينا من أيام العمل (وهي ممارسة واسعة الانتشار، كما هو معلوم –انظر الامثلة في القسم التالي من هذا الفصل). أين نرسم الحد الفاصل بين مثل هذا «الفلاح» وبين «العامل الزراعي» من النمط الأوروبي الذي يتلقى قطعة أرض لقاء تعهد ببذل عدد معين من أيام العمل؟ ان الحياة تخلق أشكالا توحد داخلها، بتدرج مدهش، عدة أنظمة اقتصادية هي انظمة متناقضة من حيث خصائصها الرئيسية. بذلك يتعذر تحديد أين ينتهي نظام «العمل-الخدمة» وأين تبدأ «الرأسمالية».

(…)بعد أن أكدنا الحقيقة الأساسية القائلة بأن تنوع اشكال اقتصاد الملاك العقارين المعاصر يمكن تلخيصه بنظامين اثنين، نظام العمل-الخدمة والنظام الرأسمالي بمختلف منوعاتها، ننتقل الآن إلى اجراء عملية وصف اقتصادي لهذين النظامين، لكي نصل إلى تعيين أي منهما يقضي على الآخر تحت وطأة المسار العام للتطور الاقتصادي.

3-وصف نظام العمل-الخدمة

ييتخذ نظام العمل-الخدمة اشكالا شديدة الاختلاف، كما لاحظنا اعلاه. فأحيانا، يتعهد الفلاحون، لقاء دفعة مالية، بزراعة أراضي المالك بواسطة ادواتهم الخاصة. وهذا ما نسميه «استثمار العمل» أو «استخدامات الدسياتين» أو «الزراعة الدورية» [9] (اي زراعة دسياتين واحد من محاصيل الربيع ودسياتين من محاصيل الشتاء، الخ. وأحيانا يستلف الفلاح الحبوب أو مبلغا من المال، متعهدا بأن يعمل لقاء ذلك بما يفي كل الدَين أو بما يفي الفائدة المترتبة عليه. وفي ظل هذا النمط، تبرز احدى مميزات نظام العمل-الخدمة بوضوح كبير- أعني الطابع التبعي والمرابي لهذا النمط من استئجار اليد العاملة. وفي حالات أخرى، يعمل الفلاحون على اراضي المالك تعويضا عن «التعدي» (أي يعملون ايفاءً للديون المترتبة عليهم قانونيا بسبب «تعدّي» ماشيتهم على أراضي الملاك)، أو انهم يعملون «من قبيل المجاملة»، أي مجانا، أو مجرد لقاء كأس من الخمر ولكي لا يخسروا «الاستخدامات» الاخرى التي يوفرها لهم المالك العقاري. وأخيرا، فان بذل العمل-الخدمة، لقاء الأرض، نمط شائع جدا سواء كان على شكل المقاسمة (في هذه الحال، المناصفة) أو تم مباشرة بواسطة بذل العمل [على أراضي الملاك] لقاء استئجار قطعة أرض، أو لقاء حق استعمال المراعي والغابات، الخ.

وغالبا ما يتم الدفع لقاء الاراضي المستأجرة بأكثر الأشكال تنوعا. وقد تندمج هذه الأشكال أحيانا، بحيث نجد الربع المالي جنبا إلى جنب مع الريع العيني و«العمل-الخدمة». وفيما يلي بعض الأمثلة:

-مقابل كل دسياتين [من الارض المستأجرة]، يقدم الفلاح: فلاحة دسياتين ونصف [من أرض المالك] + 10 بيضات + دجاجة + عمل نسائي ليوم واحد.

-مقابل 43 دسياتين من الأرض للزراعة الربيعية، يقدم الفلاح 12 روبلا عن كل دسياتين نقدا.

-مقابل 51 دسياتين من الأرض للزراعة الشتوية، يقدم الفلاح: 16 روبلا نقدا عن كل دسياتين + دراسة 16 كومة شوفان، 7 كومات من الحنطة السوداء[10] و20 كومة من الجاودار [11] + تسميد لا أقل من 5 دسياتين من الأرض المتاجرة بزبل الحيوانات خاصة الفلاح بمعدل 300 حِمل عربة لكل دسياتين واحد. (كاريشيف، ايجارات، ص 348). في مثل هذه الحالة، حتى سماد الفلاح يصبح جزءا مكونا من مزرعة المالك الخاصة! ان اتساع العمل-الخدمة وتنوع أشكاله، يظهران أيضا في تعدد المصطلحات المستخدمة للتدليل عليه: «أوترابوتكي»، «اتبوشي»، «اوبوكتي»، «بارشينا»، «باسارينكا»، «بوسوبكا»، «باشينا»، «بوسستوبوك»، «فييمكا»، الخ. (ص 342). ويتعهد الفلاح احيانا بأن يبذل «أي عمل يأمره به المالك» (ص 346) أو هو يتعهد بشكل عام ان «يمتثل لإرادته»، وان «يستجيب» لطلباته، وأن «ينجده». والواقع ان العمل-الخدمة يشتمل على «دورة كاملة من الأعمال في الحياة الريفية. فبواسطة العمل-الخدمة تتم كافة العمليات المتعلقة بزراعة الحقول وحصاد الحبوب والتبن وجمع الحطب وتحميل العربات» (ص 346، 347) وكذلك تصليح السقوف والمداخن (ص 354، 348) ونقل الدجاج والبيض (الصفحات نفسها). ويلاحظ احد المحققين في قضاء غدوف في مقاطعة سان بطرسبرغ، عن حق، ان انماط العمل-الخدمة التي صادفها تحمل «طابع العمل بالسخرة الذي كان سائدا في فترة ما قبل الاصلاح» (ص 349) [12].

ولعل الأكثر إثارة هو ذلك الشكل من العمل-الخدمة في الارض الذي يسمى «الريع بواسطة العمل-الخدمة» أو «دفع الريع عينيا» [13]. في الفصل السابق، رأينا كيف تظهر العلاقات الرأسمالية في استئجار الفلاحين للأرض. وها نحن هنا أمام «الريع» بصفته مجرد استمرار لاقتصاد السخرة، والذي يتسلل أحيانا إلى داخل التنظيم الرأسمالي القائم على استجلاب العمال الزراعيين إلى المزارع عن طريق تأجيرهم قطع ارض يزرعونها. ان احصائيات الزييمستوفات تؤكد بدون التباس الارتباط القائم بين هذا الشكل من «الريع» وبين زراعة المؤجرين لأراضيهم بأنفسهم. «مع تولي ملاك الاراضي زراعة أراضيهم الخاصة، بات عليهم ان يوفروا امدادات من الأيدي العاملة في الوقت المناسب. من هنا، نما بينهم، وفي أكثر من مكان، الميل إلى توزيع الاراضي على الفلاحين على أساس العمل-الخدمة، او لقاء حصة من المحصول بالإضافة إلى العمل-الخدمة…». وان هذا النمط من المزارعة «… واسع الانتشار. وبقدر ما يزداد ميل المؤجرين إلى زراعة اراضيهم بأنفسهم، تتضاءل مساحة الاراضي المتوافرة للتأجير ويرتفع الطلب عليها، وبالتالي يتطور هذا الشكل من تأجير الارض وتتسع رقعته» (المصدر السابق، ص 266. راجع ايضا ص 367). اننا هنا أمام نمط مميز من التأجير، حيث لا يغادر المالك أراضيه، لكنه يعبر عن تطور زراعة المالك الفردي لأرضه. لقد اثبتنا في الفصل السابق الطابع المتناقض لإيجار أراضي الفلاحين. فهو يعني للبعض توسيعا مفيدا لرقعة الاراضي المفلوحة، فيما يعني للبعض الآخر مجرد صفقة يعقدها تحت وطأة الحاجة القصوى لا غير. وها نحن نرى الآن أن ايجار اراضي الملاك هو ايضا ذو طابع متناقض. فهو يعني، في بعض الأحيان، انتقال الارض إلى شخص آخر لقاء دفع الريع، لكنه، في احيان أخرى، وسيلة يلجأ اليها المالك لإدارة مزرعته، اي وسيلة لمد هذه المزرعة بالأيدي العاملة.

لننتقل الآن إلى مسألة الأجر في ظل نظام العمل-الخدمة. تجمع الاحصائيات التي تردنا من كافة المصادر على التوكيد ان أجر العمل المستخدم على اساس نظام العمل-الخدمة او على اساس تبعي، هو دائما أدنى مستوى من العمل في ظل الاستئجار «الحر» من النمط الرأسمالي. وهذا ما يؤكده، أولا، كون الريع العيني –أي ذلك الريع القائم على العمل-الخدمة أو المحاصصة (التي هي مجرد شكل من اشكال العمل-الخدمة التبعي، كما بيّنا أعلاه)، هو دائما وكقاعدة عامة، أغلى كلفة من الريع النقد، بل أغلى كلفة بكثير (المصدر السابق، ص 350) وقد يصل هذا الريع العيني إلى ضعفي الريع النقدي. (المصدر ذاته، ص 356…).

وثانيا، يرقى الريع العيني إلى أعلى مستوياته في اوساط أفقر الفئات الفلاحية (ص 261 وما يليها). وهو نوع من الريع يعقد في ظل الضرورة القصوى، ويلجأ إليه الفلاح بعد اخفاق محاولاته المتكررة للحيلولة دون السقوط إلى مصاف العامل الزراعي. والحال ان الفلاحين الميسورين يبذلون كل ما في وسعهم من أجل استئجار الأرض لقاء المال: «يستنتج المستأجر كل مناسبة لكي يدفع ريعه نقدا، ويخفض بالتالي كلفة استخدامه لأراضيه الغير» (ص 265) ونضيف نحن: ليس فقط لتخفيض كلفة استئجار الأرض، بل وأيضا للإفلات من الايجار التبعي. ففي قضاء روستوف –على- الدون، لاحظ المراقبون هذه الواقعة المدهشة، فقد تخلى الفلاحون عن الريع النقدي لصالح «السكوبشينا» [14]، مع ارتفاع الايجارات، وعلى الرغم من انخفاض حصة الفلاحين من المحاصيل. (المصدر السابق، ص 266. وان هذه الواقعة لتدل دلالة دامغة على معنى الريع العيني الذي يؤدي نهائيا إلى خراب الفلاح ويحوله إلى عامل زراعي.

