كتاب (لامساومة.. لا متاجرة سياسية) ويلهلم ليبكنخت 3 – القسم الأول

Posted: 19 يونيو 2015 in كلاسيكيات الماركسية, مختارات سياسية, عمال وجماهير
الوسوم:, , , ,
ويلهلم ليبكنخت
1899
ترجمة: سعيد العليمي

القانون الحزبى 

لقد شغلت مسألة المساومات بشكل او بآخر، اهتمام الحزب منذ ان دخل مجال العمل السياسي. ولكن لا  الوقت ولا المكان يسمحان بعرض التاريخ الكامل للموضوع. الوضع الراهن للقانون الحزبى بصدد مسألة المساومات تضمنته قرارات المؤتمرات الحزبية التي عقدت فى كولونيا، وهامبورج وشتوتجارت. وقرار مؤتمر كولونيا الذي صدر فى 28 اكتوبر، 1893 ينص على ما يلى:

” حيث ان، النظام الانتخابى البروسي ذى الثلاث درجات، وهو حسب تعبير بسمارك نفسه اتعس نظام بين كل النظم الانتخابية، يجعل من المستحيل على الاشتراكية الديموقراطية ان تشارك بشكل مستقل فى الانتخابات للهيئة التشريعية البروسية مع توقع النجاح، وحيث، انه يتناقض مع المبادئ المتبعة حتى الآن من قبل الحزب فى الانتخابات ان يدخل فى مساومات مع احزاب معادية، لا ن هذا سوف يقود بالضرورة الى اضعاف معنوياته واثارة النزاعات والخلافات داخل الهيئات الحزبية، على ذلك، فقد تقرر، ان من واجب اعضاء الحزب فى بروسيا ان يمتنعوا عن الاشتراك فى انتخابات الهيئة التشريعية.

وحيث ان النظم الانتخابية فى الولايات المنفصلة تشكل عينة نموذجية من القوانين الانتخابية الرجعية وخاصة الطابع البلوتوقراطى للنظام الانتخابى ذى الثلاث درجات فى بروسيا مما يجعل من المستحيل على الطبقة الكادحة ان ترسل ممثليها للهيئة التشريعية، وبناء على ذلك يدعو المؤتمر اعضاء الحزب للبدء فى القيام بتحريض ممنهج نشط فى كل الولايات المنفصلة من اجل الترويج لا دخال حق الاقتراع العام المتساوى السرى المباشر فى انتخابات الهيئة التشريعية كما تضمنه البرنامج السياسي لحزبنا.”
وبعد اربع سنوات، فى 9 اكتوبر، 1897، اصدر مؤتمرهامبورج القرار التالى:

” ان قرار مؤتمر كولونيا الذي منع اعضاء الحزب البروسيين من الاشتراك فى الانتخابات التشريعية فى ظل نظام التصويت على ثلاث درجات قد الغى. واننا نوجه للاشتراك فى انتخابات الهيئة التشريعية المقبلة فى كل مكان حيث تجعل الظروف من الممكن لا عضاء الحزب ان يقوموا بذلك. اما الى اى مدى يمكن الاشتراك فى الانتخابات، فى انتخابات المقاطعات المنفصلة فهو امر يتعين ان يقرره اعضاء الحزب فى كل انتخاب بالمقاطعة وفقا للظروف المحلية. ومن غير المسموح الدخول فى مساومات او تحالفات مع الاحزاب الاخرى.”

لقد الغى قرار كولونيا ب 160 صوتا ضد 50 صوتا. وصدر القرار الكامل ب 145 صوتا ضد 64 صوتا، ولم يصوت مندوب واحد.

بعد التصويت على الاقسام المختلفة للقرار وبعد التصويت عليه بكامله، حتى نحول دون ان تثار اسئلة تتعلق بالمعنى العملى لقرار هامبورج، قام الرئيس سنجر، بموافقة صريحة من بيبل، الذي قدم القرار، ودون ان يعترض احد، وبموافقة بالاجماع، سجلت فى المضبطة، قام بالاعلان التالى:

” اننى ارغب فى ان اعلن ان المؤتمر مجمع على وجهة النظر القائلة بأن القرار الذي تبنيناه هنا يعنى اننا لن نشترك فى الانتخابات الابتقديم مرشحين اشتراكيين ديموقراطيين.”

وان تصويت الرفاق فى المرحلة الاولى، لمرشحين من الحزب الليبرالى، كان، كما لا حظ بيبل، مستبعدا على الاطلاق، ويدرج تحت خانة المساومات والتحالفات مع الاحزاب الاخرى.

رغم لغة القرار الواضحة والتفسير الجلى الرسمى هنا لمسألة معرضة لتأويلات مختلفة جرى تأجيل المؤتمر بصعوبة حين بدأ التعبير عن اختلاف الآراء. وفى تناقض حاد مع الوقائع وعلى ما اثبت فى المضبطة فقد جرى انكار ان التصويت فى المرحلة الاولى من جانب حزبنا لمرشحين من الحزب الليبرالى سيكون مساومة، كما جرى الادعاء حتى بأن سينجر قد أرهب المؤتمر.

عقد مؤتمر العام الماضى فى شتوتجارت قبل الانتخابات للهيئة التشريعية البروسية مباشرة. وقد كان هناك هذا القدر من الاختلاف فى الرأى بحيث لم يكن من الممكن التفكير فى تجاهل الأمر، خصوصا وان جدول اعمال المؤتمر كان مزدحما بدون ذلك. ومن ثم لم يكن من الممكن عمل شيء سوى ترك التصرف النهائ فى الموضوع لمؤتمر تال، والاكتفاء باصدار قرار طارئ فى الوقت الحاضر.

فى 5 اكتوبر، 1898، تبنى مؤتمر شتوتجارت بالاجماع القرار التالى، الذي ووفق عليه من قبل اللجنة، ليكن معلوما:

” ان الاشتراك فى الانتخابات التشريعية البروسية فى ظل النظام الانتخابى على ثلاث درجات، كما هو الحال فى انتخابات الرايشستاج، بوصفه صفا للقوى، ليس وسيلة لا حراز تأثير معنوى بعدد اصواتنا، لكنه وسيلة فقط لا حراز نتائج عملية معينة، خصوصا تفادى خطر السماح لا شد الرجعيين محافظة باحراز اغلبية فى الهيئة التشريعية. انطلاقا من وجهة النظر هذه، يعلن المؤتمر ان الاشتراك فى انتخابات الهيئة التشريعية البروسية ليس مطلوبا فى جميع الانتخابات فى المقاطعات، فضلا عن ان قصر الوقت المتبقى قبل انتخابات الهيئة التشريعية البروسية يجعل من المستحيل تقريب الشقة بين وجهتى النظر المتباعدتين بشدة اللتين توجدان داخل الحزب حول هذه المسألة، حتى تجعل حركة الحزب بتناغم ممكنة. فى ظل هذه الظروف فان المؤتمر يترك الامر للرفاق فى انتخابات المقاطعات المنفصلة ليتخذوا قرارهم حول مسألة الاشتراك. اذا تقرر فى انتخاب احدى المقاطعات الاشتراك، واذا طرح اقتراح لمساندة ودعم مرشحى خصومنا السياسيين، فعلى المرشحين ان يتعهدوا، بأنه حال انتخابهم فى الجمعية التشريعية، ان يعملوا من اجل ادخال حق الاقتراع العام المتساوى السرى المباشر، فى انتخابات الهيئة التشريعية، كما هو قائم حاليا فى انتخابات الرايشستاج، وان تقاوم بفعالية قصوى فى الهيئة التشريعية كل الاجراءات التي تميل لا زالة او الغاء الحقوق الحالية التي يتمتع بها الشعب فى الولايات المنفصلة. سوف نعتبر ان كل المقترحات التي قدمت تحت بند ” الانتخابات للهيئة التشريعية البروسية ” قد جرى الانتهاء منها بتبنى هذا القرار “

كان هذا هو قرار شتوتجارت. يمكن لنا ان نرى، انه قرار مؤقت ويترك مسألة التاكتيكات تماما على اساس قرار هامبورج. بالرغم من ذلك، فقد اعتبر رفاق بعض الانتخابات فى المقاطعات انفسهم مبررين فى عمل ترتيبات مناقضة للقرار مع احزاب اخرى وقد كانت مساومات بالمعنى الذي حدده قرار هامبورج. وقد اظهرت الاحداث الاخيرة فى بافاريا، والتحالف مع حزب الوسط، الذي وصف بأنه تجارة بقر، انه حين يدق الطرف الحاد من الأسفين الانتهازى فى سياسة الحزب سرعان ما يتبعه الطرف الاغلظ.

