كتاب (لامساومة.. لا متاجرة سياسية) ويلهلم ليبكنخت 4 – القسم الثاني

Posted: 20 يونيو 2015 in كلاسيكيات الماركسية, مختارات سياسية, عمال وجماهير
الوسوم:, , , ,
ويلهلم ليبكنخت
1899
ترجمة: سعيد العليمي

الاشتراكية والاخلاق 

الاشفاق على الفقراء، والحماس للمساواة والحرية، الاعتراف بوجود ظلم اجتماعى والتطلع لا زالته، ليس اشتراكية. ادانة الثروة وتبجيل الفقر، مثلما نجد فى المسيحية وديانات اخرى، ليس اشتراكية. ان شيوعية الازمنة الأولية، كما كانت قبل وجود الملكية الخاصة، وكما كانت فى كل الازمنة ووسط كل الشعوب الحلم المراوغ لبعض المتحمسين، ليس اشتراكية. المساواة الاجبارية التي يروجها انصار بابوف الذين يسمون المتساوين ليست اشتراكية.

هناك افتقار فى كل هذه التظاهرات للاساس الحقيقى للمجتمع الراسمالى بتطاحناته الطبقية. الاشتراكية الحديثة هى طفل المجتمع الراسمالى وتطاحناته الطبقية وبدونها لا يمكن ان يوجد. الاشتراكية والاخلاق شيئان منفصلان. لا بد ان تقر هذه الحقيقة فى أذهاننا. 

ان كل من يتصور الاشتراكية بمعنى النزوع العاطفى لحب البشر والتطلع للمساواة الانسانية، بدون امتلاك فكرة عن وجود المجتمع الراسمالى، ليس اشتراكيا بمعنى الصراع الطبقى، الذي لا يمكن بدونه التفكير فى الاشتراكية الحديثة. مما لا ريب فيه فان برنشتين مع الصراع الطبقى اسميا – مثله مثل فلاح منطقة هيس الذي يناصر ” الجمهورية والدوق الاعظم ” معا. ان كل من توصل لوعى تام بطبيعة المجتمع الراسمالى واساس الاشتراكية الحديثة، يعرف ايضا ان الحركة الاشتراكية التي تهجر اساس الصراع الطبقى يمكن ان تكون اى شيء آخر، الا ان تكون اشتراكية.

اساس الصراع الطبقى هذا الذي قدمه ما ركس – وهذا هو فضله الخالد – للحركة العمالية الحديثة، هو موضع الهجوم الرئيسي فى المعركة التي يشنها الاقتصاد السياسي البورجوازى ضد الاشتراكية. الاقتصاديون السياسيون ينكرون الصراع الطبقى ويصنعون من الحركة العمالية قسما فقط من الحركات الحزبية البورجوازية، والاشتراكية الديموقراطية قسما فقط من الديموقراطية البورجوازية. ان السياسة والاقتصاد السياسي البورجوازى يوجهان كل جهودهما ضد الطابع الطبقى للحركة العمالية الحديثة. اذا كان من الممكن فتح ثغرة فى هذا الحصن، فى قلعة الاشتراكية هذه، فهذا يعنى ان الاشتراكية الديموقراطية قد هزمت، وان البروليتاريا قد القى بها ظهريا تحت سلطان المجتمع الراسمالى. مهما كانت تلك الثغرة صغيرة فى البداية، فللخصم قدرة على توسيعها مع يقين بالنصر النهائي. ويكون العدو فى غاية الخطر حين يأتي كصديق لحصننا، حين يتسلل تحت ستار الصداقة، ويعترف به كصديق ورفيق.

ان العدو الذي يأتينا وقد رفع خوذته نلقاه بابتسامة، ومهاجمته سوف تكون لعبا بالنسبة لنا فحسب. ان اعمال العنف الوحشية الغبية لسياسيي الشرطة وانتهاكات القانون المناهض للاشتراكيين، والقوانين المناهضة للثورة، قوانين السجن – هذه تثير فقط احتقارا شفوقا، العدو، على اى حال، الذي يمد يده الينا من اجل تحالف سياسي، ويتطفل علينا كصديق وأخ – هو وهو فقط من ينبغى ان نخافه. يمكن لقلعتنا ان تصمد لا ى هجوم – وهى لا يمكن ان تقصف كما لا يمكن ان يستولى عليها منا عنوة بالحصار – يمكن لها ان تسقط فقط حينما نفتح نحن انفسنا ابوابها للعدو وندخله فى صفوفنا كرفيق. ان حزبنا الذي نمى فى معمعان الصراع الطبقى، ما زال يرتكزعلى الصراع الطبقى كشرط لوجوده. من خلال وبهذ الصراع لا يمكن هزيمة الحزب، وبدونه يضيع الحزب، لا نه سيكون قد فقد مصدر قوته. ان من يخفق فى ان يفهم هذا او من يظن ان الصراع الطبقى موضوع ميت، او ان التطاحنات الطبقية تنمحى تدريجيا، يقف على ارض الفلسفة البورجوازية.

ان المناقشة الراهنة حول التاكتيكات فى صلتها بالاشتراك فى انتخابات الهيئة التشريعية البروسية، قد جرت مقارنتها بالمناقشة التي جرت بين اعضاء الرايشستاج الاشتراكيين الديموقراطيين فى منتصف الثمانينات فيما يتعلق بالاعانة المالية للبواخر. اذا عاين احدهم الامر بشكل سطحى فقط، ستبدو المقارنة قريبة بشكل صارخ، لكنها تكف عن ان تكون كذلك بمجرد ان نصل الى لب الأمر. لقد كنا معنيين فى هذا الوقت بتطبيق المبادئ العامة المعترف بها على حالة عينية. ان فريقنا فى الرايشستاج كان معنيا بتقدم البحرية الالمانية والمصالح التجارية كان معترفا بها عامة كما كان معارضا للسياسة الاستعمارية وكل الميول الرجعية الامبريالية الاخرى. كان السؤال الوحيد هو عمااذا كانت الاعانة المالية بصفة مبدئية فى صالح الاغراض التجارية الالمانية، التي كانت قومية الطابع، اوما اذا كانت جزءا من السياسات الاستعمارية التي تخدم فقط المصالح الخاصة لا فراد رجعيين على حساب العموم. لم يقترح احد فى هذا الوقت تغيير التاكتيكات القديمة او تبديل مسار الحزب. ان المناقشة الراهنة على اية حال، معنية بمسألة تبلغ حد التغيير التام للتاكتيكات والاهداف، تغيير فى التاكتيكات قد يعنى تغييرا فى طابع الحزب. ترتد المسألة الى الاحتفاظ بمبدأ الصراع الطبقى او هجره وهو ما يميزنا عن كل الاحزاب البورجوازية، بايجاز، فانه يتضمن الخطوة الحاسمة التي يترتب عليها ما اذا كنا سنبقى حزبا اشتراكيا، ام اننا سنعبر الحد الفاصل للصراع الطبقى ونصبح الجناح اليسارى للديموقراطية البورجوازية.