ثالثا، ان المقارنة المباشرة بين ثمن العمل في حالة العمل-الخدمة وثمنه في حالة الاستئجار الرأسمالي «الحر»، تثبت أن الثاني اكبر من الأول (…) ونلاحظ هنا أن الحقيقة القائلة أنت ما يُدفع لقاء العمل في ظل الاستئجار الرأسمالي هو أعلى مما يُدفع في ظل كافة اشكال التبعية وكافة العلاقات قبل الرأسمالية –ان هذه الحقيقة مؤكدة ليس في الزراعة وحسب بل وفي الصناعة أيضا، ولي في روسيا وحدها وإنما في سائر البلدان كذلك (…)

وهكذا، ففي ظل العمل-الخدمة (كما في ظل الاستئجار التبعي المندمج بالربا) نجد ان الأسعار المدفوعة لقاء العمل هي اقل من نصف الاسعار المدفوعة في ظل الاستئجار الرأسمال. وطالما ان العمل-الخدمة لا يمكن أن يضطلع به إلا الفلاح المحلي الذي يجب أن تتوافر له قطعة أرض، فان الانخفاض الكبير في السعر [سعر قوة العمل] يشير بوضوح إلى أهمية المحاصصة بصفتها اجورا عينية. وفي مثل هذه الحالات، لا تزال المحاصصة إلى يومنا هذا وسيلة «لتزويد» ملاك الأراضي بالأيدي العاملة الرخيصة. على أن الفارق بين العمل الحر والعمل «شبه الحر» لا يقتصر على الفارق في الدفع. فمن الأهمية بمكان أن نلاحظ أن هذا الشكل الأخير من العمل [أي العمل «شبه الحر»] يفترض التبعية الشخصية للمستخدَم حيال رب العمل، مثلما هو يفترض دوما استمرار أشكال مختلفة من «الارغام غير الاقتصادي». ويلاحظ «انغلهاردت»[15]، عن حق، أن شيوع ظاهرة تسليف الأموال التي يجري تسديدها على شكل عمل-خدمة، تفسره كثرة الضمانات المتوافرة لإيفاء مثل هذه الديون: إذا كان الزام الفلاح بالدفع بواسطة «أمر الحجز» [على امواله وممتلكاته] أمرا عسيرا، فان بمقدور السلطات ان ترغم الفلاح على مواصلة العمل الذي بدأه [على أرض المالك العقاري] حتى لو لم يكن قد استكمل بعد حصاد محصول الحبوب الخاص به» (المصدر السابق، ص206). «ان سنوات طويلة من العبودية، ومن القنانة للسيد الاقطاعي، هي وحدها القادرة على توكيد الاستخفاف» (الظاهري) الذي يبديه الفلاح حيال ترك محصوله من الحبوب تحت المطر، لكي يتولى تحميل ونقل حزمات الغير. (المصدر ذاته، ص 429). فبدون هذا الشكل أو ذاك من تقيد السكان بمنازلهم، وتقييدهم بـ«الجماعة»، وبدون حرمانهم من الحد الأدنى من الحقوق المدنية، يستحيل قيام نظام العمل-الخدمة اصلا. فمن البديهي، والحالة هذه، أن يكون الانخفاض في انتاجية العمل هو النتيجة الحتمية لصفات نظام العمل-الخدمة المذكورة أعلاه. إذ لا يمكن للوسائل الزراعية المستخدمة في العمل-الخدمة إلا أن تكون سجينة القوالب الجامدة. مثلما لا يمكن لعمل الفلاح التابع إلا أن يقارب، في نوعيته، عمل القن.

ان اندماج نظام العمل-الخدمة بالنظام الرأسمالي يجعل من النظام الحالي لمزارعة ملاك الأراضي شبيها جدا، من حيث تنظيمه الاقتصادي، بالنظام الذي كان سائدا في صناعة النسيج عندنا قبل نشوء الصناعة الآلية الكبيرة. هناك، كان التاجر يتولى قسما من العمليات الانتاجية، مستعينا بأدواته هو، وبالعمال المأجورين (الغزل، الصباغة، الخ.) فيما يتولى تنفيذ القسم الآخر من العمليات الانتاجية بواسطة أدوات صناع يدويين فلاحين يعملون عنده، لكنهم يستخدمون المواد التي يقدمها هو لهم. اما هنا، فيتولى العمال المأجورون تنفيذ قسم من العمليات، مستخدمين أدوات رب العمل، فيما يتولى تنفيذ القسم الآخر من العمليات فلاحون يبذلون عملهم ويستخدمون أدواتهم هم على اراضي الغير. هناك [أي في حالة النظام الصناعي قبل نشوء الصناعة الآلية الكبيرة]، كنا نلقي رأس المال التجاري مندمجا برأس المال الصناعي، مثلما نلقى الصانع اليدوي يرزح تحت نير رأس المال وينوء ايضا تحت التبعية، وعمليات المقاول الثانوي، ونظام الدفع العيني، الخ. أما هنا [أي في حالة الزراعة] نجد أيضا رأس المال التجاري والربوي مندمجا برأس المال الصناعي، بكل ما يصاحب ذلك من اشكال تخفيض الأجور وتكثيف التبعية الشخصية للمنتج. هناك، استمر النظام الانتقالي عدة قرون لاعتماده على تقنية العمل اليدوي البدائية، إلا أنه انهار في اقل من ثلاثة عقود من الزمن تحت ضربات الصناعة الآلية الكبيرة. أما هنا، فقد استمر العمل-الخدمة منذ نشأة «الروس» تقريبا (فقد أرغم ملاك الأراضي «الفلاحين الأحرار» على العودة غلى علاقات الاسترقاق منذ ايام روسكايا برافدا) [16]، واستمرت معه التقنية التقليدية، ولم يبدأ بالتراجع سريعا امام الرأسمالية إلا في فترة «ما بعد الاصلاح». وفي كلا الحالين، لا يعني النظام القديم سوى الركود في أشكال الانتاج (وبالتالي، في كافة العلاقات الاجتماعية) مثلما هو يعني سيطرة نسق الحياة الآسيوي. وكذلك، فان الأنماط الاقتصادية الرأسمالية الجديدة تشكل تقدما كبيرا، على الرغم من كل التناقضات الكامنة فيها.

4-انهيار نظام العمل-الخدمة

أما السؤال الذي يثور الآن، فهو: ما علاقة نظام العمل-الخدمة بالاقتصاد الروسي في فترة ما بعد الاصلاح؟

يجب القول، أولا، أن نمو الاقتصاد البضاعي يتعارض مع نظام العمل-الخدمة، لأن هذا الأخير يرتكز إلى الاقتصاد الطبيعي، إلى التقنية التي لا تتغير، إلى علاقة التبعية بين الفلاح وملاك الاراضي. ولهذا السبب، فان هذا النظام مستحيل التطبيق في اشكاله المتكاملة، وكل تقدم يحرزه تطور الاقتصاد البضاعي والزراعة التجارية ينسف المزيد من شروط قابليته للتطبيق.

ثم انه يجب أن نأخذ بالاعتبار الظرف التالي: ينجم عما سبق ان العمل-الخدمة، كما هو قيد الممارسة في مزارعة ملاك الاراضي الراهنة، يجب ان ينقسم إلى قسمين: 1) العمل-الخدمة الذي لا يستطيع الاضطلاع به إلا ذلك المزارع الفلاح الذي يملك حيوانات الجر والأدوات (مثلا، في زراعة «الدسياتين الدورية»، والحراثة، الخ.) و2) العمل-الخدمة الذي يمارسه العامل الزراعي المحروم من الأدوات الزراعية (مثلا، في الحصاد، والدراسة، الخ). ومن البديهي أنه بالنسبة لمزارعة الفلاح ومالك الأرض، يحمل النمط الاول والثاني من العمل-الخدمة معنى متناقضا، كما أنه من البديهي القول أن النمط الثاني [الذي يمارسه العامل الزراعي] يشكل انتقالا مباشرا إلى الرأسمالية، يندمج عدد من العمليات الانتقالية المستترة. في العادة، تجري الاشارة إلى العمل-الخدمة، في أدبياتنا، دون هذا التمييز. والحال، فخلال تصفية الرأسمالية لنظام العمل-الخدمة، يكتسب انتقال مركز الثقل من النمط الأول من العمل-الخدمة إلى الثاني، أهمية استثنائية (…)

وأخيرا، فلا بد من التأكيد على أن عملية تمايز الفلاحين هي واحدة من أهم الأسباب المؤدية إلى انهيار نظام العمل-الخدمة.

(…) تتسارع تصفية الرأسمالية للعمل-الخدمة بقدر ما تتسارع عملية انهيار الاقتصاد الطبيعي وخراب الفلاحين المتوسطين. وبالطبع، لا يستطيع الفلاحون الميسورون أن يشكلوا القاعدة البشرية لنظام العمل-الخدمة. ذلك أن الادقاع الكامل هو وحده الذي يرغم الفلاح على القيام بالأعمال الأقل إدرارا للدخل إضافة لكونها تحمل الخراب إلى مزرعته. على أن البروليتاريا الزراعية، من جهتها، لا يناسبها نظام العمل-الخدمة، ولكن لسبب مختلف. فالعامل الزراعي، لكونه لا يملك مزرعة خاصة به أو هو يملك قطعة أرض بائسة، فإنه ليس مرتبطا بالأرض مثل ارتباط الفلاح المتوسط بها، فيسهل عليه بالتالي أن ينتقل إلى مكان آخر ويؤجر نفسه على اسس «حرة»، أي لقاء اجور أعلى وبمعزل عن اي شكل من التبعية. ومن هنا حالة الامتعاض الشاملة السائدة في اوساط الخبراء الزراعيين بصدد هجرة الفلاحين نحو المدن أو بحثا عن «الاستخدامات الخارجية» بشكل عام. ومن هنا أيضا تذمراتهم بأن الفلاحين «قليلو التعلق بالأرض»… ان تطور العمل المأجور القائم على قاعدة رأسمالية بحتة يقتلع نظام العمل-الخدمة من الجذور.

وانه لذو اهمية قصوى أن نشير هنا إلى أن هذا الرابط العضوي بين تمايز الفلاحين وتصفية الرأسمالية لنظام العمل-الخدمة، هذا الرابط الواضح جدا على صعيد النظرية، قد أشار إليه، منذ زمن، الخبراء الزراعيين الذين راقبوا مختلف انماط الفلاحة على مزارع الملاك العقاريين (…)

ليس في نيتنا، بالطبع، أن نستخدم هذه المراجع المجزأة للبرهنة على أن الرأسمالية آخذة في تصفية نظام العمل-الخدمة. فالواقع انه لا توجد احصائيات كاملة حول هذا الموضوع. اننا نستخدم هذه المراجع فقط للبرهنة على صحة القول بأنه يوجد رابط بين تمايز الفلاحين وبين تصفية الرأسمالية للعمل-الخدمة. وان المعطيات العامة والشاملة التي تثبت، دون أدنى ريب، ان عملية التصفية هذه قائمة، هي معطيات تتعلق باستخدام الآلة في الزراعة كما تتعلق باستخدام العمل المأجور «الحر». ولكن، قبل الانتقال إلى هذه المعطيات، يجب ان نتناول أولا آراء الاقتصاديين الشعبويين بصدد الزراعة الحديثة لملاك الأراضي الفرديين في روسيا.