الاشتراكية البروليتارية 

هناك اساس واحد صالح لحزبنا ولتاكتيكاته: وهذا الاساس هو الصراع الطبقى، الذي انبثق منه الحزب الاشتراكى الديموقراطى والذي يمكن منه وحده ان يستمد القوة الضرورية لا ن يتحدى كل عاصفة ومعها كل اعداءه. ان مؤسسي حزبنا، – ما ركس وانجلز ولاسال – قد أصلوا فى العمال ضرورة الطابع الطبقى لحركتنا بشكل عميق حتى انه ولوقت قريب جدا لم تكن هناك اية انحرافات او ابتعاد عن المسار. لقد صدر قرار كولونيا بناء على اقتراح قدمه برنشتين، الذي كان يعيش آنذاك فى لندن، وبوصفه محررجريدة الاشتراكى الديموقراطى المكرم من اعضاء الحزب.

لم يكن هناك ابدا حديث فى العلن حتى عام 1893 حول امكان او صواب المشاركة فى الانتخابات التشريعية البروسية. ففى بداية الثمانينات جرى ترويج فكرة تعاون الاشتراكية الديموقراطية مع الديموقراطيين السياسيين بصورة سرية من جانب ديموقراطيي فرانكفورت بغرض الحصول على ممثل اشتراكى وديموقراطى فى فرانكفورت فى الهيئة التشريعية، لكن المقترح رفض ايضا بصورة سرية، وبدون ضوضاء فى الخارج. وقد كان الاعتبار التالى هو ما قلب الموازين، اى: ان الطابع الطبقى للحزب سوف يضعف بتحالف من هذا النوع، وأن ميزة الحصول على ممثل لن تعوضها لحد بعيد نقيصة التحالف فى انتخابات تشريعية مع حزب نحن ملزمون بمحاربته فى انتخابات الرايشستاج. لم يغفل احد عن اهمية وجود مقعد فى الهيئة التشريعية البروسية. ولكن ما استرعى الانتباه بوصفه الاكثر اهمية هو ان ممثلى الحزب يجب ان يعتمدوا حصريا على قوة الحزب وليس على تحالف مع احزاب سياسية قد تكون لها مصلحة مشتركة مؤقتة معنا ولكنها من ناحية تكوينها السياسي معادية لنا وسوف تظل دوما معادية لنا.

لقى اقتراح برنشتين، الذي فكر فى مسألة مشاركة الاشتراكية الديموقراطية فى الانتخابات التشريعية البروسية، استجابة ضئيلة، ولم يكن هناك مدافعين، حتى ان القرار الذي قدمه ودعمه بيبل ضد مشاركة كهذه قد تم اقراره بالإجماع.

يبدو للوهلة الاولى امرا غامضا ان تظهر مسألة المشاركة فى الانتخابات التشريعية البروسية مرة اخرى وبعد سنوات وتؤدى حتى لجدالات حية الى حد ما . لكن هذا الامر يفسره ظرفين سوف اوضحهما هنا.

اولا. تعرضت وجهة نظرالعديد من الرفاق بصدد نظام الانتخاب على ثلاث درجات للتغير عبر مرور الزمن. لقد تاه عن ذاكرة بعضهم، هنا وهناك، ان الغرض المتحقق منطقيا وبدهاء من نظام الانتخابات على ثلاث درجات هو ان تستبعد بخاتم محكم كل الافكار والمشاعر الديموقراطية، وان العهد الرأسمالى، الذي بدأ حوالى نفس الوقت بادخال ” اتعس نظام بين النظم الانتخابية ” قد جعل بخلقه بروليتاريا واعية طبقيا تصويت الجماهير الاشتراكية بلا قيمة اكثر من تصويت الجماهير الديموقراطية اصلا. تظهر كيفية خداع كثير من الخطباء (رجال ونساء) انفسهم بشدة فى مؤتمر هامبورج حول فعالية نظام الانتخابات على ثلاث درجات بوضوح من حقيقة ان بعضهم قد تبنى وهم ان اصلاح انتخابات الهيئة التشريعية البروسية يمكن ان يستخدم كوسيلة للتحريض الواسع وسط الجماهير. ان الابتهاج بالنجاح الذي تحقق فى ظل قوانين اخرى غير ديموقراطية تنظم الانتخابات التشريعية، خاصة فى سكسونيا، نسي كثيرون ان النظام البروسى ذى الثلاث درجات قد جعل من علنية التصويت امرا اجباريا، ومن ثم حرم من التصويت مقدما من الناحية العملية كل تابع، اقتصاديا، اجتماعيا او سياسيا، اى، الاغلبية العظمى من السكان وبهذه الوسيلة وحدها جعل من المستحيل على الجماهير ان تشارك فى الانتخابات او ان يثير اى حماس عام.

ان التفاؤل الخادع للذات بشأن القانون الانتخابى على ثلاث درجات قد بلغ حد أن رفاقا غير قليلين قد تخيلوا بكل جدية اننا نحن الاشتراكيين الديموقراطيين سنحتل موقعا بقوتنا الذاتية بدون تكتل او حتى تحالف مع الاحزاب الاخرى، لنكسب عددا، وان عددا قليلا، من المقاعد.اليوم الكل يعلم انه لم يعد احد يرزح تحت وطأة هذا الوهم. اليوم الكل يعلم اننا لا نستطيع ان نكسب مقعدا واحدا فى الهيئة التشريعية البروسية دون مساومة او تحالف. لقد كان الامر مختلفا منذ عامين مضيا حينما عقد مؤتمر الحزب، وكانت اغلبيته مصابة بلعنة خداع الذات المتفائل، التي اعلنت انها تستحسن المشاركة فى الانتخابات التشريعية البروسية. لحسن الحظ، على اية حال، ان القادة مع المجلس الاعلى للحزب قد تمعنوا فى اصل وطبيعة الحزب وسعوا بواسطة حظر كامل للمساومات والتحالفات مع الاحزاب الاخرى لا ن يمنعوا الخداع الذاتى من اتخاذ خطوات قد تؤذى الحزب وتؤدى لتوهانه فى الدروب الخاطئة.

ان قرار هامبورج قد وصف بأنه متناقض وغير منطقى. حقيقى، اذا كان الحزب قد رفض كما فى السابق كل المساومات والتحالفات مع الاحزاب الاخرى، فعندئذ لم يكن هناك معنى لسحب قرار كولونيا. يفسر التناقض، كما اشير لذلك سابقا، بحقيقة ان قسما من الحزب قد خدع نفسه او كان قد خدع بشأن طبيعة القانون الانتخابى البروسي ذى الثلاث درجات. ولكن علينا ان نستنتج من هذا التناقض، كما قمنا بذلك بالفعل، ان الحزب يخفى رغبة لا ن يشارك فى الانتخابات التشريعية البروسية اكثر منه كارها للمساومات، وانه على ذلك، بوصفه تناقضا قائما فينبغى ان يحل بترويج المشاركة فى الانتخابات بشكل تام وبسحب حظر المساومات والتحالفات الانتخابية، وسوف يقدم مثل هذا الاستنتاج دليلا على ضآلة المنطق ازاء مبادئ وتاريخ الحزب.