اختلافات الرأى النظرية، ليست ما دية: التاكتيكات ما دية 

لايمثل اختلاف الآراء حول الامور النظرية ابدا خطرا على الحزب. وبالنسبة لنا ما من حدود لدينا للنقد، وايا ما كان قدر احترامنا كبيرا لمؤسسي ورواد حزبنا، فاننا لا نعترف بعصمة احد ومامن سلطة نعترف بها سوى العلم، الذي تتسع دائرته ويبرهن دائما على ان ما اعتنقه فيما مضى كحقائق بات الآن خطأ، ويدمر الاسس القديمة المتحللة ويخلق اخرى جديدة، ولايقف ساكنا للحظة، وانما يتحرك فى تقدم دائم بقسوة على رمس كل اعتقاد دوجماتى. قلت فى مؤتمر الوحدة الذي عقد فى مدينة جوتا منذ اربع وعشرين عاما مضت ” نحن لا نعترف ببابا معصوم، ولاحتى ادبيا.” وعندما اوضحت فى عام 1891 فى ايرفورت ودافعت عن البرنامج السياسي الجديد، الذي تم تبنيه بالاجماع، اعلنت لا ن برنامجنا بالضبط كان برنامجا علميا فلابد ان يتغير دائما فى الامور الصغرى حتى يتوافق مع التقدم المستمر للعلم. واننى اؤكد انه ما من احد — ما ركس بالرغم من ذكاءه العميق والشامل لا يستطيع مثله مثل اى احد – ان يبلغ بالعلم حد التمام، ويمثل هذا الوضع بالنسبة لكل من يفهم طبيعة العلم استنتاجا مفروغا منه. على ذلك، ما من اشتراكى له الحق فى ان يدين نقد الافكار النظرية للتعاليم الماركسية او ان يطرد احدا من الحزب بسبب مثل هذا النقد. ولكن يختلف الامر كليا حينما تتضمن مثل هذه الهجمات قلبا كاملا لكامل مفهومنا عن المجتمع، كما هو الحال، على سبيل المثال، مع برنشتين. حيث يكون الدفاع النشيط الحى مطلوبا هنا.

التنصل العملى من افكارنا هو الاشد خطرا من الهجمات النظرية. تستهوى المناقشات النظرية بالمقارنة قلة قليلة فقط من عضويتنا، بينما يمس التنصل العملى من المبادئ والانتهاكات التاكتيكية لبرنامج الحزب كل رفيق حزبى ويثير انتباه كل رفيق، وحين لا تضبط وتصوب بسرعة فانها تثير التشوش داخل الحزب. لا اعتقد ان احدا سيجادلنى ممن هم ملمون بالظروف، وبالحزب، حينما اقول ان الجمهور داخل الحزب يهتم اهتماما ضئيلا بكتابات برنشتين. وهى تلقى تعاطفا فقط فى اوساط هؤلاء الذين تبنوا سابقا وجهات نظر مشابهة، وهم يثيرون احاسيسا فى خصومنا وحدهم ممن يأملون ان يروا تحقق امانيهم القديمة فى حدوث انشقاق فى الحزب، او ان يروا الاشتراكية الديموقراطية بمجملها تنتقل مع قرع الطبول لمعسكر البورجوازية. سوف اراهن على ان عدد من قرأوا كتاب برنشتين من رفاقنا لم يتجاوز عشرة آلاف، واننى ابعد من ان اعتبر هذا لوما للحزب لا نهم لم يظهروا ميلا لشغل انفسهم مرة اخرى بالشتلات التي قام مؤسسوا الاشتراكية، اكثر من جيل مضى، نعم، وفى بعض الحالات اكثر من جيلين مضيا بشق طريق الاشتراكية بازالتها. وقد نتهم رفاقنا كذلك بانهم غير علميين لا نهم لم يعودوا يقرأوا الكتابات العتيقة للسيدين شولتزه—ديليتش التي ترقد فى مكان ما  فى قرى الريف مغطاة بالتراب متسخة.

انظروا لقائمة هؤلاء الذين علقوا على كتاب برنشتين. لا يوجد عامل واحد من بينهم. فقط هؤلاء الرفاق الذين يتقوم واجبهم المهنى فى ان يقرأوا ويناقشوا كتابات كهذه. وعلى النقيض باى اهتمام تابع كل الحزب، مسألة المشاركة فى الانتخابات التشريعية البروسية، او التحالف الانتخابى فى بافاريا – كم كانت المناقشة حية! اظهر هذا الاهتمام الحى نضج الحزب. لقد تجاوزنا مرحلة الجدالات النظرية حول البرامج السياسية. ونترك تأسيس، وتطوير وتوضيح برنامجنا للعلم، وهو فى مجتمعنا الراهن عمل قلة. ولكن التطبيق العملى لبرنامجنا، وتاكتيكات الحزب هى شغل الجميع، هنا يعمل الجميع معا.

ان الاهمية العظمى للتاكتيكات وضرورة الحفاظ على طابع صراعها الطبقى، هى أمر كان الحزب واعيا به جيدا منذ البداية. اذا قرأنا محاضر المؤتمرات الأولى التي عقدت فى السبعينات سوف نجد ان كل قضايا التاكتيك حوت الفكرة التي كانت تتصدر باستمرار وهى ان الحزب لا بد ان ينأى عن الاختلاط بكل الاحزاب الاخرى، فكل واحد منها، بغض النظر عن اختلاف الواحد عن الآخر او بأى شراسة حارب احدهما الآخر، يقف على ارض المجتمع البورجوازى بوصفها قاعدتهم المشتركة. هذا الانفصال بين الاشتراكية الديموقراطية والاحزاب الاخرى، هذا الاختلاف الجوهرى، الذي يتخذة الخصوم السخفاء سببا او ذريعة لا علان اننا خارجون سياسيا عن القانون هو مصدر فخرنا وقوتنا.

فى مؤتمر هامبورج، وتحت تأثير سلسلة من الظروف المشوشة، ظهر ان جمهور المندوبين بدا مصمما على ان يتنكر للتكتيكات والتقاليد القديمة، وقد استعاد الحزب نفسه فى اللحظة الاخيرة قبل ان يقفز فى الظلام واعلن انه يعارض باغلبية ساحقة كل مساومة. وقد ظل هذا القرار نافذا حتى اليوم.اذا كانت انتخابات مقاطعتين او ثلاثة قد اقتنعت بدخول تحالف مع حزب بورجوازى، فان هذا قد تم على مسؤوليتهم الخاصة وبانتهاك صريح لقرار هامبورج، ودعونى اكرر، انه لم يسحب بقرار شتوتجارت. من ناحية اخرى، فان رفاق برلين الذين جرت شكايتهم من اصدقاء المساومة بوصفهم منتهكين لقرار هامبورج، قد اتبعوا بضمير حى روحه وحرفه، وبموقفهم الصارم حافظوا على سلطة المجلس الاعلى للحزب وادوا خدمة للحزب.ان المدافعين عن تاكتيك المساومات يغالون فى قيمة النشاط البرلمانى والتمثيل البرلمانى، لكن هذه ليست غاية، ولكنها وسيلة لغاية. لا تقاس قوتنا بعدد ممثلينا، وانما بعدد الاصوات التي تقف وراءنا.

ان شعور المغالاة فى تقدير امتلاك الممثلين هو شعور بورجوازى. هناك سلطة فى التمثيل كما فى النقود – سلطة على الآخرين. ان من يضع نقاوة وعظمة حزبنا فوق اى شيء آخر، سيرى ان للممثلين قيمة فقط فى الحدود التي يخدموا فيها باعطاء تعبير لسلطة ومدى الاشتراكية الديموقراطية. ما ذا يعنى عشرة، ما ذا يعنى ما ئة من الممثلين، حين يفقد شعارنا لسانه من خلال كسبهم؟ ان قيمة الممثل ضئيلة. ولكن قيمة استقامة وتمام حزبنا لا تقاس. ففيها تكمن قوتنا. مثلما اختفت قوة شمشون بالشعر المقصوص الذي دلل على شرف رجولته. فهكذا سوف تتوقف قوة حزبنا اذا سمحنا لدليلة البورجوازية ان تنزع باطراءنا اثمن جوهرة وجذور قوتنا المنتصرة – نقاوة الحزب، وشرف الحزب.