5-موقف الشعبويين

حتى الشعبويون لا ينكرون ان نظام العمل-الخدمة ما هو إلا ترسب من ترسبات اقتصاد السخرة. بل انهم، بالعكس، يقرون بذلك –وإن يكن بصيغة عامة وغير وافية- على لسان السيد دانيالسون (مقالات، الفصل 9) والسيد فورنتسوف (وعلى الاخص في مقاله «الزراعة الفلاحية والعلم الزراعي» في أوتيشسفيني زابيسكي، 1882، العددان 8 و9). لكن الأدعى إلى الدهشة ان الشعبويين يبذلون كل ما في وسعهم لتفادي الاعتراف بالواقعة الواضحة البسيطة التي تقول ان النظام الحالي لزراعة ملاك الاراضي الفرديين هو مزيج من نظام العمل-الخدمة والنظام الرأسمالي، وأن كل تطور للنظام الأول ييتم على حساب الثاني، والعكس بالعكس. ان الشعبويين يتفادون تحليل علاقة كل من هذه الانظمة بإنتاجية العمل، وبالدفع لقاء عمل العمال، وبالمميزات الاساسية للاقتصاد الروسي بعد «الاصلاح». ذلك ان طرح المسألة على هذا الاساس –اي على أساس الاعتراف بـ«التغيير» الحاصل فعليا- يعني الاقرار بحتمية التصفية المطردة للعمل-الخدمة من قبل الرأسمالية. ولكي يتفادى الشعبويون الانجرار إلى هذه الخلاصة، يذهبون إلى حد تمجيد نظام العمل-الخدمة. ان هذا التمجيد المقيت هو الصفة المميزة لآراء الشعبويين حول تطور اقتصاد ملاك الاراضي. اما السيد فورونتسوف فإنه يذهب إلى حد القول «ان الشعب… هو المنتصر في النضال من أجل شكل التقنية الزراعية، رغم ان انتصاره قد ادى إلى جر المزيد من الويلات عليه» (مصير الرأسمالية، ص 288). ان الاعتراف بمثل هذا «الانتصار» اكثر بلاغة من الاعتراف بالهزيمة! وأما السيد دانيالسون فإنه يكتشف وراء تحصيص الأرض بين الفلاحين في ظل اقتصاد السخرة ونظام العمل-الخدمة «مبدأ» «ربط المنتج بوسائل الانتاج». الا أنه يتغافل واقعة تافهة« هي ان عملية التحصيص هذه هي وسيلة لتزويد ملاك الاراضي بالأيديي العاملة وكما اشرنا سابقا، فإن ماركس، في وصفه للأنظمة الزراعية قبل الرأسمالية، حلّل كافة اشكال العلاقات الاقتصادية الموجودة في روسيا، وشدد بوضوح على ضرورة وجود الانتاج الصغير وتقييد الفلاح بالأرض لقيام كل من العمل-الريع والريع العيني والريع النقدي. لكنه هل كان ليخطر في بال ماركس أن يرفع عملية تحصيص الارض بين الفلاحين التابعين إلى مصاف «مبدأ» يقضي بقيام رابط خالد بين المنتج وسائل الإنتاج؟ هل تناسى ولو للحظة أن هذا الرابط بين المنتج ووسائل الانتاج هو مصدر الاستغلال القرن أوسطي وشرطه، وقاعدة الركود التقني والاجتماعي؟ هل تناسى ماركس أن هذا الرابط يتطلب ممارسة كافة اشكال «الارغام غير الاقتصادي»؟

(…)

ذلك هو الحد الذي يبلغه الشعبويون في تمجيدهم لنظام اقتصادي ما هو إلا ترسُّب من ترسبات اقتصاد السخرة.

والواقع أن وسائط التفكير الشعبوية بسيطة جدا: يكفي أن نتناسى أن تحصيص الارض بين الفلاحين هو احد شروط اقتصاد السخرة او العمل-الخدمة، ويكفي أن نغفل كون هذا المزارع الذي يُزعم أنه «مستقل» مضطر لدفع الريع-العمل والريع العيني والريع النقدي-فنحصل اذ ذاك على الفكرة «الصافية» عن «الارتباط بين المنتج ووسائل الانتاج». غر ان العلاقة الفعلية بين الرأسمالية وبين اشكال الاستغلال قبل الرأسمالية لا يطرأ عليها ادنى تغيير بمجرد تغافل هذه الوقائع.

فلننتقل الآن لمعالجة حجة أخرى، شديدة الغرابة، من حجج السيد كابلوكوف. رأينا أنه يمجد العمل-الخدمة. لكن المدهش أنه عندما يتعاطى كعالم إحصاء، ويشرع في وصف النماذج الحقيقية لمزارع رأسمالية بحتة في مقاطعة موسكو، فإن وصفه هذا يعكس –رغما عنه وبطريقة مشوهة- الوقائع ذاتها التي تثبت الطابع التقدمي للرأسمالية في الزراعة الروسية.. نطالب القارئ بالانتباه ونستميحه عذرا سلفا على استشهاداتنا المطولة بعض الشيء.

بالإضافة إلى المزارع من النمط القديم التي تستخدم العمل المأجور، يوجد في مقاطعة موسكو

«نموذج ناشئ وجديد عن مزرعة حققت قطيعة كاملة مع كل التقاليد وأخذت تنظر إلى الأمور ببساطة، اي بالطريقة التي ينظر فيها الناس إلى كل صناعة تشكل مصدرا للدخل. ولا يُنظر هنا إلى الزراعة بصفتها… هواية يمارسها السيد الإقطاعي، أو مهنة يستطيع اي كان أن يمتهنها… كلا، هنا يجري الاعتراف… بضرورة المعرفة المتخصصة… ان اساس المحاسبة [في تنظيم الانتاج] هو نفسه كما في أي شكل آخر من أشكال الانتاج» (العائدات الاحصائية لمقاطعة موسكو، المجلد 5، الجزء 1، ص 185-186).

لا يلاحظ السيد كابلوكوف ان وصفه لهذا الطراز الجديد من المزارع «الحديث النشأة» في السبعينيات، يبرهن بدقة عن الطابع التقدمي للرأسمالية في الزراعة. انها الرأسمالية التي بادرت إلى تحويل الزراعة من «هواية يمارسها السيد الاقطاعي إلى صناعة عادية. وانها الرأسمالية ايضا التي بادرت إلى الزام الناس بـ«النظر إلى الأمور ببساطة» وبـ«تحقيق القطيعة مع التقاليد» وتسليح انفسهم يبـ«المعرفة المتخصصة». فقبل الرأسمالية، لم تكن كل هذه الأمور ضرورية لا بل كانت مستحيلة التحقيق، لان المزارع التابعة للاقطاعات والقرى المشاعية والأسر الفلاحية كانت «مكتفية ذاتيا»، لا تتكل بشيء على المزارع الأخرى، وبالتالي لم تكن توجد قوة على الارض قادرة على انتشال هذه المزارع من حالة الركود المزمنة التي تعيشها. ولقد كانت الرأسمالية القوة التي أوجدت المحاسبة الاجتماعية لمردود المنتجين الافراد (عن طريق السوق) وأجبرت هؤلاء على اخذ متطلبات التطور الاجتماعي في الاعتبار. وهذا يمنح الرأسمالية دورها التقدمي في الزراعة في جميع البلدان الاوروبية.

لنستمع الآن إلى السيد كابلكوف يصف مزارعنا الرأسمالية البحتة:

«لا بد من الأخذ بالاعتبار قوة العمل كعنصر ضروري للفعل في الطبيعة. فبدون هذا العنصر يصبح أي تنظيم لمزرعة المالك العقاري عديم النفع. ومع كل التقدير لأهمية هذا العنصر فإنه ليس معتبرا كمصدر مستقل للدخل، كما كان الحال ايام القنانة، أو كما هو الحال الآن حيث مقياس إرباحية المزرعة ليس منتوج العمل، ولا السعي لتوجيه هذا العمل في سبيل إنتاج اغلى المنتجات وبالتالي الاستمتاع بنتائج هذا العمل، وإنما المقياس هو السعي لتخفيض الحصة التي يقتطعها العامل من المحصول، والرغبة في خفض كلفة العمل على رب العمل، بحيث تداني الصفر» (ص 186).

ويشير كابلوكوف إلى المزارعة المعتمدة على العمل لقاء الحق في استخدام «الاراضي المقتطعة»، فيقول:

«في مثل هذه الحالات، لا يحتاج صاحب المزرعة، لكي تدر مزرعته الأرباح، ان يمتلك المعرفة او الصفات الخاصة. فكل ما ينتجه مثل هذا العمل يمثل مدخولا صافيا للمالك، أو هو، على كل حال، مدخول يجري تحصيله دون اي توظيف لراس المال المتداول. على أن مثل هذه المزارعة لا تحصل، طبعا، بل يتعذر تسميتها مزارعة بالمعنى الحرفي للكلمة بقدر ما يتعذر اعتبار تأجير المراعي وسواها من الاراضي المقتطعة شكلا من اشكال المزارعة؛ فالتنظيم الاقتصادي غائب هنا» (ص 186).

ويخلص الكاتب مستشهدا بأمثلة عن تأجير الاراضي المقتطعة في مقابل بذل العمل-الخدمة، فيقول:

«ان الثقل الأساسي في اقتصاديات المزرعة، ووسيلة استخراج المدخول من الأرض، يكمن في عملية التأثير على العامل بدلا من التأثير على المادة وقواها» (ص 189).

تشكل هذه المحاججة نموذجا بالغ الاثارة عن مدى التشويه الذي يلحق بصورة الوقائع الفعلية عندما ينظر اليها من زاوية نظرية مغلوطة. فالواقع أن السيد كابلوكوف يخلط بين الانتاج ونظام الانتاج الاجتماعي. في ظل كافة الانظمة الاجتماعية، يتلخص الانتاج بـ«ممارسة التاثير» على المادة وقواها. وكائنا ما كان النظام الاجتماعي، يكون فائض الانتاج هو وحده مصدر «دخل» المالك العقاري. وفي كلا الحالين، نجد أن اقتصاد العمل-الخدمة متطابق تماما مع النظام الرأسمالي، مهما يكن الرأي الذي يبديه السيد كابلكوف. والفارق الحقيقي بينهما هو أن العمل-الخدمة يفترض، بالضرورة، وجود أدنى مستويات لانتاجية العمل. من هنا، فالإمكانية ليست متوافرة لزيادة الدخل عن طريق زيادة فائض الانتاج. فذلك لا يتحقق إلا بوسيلة وحيدة –باستخدام كافة انواع ايجار العمل التبعي. اما في ظل النظام الرأسمالي البحت، فالعكس تماما هو الذي يحصل: لا بد من التخلص من اشكال العمل التبعية لان البروليتاري لا فائدة تُرجى منه كعنصر تابع، لعدم ارتباطه بالأرض. هنا، تصبح زيادة انتاجية العمل ممكنة، لا بل ضرورية بوصفها الوسيلة الوحيدة لزيادة الدخل والصمود في وجه المنافسة. وهكذا فإن وصف مزارعنا الرأسمالية البحتة، عند السيد كابلوكوف نفسه الذي حاول تمجيد العمل-الخدمة بمثل الحماس الذي أبداه، إنما يؤكد كليا القول أن الرأسمالية الروسية آخذة في توفير الشروط التي تستوجب عقلنة الزراعة وإلغاء التبعية؛ في حين نجد أن العمل-الخدمة، على العكس تماما، يلغي سلفا امكانية عقلنة الزراعة، ويعمق حالة الركود التقني مثلما يعمق حالة التبعية التي يعيشها المنتج. أما الانشراح الشعبوي الدائم حيال ضعف التغلغل الرأسمالي في الريف، فليس ما يجاريه من حيث المزاجية. إذا كان الامر كذلك، فهم للأسوأ وليس للأفضل. لأن ذلك يشير فقط إلى تماسك اشكال الاستغلال قبل الرأسمالية، وهذه الاشكال هي الاكثر ارهاقا بالنسبة المنتجين.