ثانيا. ويصل بى هذا الى السبب الثانى وهو لم كان من الممكن ان تصبح مسألة المشاركة فى الانتخابات التشريعية موضع نزاع حزبى جدى. يوجد ميل فى بعض الدوائر، او فلنقل جهدا، لهجر برنامج الحزب فى الصراع الطبقى والدخول فى الاطار العام للاحزاب الاخرى. وحيث تقوم كل الاحزاب الاخرى على اساس الدولة السياسية، لذا فإن حقل نشاطها مقصور على الفساد السياسي. وانا لا اقول ان المدافعين عن التاكتيكات الجديدة يرغبون جميعهم فى ذلك، بالنسبة لبعضهم فاننى مقتنع بانهم لا يرغبون فى ذلك. ولكن الآخرين يرغبون. وليس مجرد مصادفة ان برنشتين قد كان اول من اقترح مشاركة الاشتراكية الديموقراطية فى الانتخابات التشريعية البروسية. تتطابق هذه التاكتيكات تماما مع برنامج برنشتين الذي يسعى الى تسييس الاشتراكية الديموقراطية (المقصود ابعادها عن سياسات الصراع الطبقى الثورية – المترجم)، بينما هى غير منطقية بلا جدال من وجهة نظر هؤلاء الذين لا  يرغبون فى انكار او تدمير الطابع المناضل لحزبنا فى ممارسته للصراع الطبقى.

رأسمالية الدولة 

انا لا  اتردد فى ان اكرر تصريحى السابق وهو ان التفريط العملى فى مبادئ حزبنا يبدو لى اشد خطرا لحد بعيد من كل الغثاء النظرى الذي طرحه برنشتين. لقد جرى الادعاء بان العصب السياسي للاحزاب قد ما ت ازاء الفساد، حتى انها فقدت روح الحرية والعدالة. ولايفتقر هذا الزعم لا ساس، ومع ذلك فليس هذا ظرفا جديدا. اذا ما تغاضينا عن فترات قصيرة فلم يتوفر للبورجوازية الالمانية ابدا ما يمكن ان يفهم من كلمة ” عصب سياسي “. ولكن كيفما كان الامر، فلايمكن ان ننكر اننا نعيش الآن تحت تأثير اوضاع سياسية واقتصادية تدفع لا حتدام التطاحنات الاقتصادية والسياسية لا بعد الحدود من ناحية، ومع ذلك تدفع من ناحية اخرى لتساهل انتهازى بشأن المبادئ. اضف الى ذلك اننا ينبغى ان ناخذ فى اعتبارنا تخلف البورجوازية فى المانيا، وهو سبب حقيقة انه لا يوجد هنا بالفعل حزب ليبرالى فضلا عن حزب ديموقراطى. هذه الحقيقة يترتب عليها كنتيجة طبيعية: ان العناصر الليبرالية والديموقراطية الشريفة من البورجوازية تنجذب اكثر فاكثر نحو الاشتراكية الديموقراطية بوصفها الحزب الوحيد الذي يحارب من اجل الديموقراطية فى المانيا. لكن هذه العناصر الديموقراطية لا تصبح من ثم اشتراكية، رغم ان الكثيرين يعتقدون انهم اشتراكيون. باختصار، لدينا الآن فى المانيا ظاهرة لوحظت فى فرنسا لمدة نصف قرن وربما اكثر، وقد اسهمت كثيرا فى تشويش العلاقات الحزبية فى فرنسا، وهى ان قسما من البورجوازية الراديكالية يلتف حول الراية الاشتراكية بدون فهم طبيعة الاشتراكية. هذه الاشتراكية السياسية، هى فى الواقع نزعة راديكالية انسانية محبة للبشر فقط، وقد اعاقت تطور الاشتراكية فى فرنسا لحد بعيد. لقد ذوبت وضببت المبادئ واضعفت الحزب لا نها زجت فيه فصائل لا يمكن الاعتماد عليها فى اللحظات الحاسمة.

شخص لنا ما ركس فى مقالاته حول الصراع الطبقى فى فرنسا (2) هذه الاشتراكية السياسية.

وسوف تكون حالة فريدة من التخلى عن المسار والضياع اذا ما مالت الاشتراكية الديموقراطية، التي قدر لها ان تحقق هذا النجاح وهذا النمو المدهش بسبب انها قد انطلقت دون ان ترتعب على اساس الصراع الطبقى، اذا ما مالت للاتجاه المعاكس وانغمست فى الاخطاء،التي كان تجنبها قوة وفخر الحزب، ووضع الاشتراكية الديموقراطية الالمانية على رأس الاشتراكية الديموقراطية الدولية فى كل البلدان.

ان تلاشى الخوف والكراهية لنا فى الدوائر السياسية يدفع بالطبع العناصر السياسية داخل صفوفنا. وهذا لا يسبب خوفا ما دام هذا يجرى على نطاق ضيق لا ن العناصر البروليتارية تفوق العناصر السياسية عددا ويجرى امتصاصها تدريجيا. لكن يختلف الامر حينما تصبح العناصر السياسية فى الحزب وفيرة العدد وذات نفوذ بحيث يكون امتصاصهم عسيرا بل ويهدد بخطر اغراق العنصر الاشتراكى لا قصى حد. يهدد خطر التسييس هذا (التسييس البورجوازى الصغير – المترجم) الاشتراكية الديموقراطية من مصدرين بسبب تخلف بورجوازيتنا. اولا، العناصر الديموقراطية فى البورجوازية التي لا تجد اشباعا سياسيا فى طبقتها الخاصة، تغمرنا باعداد كبيرة اكثر مما فى البلدان التي تطورت بها بورجوازية على نحو اعتيادى، ثانيا، تميل الروح البيروقراطية لحكوماتنا ولو انها رأسمالية نحو اشتراكية الدولة، وهى فى الواقع، رأسمالية دولة فحسب، لكنها تعشى ابصار وتضل هؤلاء الذين ينخدعون بسهولة فى التشابهات الخارجية والشعارات. ان اشتراكية الدولة الالمانية او على الادق البروسية التي تجد نموذجها فى دولة عسكرية، لكبار الملاك والشرطة، تكره الديموقراطية اكثر من اى شيء آخر. ان الكانيتزيون (كانيتز منطقة فى مقاطعة ساكسونيا – المترجم) واتباعهم يزعمون انهم راديكاليون متطرفون، لكن لا علاقة لهم بالديموقراطية. الديموقراطية هى عدوهم. وهى بالنسبة لهم شيء متلازم سياسيا. ولكن كل السياسات معارضة لكل ما هو اشتراكى تماما. وهكذا من خلال هذا المنطق المخادع ننتهى الى النتيجة التي وجدت لها موضعا هنا اوهناك، حتى فى الدوائر الاشتراكية الديموقراطية، وهى ان الديموقراطية صفة للسياسة لا شيء يجمعها بالاشتراكية، بل على النقيض فهى تعارضها. يمكن تتبع اخطاء معينة، على سبيل المثال معارضة نظام الميليشيا وصولا لتلك السفسطة، وكذلك ايضا ذات مرة بشأن تعايم فون شفايتزر الزائفة. لكن الحقيقة ان الديموقراطية ليست شيئا سياسيا بصفة خاصة، ولاينبغى ان ننسي اننا لسنا حزبا اشتراكيا فحسب، وانما حزب اشتراكى ديموقراطى لا ننا ندرك ان الاشتراكية والديموقراطية لا ينفصلان.

بسمارك 

حينما اراد الامير بسمارك ان يزحزح ” اشيرون ” * الاشتراكية، وعرض على عبر وساطة براس رئاسة تحرير جريدة نورث جيرمان جازيت، ثم عرض بعد ذلك من خلال بوخر على ما ركس رئاسة تحرير شتاتس انتسيجر، وفى الحالتين مع حرية تامة لترويج الاشتراكية بصراحة وصولا حتى نتائجها القصوى، لم يكن حب الاشتراكية او معرفة الاشتراكية هى ما دفعت الامير بسمارك لعمل هذا. فهو لم يفهم شيئا عن الاشتراكية حتى هذا الوقت، كما لم يفهم ابدا اى شيء عنها حتى وفاته، ولم يكن لديه اى مفهوم عن القوى المحركة للحياة السياسية والاجتماعية بالمرة. ومن المحتمل انه لم يعش ابدا فى اى وقت واى زمن ” رجل دولة ” كان اقل علمية، واقل معرفة، ومن اعتمد بشكل تام على التجربة ودهاء نصف مقامر ونصف بائع متجول، مثل بسمارك. تضع هذه العروض المقدمة للاشتراكيين تحت ضوء ساطع عدم صدق زعم الامير بسمارك بأنه قد اعتبر دائما أن الاشتراكية الديموقراطية تتعارض مع وجود الدولة. لقد اراد بسمارك ان يستخدم الاشتراكية بهدف كسر وحل المعارضة البورجوازية الليبرالية وخاصة الحزب التقدمى.هذا فى حد ذاته هو اشد البراهين اقناعا بأنه لم يكن لديه تصور عن الطبيعة الحقيقية للاشتراكية.وهكذا تكرر بالطبع قدر الفتى الساحر. القوى الجوهرية التي استحضرت نمت فوق رأس الهاوى ولم يستطع ان يهزم الاشتراكية بل ان الاشتراكية هى التي هزمته.