نحن اناس من طراز فريد 

قد لا نفعل مثلما تفعل الاحزاب الاخرى، لا ننا لسنا مثل الآخرين. نحن – ولايمكن ان نكرر ذلك مرارا – منفصلون عن كل الاحزاب الاخرى بحاجز لا يمكن اجتيازه، حاجز يمكن لا ى فرد ان يجتازه بسهولة، ولكن اذا ما اصبح فى الجانب الآخر منه، اذا به لم يعد اشتراكيا ديموقراطيا. نحن نختلف عن الآخرين. “نحن غير الآخرين “. ما يبدو للآخرين ضرورات وشروط الحياة هو موت بالنسبة لنا. ما الذي جعل منا فى المانيا الحزب الرئيسي، وحسب شهادة كابريفى ذات المغزى ودروس الخبرة اليومية ان نكون المحور الذي تدور حوله السياسات الحكومية؟ بكل تأكيد ليس ممثلينا فى الرايشستاج. قد يتوفر لدينا ثلاث اضعاف ممثلينا، ولن يكون لدى الاحزاب البورجوازية المتحالفة ما تخشاه منا. لا ، ان الزيادة الهائلة لمناصرينا التي تتنامى تدريجيا، بيقين القانون الطبيعى، او على نحو ادق القوة الطبيعية، من عشرات الآلاف الى مئات الآلاف، ومن مئات الآلاف الى الملايين، وتتزايد كل يوم، تتحدى خصومنا وتدفعهم للغضب العاجز. وهذه الزيادة الهائلة قد جرت، وتجرى، نتيجة معارضتنا وصراعنا مع الاحزاب الاخرى.

ان كل المرهقين المثقلين المغلولين، وكل من يعانى الظلم، كل من يعانى من فظاعات المجتمع البورجوازى القائم، كل من يحمل فى داخله شعورا بالقيمة الانسانية، يتطلع الينا، وينظر الينا آملا، بوصفنا الحزب الوحيد الذي يمكن ان يحقق الانقاذ والخلاص. واذا نحن، خصوم عالم العنف الظالم هذا، مددنا ايدي الاخوة له فجأة،وعقدنا تحالفا مع ممثليه، ودعونا رفاقنا لا ن يسيروا يدا بيد مع عدونا الذي دفعت سوء اعماله الجماهير الى معسكرنا، اى تشوش يحدثه هذا فى عقولهم! كيف يمكن للجماهير ان تؤمن بنا بعد ذلك؟ اذا كان اعضاء الحزب الاكليريكى، والحزب التقدمى، وحشود الاحزاب الاخرى هم رفاقنا، لماذا اذن الصراع ضد المجتمع الرأسمالى، وهؤلاء هم ممثليه وابطاله؟ اى سبب لدينا للوجود اذن؟ لا بد انها كانت بالنسبة للمئات والالآف والملايين التي بحثت عن خلاصها تحت رايتنا، غلطة من جانبهم ان اتوا الينا.اذا لم نكن مختلفين عن الآخرين، فمعنى هذا اننا لسنا المناسبين – ومازال على المخلص ان يأتى، اما الاشتراكية الديموقراطية فقد كانت مسيحا زائفا، وليست افضل من المزيفين الآخرين!

فى هذه الحقيقة تكمن قوتنا بالضبط، اى اننا لا نشبه الآخرين، وليس فقط اننا لا نشبه الآخرين، ولا اننا لسنا ببساطة مختلفون عن الآخرين، وانما اننا نحن عدوهم المميت، الذي اقسم ان يقصف ويزيل قلعة الرأسمالية، التي يدافع عنها كل هؤلاء الآخرين. ومن ثم فاننا نكون اقوياء حينما نكون وحدنا.

ليس معنى هذا ان ننفرد او ان نعزل انفسنا. لم نفتقد الصحبة ابدا ولن نفتقدها طالما استمر القتال. يمكن القول بأن ما  هو صحيح جوهريا وما هو زائف ادبيا فى الشعار القائل ب ” الكتلة الرجعية الواحدة ” بأن الاشتراكية الديموقراطية لم تؤمن بها ابدا منذ ان انتقلت من مجال النظرية الى مجال الممارسة. نحن نعلم ان الاعضاء الفرادى واقسام هذه ” الكتلة الرجعية الواحدة ” يتنازعون مع بعضهم البعض، وقد استخدمنا دائما نزاعات كهذه من اجل اغراضنا. لقد استخدمنا خصوما ضد خصوم، غير اننا لم نسمح لهم ابدا بان يستخدموننا. وقد حاربنا فى شخص بسمارك، المزارع، الراسمالية المشخصنة والنزعة العسكرية واستخدمنا كل خصومه الراسماليين لا ضعافه، وهكذا استخدمنا الخصوصية والديموقراطية البورجوازية. لم يكن هذا مساومة على اية حال، ولاحتى هدنة مؤقتة بنفس القدر الذي لا يكون فيه الامرمساومة وهدنة مؤقتة حين نصوت فى الرايشستاج ضد المزارعين لصالح بعض اجراءات الحزب التقدمى.

انحصار الامر فى الاشتراكية الديموقراطية بوصفها معارضة للاحزاب الاخرى مطلوب منا بصفة خاصة، بسبب التطور التاريخى والاوضاع السياسية فى المانيا. ليس لدينا بورجوازية ثورية قد نتحالف معها بشكل مؤقت مثل فرنسا وبلجيكا.

ليس لدينا مؤسسات ديموقراطية تجعل من الممكن لا شتراكى ديموقراطى ان يشارك فى الحكومة جنبا الى جنب مع اعضاء الاحزاب الاخرى. قلما تتميزالحكومة فى سويسرا عن ادارة، وجرى اختيارها من الشعب لذلك. ان اشتراكيا ديموقراطيا، يشارك كعضو فى حكومة مقاطعة (كانتون) يعنى اكثر قليلا من اشتراكى ديموقراطى فى مجلس عام. وعلى ذلك فرفاقنا فى سويسرا يمكن لهم ان يصوتوا بلا تحفظ على احتكار الحكومة للحبوب والبراندى دون ان يشعروا ان الحصيلة النقدية سوف تبدد فى اغراض معادية للشعب وضارة بالمجتمع.

وحتى فى فرنسا تختلف الاشياء الى حد ما  عنها هنا، رغم ان الحكومة بشكل مؤكد هى حكومة طبقية (ويصادف انها كذلك بدرجة قلما تقارن بأى حكومة اخرى)، ومع ذلك تتعزز العلاقات بقدر ضئيل واثر الديموقراطية والديموقراطية الاجتماعية عظيم للغاية الى حد ان اى اساءة استخدام دائمة للسلطات الحكومية لا غراض قمعية ورجعية لا ينبغى ان يخشى منه. وعلى ذلك كان من الممكن منذ بضع سنوات مضت للاشتراكى جوريس ان يقدم قانونا فى الغرفة التشريعية يخص تجارة الحبوب الذي كان من الناحيةالخارجية مختلفا قليلا عن القانون الذي قدمه الى الرايشستاج الكونت كانيتز من الحزب الزراعى. مع ذلك كانت الاختلافات الداخلية اعظم بما لا يقاس. لا توجد طبقة مزارعين فى فرنسا، والبورجوازية تحكم مباشرة، مع ذلك فهى فى ظروف تمنعها من جعل وسائل الحكومة – الشرطة، الجيش والقضاء الطبقى – غاية وغرض الدولة، كما هو الحال فى المانيا وهذا الامر ليس فقط ممكنا بل هو الواقع الفعلى. نلقى هنا مرة بعد مرة المصير الدرامى الذي حرم المانيا من المرحلة الليبرالية للتطور السياسي. مما لا ريب فيه، ان لدينا دولة طبقية راسمالية، وبأسوأ معانى الكلمة، غير ان الراسمالية البورجوازية تحكم بشكل غير مباشر فحسب، وعليها ان تكون راضية بان تدع الحزب الاكليريكى الكاثوليكى الخالص، حزب الوسط، يمسك بميزان القوى فى المانيا فى مجلس الممثلين التشريعيين الالمان، وبان تدع الطبقة الزراعية البروسية، طبقة متخلفة تمثل مفارقة تاريخية، التي لا وظيفة جوهرية لها يتعين عليها ان تنجزها سواء فى الحياة الاقتصادية ام السياسية، وذات وجود طفيلى خالص، تسيطر على الادارة. يترتب على هذا هو انه يتعين على الاشتراكية الديموقراطية الالمانية ان تقوم بدور بطل الحرية السياسية. ان مهمة توحيد النضال من اجل الاستقلال الاقتصادى مع النضال من اجل الحرية السياسية قد وقع على عاتق الطبقة العاملة الالمانية، بمعنى آخر، اضافة الى انجاز مهمتها الطبقية الاصلية، فعليها ان تقوم بما قامت به عادة البورجوازية منذ زمن بعيد فى البلدان المتطورة.