6-استخدام الآلة في الزراعة

تنقسم فترة «ما بعد الاصلاح» إلى أربع مراحل من حيث تطور إنتاج الآلات الزراعية واستخدام الآلة في الزراعة. تغطي المرحلة الاولى السنوات التي تسبق وتعقب «الاصلاح» الفلاحي مباشرة. في البدء، اندفع ملاك الاراضي لشراء الآلات الاجنبية لكي يتخلصوا من عمل الأقنان «غير المدفوع» ولتفادي المصاعب المرتبطة باستئجار العمال الأحرار. وقد انتهت هذه المحاولة بالفشل طبعا. وسرعان ما انخفضت حرارة الاندفاع، وأخذ الطلب على الآلات الاجنبية يتراجع ابتداء من موسم 1863-1864.

وقد شهدت نهاية السبعينيات بداية المرحلة الثانية، التي استمرت حتى عام 1885. وقد تميزت هذه المرحلة بنمو منتظم جدا وريع جدا لاستيراد الآلات من الخارج. كذلك نما الانتاج المحلي بانتظام، ولكن بوتيرة ابطأ من وتيرة نمو المستوردات. وشهدت الفترة ما بين 1881 و1884 نموا مذهلا في مستوردات الآلات الزراعية يعود جزئيا إلى الغاء اعفاء مستوردات الحديد الخام والحديد المصنَّع من الرسوم الجمركية، عام 1881، شريطة استخدامها في المصانع المنتجة للآلات الزراعية.

تمتد المرحلة الثالثة من 1885 إلى مطلع التسعينيات. وإذا بالآلات الزراعية –التي كانت معفية من الرسم الجمركي على الاستيراد، يفرض عليها رسم جمركي من 50 «كوبيك» ذهبا لكل «بود» [17]. وقد ادى هذا الرسم المرتفع إلى انخفاض هائل في استيراد الآلات، فيما كان الانتاج المحلي ينمو ببطء، نظرا للأزمة الزراعية التي عصفت بالبلاد آنذاك.

وأخيرا، فقد شهد مطلع التسعينيات بداية مرحلة رابعة تميزت بارتفاع جديد (في استيراد الآلات الزراعية وبزيادة بالغة السرعة في الانتاج المحلي).

(…)

7-مغزى استخدام الآلة في الزراعة

بعد أن اثبتنا الحقيقة القائلة بالنمو البالغ السرعة في انتاج الآلات الزراعية وفي استخدام هذه الآلات في الزراعة الروسية في فترة «ما بعد الاصلاح»، يجب أن نتفحص الآن المغزى الاقتصادي والاجتماعي الذي تنم عنه هذه الظاهرة. ويمكننا أن نستخلص التالي مما قيل أعلاه عن اقتصاديات المزارعة الفلاحية ومزارعة ملاك الأراضي: ان الرأسمالية هي العامل الذي أدى إلى استخدام الآلات في الزراعة وإلى توسيع هذا الاستخدام. هذا من جهة، ومن جهة ثانية، فإن استخدام الآلة في الزراعة عملية ذات طبيعة رأسمالية، أي أنها تؤدي إلى نشوء وتطور العلاقات الرأسمالية.

فلنتقوف قليلا عند أول هاتين الخلاصتين. رأينا كيف أن اقتصاد العمل-الخدمة، والاقتصاد الفلاحي البطريركي الوثيق الارتباط به، هما نظامان اقتصاديان يرتكزان، يحكم طبيعتهما، إلى التقنية التقليدية، إلى المحافظة على وسائل الانتاج القديمة. فليس يوجد في البنية الداخلية لذاك النظام الاقتصادي ما يحفز على تطور التقنية. بل، على العكس من ذلك، فإن الطابع المعزول والمُغلق لذلك النظام الاقتصادي، وحالة الفقر والانسحاق التي يعيشها الفلاح التابع –كلها عوامل تلغي امكانية إحداث التحسينات. وتجدر الاشارة بنوع خاص إلى أن الدفع مقابل العمل المبذول في ظل نظام العمل-الخدمة هو أدنى بكثير من الحالات التي يجري فيها استخدام العمل المأجور (كما بيّنا أعلاه). ومن المعروف ان الاجور المنخفضة تشكل أحد أهم العراقيل أمام ادخال الآلات. وان الوقائع تبين دونما التباس ان الحركة الواسعة الرامية التي تغيير التقنية الزراعية لم تبدأ إلا ابان تطور الاقتصاد البضاعي والرأسمالية في فترة «ما بعد الاصلاح». والواقع أن المنافسة الناجمة عن الرأسمالية، وتبعية المزارع للسوق العالمية، جعلنا من تغيير التقنية مسألة ضرورية.. في حين أن انخفاض سعر الحبوب اضفى طابع الالحاح الشديد على هذه الضرورة.

لتفسير الخلاصة الثانية، يتوجب علينا أن ندر مزارعة ملاك الاراضي والفلاحين، كل على حدة. عندما يعمد مالك الارض إلى ادخال آلة أو أداة متطورة، فإنه بذلك يستبدل ادوات الفلاح (العامل عنده) بأدواته. أي أنه ينتقل بذلك من نظام العمل-الخدمة إلى النظام الرأسمالي. ذلك أن انتشار الآلات الزراعية يعني تصفية الرأسمالية لنظام العمل-الخدمة. طبعا، يمكن أن يوضع شرط يقضي، مثلا، بأن يقوم الفلاح، لقاء استئجاره للأرض، يبذل عمل-خدمة على شكل يوم عمل على آلة حاصدة او درّاسة، الخ. لكن هذا عمل-خدمة من النمط الثاني، أي من النمط الذي يحوّل الفلاح إلى عامل مياوم. وبالتالي، فمثل هذه «الاستثناءات» إنما تؤكد القاعدة العامة التي تقول أن ادخال الأدوات المتطورة إلى مزارع ملاك الاراضي الفرديين يعني تحويل الفلاح «التابع» (أو الفلاح «المستقل» على حد تعبير الشعبويين) إلى عامل مأجور- بنفس الطريقة التي تحول فيها «الصانع اليدوي» التابع إلى عامل مأجور عندما يستولي السمسار، الذي يوزع العمل للتنفيذ في المنازل، على ادوات الانتاج الخاصة به. ان حيازة مزرعة مالك الارض للأداوت الزراعية الخاصة بها تؤدي حكما إلى خراب الفلاحين المتوسطين، الذين يحصلون معاشهم عن طريق بذل العمل-الخدمة. وقد رأينا اعلاه ان العمل-الخدمة هو «الصناعة» المميزة للفلاح المتوسط، الذي تشكل أدواته الزراعية، وبالتالي، ليس جزءا عضويا من المزارعة الفلاحية وحسب وإنما من مزارعة الملاك العقاريين أيضا. من هنا فإن انتشار استخدام الآلات الزراعية والأدوات المتطورة يرتبط ارتباطا لا فكاك فيه بتجريد الفلاحين من ملكيتهم وأدواتهم. أما القول أن انتشار الادوات المتطورة بين الفلاحين يملك الدلالة نفسها، فإنه لا يحتاج إلى شرح مستفيض بعد ما سبق قوله في الفصل السابق. ان الاستخدام المنتظم للآلة في الزراعة يؤدي إلى طرد الفلاح «المتوسط» البطريركي بالوحشية نفسها التي أدى بها ادخال النول البخاري إلى طرد الحرفي العامل على نوله اليدوي.

ان نتائج استخدام الآلة في الزراعة لتؤكد ما قلناه، وتكشف كل السمات المميزة للتقدم الرأسمالي بجميع تناقضاته الداخلية. فالآلات تؤدي إلى زيادة ضخمة في انتاجية العمل الزراعي، هذه الانتاجية التي بالكاد مسّها التطور الاجتماعي قبل الحقبة الحالية. ولهذا السبب بالذات، فإن مجرد تزايد استخدام الآلات في الزراعة الروسية يكفي لتمكيننا من رؤية مدى الخطل في مقولة السيد دانيالسون عن وجود «ركود مطلق» (مقالات، ص 32) في انتاج الحبوب بروسيا، لا بل عن وجود «تقهقر في إنتاجية» العمل الزراعي نفسه. لنا عودة إلى هذه المقولة، التي تناهض الوقائع الأكيدة، والتي يستخدمها السيد دانيالسون لرفع النظام قبل الرأسمالي إلى مصاف النظام الأمثل.