ظهرت مسألة التاكتيكات آنئذ فى حزبنا للمرة الاولى. هل يجب علينا من اجل تنازلات معينة للعمال، ان نساعد بسمارك ضد الحزب التقدمى والخصوم الآخرين لسياساته وبتوقع ان نصبح اقوياء بما يكفى لشن نضال ناجح ضده وضد الدولة العسكرية البوليسية لكبار الملاك التي تجسدت فى شخصه؟ ام ان الحكمة ومصلحة الحزب تتطلبان ان ننتهز فرصة نزاع بسمارك مع البورجوازية التقدمية وخصوم سياساته الآخرين، ونناضل ضد السياسات البسماركية وننظم البروليتاريا فى حزب سياسي مستقل بهدف اعداده للاستيلاء على السلطة السياسية؟

تذبذبت البروليتاريا لبعض الوقت، ولكن بعد بضع سنوات، جرى التخلى عن التاكتيكات التي روجها بصفة رئيسية السيد فون شفايتزر التي تضمنت نهج الاقتراب من السياسة البسماركية وقبلت فى كل مكان التاكتيكات التي التزم بها الحزب من وقتها وحتى الآن. وتتقوم هذه التاكتيكات فى الحفاظ على صفاء الطابع الطبقى للحزب الاشتراكى كحزب بروليتارى، وتدريبه بالتحريض، والتعليم والتنظيم من اجل انجاز الانتصار للنضال التحررى، لشن حرب منتظمة ضد الدولة الطبقية، التي تتركز في ايديها السلطة الاقتصادية والسياسية للراسمالية، وفى هذه الحرب ان ننتزع بقدر ما يمكن المزايا من منازعات وصراعات الاحزاب السياسية الاخرى مع بعضها البعض.

*اشيرون هو الجحيم فى الميثولوجيا اليونانية – المترجم

البورجوازى والبورجوازية 

لم تحرز البورجوازية السلطة السياسية ابدا فى المانيا كما حدث فى فرنسا وانجلترا. ورغم ان البورجوازية الانجليزية قد ازاحت منذ اكثر من قرنين ونصف والبورجوازية الفرنسية اكثر من قرن مضى كل النفاية القروسطية، فان البورجوازية الالمانية لم تكن ابدا فى وضع يجعلها تقوم بثورة سياسية وتحقق فى الدولة ما يسمى بالحرية السياسية. خسارة التجارة العالمية نتيجة لا كتشاف امريكا، وارتباطا بذلك اعاقة نمو النشاط الصناعى، والانقسام السياسي وخراب المانيا، شلل الروح القومية لحد الموت تقريبا، ونشوء مصالح امبراطورية معادية للشعب وللتنوير، كل هذا منع نمو مواطنة قوية. عندما لا حت فرصة متأخرة فى 1848 لم تكن لدي الشعب الالمانى حتى حينئذ القوة للقيام بثورة سياسية. بعد استمتاع قصير بالحرية احنت رأسها مرة اخرى للنير القديم. خوفا من العمال، التي اشتمت منهم قوة جديدة وخطرة، فأصبحت رجعية، دون ان تكون ابدا ثورية، لقد كفرت عن احلامها الثورية، التي بدت لها وكأنها طيش شباب، والقت بنفسها فى احضان الرجعية السياسية، ولم يشغلها سوى مثال واحد باق، وهو ان تثرى. اختفى المواطن من المجال السياسي واصبح اما غير مبال من الناحية السياسية او رأسمالوى.ان تكون راسمالويا يعنى ان تعترف وتساند الحكومة بدون شروط، على ان تكون حكومة طبقية وتمثل وتروج بشكل حصرى مصالح الراسمالية.

حتى نمنع الانطباعات الخاطئة وسوء الفهم، يجب ان نكون واعين تماما بالفارق بين ” السياسي” و ” الرأسمالوى “. هاتان الفكرتان، اللتان يمكن ان نخلط بينهما بسهولة بسبب التباس الكلمة الالمانية ” Burger “، لا بد ان نفصلهما بوضوح الواحدة عن الاخرى. فى فرنسا فان كلمة بورجوازى bourgeois “” التي كان لها فى القرون الوسطى نفس معنى كلمتنا ” burger ” (تعنى فى اللغة الالمانية: اهل المدينة، شخص ميسور الحال، او مواطن – المترجم)، اتخذت فى مجرى الزمن والتطور الاقتصادى تدريجيا معنى ” راسمالى كبير “، بينما نستعير نحن الالمان للفكرة الاخيرة الكلمة الفرنسية ” bourgeois” ولكننا نستخدم ايضا الكلمتين الالمانيتين ” burger ” و” burgerlich ” دون ان نلاحظ الفارق. ومن ثم ينشأ التباس اللغة الذي يمكن ان يفضى لا ى شيء عدا وضوح المفهوم. نحن نتحدث عن المجتمع ال “burgerlich ” ونعنى المجتمع البورجوازى الرأسمالى الحديث. ونتحدث عن الروح ال ” burgerlich “، والحرية ال ” burgerlich“، ونعنى الروح الديموقراطية للحرية التي كانت لدى المواطنين فى الازمنة القديمة حينما كانوا يحاربون الكهنة وامراء الاقطاع، وهى الروح التي تتعارض تماما، على اية حال، مع الروح الراسمالوية، ومن ثم الرجعية، والمواطنين الذين يدللون الكهنة وملاك الارض، او بورجوازية اليوم.

ان صواب ما يسمى بالمفهوم المادى للتاريخ، الذي يعتبر ان التطور السياسي يعتمد على الاقتصادى، لا يمكن ان يخطر فى ذهننا بشكل مقنع وصارخ باكثر مما يدلل عليه التغير الذي حاق بالبورجوازية خلال مجرى القرن التاسع عشر. يمكن لنا ان نبين باكبر قدر من الدقة كيف ادى تغير علاقات الانتاج الى تغير فى النظرات والمواقف السياسية للبورجوازية. كانت كل خطوة للامام فى التقدم الاقتصادى خطوة للامام فى تطور التناقضات الطبقية وخطوة فى اقتراب البورجوازية ناحية اعداءها القدامى، ملاك الارض والكهنة، وخطوة فى تخطى البروليتاريا الناهضة، التي لا بد لها من اجل تحقيق تحررها ان تدافع عن الحقوق المتساوية لكل البشر والمبادئ الديموقراطية التي سبق وان دعمتها البورجوازية. فى اللحظة التي تتقدم فيها البروليتاريا الى الامام بوصفها طبقة منفصلة عن البورجوازية ولها مصالح متعارضة معها، تكف البورجوازية من هذه اللحظة عن ان تكون ديموقراطية. يتحقق هذا فى بلدان القارة الاوروبية بطريقة نموذجية تماما فى فترة توصف عادة بانها ثورية بامتياز – فى فترة ثورات فبراير ومارس. والتناقض هو تناقض واضح فحسب. لقد كانت ثورة فبراير انتصارا متأخرا للمثالية البورجوازية التي اثارت المصالح المادية للواقعية البورجوازية لحد التناقض، والتعارض والرجعية. ان الانفجار السابق لا وانه للثورة البروليتارية (فى معركة يونيو 1848، فى باريس)، الذي اعقب الانفجار المتأخر للثورة البورجوازية، ساق البورجوازية الى جانب عدوها الموروث، لا نها توقعت فى انتصار البروليتاريا سقوط الراسمالية. انتخب نابليون رئيسا فى فرنسا، وفى المانيا تطلعت البورجوازية وهى فى شهر عسل ثورة ما رس الى مخلص يكبح جماح الشبح الاحمر. وهكذا فان ” الرجعية السوداء ” التي اعقبت ثورتنا فى 1849، كانت فى الواقع ببساطة الطابع الحقيقى لهذه الثورة، وقد نزع عنها رداءها الخادع من الجمل الرائعة المموهة. كانت البورجوازية مضطرة تحت حكم الراسمالية لا ن تصبح رجعية من الناحية السياسية بقدر ما كانت راسمالوية او خضعت للنفوذ الراسمالوى. كانت ” الرجعية السوداء ” التي انتشرت منذ نصف قرن مضى فى القارة الاوروبية، ضرورة تاريخية مثلها تماما مثل الرجعية الاسود لسياسة التعرج الملتوية الراهنة لقانون السجون الذي فرضته الراسمالية علينا فى نوبة يأس.