المنحنى المنحدر للمساومة

تعترف بنا كل الاحزاب بلا استثناء بوصفنا قوة سياسية، وبالتناسب تماما مع قوتنا. وحتى الرجعي الاشد جنونا الذي ينكر علينا حق الوجود يتملقنا وبذا فان افعاله تكذب كلماته. يستخلص بعض رفاقنا نتيجة غريبة من حقيقة ان هناك مساع تقوم بها الاحزاب الاخرى لنيل مساعدتنا، وهى ان علينا ان نقلب تاكتيكاتنا ونعكسها، ومحل سياستنا القديمة فى الصراع الطبقى ضد كل الاحزاب الاخرى، نستبدلها بالسياسة التجارية القائمة على مقايضة الاصوات، والتحرك من وراء ستار، والمساومات. ينسي هؤلاء الاشخاص ان القوة التي تجعل هؤلاء يسعون للتحالف معنا بمن فيهم حتى اشد اعداءنا سعارا، لم يكن ليكون لها وجود على الاطلاق ان لم يكن لدينا تاكتيكات الصراع الطبقى القديمة. واذا كان ما ركس، وانجلز، ولاسال قد قبلوا من برنشتين واصدقاءه المفكرين المتواضعين او غير المتواضعين تاكتيكات المساومة والاعتماد على الاحزاب البورجوازية، حينئذ لم تكن لتكون هناك اى اشتراكية ديموقراطية، كنا سنكون ببساطة ذيلا للحزب التقدمى. وحقيقة اننا نقبل كجزء من تاكتيكنا استخدام منازعات الاحزاب البورجوازية فيما بينها واضح بذاته. وقد اتبعنا هذا المسار منذ ان كانت هناك اشتراكية ديموقراطية. للاعتراف بهذا، لا نحتاج لمشورة رجال دولة الحزب الجدد. لقد اشتغلنا هنا وهناك مع حزب الوسط او مع الحزب التقدمى ضد حكومة حزبية رجعية وهو ما يمكن ان يفهمه الرفاق دون حاجة لا علان بيان حزبى خاص. وفى انتخابات مقاطعات اخرى مختلفة حصلنا على ميزات اكبر بالتعاون مع حزب الوسط بدون الاندماج اكثر من التحالف الحالى فى بافاريا. ومامن قاعدة تلائم كل الحالات.

نحن الاشتراكيون الديموقراطيون لا نجرؤ على ان نكون مثل الاحزاب الاخرى، وهى كلها مذنبة بشأن مظالم النظام الراهن ومسؤولة عنها على قدم المساواة.كل من يعانى من هذه المظالم يتطلع الينا من اجل الخلاص. كل واحد منا يأتيه ضحايا المجتمع هؤلاء بعد الاخفاق فى نيل العدالة من المحاكم، ومن الحكومة، بل ومن الامبراطور نفسه، ومن كل الاحزاب الاخرى، بوصفنا وحدنا آخر من يمكن ان يساعده. وهم لا يعرفون برنامجنا العلمى، وهم لا يعرفون ما ذا يعنى الرأسمال ولا الراسمالية، لكن لديهم اعتقاد، وشعور، اننا الحزب الذي يمكن ان يساعد حينما تتنصل الاحزاب الاخرى. هذا الاعتقاد بالنسبة لنا معين لا ينضب للقوة. لقد كان ايمانا مماثلا باليأس هوالذي انتشر اكثر فاكثر فى الامبراطورية الرومانية المنحلة وقوض ببطء العالم الوثنى حتى انهار فى النهاية. اننا نتخلى عن هذا المعين الذي لا ينضب للقوة اذا ما تحالفنا مع الاحزاب الاخرى وابعدنا الانسانية المعذبة عنا بأن نقول لها: ” لسنا مختلفين جوهريا عن الآخرين ” اذا ما مسح الخط الفاصل للصراع الطبقى وبدأنا على المنحنى المنحدر للمساومات، لن يكون هناك توقف. سوف نذهب حينئذ الى اسفل سافلين حتى القاع. توفرت لدينا تجارب عديدة ذات مغزى بهذا الصدد من الرايشستاج. لقد اجبرتنا السياسات العملية على تقديم تنازلات للمجتمع الذي عشنا فيه. ولكن كانت كل خطوة فى طريق التنازل للمجتمع الحالى صعبة بالنسبة لنا وكنا نقوم بها بنفور. وهناك من يسخر منا بسبب ذلك. لكن من يخشى المنحنى المنحدر هو فى كل الاحوال رفيق جدير بالثقة اكثر ممن يصب احتقاره على الحريص.

ان شعار ” الثورة ” حين يلاك بلا داع يثير السخرية بالتأكيد. بالتأكيد يثير السخرية – وما من احد قد عبر عن هذا بشكل اوضح مما فعلت انا نفسي – حين تلقى الكلمات من الفم فى كل مناسبة. يمكن ان تكون أغنية ميكانيكية مثل تراتيل الصلاة. لكن مما يثير للسخرية ايضا التفاخر بالإنتماء للحزب والتعبير عن وجهة نظر المرء فى كل فرصة حينما لا تكون هناك ضرورة لذلك، مع ذلك فان هذه المبالغات لا تبرر ان نلقى الجيد مع الرديء، وتاكيد ان اعلان الطابع الثورى لحزبنا هو، فى كل الظروف، امر مثير للسخرية. ان تاكيد ذلك هو امر غاية فى الجدية وشيء غاية فى الضرورة. شيء غاية فى الجدية، لا ن عضوية الاشتراكية الديموقراطية تعنى النضال، النضال السياسي تصاحبه اضطهادات شديدة الوطأة، وصراع خاص من اجل الوجود، صراع اصعب بما لا  يقاس بالنسبة للاغلبية العظمى واثقل من النضال السياسي. وهو ضرورى، لا ن الشجاعة المطلوبة لهذا النضال المزدوج يخلقها الوعى بان الظلم الاجتماعى الذي يضطهد اغلب البشرية اليوم، ويفسدها ويشلها يمكن القضاء عليه فقط من قبل حركة ثورية، اى حركة سوف تستأصل الراسمالية من كل عرق من جذورها. اعلم انه قد بات موضة هنا وهناك السخرية من التحذير من المنحنيات المنحدرة. ويحيلوننا على حكاية الخراف والذئب. والمقارنة عرجاء على اية حال وترتد على من يسخر. لقد كان الذئب هناك بالفعل واقتحم الحظيرة. وفى حالتنا ايضا ليس هذا بخطر متخيل الذي نحذر منه. وفى كل الاحوال فان مصالح الحزب محروسة بعناية على الاقل من قبل المحذرين كما هى من المحتقرين. وعلى ذلك فقداعتبر عدم الثقة فضيلة ديموقراطية والثقة المغالى فيها نقيصة ديموقراطية. وهنا وهناك يوجد اشخاص يريدون ان يعكسوا هذا المبدأ الاساسي.