ثم ان الآلات تؤدي إلى تمركز الانتاج وإلى ممارسة التعاون الرأسمالي في الزراعة. ذلك أن ادخال الآلات يستدعي، من جهة، توظيفات كبيرة لرأس المال وهذا أمر لا يستطيعه إلا كبار المزارعين. أما من جهة ثانية، فإن الآلات تعطي مردودا فقط عندما تستخدم لمعالجة كميات هائلة من المنتجات؛ لذا فإن ادخال الآلات يستوجب زيادة الانتاج. ومن هنا فان الاستخدام الواسع النطاق للحاصدات والدراسات البخارية، الخ.، مؤشر لتمركز الانتاج الزراعي –وسوف يتبين لنا فيما بعد بكل تأكيد ان المنطقة الزراعية الروسية التي تشهد اوسع استخدام للآلات (نوفوروسيا) تتميز في الوقت نفسه بالمساحة الكبيرة لمزارعها. نكتفي بالإشارة هنا إلى خطأ فهم عملية تمركز الزراعة على أنها تتلخص في توسيع المساحة المزروعة حبوبا (مثلما يفعل السيد دانيالسون). فالواقع ان تمركز الانتاج الزراعي يتجلى بأكثر الاشكال تنوعا، اعتمادا على اشكال الزراعة التجارية (راجع الفصل القادم حول هذه النقطة). وان تمركز الانتاج مرتبط ارتباطا لا ينفصم بالتعاون المعمّم بين العمال في المزرعة. عالجنا أعلاه مثالا عن مزرعة كبيرة حيث تُحصد الحبوب بتشغيل المئات من الحاصدات في آن معا. «الدراسات التي يجرها 4-8 احصنة تتطلب 14-23 عاملا أو أكثر، نصفهم من النساء والأطفال، أي من اشباه العمال… اما الدراسات البخارية، من قوة 8-10 احصنة بخارية، المستخدمة في كافة المزارع الكبيرة (في مقاطعة خيرون) فإنها تتطلب في آن معا 50-70 عاملا، أكثر من نصفهم من اشباه العمال، فتيانا وفتيات يبلغون 12-17 سنة من العمر» (تيزياكوف، المصدر ذاته، ص 93). ويلاحظ المؤلف ذاته، عن حق: «ان المزارع الكبيرة، التي قد يوجد على كل واحدة منها بين 500 و1000 عامل في وقت واحد، يمكن تشبيبها بثقة بالمؤسسات الصناعية» (ص 151) وهكذا، فبينما كان الشعبويون يحاججون بأنه «هل كثيرا» على القرية المشاعية ان تتبنى التعاون الزراعي، كانت الحياة مستمرة، وكانت الرأسمالية تقسم القرية نفسها إلى فئات اقتصادية متضاربة المصالح، وتنشئ المزارع الكبيرة القائمة على التعاون المعمّم بين العمال المأجورين.

يتضح مما ورد أعلاه أن الآلات تنشئ سوقا داخلية للرأسمالية: انها، أولا تؤسس سوقا لوسائل الانتاج (أي لمنتجات صناعة بناء الآلات، وصناعة المناجم، الخ.)، وثانيا، تؤسس سوقا لليد العاملة. وكما رأينا، فان ادخال الآلات يؤدي إلى استبدال العمل-الخدمة بالعمل المأجور مثلما يؤدي إلى قيام مزارع فلاحية تستخدم العمال. ان استخدام الآلات الزراعية على نطاق واسع يفترض سلفا وجود كتلة من العمال الزراعيين المأجورين، في المناطق حيث يبلغ تطور الرأسمالية الزراعية أعلى مستوياته، تتقاطع عملية ادخال العمال المأجور والآلات مع عملية ثانية، هي عملية حلول الآلة محل العمال المأجورين. فمن جهة، نجد ان تكوّن برجوازية فلاحية وانتقال ملاك الاراضي من العمل-الخدمة إلى الرأسمالية يخلق طلبا على الأيدي العاملة؛ وإذا بالآلات تطرد العمال المأجورين في المناطق حيث المزارعة تعتمد منذ فترة طويلة على العمل المأجور.

(…)

ان تزايد استخدام عمل النساء والأطفال هو نتيجة أخرى من نتائج استخدام الآلات في الزراعة. لقد أدى نظام الزراعة الرأسمالية الراهن، بشكل عام، إلى قيام تراتب بين العمال يذكّرنا، إلى ابعد حد، بالتراتب القائم بين عمال الصناعة. فمثلا، نجد الفئات التالية في مزارع روسيا الجنوبية: (1)العمال الكاملون، وهم الذكور البالغون القادمون على القيام بكافة الأعمال؛ (2) اشباه العمال، وهم نساء وذكور إلى سن العشرين، وتنقسم هذه الفئة إلى شريحتين: (أ) 12 و13-15 و16 سنة –وهؤلاء هم اشباه العمال بالمعنى الحرفي للكلمة، (ب) أشباه العمال الأشداء، او «ثلاثة أرباع العمال»- على حد تعبير اللغة المستخدمة في المزارع، وتتراوح اعمارهم بين 16 و20 سنة، وهم قادرون على القيام بكافة الأعمال باستثناء الحصاد؛ وأخيرا (3) أشباه العمال المساعدون، وهم الاطفال الذين تتراوح اعمارهم بين 8 و14 سنة، وهم رعاة الخنازير والعجول والمساعدون في الحراثة وأعمال التعشيب. وغالبا ما يعمل هؤلاء مقابل طعامهم وكسائهم لا غير. ان ادخال الادوات الزراعية «يخفض سعر عمل العامل الكامل» ويسمح باستبداله بعمل النساء والأحداث الرخيص. وتؤكد الاحصائيات عن العمال المهاجرين حلول العمل النسائي محل عمل الرجال: ففي عام 1890 شكلت النساء 12.7 بالمئة من مجموع العمال المسجلين في بلدة كاخوفكا وفي مدينة خيرسون؛ في العام 1894، شكلت النساء 18.2 بالمئة من مجموع العمال في المقاطعة (10239 من أصل 56464)؛ وفي العام 1895، ارتفعت النسبة إلى 25.6 بالمئة (13474 من اصل 48753). أما الأطفال، فكانوا يشكلون 0.7 بالمئة عام 1893 (لفئة 10-14 سنة) وفي العام 1895، 1.69 بالمئة (لفئة 7-14 سنة). أما العمال المحليون في مزارع قضاء اليسافتغراد، ومقاطعة خيرسون، فكانت نسبة الاطفال بينهم 10.6 بالمئة (المصدر ذاته).

ان الآلات تزيد من وتيرة عمل العمال… ان النمط الرأسمالي لاستخدام الآلة… يشكل حافزا قويا لإطالة يوم العمل. فيظهر العمل الليلي في الزراعة، وقد كان معدوما من قبل. «في سنوات المواسم الجيدة… يتم العمل حتى خلال الليل في بعض المزارع وفي العديد من حقول الفلاحين» (تيزياكوف، المصدر السابق، ص 126)، بواسطة الاضاءة الاصطناعية، اي على نور المشاعل. وأخيرا، فإن الاستخدام المنتظم للآلات يؤدي إلى تفشي الامراض الرضيِّة [18] بين العمال الزراعيين. أما استخدام النساء والأطفال على الآلات فينتج عنه، بالطبع، عدد كبير جدا من الاصابات. «خلال المواسم الزراعية، تمتلئ مستشفيات الزييمستوفات ومستوصفات مقاطعة «خيرسوف»، مثلا، كليا تقريبا بالمصابين بالأمراض الرضيِّة، فكأنها تتحول إلى مستشفيات ميدانية لمعالجة الجيش الجرار من العمال الزراعيين الذين يصابون دائما بالعاهات نتيجة الاذى الكبير الذي تحدثه الأدوات والآلات الزراعية» (المصدر ذاته، ص 126). وها ان فرعا جديدا من الادبيات الطبية اخذ بالظهور لدراسة ومعالجة الاصابات التي تسببها الآلات الزراعية. وتنهمر الاقتراحات الداعية إلى استصدار تشريعات الزامية بصدد استخدام الآلات الزراعية. ذلك ان الانتاج الكبير للآلات يستدعي بالضرورة الرقابة العامة وسن التشريعات بشأن الانتاج الزراعي، كما هو الحال بصدد الانتاج الصناعي…

ولنلاحظ، ختاما، الموقف البالغ التذبذب للشعبويين بصدد استخدام الآلة في الزراعة. ان الاعتراف بفائدة استخدام الآلة وبطابعه التقدمي، والدفاع عن الاجراءات الرامية إلى تطويره وتسهيله المقترن، في آن معا، بتجاهل كون الآلة مستخدمة بطريقة رأسمالية في الزراعة الروسية، يعني السقوط إلى مصاف وجهة نظر البرجوازية الزراعية الصغيرة والكبيرة. والحال ان ما يقوم به الشعبويون هو تحديدا تجاهلهم للطابع الرأسمالي لاستخدام الآلات والأدوات المتطورة في الزراعة، دون ان يكلفوا انفسهم حتى عناء تحليل اية فئات من المزارع الفلاحية او مزارع الملاك العقاريين تستخدم هذه الآلات. فالسيد فورونتسوف يحنق على السيد ف.تشيرنياييف ويتهمه بأنه «يمثل التقنية الرأسمالية» (تيارات تقدمية، ص 11). فالمفترض أن السيد ف.تشيرنياييف، أو سواه من موظفي وزارة الزراعة، هو الذي يجب ان يُلام لأن استخدام الآلة في روسيا يتخذ طابعا رأسماليا! اما اليد دانيالسون فعلى الرغم من تعهداته العرمرمية بأن «لا يبتعد قيد شعرة عن الوقائع» (مقالات، ص 14) نجده يفضل أن يتجاهل أن الرأسمالية هي التي طورت استخدام الآلة في اقتصادنا الزراعي، لا بل أنه يصل إلى حد ابتكار نظرية لا تخلو من الطرافة تقول ان التبادل يخفض انتاجية العمل في الزراع_ة (ص 73)! على ان انتقاد هذه النظرية، المطروحة دونما تحليل للوقائع، لا هو ممكن ولا ضروري (…)

8-العمل المأجور في الزراعة

ننتقل الآن إلى ابراز مميزات الزراعة الرأسمالية –أعني استخدام العمل المأجور. وقد ظهرت هذه السمة المميزة لاقتصاد فترة «ما بعد الإصلاح» بأوضح اشكالها في الاطراف الجنوبية والشرقية لروسيا الأوروبية، حيث الانتقال الجماعي للعمال الذي سمي «الهجرة الريفية» (…)

(…) والواقع ان حركة العمال كانت من المناطق ذات الكثافة السكانية الكبيرة إلى المناطق ذات الكثافة السكانية المنخفضة، تلك التي جرى استعمارها؛ ومن المناطق التي بلغ فيها نظام القنانة ارقى درجات تطوره إلى تلك التي كان فيها على أضعف مستويات تطوره [19]؛ من مناطق التطور الراقي لنظام العمل-الخدمة إلى حيث كان ضعيف التطور وحيث بلغت الرأسمالية درجة عالية من درجات نموها. ومن هنا نقول أن العمال يهربون من العمل «شبه الحر» إلى العمل الحر. إذ انه من الخطأ الاعتقاد بأن هذه الهجرة تتلخص في حركة انتقال من المناطق ذات الكثافة السكانية العالية إلى المناطق الضعيفة الكثافة السكانية. فقد أظهرت دراسة حركة انتقال العمال (السيد س. كورولنكو، المرجع السابق الذكر) هذه الواقعة الفريدة والهامة –ان العمال قد هاجروا من مناطق عديدة وخلَّفوا وراءهم حالة من النقص في الايدي العاملة، وهذا ما جرى التعويض عنه بوصول عمال مهاجرين من مناطق اخرى. من هنا، فإن هجرة العمال لا تعبر فقط عن نزوع السكان إلى الانتشار بطريقة اكثر تكافؤا في المناطق المعنية، انما تعبر هذه الهجرة ايضا عن نزوع إلى الهجرة لمناطق تسودها ظروف عمل أفضل. ويزداد هذا النزوع وضوحا إذا ما استذكرنا ان أجور العمال الزراعيين بالغة الانخفاض في مناطق الانطلاق، اي في المناطق التي يسودها نظام العمل-الخدمة. أما المناطق التي تجتذب المهاجرين، اي المناطق التي يسودها النظام الرأسمالي، فالأجور فيها اكثر ارتفاعا بكثير.