لم تمر البورجوازية الالمانية ابدا بمرحلة التطور الليبرالى 

حيث تطورت البورجوازية فى المانيا بشكل متأخر عنها فى انجلترا وفرنسا، والتي لم يسبقها، كما حدث فى هذين البلدين، فترة من الازدهار الاقتصادى للبورجوازية وكذلك بعلو مكانتها السياسية، تعين على كامل التطور السياسي ان يتخذ طابعا آخر. هناك نظفت التربة من العفن والتخلف، اما هنا فنعاين الأوضاع احدث الحديثة، حديثة مثل فرنسا وانجلترا، فى وسط العفن القروسطى والتخلف، يقترن النمو الصحى مع الطفيلى الذي يمتص الحياة من كل شيء يمسكه بزوائده الذي يحيا فقط على الموت والعفن وهو ما ينبغى استئصاله وقطعه حتى نحول دون ان يضحى بالصحى والنامى لصالح الميت. ان البورجوازية الالمانية، التي كانت تغفو غفوة العجز فى وقت طبعت فيه بورجوازيات البلدان الاخرى الدولة بطابعها، لا تملك حتى الآن القوة لتنزع وتستأصل النبات الطفيلى الرومانسي الذي يحمل الموت الذي يتمثل فى طبقة كبار الملاك وشبه بربرية القرون الوسطى.

ان عجز المواطنة الالمانية فى الماضى والحاضر هو ما يميز الحياة السياسية فى المانيا عنها فى البلدان المتقدمة الاخرى، وقد القى هذا العجز على عاتق البروليتاريا الالمانية مهمة ألاتقتصر فقط على حل مهامها البروليتارية الأصلية، وانما ان تنجزايضا المهام التي لم تقم بها بورجوازيتنا. تتحدد التاكتيكات بطبيعة الظروف. بقدر ما تكون البورجوازية راسمالوية، فعلينا ان نحاربها، وبقدر ما تعارض البورجوازية الراسمالية والرجعية التي تحميها وتساعدها، فعلينا اما ان ندعمها ايجابيا او على الاقل لا نتخذ منها موقفا عدائيا، ما لم تقف فى مرمى نيراننا، مثلما هو الحال فى انتخابات الرايشستاج حينما يتنافس اشتراكى ديموقراطى مع بورجوازى.

بغض النظر عن الفصل التمثيلى للسيد فون شفايتزر، فان الاشتراكية الديموقراطية قد اتبعت بثبات وبوعى التاكتيكات الموصوفة فى البيان الشيوعى، بتوجيه هجومها الرئيسى نحو الرجعية السياسية وبمد يد العون للبورجوازية، بقدر ما تكون ليبرالية او ديموقراطية، فى حربها ضد الرجعية السياسية، ولم تلق بنفسها الى جانب الرجعية السياسية فى نضالها ضد البورجوازية. ومن الضرورى التأكيد على هذا لا ن برنشتين فى جداله المكتوب ضد الحزب الاشتراكى الديموقراطى فى المانيا، الذي جرى مدحه والايصاء به على نحومريب، قد اتهمنا بشيء هو الخرافة القديمة المفضلة لا يوجين ريختر، اى، اننا عارضنا البورجوازية الالمانية بعمى لصالح الرجعية السياسية ونفرناها وارعبناها للغاية حتى انها فى ثورة مخاوفها احتمت واستظلت باجنحة دولة الملكية العقارية الرجعية، الشرطوية، والعسكرية. لا يمكن ان نجد انكارا فظا للحقيقة اكثر مما فى هذا القول.

اخفاق الحزب التقدمى 

لم يكن هناك فى زمن الصراع الدستورى الكبير فى الستينات حزب اشتراكى جدير بالكلام عنه. لم يتعد اتحاد العمال الالمان العام فى المانيا كلها فى عام 1864،فى الوقت الذي قتل فيه لا سال فى مبارزة مع النبيل الفالاشى راكوفيتز، 5،000 او 6،000 عضوا على الورق، وفى الواقع كان اقل. لم يكن من الممكن لهذه العصبة القليلة ان تخيف الحزب التقدمى حتى تفقده صوابه، رغم اننا نقيس شجاعة الاخير بالمقياس الميكروسكوبى لشجاعة الارنب التي تلائم البورجوازية الالمانية. مع ذلك فقد استسلمت لبيسمارك، وبعد نجاح الحرب الاهلية فى 1866 منحته مكافأة وخنعت لنير كودين الذي نصبه. وادعاء ان الاشتراكية الديموقراطية تلام على ذلك امر يدعو ببساطة للسخرية. حقيقة لقد هاجم لا سال البورجوازية بحدة شديدة، لكنه حين فعل ذلك لم يلق سوى تعاطف ضئيل فى اوساط العمال الالمان. وبالرغم من ان لا سال فى معارضته للحزب التقدمى ربما اقترب عرضا الى حد ما  من السياسة الرجعية البسماركية، غير انه لا يجب ان ننسي انه وقف فى بداية الصراع الدستورى فى صف الحزب التقدمى وانفصل عنه فقط حينما رفض بعناد ان يواصل النضال بجدية رغم طلبه المتكرر ان يفعل ذلك.

لم يكن لدى البورجوازية الالمانية – وهذا هو مفتاح سلوكها غير المسؤول – فى عام 1862 اكثر مماكان لديها فى 1848 وماقبله، اى مقومات الثورة السياسية. لقد خشت – كما قلت لا حد قادة الحزب التقدمى مواجهة فى بداية عام 1863 — لقد خشت الثورة اكثر مما خشت الرجعية. وبسمارك باحتقاره الساخر للبشر وبمساوماته البارعة سرعان ما حقق هذا الواقع. لم يقم بسمارك وزنا للحزب التقدمى بوصفه ” ذو نفوذ ” وكلما كان وقحا اكثر فى تعامله معه كلما كان اسهل عليه تطويعه. ان تعتبر الاشتراكية الديموقراطية مسؤولة عن خيانة الحرية التي قام بها الحزب التقدمى البروسي ليس اهانة فقط للحقيقة التاريخية، وانما ايضا يشير لعدم فهم كامل للدور الذي لعبته البورجوازية الالمانية منذ العصور الوسطى.

اننى اضع ببساطة واقعتين جانب بعضهما البعض: حين وقف الحزب التقدمى بكامل قوته والتف حوله الشعب فى فترة الصراع الدستورى، استطاع بسمارك الذي كان فى مستهل مساره المهنى ان يسقطه بأسهل الطرق. وفى فترة القانون الاستثنائي ضد الاشتراكيين، حينما كان بسمارك فى ذروة قوته ومعه كل موارد الرأسمالية وكان يمارس دكتاتورية بورجوازية، اسقطته الاشتراكية الديموقراطية بأسهل الطرق، رغم ان كل الاحزاب السياسية كانت ضده. يظهر هذا وحده من يستطيع ان يحارب الرجعية ومن لا  يستطيع.