شعار بلوشر 

تقف البروليتاريا سياسيا وكذلك اجتماعيا فى اشد التناقضات خطرا ازاء الدولة الطبقية الحالية. فعليها ان تحاربها فى كل المجالات وتصارعها حول كل القضايا سواء تعلق الامر بالسياسة الداخلية او الخارجية. ومما لا ريب فيه انه ليس من السهل دائما ان نقرر بصواب. فحين لا تكون المصالح مرئية بوضوح يمكن ان ينخدع الشعور بسهولة. ولحسن الحظ لدينا فى الامور التي يصعب التقرير حولها حد لا يخطئ نراه فى افعال خصومنا. اذا ما كانت هناك قضايا يمكن ان توحدنا معهم بشكل مؤقت فمن غير المتصور ان يكون هناك اى شيء يمكن ان يقاتل من اجله اعداءنا بوصفه ذو اهمية كبري، او اهمية حيوية بصفة خاصة لهم، يمكن ان ترغبه البروليتاريا. لن نتصرف ابدا بشكل خاطئ اذا تصرفنا بمايعارض مصالح عدونا.من ناحية اخرى، لن نصيب غالبا اذا ما امتدحنا اعداءنا.

التطور التاريخى هو تنازع دائم، تنازع مصالح، تنازع اعراق، تنازع طبقات. واذا لم يكن يعول على الصداقة فى الاعمال (البزنس) العادية، فما اقل ما يعول عليها فى حالات التنازع. ان طيب الطباع والنزعة العاطفية لا مكان لها فى السياسة. فهما لم يحرزا نصرا ابدا، لكنهما اتيا بهزائم لا حصر لها. ان شعار بلوشر القائل، ” اتبع دائما قصف المدفع وارم بنفسك على العدو ” هو افضل قاعدة ايضا فى الحرب السياسية.

لدى كلمة بهذا الصدد. ان غريزة البورجوازية الطبقية متطورة لحد ابعد من غريزة البروليتاريا. وتعرف الطبقة الحاكمة بشكل طبيعى مصالحها افضل من المحكومين، الذين تتاح لهم اقل الفرص ليصبحوا مطلعين او يخدعون ويضللون احيانا عن قصد واحيانا اخرى عن غير قصد بشكل منهجى عن ادراك مصالحهم. لا تقل انه الشكل الفظ الذي تنشر به الاشتراكية هو الذي يخيف البورجوازية وينغص عليها حياتها. فذلك زائف تماما. لا تكمن المسألة فى الشكل، فما يكرهونه هو المضمون، وبقدر ما يبدو الشكل غير ضار كلما ظهر المضمون اشد خطرا لدى سادة البورجوازية. ان رهافة الشكل لا تصنع فارقا معهم. وهذا واضح من الطريقة التي يحسمون بها الامور داخلهم.

اى قدر من الاساءة والحكى قد جرى حول ” نادى توللك! ” لم تمس مسألة ” نادى توللك ” اي احد كان بغير رفق. ولكن تاكتيكات النادى وجدت لعقود فى المانيا، ولم تختف كلية بعد تماما. ولكن لا  العمال ولا الاشتراكيين هم من يعدهم النادى الحجة الاخيرة، والبرهان الحاسم.انها تكاكتيكات نبلاء الامة، الليبراليون القوميون، الذين نظموا فى الاقسام الوسطى والجنوبية الغربية من المانيا فرقا للشجار من ابطال النوادى، وسعوا للحفاظ على مجالاتهم السياسية من خلال الارهاب الوحشى. ولكن الاشتراكية الديموقراطية المتقدمة قد قمعتهم مباشرة تماما.

المساومات كالمعاهدات لا يبقى عليها 

كيفما كان الحال فلابد ان نتيقن من ان الغريزة السياسية لخصومنا البورجوازيين، بمجرد ان تبرز مصالحهم الطبقية سوف تقودهم لا تخاذ موقف معاد لنا. وبلجيكا تقدم لنا مثالا كلاسيكيا، حيث انتهوا كما لا حظنا لعقد مساومة فى اشد الظروف مواتاة يمكن تصورها بين الاشتراكيين والليبراليين. وكان حزبنا لا ينازع فى موضع القيادة ولم يكن هناك خطر من ثم لا ن يخدع بشأن ثمار النصر المشترك. كان الهدف الذي سعوا اليه هو حق الانتخاب العام، المتساوى، المباشر. ولكن الحزب الاكليريكى يعرف صبيانه، ويعرف اتباع بوبنهايمر. يعرف ان البورجوازية لا مصلحة طبقية لها فى اعطاء العمال، الذين يشكلون فى الدول الصناعية الحديثة اغلبية السكان، حق الانتخاب العام ومن ثم امكان كسب اغلبية وتحقيق السيطرة السياسية. فتقدم بطلب مضاد لتطبيق نظام التمثيل النسبي مع التصويت الجماعى، مما يؤدى، لا عطاء اصوات اكثر للاغنياء مما يمنح البورجوازية الراديكالية حصة فى الحكومة، اذا كان ذلك سيساعد على هزيمة الانتخاب العام المباشر. ولاحظوا، ودون ادنى تردد فان سادة البورجوازية الراديكالية اخلوا باتفاقهم مع الاشتراكيين وانضموا للاكليريكيين فى حربهم ضد الانتخاب العام والاشتراكية الديموقراطية. ان من لم يقتنع بهذا المثال الدال على ان صراع تحرر البروليتاريا هو صراع طبقى فلاجدوى من تقديم براهين اضافية له.

لايوجد حزب سياسي يمكن للاشتراكية الديموقراطية ان تعتمد على دعمه الحازم. وكل مساعدة يمكن لنا ان نتوقعها من الاحزاب البورجوازية فى مجرى تعقيدات الحياة السياسية لا بد من ان تأتينا بأى حال دون مساومة، ان تصرفنا بمهارة. تتماثل المساومات والاندماجات بين الاحزاب مع المعاهدات بين الامم. انها دائما ما تراعى، حيثما توجد مصالح مشتركة فقط ودائما على اية حال حينما تكون فى صالح الاطراف المعنية. على اية حال، ما من ضرورة لا ندماج او عقد. فلنفترض، ولنقتبس مثالا فعليا، نفترض ان توفير ستة ممثلين اكثر فى الهيئة الشريعية كان امرا ذو اهمية عظمى فى بافاريا، فقد كان من الممكن مع قوة ونفوذ حزبنا ان يجد الاخير وسيلة للحصول عليهم افضل من ” تجارة الماشية “. ان تقوية حزب الوسط، بعيدا عن مسألة المبادئ، كان خطأ تاكتيكيا عظيما.

وقد كان الخطأ اعظم لا نه اوقف عملية التحلل التي يعاينها حزب الوسط الآن. يتماسك الحزب طالما ان العمال الذين يأتون لدائرة نفوذه لم يمتلكوا بعد وعيا طبقيا، لم يتعلموا بعد ان يضعوا مصالحهم الطبقية فوق مصالحهم الفئوية. هذه عملية يحملها معه بالضرورة التطور الاقتصادى بنفسه، والتي نهدف الى تسريعها بدعايتنا. فى مقاطعة اوفنباخ وفى المقاطعات الانتخابية الاخرى تمكنا من تحقيق ذلك لحد بعيد ففى الانتخابات الاخيرة صوتت اغلبية الكاثوليك لمرشحينا فى الاقتراع الاول بدلا من ان تصوت لمرشحى حزبها. ليست تاكتيكات الصراع الطبقى اكثر صحة فقط من ناحية المبدأ، انها ايضا اكثر عملية وانجح من تاكتيكات المساومة.
ان وجهة نظر المنفعة، التي شدد عليها المدافعون عن المساومة البافارية، هى بالتأكيد مسألة ذات فائدة قصوى، الا ان هناك عناصر اخرى غير المنفعة يجب ان نأخذها فى اعتبارنا. نقاوة مبادئنا، مثالية صراعنا، هذه هى العناصرالتي ادت لتقويتنا وشد ازرنا، التي زودتنا بالشجاعة ومكنتنا من خوض معاركنا، واضفت على معتقداتنا جاذبية لا تقاوم لدى كل من يشعر انه مضطهد ولديه حسا بالشرف. كان التحالف مع حزب الوسط بالتأكيد فى غاية الفائدة، فقد اعطانا نصف دستة من الاصوات التشريعية، ولكن ما ذا تقول جرتشن؟

” كيف لعنت ذات مرة باحتقار

حينما خدعت فتاة بائسة!