(…) ان وجود مثل هذا الجمع من «الفلاحين» الذين يهجرون منازلهم وحصصهم (عندما يكون لهم منازل وحصص) [20] دلالة حية على العملية الجبارة الاتي يتحول المزارعون الصغار بموجبها إلى بروليتاريين زراعيين، على ضخامة طلب الرأسمالية الزراعية النامية للعمل المأجور.

(…)ويظهر، بالتالي، ان حوالي خمِس الفلاحين [21] (5/1) هم الآن في وضع تتلخص «مهنتهم الرئيسية» بالعمل المأجور عند الفلاحين الاغنياء والملاك العقاريين. ونرى هنا الفئة الأولى من أرباب العمل الذين يطلبون قوة عمل البروليتاريا الريفية. انهم فئة ارباب العمل الزراعيين، الذين يستخدمون حوالي نصف الفئة الدنيا من الفلاحين. وهكذا، تجب ملاحظة العلاقة المتبادلة بين تكوين طبقة من ارباب العمل الريفيين وبين توسع الفئة الدنيا من «الفلاحين»، أي زيادة عدد الاعمال الزراعيين. وتلعب البرجوازية دورا بارزا ضمن طبقة أرباب العمل الزراعيين: ففي تسعة أقضية من مقاطعة فورونيج يستخدم الفلاحون الأغنياء 43.40 بالمئة من مجموع العمال الزراعيين (رودنيف، ص 434).

وإذا ما اعتمدنا هذه النسبة كمتوسط لجميع العمال الزراعيين ولعموم روسيا، يتضح لنا أن البرجوازية الزراعية تطلب قوة عمل حوالي مليون ونصف المليون من العمال الزراعيين. انها الفئة «الفلاحية» نفسها التي تقذف إلى السوق بملايين العمال الباحثين عن أرباب عمل، وتتطلب هذا العدد الضخم من العمال المأجورين في آن معا.

9-دلالة العمل المأجور في الزراعة

فلنحاول الآن وصف السمات المميزة الرئيسية للعلاقات الاجتماعية الجديدة التي تبلورت في الزراعة مع استخدام العمل المأجور، واستخلاص دلالتها.

ان العمال الزراعيين الذين يهاجرون إلى الجنوب بهذه الاعداد الوفيرة ينتمون إلى افقر الفئات الفلاحية. فمن بين العمال الوافدين إلى مقاطعة خيرسون، يجيء سبعة أعشارهم 10/7 مشيا على الأقدام، لأنهم لا يملكون أجرة القطار، «انهم يسافرون لمئات وآلاف الفرَسات [22] بموازاة سكة الحديد وعلى ضفاف الأنهر الصالحة للملاحة، يستمتعون بالمناظر الرائعة للقطارات السريعة الحركة والبواخر المناسبة ببطء على سطح الماء» (تيزياكوف، ص 35). في اكثر الأحوال لا يحمل العامل معه إلا روبلين اثنين [23]. وغالبا ما يفتقد المال اللازم لجواز السفر [24]، فيشتري هوية شهرية بعشرة كوبيكات. وتستغرق الرحلة بين 10 و12 يوما، وبعد هذا السفر الطويل (الذي يقوم به العامل حافيا، أحيانا، في وحل الربيع البارد)، تنتفخ أقدام المسافر وتتشقق وتتقرّح. ويسافر 10/1 من العمال على «الدوبي» (وهي مراكب كبيرة مصنوعة من ألواح خشنة تتسع لخمسين إلى ثمانين شخص وغالبا ما يتكدس فيها المسافرون فوق طاقتها القصوى). وتشير التقارير التي وضعتها لجنة رسمية («لجنة زفيجنتسيف») إلى الخطورة البالغة التي ينطوي عليها هذا الشكل من السفر: «لا يكاد يمر عام إلا ويغرق فيه واحد، أو اثنان أو اكثر من هذه «الدوبي» المكتظة فوق طاقتها بالمسافرين، حاملة معها ركابها إلى قعر النهر» (المصدر ذاته، ص34). وتملك اكثرية العمال المهاجرين حصص أرض، لكنها بدون أهمية تذكر من حيث مساحتها. ويلاحظ تيزياكوف، عن حق، «ان جميع هؤلاء العمال الزراعيين هم بروليتاريون ريفيون محرومون من الأرض، بات الاستخدام في أعمال خارجية مصدر رزقهم الأوحد… ان عملية تجريد الفلاحين من الارض تنتشر على نطاق واسع وبسرعة كبيرة، مما يؤدي إلى تضخم صفوف العمال الزراعيين» والبرهان القاطع على سرعة هذه العملية هو عدد العمال الباحثين عن عمل لأول مرة ويشكل هؤلاء العمال المبتدئون 30% بالمئة من إجمالي عدد العمال وبالمناسبة، فإن هذا الرقم يمح لنا بأن نحكم على مدى تسارع عملية تكوّن تجمعات من العمال الزراعيين الدائمين.

ولقد أدت الهجرة الكبيرة للعمال إلى نشوء اشكال خاصة من الاستخدام تتميز بها الرأسمالية المتطورة. ففي الجنوب والجنوب الشرقي ظهرت عدة أسواق عمل حيث يتجمع الآلاف من العمال وأرباب العمل. وتنعقد هذه الاسواق عادة في البلدات، والمراكز الصناعية، والقرى التجارية وخلال المعارض. ويشكل الطابع الصناعي لهذه المراكز عنصر اجتذاب هام للعمال، المستعدين لقبول العمل في المرافق غير الزراعية أيضا (…)

وهكذا فالرأسمالية قد أوجدت في الاطراف شكلا جديدا من «اندماج الزراعة مع الصناعات»، وتحديدا اندماج العمل الزراعي المأجور مع العمل المأجور غير الزراعي. ولا يتحقق مثل هذا الاندماج على نطاق واسع إلا في الطور الأعلى والأخير من الرأسمالية، طور الصناعة الآلية الكبيرة، التي تخفف من أهمية المهارة و«العمل اليدوي»، وتسهّل الانتقال من مهنة لأخرى، وتساوي بين أشكال الاستخدام المختلفة.

وبالتأكيد، فإن اشكال الاستخدام في تلك المناطق متميزة ونموذجية عن الزراعة الرأسمالية. هنا تختفي كل اشكال الاستخدام شبه البطريركية وشبه الاسترقاقية التي نجدها بكثرة في الحزام الاوسط ذي الارض السوداء. والعلاقات الوحيدة الباقية هي بين المؤجرين والمستأجرين، أو هي مجرد صفقات تجارية لشراء وبيع قوة العمل. وكما هو الحال دائما في ظل العلاقات الرأسمالية المتطورة، يفضل العمال المياومة أو تأجير قوة عملهم على اساس أسبوعي؟، لكي يتمكنوا من جعل الاجر يتطابق بدقة اكبر مع الطلب على اليد العاملة. «يجري تحديد الاسعار بالنسبة للمناطق التي يشملها كل سوق (ضمن شعاع من حوالي 40 فرسَت) بدقة حسابية، وشد ما يصعب على ارباب العمل تخفيض السعر لأن الموجيك الذي جاء إلى السوق يفضل البطالة والارتجال بدلا من العمل بأجر أقل» (شاكوسكوي، ص 104).

ومن البديهي أن التذبذبات الحادة في الأسعار المدفوعة للعمل تؤدي إلى خرق العقود، ليس من طرف واحد، كما يزعم ارباب العمل عادة، وإنما من الطرفين. «يلجأ كلا الطرفين غلى النشاط المنسَّق»: يتفق الشغيلة فيما يبنهم على المطالبة بأسعار أعلى، فيما يتفق أرباب العمل على دفع مبالغ أدنى (المصدر ذاته، ص 107). أما مدى سيطرة «الدفع النقدي الفظ» على العلاقات بين الطبقات، فيظهر، مثلا، في الواقعة التالية: «يعلم أرباب العمل المجربون جيدا» أن العمال «يرضخون» فقط بعد أن يستنفذوا مؤونتهم من الأغذية. «ويروي أحد المزارعين انه عندما كان يجيء للسوق لاستئجار العمال… كان يتجول بينهم، ويلكز جعبهم بعصاه (كذا!): فإذا كانت الجعب لا تزال تحوي خبزا، يحجم المزارع عن الحديث إلى العمال ويغادر السوق» وينتظر «حتى تفرغ الجُعب في السوق» (من «سيلسكي فيستنيك» [رسول الريف]، 1890، العدد ص 107-108).

وكما هو الأمر بالنسبة للرأسمالية المتطورة أينما كان، كذلك نجد هنا أن العامل يتعرض لاضطهاد مميَّز من طرف راس المال الصغير. ذلك أن الاعتبارات التجارية البحتة تجبر رب العمل الكبير على الاحجام عن الاضطهاد الوضيع، الذي لا يدر عليه إلا فائدة محدودة فيما هو محفوف بخطر الخسارة الكبيرة إذا ما نشبت النزاعات. لذا نجد ارباب العمل الكبار (مثلا، اولئك الذين يستخدمون 300-800 عامل) يحاولون منع عمالهم من ترك العمل في نهاية الأسبوع، ويحددون بأنفسهم الأسعار بناء على الطلب على العمل. لا بل أن بعضهم يتبنى نظاما يرفع الاجور مع ارتفاع أسعار العمل في المنطقة. وتشير كل الدلائل إلى أن هذه الزيادات يجري اكثر من التعويض عنها عن طريق العمل الجيد الذي يبذله العمال وبسبب غياب النزاعات (المصدر ذاته، ص 130-132، 104). وعلى العكس من ذلك، فإن رب العمل الصغير لا يتورع عن شيء. «يتولى المزارعون والمستوطنون الألمان (انتقاء) عمالهم بعناية فائقة ويدفعون لهم زيادات بنسبة 15 أو 20 بالمئة او حتى أكثر، على أجورهم، لكنهم (يعتصرون) منهم عملا اضافيا يزيد عن 50 بالمئة» (المصدر ذاته، ص 116). أما «الخدم» الذين يعملون عند أرباب العمل هؤلاء، فإنهم لا يميزون الليل عن النهار- على حد تعبيرهم. أما المستوطنون الذين يستخدمون الحصادين فانهم يرسلون ابناءهم في اعقابهم (أي، لاستعجال العمال) في ورديات، بحيث يستبدل بعضهم بعضا ثلاث مرات خلال اليوم، ويأتون بعزيمة متجددة لاستعجال العمال: «لذا يسهل التعرف على الذين عملوا عند المستوطنين الالمان من مظهرهم المتعب. وفي العادة، يحجم المزارعون والألمان عن استئجار اولئك الذين عملوا سابقا على مزارع الملاك العقاريين، ويقولون لهم: (انكم لن تتحملون وتيرة العمل عندنا).» (المصدر ذاته).