لايعفينا بؤس البورجوازية، على اية حال، من واجب مساعدتها، حيثما تعارض الرجعية بشكل جاد، شرط الا تتأثر مصالحنا بذلك. وقد قمنا بهذا بدون استثناء منذ ان دخلت الاشتراكية الديموقراطية المجال كحزب مستقل. بالنسبة لنفسي، احتاج ان اذكر فقط حقيقة اننى طردت من بروسيا لا ننى احبطت محاولة بسمارك لسحق الحزب التقدمى بمساعدة الاشتراكيين بوضعه بين حجرى الرحى. استطيع ان اقول بضمير خالص اننى فى كل نضالاتى ضد الرجعية البسماركية قد قاتلت من اجل الحرية السياسية. وفى كراسي الذي يقتطف منه غالبا حول الموقف السياسي للاشتراكية الديموقراطية اكدت على الطابع الديموقراطى لحركتنا ليس بقدر اقل مما فعله برنشتين مؤخرا، الذي يوصى لنا وكأنه ما ركة حكمة جديدة ما  نمارسه لما ينوف عن ثلاثين عاما.

كراسى حول التاكتيك 

لابد ان اقول كلمة هنا حول كراسي المذكور اعلاه حول التاكتيك.لقد القيت الخطاب الذي صدر عنه فى عام 1869 فى زمن الاتحاد الكونفدرالى الالمانى، وكان هذا ترتيبا مؤقتا ولم يكن من الممكن له ان يستمر وكان لا بد ان ينتهى بكسر سياسة بسمارك البروسية العظمى او بانتصارها باتحاد مع الولايات الالمانية الجنوبية عدا النمسا. كانت التاكتيكات التي فرضت علينا بمنطق الوقائع فى هذه الحالة المؤقتة او الفاصل هى تاكتياكات المعارضة بأى ثمن. ادخل بسمارك حق اقتراع عام من النموذج البونابرتى، الذي لم يكن ليؤسس لسيادة الشعب، ولكن ليحجب دكتاتوريته الاستبدادية. وكما وجه نابليون بضبطه حق الاقتراع العام الوجهة التي يرضاها، ظن بسمارك من ثم ان بمستطاعه ان يفعل نفس الشيء من خلال مستشاريه المحليين. لقد بدا له كأداة اسهل فى التعامل من النظام الانتخابى على ثلاث درجات، الذي سيطرت عليه البورجوازية، وفى درجتيه الاوليتين التي خلقت منهما حصنا منيعا.

ان تاريخ النظام الانتخابى البروسي على ثلاث درجات يثير الاهتمام لا نه يظهر بشكل غاية فى الوضوح كيف يمكن لا شد المخططات السياسية التي يضعها الرجعيين براعة ان يطاح بها بواسطة التطور الاقتصادى وتتحول بشكل مؤقت بحيث يكون لها اثر عكسي للذى قصد منها. صممت بدهاء بارع لتستبعد كل العناصر المعارضة او الديموقراطية، وقد لبت هذا الطلب تماما، لعقد من الزمان، حتى بلغنا يوم جميل بدأت فيه البورجوازية بعد ان باتت قوية اقتصاديا وبعد ان استثارتها عربدة ملاك الارض ودهاء الشرطة، بدأت تشعر بقوتها السياسية، لقد وقعت على فكرة انه يكفى ان تريد شيئا حتى تحصل على اغلبية فى الدرجتين الانتخابيتين الاوليتين، ومن ثم تحرز انتصارا فى انتخاب المندوبين. لقد جعلت الفكرة واقعا، ولعن الامير بسمارك الآلية التي رفضت ان تطيق العمل بالشكل الذي توقعوه منها، اصبح النظام الانتخابى على ثلاث درجات عندئذ ” اشد نظام من بين النظم الانتخابية بؤسا “، لكن من ناحية اخرى، فان حق الاقتراع العام المتساوى المباشر، هذا الرب كن معنا لعام 1848 ” العام المسعور “، والذي اظهر فى فرنسا النابليونية هذه النتائج الرائعة اشرق الآن بوصفه انعتاقا مبهرا من الدولة والمجتمع من خلال القيصرية.

وهكذا حصلنا على حق الانتخاب العام، ولسبب آخر ايضا. ان الثورة الاقطاعية الامبراطورية من اعلى التي شذبت سياسة بسمارك ” القومية “، كان يمكن لها ان تظل معلقة فى الهواء اذا لم يكن قد اضفى عليها على الاقل مظهر الثورة من اسفل. لقد كان فى حاجة للشعب ولو بوصفهم دمى فقط ولم يكن هناك طعم (صيد) افضل من الانتخاب العام لسنة 1848. لقد وحد الثورة البسماركية من اعلى مع ثورة 48 من اسفل ووضع الجماهير الغافلة فى وهم ان بروسيا قد توسعت على حساب المانيا وتحولت الى دولة كبار ملاك، بوليسة، عسكرية.، وان ذلك كان تحقيقا للديموقراطية الالمانية. نحن نعرف اليوم كيف تجذر هذا الوهم عميقا، وقد تطلب الامر عقودا من الحكم السئ الفظ حتى يمكن اقتلاعه مرة اخرى.

لكن هناك شيء واحد اخطأ بسمارك فى حسابه، وهو قوة الفكرة الثورية. ما كان ممكنا فى فرنسا بعد معركة يونيو، التي دفعت البورجوازية كلها نحو اشرس النزعات رجعية، لم يكن ممكنا فى المانيا حيث كانت قوة الدولة غير ممركزة بشكل وثيق، وقد نمت حركة طبقة عاملة عفية غذاها تطور البورجوازية التي صممت على استغلال الازمة القومية والامبراطورية والصراعات فى صالح البروليتاريا لجعل الاشتراكية هى القوة الحاسمة فى المانيا ومساعدتها على احراز النصر والسيادة. لقد حظت البروليتاريا الالمانية بميزة انها قادرة على استخلاص الدروس العملية من الحركة العمالية فى الاقطار الاخرى التي كانت (ومازالت) تسبق المانيا فى التطور السياسي والاقتصادى. وكان ايضا من حظها الطيب الإستثنائي ان يقودها فى مجال العمل السياسي معلموها العظام، ما ركس، وانجلز ولاسال، بدءا من استهلال مسيرتها. وقد تفادت اخطاء النزعة الاتحادية البسيطة والخالصة من ناحية، ومن الافتقار للغرض والخطة والتآمر البورجوازى الفوضوى والصراخ من اجل الثورة بكل ما فى الكلمة من معنى من ناحية اخرى. رغم ان الطبقة العاملة الالمانية فى 1867، حينما طبق الانتخاب العام، كانت ولمدى ضئيل فقط واعية طبقيا، مع ذلك فقد كانت الطبقة الوحيدة التي رات وكان الحزب الاشتراكى الحزب الوحيد، الذي رأى بوضوح معنى التصويت وقيمة الانتخاب. بل كان هناك قدرا قليلا من المغالاة فى تقديره، لكن هذا كان مفيدا لا نه اشعل الحماس.

اذا كان الامير بسمارك قد داعبه الامل بأن الانتخاب العام يمكن ان يستغل وفق الأسلوب النابليونى وأن الرايشستاج سوف يبقى ما اسميته فى 1887، ورقة التين التي تستر جزئيا الصورة العارية للحكم المطلق، فان الاساس السياسي لهذا الامل قد اطاح به توسع الاتحاد الكونفدرالى لشمال المانيا فى الامبراطورية الالمانية. ان اقصى نجاح للسياسة البسماركية حمل داخلها بذرة سقوطها وافلاسها. ما ذا كان يمكن للروح العسكرية البروسية والبوليسية سيئة السمعة ان تمنع لزمن غير محدد ضمن نطاق الاتحاد الكونفدرالى لشمال المانيا، اى: نشوء ونمو حركة شعبية مستقلة، لم يكن من الممكن منع هذا فى المجال الأكبر للامبراطورية الالمانية. ان قوة الشعب لا يمكن ان تقهر وغيرة ” الامراء الاتحاديين ” ازاء السيادة البروسية ساعد قدما، حتى ان اشجار قيصرية بسمارك الاقطاعية لم تستطع ان تصوب عاليا مثل اشجار قيصرية نابليون المضبوطة.لم يكن ممكنا بأى اغراء ان ينتزع من العمال وعيهم بعدم انفصال الاشتراكية عن الديموقراطية ولاالديموقراطية عن الاشتراكية.