ثرثرة لا يكفيها لسان واحد

رغبت فى مراقبة رذائل الآخرين.

بدت سوداء فزدتها سوادا

واشد اسودادا بعد هو ما اردت

وباركت نفسي وتباهيت بعظمة –

والآن خطيئة حية انا! “

نعم، كيف يمكن لنا ان نوبخ بشجاعة مقايضى الاصوات السياسيين، وخاصة السود منهم! فقد زدناهم سوادا بتلويننا. واليوم؟ لا نجرؤ ان نفعل ذلك غير ان خصومنا يفعلون. لا نستطيع ان نضحى بكل شيء من اجل المنافع.لأن ما هو منفعة لخصومنا هو سم ناقع بالنسبة لنا. يقول النبلاء عن انفسهم، النبل يفرض علينا كذا، ويمكن لنا ان نقول الاشتراكية تفرض، الاشتراكية تفرض التزاماتها.

اذا كان التاكتيك يصف لنا او يسمح بأن نلزم انفسنا بخصومنا حتى نحرز نجاحا مؤقتا بتحالف مؤقت، فمعنى هذا ان شوماخر فى مقاطعة سولينجن كان رجل تاكتيك بارع بالمعنى الانتهازى لا ندماجه مع الحزب التقدمى العام الماضى فى انتخابات الرايشستاج بهدف انقاذ الحزب منا. وهو لم يصبح بورجوازيا، لا  على الاطلاق، لقد استخدم البورجوازية للاطاحة بنا فحسب، نحن الاشتراكيون المزيفون، ولمساعدة الاشتراكية الحقيقية على تحقيق النصر، بالضبط مثل ميلليران الذي يتجه لسحق النزعة العسكرية بالانضمام لجاليفه ووالديك – روسو. يمكن لشوماخر ان يقدم نفس الاسباب تماما تبريرا لا عماله مثلما يفعل ميلليران. وهو ما نسميه خيانة للحزب.

مع نمو الاشتراكية الديموقراطية ومع دخولها فى مجالات كانت تهيمن عليها حتى الآن احزاب اخرى، ومع توسع نشاطنا العملى، فاننا مرارا ما ندخل اكثر فاكثر فى اتحادات مؤقتة، او علاقات مؤقتة مع احزاب اخرى. لكن هذه العلاقات المؤقتة لا ينبغى ان تكون تحالفات مؤقتة ابدا. لا ينبغى ان نلزم الحزب. ويجب ان تكون ايدينا طليقة دائما، نستثمر الظروف، وندع خصومنا يقومون بالعمل القذر من اجلنا، وبغرض ان يكون الحزب فى ذهننا برسوخ دائما، ان نلزم منتصف الطريق، ونسير فى طريقنا، نذهب مع الاحزاب المعارضة حينما يتصادف ان طريقنا معهم واحد. لا ينبغى ان يغيب عن ناظرنا للحظة اننا نحن حزب الصراع الطبقى، ومامن شيء مشترك بيننا واى حزب آخر، بل يتعين علينا محاربة وهزيمة كل الاحزاب الاخرى، من اجل تحقيق هدفنا.

ميلليران 

فيما يتعلق بقضية ميلليران، ووحدة الحزب، كتبت بناء على دعوة الرفاق الفرنسيين، بمناسبة المؤتمر السنوى الاخير لحزب العمال ( الماركسيون ) فى ابرناى، الخطاب التالى :

” الاصدقاء الاعزاء : تعلمون اننى قد اتخذت لنفسي قاعدة وهى الا اتدخل فى شيءون الاشتراكيين فى البلدان الاخرى. لكن بما انكم ترغبون فى معرفة رأيى فى المسألة الملحة التي تشغل انتباه القسم الكادح والاشتراكى من فرنسا، وواقع ان كثيرا من مواطنيكم، الذين يتبنون وجهة نظر مختلفة كليا فى هذه المسألة عن وجهة نظركم، قد اتجهوا الى طالبين الرأى، فلم يعد لدى اى سبب لا ن احجب وجهة نظرى. ان الوضع الذي يشغلكم الآن فى فرنسا ليس فى اصله شأنا اجنبيا بالنسبة للالمان.

” ان اممية الاشتراكية باتت حقيقة تصبح يوما بعد يوم اشد وضوحا واشد دلالة. نحن الاشتراكيون نمثل امة واحدة بالنسبة لنا – امة واحدة اممية فى كل اقطار الارض. والرأسماليون مع عملاءهم، وادواتهم والمخدوعين هم بالمثل امة دولية، وهكذا يمكن لنا ان نقول بصدق، ان هناك اليوم امتان عظيمتان فقط تتقاتل الواحدة منهما مع الاخرى فى صراع طبقى كبير، وهو الثورة الجديدة – صراع طبقى يقف على جانب منه البروليتاريا التي تمثل الاشتراكية، وفى الجانب الآخر البورجوازية التي تمثل الراسمالية.
” بينما يستمر عالم الراسمالية البورجوازى وتحكم البورجوازية، على ذلك فان كل الدول بالضرورة هى دول طبقية، وكل الحكومات هى حكومات طبقية، تخدم اغراض ومصالح الطبقات الحاكمة، ومقدر لها ان تقود الصراع الطبقى للبورجوازية ضد البروليتاريا، للراسمالية ضد الاشتراكية، لا عداءنا ضدنا. تلك حقيقة ابانها منطق الفكر والحقائق ما وراء امكان الشك من منظور الصراع الطبقى الذي يمثل اساس الاشتراكية المناضلة. ان الاشتراكى الذي يدخل حكومة بورجوازية اما ينتقل لصفوف العدو او يضع نفسه تحت سلطة العدو.

على اية حال فان الاشتراكى الذي يصبح عضوا فى حكومة ورجوازية يفصل نفسه عنا، نحن المناضلون الاشتراكيون. يمكن له ان يدعى انه ما زال اشتراكيا لكنه لم يعد كذلك. قد يكون مقتنعا باخلاصه، لكن فى هذه الحالة هذا يعنى انه لم يدرك طبيعة الصراع الطبقى – ولايفهم ان الصراع الطبقى هو اساس الاشتراكية.

” فى هذه الايام، فى ظل الراسمالية، فإن اى حكومة حتى ولوإمتلأت بمحبى البشرية وحركتها افضل المقاصد، لا يمكن ان تفعل شيئا له قيمة حقيقية يفيد قضيتنا. لا بد ان نتحرر من الاوهام. قلت منذ عقود مضت : ” اذا كان الطريق الى الجحيم مفروشا بالنوايا الطيبة، فإن الطريق الى الهزيمة مفروش بالاوهام “. فى المجتمع الراهن، فإن وجود حكومة غير راسمالية يمثل استحالة. ان الاشتراكى تعيس الحظ الذي يضع على عاتقه هذا العبء بدخوله الحكومة إن لم يخن طبقته فانما ينذر نفسه للعجز فحسب. تقدم البورجوازية الانجليزية افضل الامثلة على اضعاف المعارضة بالسماح لهم بالاشتراك فى الحكومة. لقد صارت السياسة التقليدية لكل الاحزاب فى انجلترا هى ضم عضو المعارضة الاشد راديكالية الساذج الذي يقبل مكانا فى الحكومة. يخدم هذا الرجل كدرع واق للحكومة وينزع سلاح اصدقاءه الذين لا يستطيعون ان يطلقوا النار عليه – مثلما نكون فى المعركة ولانستطيع ان نطلق النار لا ن العدو قد وضع رهائننا فى المقدمة ليحتمى بهم.