ان الصناعة الآلية الكبيرة، في تجميعها أعدادا كبيرة من العمال، وفي تحويلها لوسائل الانتاج وتمزقها لكل البراقع والاسترة البطريركية والتقليدية التي حجبت العلاقات بين الطبقات، تؤدي دائما إلى تحويل الرأي العام نحو هذه العلاقات، وإلى قيام محاولات للرقابة العامة عليها وسن التشريعات بصددها. وهذه الظاهرة، التي وجدت تعبيرها الفاقع في التفتيش الصناعي، بدأت تظهر في الزراعة الرأسمالية الروسية، وتحديدا في اكثر مناطقها تطورا.

أثيرت مسألة أوضاع العمال الصحية في مقاطعة خيرسون منذ العام 1875، في «مؤتمر القاطعة الثاني لأطباء زييمستوفا خيرسون»، كما عولجت أيضا عام 1888، وفي العام 1899 وضع مخطط لدراسة أوضاع العمال. أما التحقيق في الاوضاع الصحية الذي جرى عام 1889-1890 (ولكن على نطاق غير كافٍ) فقد رفع النقاب قليلا عن اوضاع العمل في القرى البعيدة. فظهر، مثلا، أن العمال محرمون من المساكن في اكثرية الحالات. أما حيث تتوافر «التخشيبات»، فإنها سيئة البنيان من الناحية الصحية. «ولم يكن نادرا ان يشاهد المحققون» المغاور التي يسكنها الرعاة مثلا، وهؤلاء يعانون من الرطوبة والاكتظاظ والبرد والعتمة والجو الخانق. أما الطعام المقدم للعمال فبعيد عن ان يكون مُرضيا. وأما يوم العمل فيستغرق عادة 2/1 12-15 ساعة، وهو أطول بكثير من يوم العمل في الصناعة الكبيرة (11-12 ساعة). و«الاستثناء» هو منح العمال فترة راحة قصيرة خلال القسم الاشد حرارة من النهار. كذلك وجدت حالات غير قليلة من امراض الرأس. وباختصار، فان العمل على الآلات يولد قسمة العمل الوظيفة مثلما يسبب الامراض المهنية (…) ويسجل السيد تيزياكوف الخلاصات التالية بصدد الاوضاع الصحية للعمل الزراعي: «يمكن القول، بشكل عام، ان رأي الأقدمين بأن عمل الفلاح هو (بين المهن أشدها هناء وأكثرها توفيرا للصحة) لم يعد صحيحا على الاطلاق في الأزمنة الراهنة، بعد سيادة الروح الرأسمالية في الزراعة. فمع ادخال الآلة للزراعة، لم تتحسن الاوضاع الصحية للعمل الزراعي، بل هي تدهورت. وقد أدت الآلة في الزراعة إلى نشوء تخصص في العمل لم يكن معروفا من قبل إلى درجة أنه سبَّب في انتشار الامراض المهنية والإصابات الجدية في اوساط السكان الريفيين» (…)

***

ختاما، فلنعد إلى الاقتصاديين الشعبويين. رأينا اعلاه أنهم يمجدون العمل-الخدمة ويتجاهلون الطبيعة التقدمية للرأسمالية بالمقارنة مع هذا النظام. يجب ان نضيف الآن انهم لا يحبذون «هجرة» العمال، بل يشجعون «الاستخدامات» المحلية. وفيما يلي مثال عن كيفية طرح السيد دانيالسون لوجهة النظر الشعبوية المألوفة: «ينطلق العمال… بحثا عن عمل… وقد يسأل سائل، هل أن هذا أمر ذو جدوى على الصعيد الاقتصادي» ليس من منظار الفلاح الفرد، وإنما إلى اي مدى هو أمر ذو جدوى بالنسبة للفلاحين ككل، اي من المنظار الوطني والاقتصادي؟… والذي نريده هنا هو الاشارة إلى الضرر الاقتصادي البحت الناجم عن الترحال السنوي والله أعلم إلى أين، على امتداد الصيف، عندما يبدو ان فرص العمال متوافرة بكثرة…» (ص 23-24).

اننا نؤكد، بغض النظر عن نظرية الشعبويين، ان «ترحال» العمال لا يوفر فوائد «اقتصادية بحتة» للعمال انفسهم وحسب، وإنما يجب اعتباره ايضا كظاهرة تقدمية. وانه يجب توجيه انظار الرأي العام ليس نحو استبدال الاستخدامات الخارجية باستخدامات محلية «في متناول السيد»، وإنما، على العكس تماما، يجب توجيه انظار الرأي العام نحو إزاحة كل العقبات في طريق الهجرة، نحو تسهيلها بكافة الوسائل، ونحو تحسين ظروف سفر العمال وخفض أكلافه، الخ. اما هذا التأكيد، فإنه يرتكز إلى الاعتبارات التالية:

1-تنجم فوائد «اقتصادية بحتة» للعمال من «الترحال»، لأنهم يرتحلون إلى حيث الاجور أعلى وحيث موقعهم كباحثين عن عمل هو أقوى. هذه الحجة البسيطة غالبا ما يتناساها أولئك الذين يحبون الارتقاء إلى صعيد أقوى، هو الصعيد «الوطني-الاقتصادي» المزعوم.

2-ان «الترحال» يحطم الاشكال الاسترقاقية لاستخدام العمل، كما يحطم نظام العمل-الخدمة.

فلنتذكر، مثلا، أنه في السابق عندما كانت الهجرة ضعيفة، كان الملاك العقاريون الجنوبيون (وسواهم من أرباب العمل) يلجأون إلى النظام التالي لاستخدام العمال: يرسلون وكلاءهم إلى المقاطعات الشمالية ويستأجرون (بواسطة الموظفين الريفيين) المتهربين من الضرائب وفق شروط بالغة الاجحاف بالنسبة لهؤلاء الأخيرين. ذلك أن ارباب العمل كانوا يستفيدون من المنافسة الحرة، أما طالبو العمل، فكانوا محرومين من الافادة منها. ولقد ذكرنا حالات أبدى فيها الفلاحون استعدادهم للتخلص من نظام العمل-الخدمة والاسترقاق ولو بالعمل في المناجم.

فلا عجب، إذن، أن نجد إذا اصحاب المصالح الزراعية يلتقون مع الشعبوين حول مسألة «الترحال». لنأخذ السيد س.كورولنكو مثلا الذي يثبت في كتابه آراء العديد من الملاك العقاريين يعارضون «هجرة» العمال، ويحشد العديد من «الحجج» ضد «الاستخدامات الخارجية»: «تبديد الطاقات»، «انتشار العادات السيئة»، «السُّكر والعربدة»، «إساءة الامانة»، «السعي لمغادرة الاسرة من أجل التحرر منها ومن الوصاية الأبوية»، «الركض وراء اللهو والحياة البراقة»، الخ. وهذه هي حجة مثيرة للاهتمام بنوع خاص: «أخيرا، وكما يقول المثَل، (الحجر الذي لا يتحرك، يجمع الطحلب)، والإنسان الذي لا يرتحل سوف يجمع بالتأكيد الاملاك ويعتز بها» (المصدر السابق، ص 84). ان هذا المثل يشير بوضوح كامل إلى ما يحصل للمرء عندما يلازم مكانه. واشد ما يزعج السيد س.كورولنكو هو الظاهرة التي اشرنا إليها أعلاه، أي أن أعدادا «كبيرة» من العمال تغادر بعض المقاطعات بحيث يتولى عمال وافدون من مقاطعات أخرى سد النقص في اليد العاملة الناجم عن تلك الهجرة. ففي اشارته إلى هذه الواقعة بصدد الحديث عن مقاطعة فورونيج، مثلا، يورد السد س. كورولنكو واحدا من أسبابها، وتحديدا أن العديد من الفلاحين يملكون حصص أرض.

«وبالطبع، فإن هؤلاء الفلاحين الذين يعيشون في ضائقة مالية نسبية ولا يأبهون كثيرا لملكيتهم الصغيرة، غالبا ما يعجزون عن الايفاء بتعهداتهم. وهم، في العادة، اكثر استتعدادا للهجرة إلى مقاطعات أخرى، حتى ولو كانت فرص العمل وفيرة في قراهم ومناطقهم». «ان امثال هؤلاء الفلاحين، ذوي الارتباط الضعيف بحصص أرضهم التي لا تكفي لإعالتهم، والذين غالبا ما يفتقدون إلى الأدوات والتجهيزات الزراعية، هم الأكثر استعدادا لهجرة بيوتهم والسعي وراء رزقهم بعيدا عن قراهم الأصلية، دون اكتراث بالاستخدام محليا، وأحيانا حتى دون الاكتراث بتعهداتهم، لأنهم غالبا ما لا يملكون شيئا يمكن الحجز عليه» (المصدر ذاته).

«ضعف التعلق بالأرض!»- تلك هي العبارة الملائمة.

وهي يجب أن تطلِق مخيلة أولئك الذين يتحدثون عن اضرار «الترحال» وعن تفضيل الاستخدامات المحلية التي هي «في متناول اليد».

3-يولد «الترحال» حركة سكانية أكبر. وهو بالتالي أحد أهم العوامل التي تمنع الفلاحين من «تجميع الطحلب»، فقد علق بهم منه اكثر مما يجب عبر الاجيال. فالسكان لن يتطوروا، إذا هم لم يتحركوا. وانه لمن السذاجة البالغة التصور أن مدرسة القرية تستطيع ان تعلم الناس ما يستطيعوا هم انفسهم أن يتعلموه من علاقاتهم المختلفة وتعرفهم على الاوضاع في الجنوب وفي الشمال، في الزراعة وفي الصناعة، في العاصمة وفي المجاهل

——————————————

احالات الفصل الثالث

[1]-الحصة والمحاصصة مأخوذة هنا بمعنى أكثر تحديدا من المعنى المستخدم في الفصل السابق بصدد مصير حصص الارض في القرية المشاعية بن الفلاح والمالك العقاري.