” السؤال ” (هكذا بدأت خطابى فى 1869) ” عن اى موقف يتعين على الاشتراكية الديموقراطية ان تتخذه فى النضال السياسي، يجاب عليه ببساطة ويقين اذا ما  امتلكنا مفهوما واضحا عن عدم انفصال الديموقراطية عن الاشتراكية. الاشتراكية والديموقراطية ليسا نفس الشيء، لكنهما تعبيران مختلفان عن نفس الفكرة الجوهرية. وينتمى كل منهما للآخر ويحيط بالآخر، ولايمكن ان يتناقضا الواحد مع الآخر. الاشتراكية بدون ديموقراطية هى اشتراكية زائفة، وكذلك ديموقراطية بدون اشتراكية هى ديموقراطية زائفة. الدولة الديموقراطية هى الشكل الممكن الوحيد لمجتمع منظم اشتراكيا. خدمت هذه الحقيقة، اى عدم انفصال الديموقراطية عن الاشتراكية الطبقة العاملة الالمانية بوصفها دليلا موثوقا وسط الثشوش الكبير للأمور السياسية، حتى ان خطر ضحالة اشتراكية الدولة التي كانت الرجعية البروسية، تتجه اليها حتى فى الاربعينات لصالح نموذج دولة عسكرية بوليسية،قد جرى تفاديها والتي لم تكن بالطبع سوى اشتراكية عسكرية بوليسية اسميت بالتورية اشتراكية دولة. ان مغالطات فاجنر وفون شفايتزر القائلة بأن هناك شيء ما  بورجوازى فى الديموقراطية، وان الاشتراكية، لا نها موجهة ضد المجتمع البورجوازى، لا بد ان تكون نتيجة لذلك معادية للديموقراطية، قد شوشت، كثيرا من الناس فى زمن شفايتزروهذا حقيقى، لكنها لم تجد قبولا بين جمهرة العمال. هذا المنطق الزائف قد طفح فجأة مرة اخرى مؤخرا بصدد الجدل المعروف حول الميليشيا، لكن لم يعد له اى معنى.

ماهى المساومة؟ 

قبل ان نتوغل لا بد ان نمتلك فكرة واضحة عن معنى كلمة ” مساومة ” والا بات كل جدل حولها بلاغرض تماما وبلا نتيجة، لا ن كل منا سوف يكون فى ذهنه شيئا مختلفا مما يترتب عليه انه ما من احد سوف يستوعب براهين الآخر. اذا فهمنا المساومة على انها تنازل النظرية للمارسة، لكان معنى هذا ان كل حياتنا وكامل نشاطنا هى مساومة وكل التاريخ الانسانى وتاريخ النوع من حياة الفرد لحياة الامم والبشرية هى سلسلة لا نهاية لها لم تنقطع من المساومات. ان مفهوم التاريخ القائل بضرورة البدء بصفحة بيضاء Tabula rasa، اى بكنس وتنظيف يجرى مؤقتا ويجب ان يجرى من اجل بدء نظام وادارة جديدين، هو امر غير علمى لا قصى درجة ويقف فى اقصى درجات التناقض المباشر مع التجربة. ان نظرية الكنس والتنظيف هى شبح يوجد اليوم فقط فى رؤوس سياسيي الشرطة الذين يتهموننا باننا نريد ان ” نهدم ” كل شيء لا يناسب مخططاتنا. وعلى ذلك فان هؤلاء السادة يصدرون حكما على انفسهم، لا نهم يظنون انهم من يملكون تلك القوة السحرية القادرة على ” هدم ” اى شيء وكل شيء نسجه وينسجه طيف الزمن الابدى، اذا ما تصادف انه صنع دون الحصول اولا على تصريح من رئيس الشرطة. يعرض واضعى القانون المناهض للاشتراكيين وقانون السجون بنشاطهم الغبى فقط جهلهم الذي لا حد له. ان القوانين العضوية التي يقوم عليها النشاط السياسي لا يمكن تغييرها بشكل تحكمى او الغاءها، الا بقدر ضئيل يساوى ما يمكن ان نفعله بالقوانين التي ينمو فى ظلها الحيوان او النبات. ان من يتدخل فيها بالعنف يمكن له فقط ان يربك ويدمر، كان هذا دائما هو الاثر الذي احدثه سياسيي الشرطة. ما ذا يقول هؤلاء السكيرون الذين يسمون انفسهم ” رجال دولة ” ضدنا نحن الاشتراكيين الديموقراطيين، يقولون، اننا لا نستطيع ان نخلق شيئا، انما ان ندمر فقط وهذا ببساطة هو انعكاس لتصرفاتهم وافعالهم، ليس هناك ما يتهموننا به من الذنوب والخطايا التي لا حصر لها، واحدة منها لم تكن فيهم.

وقد اضيف مثلا جديدا للامثلة القديمة، سوف اشير ببساطة الى التهمة، التي ظلت نمطية لمدة عشرين عاما، وهى، ان الاشتراكية الديموقراطية تهدف لا قامة ديكتاتورية بروليتارية.الحقيقة هى انه منذ معركة يونيو فى باريس، اى منذ واحد وخمسون عاما قامت لدينا بالفعل فى قارة اوروبا ديكتاتورية البورجوازية. ديكتاتورية مورست بالسيف والنار ضد الطبقة العاملة، التي تمخضت عن مجازر الكومونة المريعة، ومئات من المجازر الاصغر للعمال، ديكتاتورية تمتد لحرمان الطبقة العاملة من حق التصويت وحرمان الطبقة العاملة ليس فقط من التمتع بالحقوق السياسية، بل حتى من الحقوق القانونية البسيطة، ديكتاتورية عبرت عن نفسها فى دزينات من القوانين الاستثنائية والقوانين القهرية والتي علينا نحن الالمان ان نشكرها من اجل القانون الاستثنائي ضد الاشتراكيين، قانون السجون ومراسيم بقوانين الطبقة مثل حكم لوبيتو وحكم الحنث باليمين فى مدينة اسن. واذا قدر ل ” الملك شتوم “، وهو الآن ملك فى عالم ” الاصلاح الاجتماعى “، ان يحقق غرضه بابادة كل منظمة للعمال، فما يمكن ان نقارنة مع هذه الديكتاتورية سوف يكون ديكتاتورية مثل ديكتاتورية ما ريوس او سولا او الجمعية الفرنسية لا عوام 1792 – 1794؟ ان السلطة السياسية التي تستهدفها الاشتراكية الديموقراطية والتي سوف تنتصر، بغض النظر عما يمكن ان يفعله اعداؤها، ليس غرضها تأسيس ديكتاتورية البروليتاريا وانما قمع ديكتاتورية البورجوازية، مثلها فى ذلك مثل الصراع الطبقى الذي تقوم به البروليتاريا الذي ليس سوى صراع مضاد دفاعا عن النفس لمقاومة الصراع الطبقى للبورجوازية ضد البروليتاريا، وانتهاء هذا الصراع بانتصار البروليتاريا سوف يكون الغاء للصراع الطبقى فى كل اشكاله.