” هذه هى اجابتى على السؤال المتعلق بدخول الاشتراكى الحكومات البورجوازية.

” والآن، بالنسبة الى السؤال الثانى : مسألة الوحدة والاتفاقيات. تملى على مصالح ومبادئ الحزب الاجابة. اننى مع وحدة الحزب – اننى مع وحدة الحزب القومية والاممية. لكن الوحدة ينبغى ان تكون وحدة الاشتراكية والاشتراكيين. الوحدة مع الخصوم – مع اناس لهم اهداف ومصالح اخرى ليست وحدة اشتراكية. لا بد ان نسعى من اجل الوحدة بأى ثمن وبكل التضحيات الممكنة. لكن بينما نتحد وننتظم، لا بد من ان نتخلص من كل العناصر الغريبة والمعادية.ماذا يمكن لنا ان نقول عن الجنرال الذي سعى وهو فى بلاد العدو لا ن يضع فى صفوف جيشه مجندين من صفوف العدو؟ الن يكون ذلك قمة الغباء؟ حسنا، ان نضم لجيشنا – وهو جيش الصراع الطبقى والحرب الطبقية – خصوما، جنودا ذوى اهداف ومصالح تختلف كليا عنا – سوف يكون جنونا، سوف يكون انتحارا.

” حينما نكون على ارض الصراع الطبقى فاننا لا نقهر، فإن تركناها ضعنا، لا ننا لم نعد اشتراكيين. ترتكز قوة وسلطة الاشتراكية على حقيقة اننا نقود الصراع الطبقى، وان الطبقة الكادحة مستغلة ومضطهدة من قبل الطبقة الرأسمالية وان الاصلاحات الفعالة داخل المجتمع الراسمالى التي تضع حدا للحكم الطبقى والاستغلال الطبقى مستحيلة.

“لانستطيع ان نتاجر فى مبادءنا، ولايمكن ان نجرى اية مساومة، لا اتفاق مع النظام الحاكم.يجب ان نقطع مع النظام الحاكم ونقاتله حتى النهاية. فلابد ان يسقط حتى تقوم الاشتراكية، ولايمكن ان نتوقع بالطبع من الطبقة الحاكمة ان توجه لنفسها ولسيطرتها ضربة الموت. ان جمعية العمال الاممية قد بشرت وفقا لذلك بأن ” تحرر الطبقة العاملة يجب ان يكون من صنع العمال انفسهم “

” مما لا شك فيه ان هناك بورجوازيون ينحازون انطلاقا من شعورهم بالعدالة والانسانية لجانب العمال والاشتراكيين، ولكن هؤلاء استثناءات فقط، ان جموع البورجوازية لديها وعى طبقى، وعى بأنها الطبقة الحاكمة والمستغلة. بالفعل فإن جموع البورجوازية، لا نها الطبقة الحاكمة بالضبط، لديها وعى طبقى اكثر حدة واقوى من البروليتاريا.

” وانتهى : لقد سألتمونى رأيى، وقد ابديته لكم. الأمر متروك لكم لتقرروا ما تتطلبه مصالح الحزب ومبادئه.

“تحياتى الاخوية للمؤتمر المنعقد فى ابرناى. عاشت فرنسا الاشتراكيين والعمال! عاشت الاممية الاشتراكية!

” فايمار، اغسطس، 10، 1899 – و. ليبكنخت “

ليس لدى ما اضيف لخطابى. وقد بررته الاحداث منذاك. ان وجود الاشتراكى فى الحكومة لم ينجز شيئا ولم يمنع شيئا مما كان يمكن ان ينجز او يمنع فى غير وجوده. من ناحية اخرى، الى الحد الذي اسهمت فيه الاشتراكية الديموقراطية او صادقت على دخول اشتراكى الى الحكومة فقد اصبحت جزئيا مسؤولة عن كل خطايا ما اغفلته او ارتكبته الحكومة فى الوقت الذي كان فيها الاشتراكى عضوا فيها.

الوضع فى فرنسا 

قد يقال اعتذارا او تبريرا انهم قد تصرفوا تحت ضغط ظروف استثنائية – من اجل انقاذ الجمهورية، التي كان يمكن ان تضيع ان لم يفعلوا ذلك. ولن يصمد هذا العذر امام البحث والتقصى. لا يسند جمهورية فرنسا قلة من الرجال فى الحكومة، بمن فيهم الاشتراكي، وانما العمال الفرنسيين الذين يساندهم القسم الاعظم من الفلاحين والبورجوازية الصغيرة، وايضا اغلبية الشعب الفرنسي، الذين لا يسمحون لا نفسهم ان يقودهم الكهنة الى الضياع، ولا ان يقمعوا من قبل الراسماليين الرجعيين. والنزعة العسكرية فى فرنسا هى ولحد بعيد اقل قوة وخطرا منها فى المانيا، والجيش الفرنسي لحد اعظم هو جيش الشعب مقارنة بالمانيا. الجيش كبير مثله ما هو عليه الحال فى المانيا، رغم ان عدد السكان اقل خمسة عشر مليونا، وعلى ذلك فهو يضم نسبة اعظم من العدد الكلى للسكان. وفرنسا بالفعل عند الموضع الذي ينبغى عليها فيه ان تقطع مع النظام العسكرى البروسي الالمانى الذي تبنته بعد حرب 1870 – 71، فهى اما ان تفعل ما أوصى به وزير الحرب الجنرال جاليفه اى بأن تحل محله حرس امبراطورى مدرب تدريبا عسكريا جيدا – او ان تدخل على الفور على نظام الميليشيا، وتسلح كل شخص قادر على حمل السلاح. ان الانقلاب coup d,etat مستحيل بجيش كهذا. بغض النظر عن احتمال رجعية جزء من الضباط، لا ن جمهرة الجنود قريبة جدا من الشعب ولايمكن ان تستخدم فى مثل هذه الاغراض.

اذا كان الامر، كما عرض علينا، يتقوم فى ان التشكيل الفعلى لوزارة والديك روسو كان ضروريا لحماية الجمهورية ضد الانقلاب، فقد كان الشعور الجمهورى للبروليتاريا الفرنسية ضمانا كافيا للحكومة – وقد كان ذلك ومن جميع الوجوه ضمانا افضل لحد بعيد من دخول اشتراكى الى الحكومة.

ابان الوضع ان رئيس هذه الحكومة كان بصفة خاصة راسماليا واضح السمات، وان وزير الحرب كان واحدا من اشهر ” فرسان ” نابليون الصغير ومن اشد قتلة الشيوعيين تعطشا للدماء مما كشف بجلاء ان تصرف ميلليران غير ملائم. ولكن حتى لو كان مكان والديك روسو ديموقراطيا حقيقيا، مثل، بريسون، وفى مكان جاليفه جندى شريف لم يتلوث بدم العمال، لم يكن اعتراضنا على تلك الخطوة سيكون اقل من وجهة نظرنا، رغم انها لم تكن لتجرح مشاعرنا كثيرا.

ان التناحرات الطبقية التي يصاحبها الصراع الطبقى هى الآن حقيقة واقعة. والدولة، ما دام التناقض الطبقى والصراع الطبقى موجودان فيها، هى دولة طبقية بالضرورة، وحكومة هذه الدولة، بضرورة مماثلة، هى حكومة طبقية. ان الاشتراكى الذي يسمح لنفسه ان يصبح عضوا فى حكومة كهذه سرعان ما يفقد وعيه الطبقى، ان لم يكن قد وضعه خارج الوزارة بالفعل مثلما يضع المسلم حذاءه خارج المسجد، الااذا واتته الشجاعة فانتهز اول فرصة طرأت فتنازع معها وتركها.