المحاصصة هنا تشير مباشرة إلى العلاقة بين الفلاح والمالك العقاري. والحصص هي الاراضي التي يقتطعها المالك العقاري للفلاح، او يؤجرها له، ليعتاش من منتوجها. وفي مقابل ذلك، يدفع الفلاح الايجار على شكل عمل مجاني لأيام محددة في الاسبوع على الأراضي الخاصة بالمالك العقاري. ومن الاشكال الأخرى للمحاصصة، تأجير المالك العقاري لقطعة أرض للفلاح لقاء حصته من المحصول. من التسميات التي تطلق على هذا الشكل من الزراعة في سوريا ولبنان: المشاركة (وهي التسمية الأعم للعلاقة بين المالك العقاري والفلاح) والمحاصصة، والمقاسمة، والمرابعة (عندما يأخذ الفلاح ربع المحصول)، الخ. –المترجم-

[2]- يقدم أ.انغلهاردت في كتابه رسائل من الريف (سان بطرسبرغ)، 1885، ص 556-557) وصفا حيا لهذا النظام الاقتصادي. ويشير الكاتب، عن حق، إلى ان النظام الاقتصادي كان نظاما محددا ومنظما ومتكاملا، يديره المالك العقاري الذي يوزع الارض حصصا بين الفلاحين ويعين لهم الاعمال المختلفة التي يجب أن يضطلعوا بها (ملاحظة لينين).

[3]- ردا على نظرة هنري جورج الذي قال ان مصادرة ملكية اكثرية السكان هي العلة الاساسية الشاملة للفقر والاضطهاد، كتب انغلز عام 1887: «هذه نظرة خاطئة تاريخيا… ففي القرون الوسطى، لم يكن حرمان الشعب من ملكية الارض هو مصدر الاضطهاد الاقطاعي، بل كان مصدره هو حيازة الشعب للارض. ظل الفلاح محتفظا بأرضه، لكنه كان مقيدا بها بصفته قنا، ومجبرا على دفع الجزية للسيد الاقطاعي بواسطة العمل أو بالدفع العيني» (أحوال الطبقة العاملة في انكلترا عام 1844، نيويورك، 1887، المقدمة، ص 3)-(ملاحظة لينين).

[4]-نظام المراتب الاجتماعية: إذا كانت الطبقات مجموعات من البشر تتحدد وفق دورها المشترك في عملية الانتاج، فإن المراتب الاجتماعية هي مجموعة من البشر تتحدد وفق موقعها المشترك من النظام القانوني للمجتمع. ان كبار الملاك العقاريين، مثلا، يشكلون طبقة، لأنهم يرتبطون بمؤشر محدد في الانتاج والاقتصاد، في حين ان النبلاء يشكلون مرتبة اجتماعية. ذلك أن النبيل يملك حقوقا وامتيازات معينة، تحددها الدولة وتكرسها القوانين. اما من الناحية الاقتصادية، فقد يكون النبيل مفقرا، بالكاد يسد جوعه، اي انه، من حيث المؤشر الاقتصاد، من حيث موقعه الطبقي، قد يكون بروليتاريا، مع أنه من حيث مرتبته الاجتماعية، يبقى نبيلا.

والمراتب الاجتماعية هي طبعا من مؤسات المجتمع الاقطاعي، ومراتبه ثلاث: النبالة، الاكليروس والعامة –المترجم-.

[5]-هي الأراضي التي حُرّم الفلاحون من تملكها بعد الغاء القنانة في روسيا –المترجم-.

[6]-الفلاحون التابعون مؤقتا- اقنان ظلوا، بعد الغاء القنانة عام 1861 ملزمين بتقديم بعض الخدمات للملاك العقاريين كبعض أعمال الحرة مثلا. على أن «حالة التبعية المؤقتة» تظل مستمرة إلى أن يمتلك الفلاحون حصصهم –بموافقة المالك- ويدفعون أموال الاعتاق. ولم يجر الزام الملاك بقبول دفعات الاعتاق هذه إلا بعد صدور قانون العام 1881 (اي بعد 20 سنة على «الاصلاح») الذي قضى بإلغاء «العلاقة الارغامية» بين الفلاحين والملاك العقاريين ابتدء من الفاتح من كانون الثاني 1883 –المترجم-

[7]-نستبدل الآن عبارة «سخرة بعبارة» «العمل-الخدمة» لان هذه الاخيرة أكثر ملاءمة للعلاقات السائدة في فترة «ما بعد الاصلاح»، وقد باتت هذه العبارة مقبولة في أدبياتنا (ملاحظة لينين).

[8]-هذا مثال صارخ على ما نقول: «في جنوب قضاء ييلتس (مقاطعة أوريل)- يكتب أحد مراسلي وزارة الزراعة- «في مزارع كبار الملاك العقاريين، وجنبا إلى جنب مع الزراعة بواسطة العمال السنويين، يتولى الفلاحون زراعة قسم كبير من الارض لقاء حصص الارض المؤجرة لهم. وهكذا فالأقنان السابقون يستمرون في استئجار الارض من أسيادهم الاقطاعيين السابقين، وذلك في مقابل فلاحتهم لأرض هؤلاء. ولا تزال مثل هذه القرى تسمى «سخرة المالك العقاري الفلاني»…» (س.أ.كورولنكو، العمل المأجور، الخ، ص 118). وهذا مثال آخر. ييكتب أحد الملاك العقاريين قائلا: «على مزرعتي، يتولى فلاحيَّ السابقون كافة الاعمال الزراعية (8 قرى تضم حوالي 600 نسمة)؛ وفيي مقابل ذلك، اسمح لهم باستخدام المراعي لماشيتهم (من 2000-2500 دسياتين؛ ولا نستثني من ذلك إلا كون العمال الموسميين يقومون بالحراثة الأولى ويبذرون البذار» (المصدر ذاته، ص 325…)- (ملاحظة لينين).

[9]-الزراعة الدورية، شكل استرقاقي من أشكال العمل-الخدمة يقدمه الفلاح لمالك الأرض كبدل ايجار للأرض التي حصل عليها منه في فترة ما بعد الاصلاح. فمالك الارض يؤجر الفلاح قطعة أرض أو يقدم له عرضا نقديا أو عينيا، ويتعهد الفلاح مقابل ذلك أن يفلح «دورة»، مستخدما أدواته الخاصة وحيوانات الجر. وهذا يعني زراعة دسياتين واحد من محاصيل الربيع ودسياتين واحد من محاصيل الشتاء، بالإضافة احيانا إلى تعهد الفلاح بأن يحصد دسياتين واحد من المحاصيل -المترجم-.

[10]-نوع من الحنطة يستخدم كعلف للحيوانات –المترجم-.

[11]-نوع من الحبوب يستخدم كعلف للحيوانات ويستخرج منه مشروب الويسكي –المترجم-.

[12]- جدير بالملاحظة أن المنوعات العديدة جدا لأشكال العمل-الخدمة في روسيا، وللاشكال التي يتخذها ريع الارض بكافة انواع التقديمات الإضافية. الخ. ان هذه كلها مشمولة كليا في الاشكال الرئيسية للعلاقات قبل الرأسمالية في الزراعة كما يشير اليها ماركس في الفصل 47 من المجلد 3 لكتابه «رأس المال». وقد أشرنا في الفصل السابق إلى وجود ثلاثة أشكال: أ)الريع-العمل، ب)الريع العيني، ج)الريع النقدي. فمن الطبيعي، إذن، أن يبحث ماركس عن احصائيات روسية محددة يستشهد بها في المقاطع المتعلقة بالريع العقاري (ملاحظة لينين).

[13]-وفق «نتائج الدراسات الاحصائية للزييمستوفات» (المجلد 2) نجد أنه من مجموع الاراضي التي يستأجرها الفلاحون، 76 بالمئة يجري الدفع فيها نقدا، و3-7 بالمئة بواسطة العمل-الخدمة، و13-17 بالمئة بواسطة حصة من المحصول وأخيرا، 2-3 بالمئة بواسطة عدة اشكال دفع مندمجة (ملاحظة لينين).

[14]-الاسم الذي يطلق في روسيا الجنوبية على دفع ريع الارض عينيا، على اساس استرقاقي، حيث الفلاح يدفع للملك حصة من المحصول (النصف، وأحيانا أكثر) إضافة لبذله انواع مختلفة من العمل-الخدمة. –المترجم-.

[15]- أ.ن. انغلهاردت- اقتصادي شعبوي. عُرف بنشاطاته الاجتماعية والزراعية، وعلى الاخص تجاربه في الزراعة العقلانية الحديثة التي كان يجربها في مزرعته الخاصة في ماتيشفا، بمقاطعة سمولنسك. من أبرز مؤلفاته «رسائل من الريف» الذي يستعين به لينين، في القسم 6 من هذا الفصل، مثبتا أن قصة مزرعة انغلهاردت تدحض نظريات الشعبويين، وتؤكد الانتقال المطرد نحو الزراعة الرأسمالية في الريف –المترجم-.

[16]-الفلاحون شبه الأحرار هم الفلاحون التابعون في روس (روسيا القديمة خلال القرون 9-13) الذين كانوا يقدمون السخرات للأمراء ولسواهم من الأسياد العلمانيين والاكليركيين، ويدفعون الريع العيني. ولكن ما لبث ملاك الارض أن استولوا على اراضي هؤلاء الفلاحين وأرغموهم على العمل في المزارع الاقطاعية.

روسكايا برافدا (القانون الروسي) هو أول مجموعة مكتوبة للتشريعات والقوانين ومراسيم الامرالء في روسيا (القرن الحادي عشر والثاني عشر) وهي تقضي بحماة حياة وملكية السيد الإقطاعي، وتعكس النضال المرير بين الفلاحين المقيدين ومستغليهم –المترجم-

[17]- البود Pood هي وحدة الوزن الروسية. البود الواحد يساوي 36 رطلا إنكليزيا، وحوالي 80 كيلوغراما. والكوبيك هو جزء من مئة من الروبل –المترجم-.

[18]-الامراض الرضية traumatism هي الامراض الناجمة عن الرضوض الجدية أو الصدمات النفسانية القوية –المترجم-.

[19]-أشار شازلافسكي، في أيامه، إلى أن نسبة الاقنان في المناطق التي وصلها العمال المهاجرون كانت تتراوح بين 4 و15 بالمئة من مجموع السكان. أما المناطق التي هاجر منها هؤلاء العمال، فكانت النسبة تتراوح بين 40 و60 بالمئة (ملاحظة لينين).

[20]-ذلك ان التقدير الذي يعتمده لينين لعدد العمال الزراعيين المهاجرين في روسيا يزيد عن المليونين –المترجم-

[21]-تقدير لينين لمجموع العمال الزراعيين في روسيا هو 2 ملايين ونصف عامل –المترجم-.

[22]-فرسَت Verst جمعها فرسات، مقياس روسي للطول يعادل 3500 قدم، اي حوالي كيلومتر واحد –المترجم-.

[23]-يحصل على المال اللازم للرحلة ببيع ملكية معينة، وصولا إلى حد بيع الحاجيات المنزلية، ورهن حصة الأرض، ورهن مقتنيات وألبسة، الخ. أو باستقراض المال اللازم من «رجال الدين والملاك العقاريين والكولاكيين المحليين» على ان يسدده لهم بواسطة العمل (شاخونسكوي، ص 55) (ملاحظة لينين).

[24]-المقصود هنا جوازات السفر فما بين المناطق الروسية نفسها -المترجم-.

تسعدني تعليقاتكم

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s