نحن الاشتراكيون الديموقراطيون نعلم ان القوانين التي يعمل وفقا لها التطور الاجتماعى والسياسي لا يمكن ان تتغير او توقف من قبلنا فضلا عن ان تفعل ذلك سلطات المجتمع الراسمالى. نحن نعلم اننا لا يمكن ان ندخل وفق ارادتنا الانتاج الاشتراكى وشكل اشتراكى للمجتمع اكثر مما كان بمقدور القيصر منذ تسعة اعوام مضت ان ينفذ اعلانات فبراير ضد ممثلى الصراع الطبقى الراسمالوى. لذلك كان بمستطاعنا ان نراقب ببسمات غير مبالية محاولة خصومنا لسحق الحركة العمالية بالقوة. لقد كنا ومازلنا واثقين فى نجاحنا مثل وثوقنا فى حل مسألة حسابية. لكننا نعرف ايضا ان تحول العلاقات رغم انه يجرى بلاتوقف فانه يجرى تدريجيا لا نه حركة عضوية، وهو يجرى ايضا، دون تدمير العلاقات القائمة (ازالة الميت ليست تدميرا). ان تدمير الموجود، الحى، مستحيل بصفة عامة. لقد رأينا ذلك بوضوح فى الثورة الفرنسية، التي يحتمل انها كانت الافضل تخطيطا والتي نفذت بأقصى حمية مقارنة بكل الثورانات السياسية، لكن مع ذلك بعد ان مضت ” الفترة الذهبية ” من تلمس طرقها الايديولوجية واوهامها الخيالية والطوباوية، كانت مجبرة على ان تأخذ الاشياء كما كانت وان تكيف الجديد للقديم. قد يكون من الممكن عرضا فى الاندفاعة الاولى ان تزاحم الحى، لكن التاريخ يعلمنا ان اشد الحكومات ثورية او رجعية تضطر فى النهاية بمنطق الوقائع لا ن تخضع وان تعترف ربما فى شكل آخر، بذلك الذي ازيل على نحو ميكانيكى وغير طبيعى. بايجاز، اذا نظرنا تاريخيا فان الحاضر، كقاعدة، هو مساومة بين الماضى والمستقبل.

وعلى ذلك فان رفض مساومة من هذا النوع هو حماقة غير علمية. وتكون حماقة عملية لحزب سياسي ان اخفق فى ان ينتزع مزايا من فرص الحياة السياسية وان يوظف لصالحه منازعات الاحزاب المتعارضة. تتطلب الحكمة ذلك، وليست المبادئ موضع مساءلة. سوف يكون من الحماقة افتراض التزامات بحيث لا  يقام بما تتطلبه الحكمة. حتى اننا، نحن الاشتراكيون الديموقراطيون فى الرايشستاج نصوت احيانا فى مسألة اقتصادية اجتماعية مع المحافظين لصالح الحكومة، وفى المسائل السياسية والتجارية نصوت مع الراديكاليين ضد الحكومة، وهذا متطلب عام فى الحرب السياسية. رغم ان ذلك بلاشك مساومة بين النظرية والممارسة، فليس له صلة على الاطلاق بالمساومات التي اعلن الحزب مرارا انه يقف ضدها بوضوح وبشكل لا مواربة فيه. ما كان فى عقل الحزب وماجعله بقرارته الرسمية واجبا على اعضاءه تمثل فى تجنب التحالفات، والاتفاقات، والترتيبات، والمعاقدات، او اياماكان يمكن ان تسمى، التي قد تتضمن تفريطا فى المبادئ او بصفة عامة تغييرا فى علاقة حزبنا بالأحزاب البورجوازية بطريقة ضارة بنا. يجب ان نؤكد على هذه المسألة الاخيرة بصفة خاصة لا ن المسألة تتوقف مبدئيا على ذلك. فى الجدال حول المشاركة فى الانتخابات التشريعية البروسية كانت المسألة المطروحة على وجه الحصر هى تلك المسألة الاخيرة، لا نه لا  احد من هؤلاء الذين دافعوا عن المشاركة راودته ادنى فكرة عن التضحية بمبادئ الحزب فى تحالف مع الحزب التقدمى، على انه لا ينبغى تجاهل ان مسائل التاكتيكات تتحول بسهولة شديدة الى قضايا مبدأ.

اذا تطلبت ظروف وضرورات الموقف التعاون مع الاحزاب الاخرى، يمكن تحقيق ذلك دائما بلا مساومات. آخذ على سبيل المثال بلجيكا. كان للحزب الليبرالى هناك مصلحة مشتركة مع الحزب الاشتراكى فى محاربة الكهنوتيين. اتحد الحزبان وعملا معا حتى مدى معين. كان يمكن عمل هذا حتى بدون اى اندماج. لكن ذلك جرى عبر الاندماج، فماذا كانت النتائج؟ مشاجرات ومنازعات. لقد تبين ان الاندماج زائف واصطناعي تماما. حينما تم تجاوز هذا المدى، طرحت مسألة لا ى مجموعة مصالح وجد ولمن مجموعة المصالح، كان يمكن بدون اى اندماج، حفز العمل المشترك، لكن آنذاك توقف العمل المشترك. اذا لم يكن الوعى الطبقى قويا بما يكفى وسط العمال، فانه قوى وسط سادة البورجوازية، الذين تنغرس فيهم الغريزة الطبقية بشكل اكثر فعالية مما هى فى العمال.وهذا حقيقى حتى فى الأقطار التي لديها قوانين ومؤسسات ديموقراطية. اننى اشير لا نفصال البورجوازيين الديموقراطيين والاشتراكيين فى سويسرا، وهى الدرادو برنشتين، حيث وفقا لمذهب برنشتين ينبغى ان تختفى التطاحنات الطبقية تماما على نحو دقيق، لكننا نعلم انها توجد قوية هناك تماما مثلما توجد فى اقل البلدان ديموقراطية. لكن لا يمكننا ان ننكر ان حدة الصراعات الطبقية تقللها المؤسسات الديموقراطية.

فى بلجيكا بمؤسساتها الحرة من ناحية وحكومتها التي يسيطر عليها الكهنة من ناحية اخرى، وجدت التحالفات الانتخابية بين الاشتراكية الديموقراطية والاحزاب البورجوازية حتى الآن تربة خصبة. وكيفما كان الامر، ففى كل التحالفات التي تشكلت هناك كان حزبنا فى موضع القيادة. ولم يكن من الممكن استغلاله او خداعه. ومع ذلك فقد تردد الرفاق البلجيكيون بصدد المساومات. كتب الرفيق فاندرفيلده فى جريدة فينر اربيترتسيتونج يرحب بادخال النظام النسبي فى بلجيكا بوصفه نهاية التحالفات الانتخابية. وهو يكتب ” لن تدخل بعد ذلك فى المستقبل العوامل الثانوية فى الصراع الطبقى، سوف تختفى الموضوعات الجانبية المشوشة التي تجعل من العسير على الجماهير ان تدرك حقيقة الصراع الطبقى “. لقد اكتشف الصديق فاندرفلده من ثم ان المساومات، حتى عندما تحدث فى ظل اوضاع وظروف مواتية لا قصى حد بالنسبة للعمال، لها اثر ضار لا نها ” تجعل من العسير على الجماهير ان تدرك حقيقة الصراع الطبقى “، بمعنى آخر، ان التحالفات بابعادها العمال عن ارض الصراع الطبقى تنتزع منهم امكان تطوير قوتهم القصوى التي يعتمد عليها. فهم قادرون على عمل ذلك استنادا لخطة الحزب فى الصراع الطبقى.

ان ضرر المساومات لا يتمثل فى خطر الخيانة الرسمية او تجنيب مبادئ الحزب. من المحتمل ان هذا لم يقصده احد فى حزبنا. حتى عندما صوت رفاقنا فى مدينة اسن فى الانتخابات قبل الاخيرة ل ” مدفع الملك ” من باب النكاية، لم يرد فى خاطرهم ان يفرطوا حتى فى ذرة واحدة من برنامجنا. ان خطر وجذر الشر لا يكمن هنا. انه يكمن فى التخلى عن، او ابعاد او نسيان قاعدة الصراع الطبقى، لا ن هذا هو منبع كل الحركة العمالية الحديثة. من الضرورى هنا ان نميز بشكل قاطع، والا تضللنا الشعارات، بايجاز، لا بد ان نتحرر من الجمل، كما قلت منذ عقد مضى، حين اشرت للانشاءات اللفظية الفوضوية، التي تبدو وكأنها ثورية، لكنها فى الواقع نزعة رجعية ضئيلة مضجرة، قدوم متأخر لكاريكاتير المثال البورجوازي عن الحرية والمسخرة المسرحية للمنافسة الحرة التجارية.

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

الهوامش

1 – حول الموقف السياسي للاشتراكية الديموقراطية، بالإشارة خاصة الى الرايشستاج،برلين 1893، دار نشر فورفارتس.

2 – الصراع الطبقى فى فرنسا، 1848 -50، مع مقدمة انجلز، برلين 1895، دار نشر فورفارتس.

تسعدني تعليقاتكم

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s