لست معنيا بالمسألة المدرسية الصرفة حول ما إذا كان من الممكن ان تظهر حالة معينة حيث يتعين على اشتراكى ان يدخل عضوا فى حكومة غير اشتراكية. قد تنشأ حالة كهذه فقط عقب اطاحة كارثية بالدولة على سبيل المثال، خلال حرب عالمية، حينما تنكسر حكومة دولة طبقية دون ان تكون العناصر الضرورية لتكوين دولة اشتراكية قائمة.

لم تظهر مناسبة كهذه فى فرنسا بعد، وربما كان آخر اشخاص يمكن ان تكون مهمتهم ” انقاذ الجمهورية ” هم امثال والديك روسو وجاليفه. انه الحزب الاشتراكى الذي كان ويكون ويبقى الحزب الوحيد الذي تتقوم مهمته فى ان يكون منقذ وحافظ الجمهورية، بميلليران او بدونه.

ان جيد ولافارج، الممثلين القياديين للاشتراكية العلمية فى فرنسا قد بينا فى نقد مرير للاشتراكية الانتهازية ” الاستيزارية ” الفرق الذي يميز نشاط عضو هيئة شعبية منتخبة عن نشاط مسؤول تنفيذى فى هيئة تنفيذية فى الحكومة نفسها فى الدولة القائمة. ان الموظفين الرسميين والحكومة هم ادوات الحكم الطبقى، ولابد لهم بحكم طبيعتهم من ان يتصرفوا وفق مصالح الطبقة الحاكمة. ان الاشتراك فى هيئة شعبية منتخبة ( الرايشستاج، الهيئة التشريعية، المجلس العام، الخ ) هو على النقيض تعبير عن السيادة الشعبية، الذي، بالرغم من انها تخضع لتأثيرات الحكم الطبقى فانها بالفعل فوقه، والقوة الوحيدة التي تستطيع ان تضع حدا له. (تراجع مقدمة انجلز لكتاب ما ركس : الصراع الطبقى فى فرنسا لفهم حدود هذا الموقف فى شرطه التاريخى، وكذلك موضوعات حول الاحزاب الشيوعية والموقف من البرلمانية – الاممية الثالثة – المؤتمر الثانى 1920 – المترجم ). ان ممثلى الاشتراكية الديموقراطية فى مثل هذه الهيئات الشعبية يشبهون كتل البازلت، التي دفعت لا على من باطن الارض واخترقت طبقتى الحجر الرملى والاردواز : – فهم يصعدون من قلب الشعب، وهم جزء من الشعب، ولهم فى انفسهم حق وسلطة السيادة الشعبية التي تعلو وتهيمن على كل الشؤون السياسية والاجتماعية. وهم ليسواهناك بنعمة السلطات القائمة، بل ضد ارادتها، وبالرغم من سلطتها – ولاريب انهم خدم، ولكنهم خدم شرفاء، خدم، ليس لمالكى السلطة، وانما للشعب، الذي اختارهم لضمان تحقق ارادتهم السيدة. وعلى ذلك فمن الخطأ جوهريا ان نصف نشاطنا فى الرايشستاج والهيئات التمثيلية الاخرى كمساومة مع السطات الحاكمة. مما لا شك فيه ان علينا ان نعمل هناك مع اعداءنا، ولكن كقوة مستقلة، ممارسين التفويض الذي تلقيناه من الشعب. وأنه ما من تعاون على اساس وجود اهداف ووجهات نظر مشتركة، فهو عمل معركة – صراع متبادل، قياس للقوى، واثره، واتجاهه وكثافته وفقا للقانون الابدى حول التوازى يتمخض عن التشريع والحكم.

انه لمن طبيعة الاشياء انه من خارج هذا التناضل والصراع لا بد ان تنشأ المجموعات المتغيرة والاتصالات الوقتية وتسمية تجمعات كهذه مساومات هو تشويه للمصطلح. التقارب نتيجة للاوضاع، والعمل والكفاح فى ذات الاتجاه بسبب الظروف يمكن ان تعتبر عقدا، او تحالفا او مساومة ببالغ التعسف، مثلما نعتبر التلامس التبادلى لا جزاء الزجاج فى الموشور عقدا اوتحالفا او مساومة. وبغض النظر عما اذا كانت قوة الاهتزاز ميكانيكية، او قوة القانون المنظم فلافرق. مثل هذه التقاربات لا التزامات فيها، وهى نتاج لحظى، تولد من اللحظة وتمضى معها.

وليس اقل خطأ ان نقارن التعاون فى تصويت ثانى درجة بتحالفات كهذه كما اقترح بالنسبة للانتخابات التشريعية البروسية وكما جرى بالفعل بالنسبة للانتخابات البافارية. ان تعاونا كهذا هو فصل فى المعركة فقط عند صندوق الانتخابات التي يخوضها الحزب ككل.

واننا فى هذه الانتخابات اللاحقة فى المقاطعات الانتخابية حيثما لا نستطيع ان نقدم مرشحا، فلابد ان نصوت لمرشحى المعارضة هؤلاء الذين يقدم انتخابهم افضل المزايا لحزبنا، وهو متطلب للذكاء الاولى. لقد دعوت لهذا قبلا كشيء تبدو الرغبة فيه واضحة بذاتها فى الوقت الذي اتهمنى فيه بعض هؤلاء الذين تحمسوا اليوم للاشتراك فى الانتخابات التشريعية البروسية بنصف خيانة مبادءنا. اذا ما حدث فى وقت ما  ان وجد قانون استثنائي، اوعلى وشك الصدور، فإن لم نعط اصواتنا فى هذه الانتخابات الخاصة لواحد من هذين المرشحين البورجوازيين الذي كان معارضا للقانون الاستثنائي، فاننا يجب ان نكون بغالا تستحق الهراوة. ولكن هذه ليست مساومة.

لن نرتهن لشيء، نحن لا نضحى بمبدأ، ولانضحى بمصلحة، على النقيض، نحن نتصرف وفق مصلحتنا وحدها، التي كان يمكن ان ننتهكها اذا ما تصرفنا خلاف ذلك. تترتب الالتزامات على خصومنا. هذه التاكتيكات بسيطة للغاية وطبيعية حتى انها تعرضت للتساؤل فقط لبعض الوقت بواسطة هواية ركوب المبادئ غير الواضحة، فبمجرد ان توقف قادة الحزب عن التوصية بهذا التاكتيك لكوادر واعضاء الحزب، اتبعوا غريزتهم السليمة ونفذوه فى كل الاحوال من فوق رؤوس هؤلاء القادة. ومن وقت لا خر تقررت خطوط العمل وفق كل حالة نوعية. لا متاجرة، ولاعمل خفى، نحن نهاجم العدو علنا وبشكل مكشوف، وحين يقف خصمان احدهما فى مواجهة الآخر ان كان لا حدهما ان يكسب تفويضا، فاننا نضرب الاخطر فيهما حتى يسقط.هذه سياسة القتال وهى التي تلائم حزبا مقاتلا.

فى الانتخابات الاصلية للرايشستاج، نحن حزب مقاتل يكسب حصته بقوته فى التمثيل الشعبى. نحن نقدم جبهة معركة لكل الاحزاب، ولانستثنى هؤلاء الذين قد نصوت لهم فى الانتخابات التكميلية كما تتطلب مصلحة حزبنا. ولكن فى الانتخابات التشريعية البروسية من المستحيل ان نكسب ممثلا واحدا بقوتنا وحدها، من اجل ان نكسب واحدا او اكثر فمن الضرورى ان نتوجه لحزب بورجوازى ونتاجر معه سياسيا. فى انتخابات الرايشستاج نحن اقوى حزب فى المانيا، ولكن فى الانتخابات التشريعية البروسية فاننا اضعف من الجميع، وبالفعل عاجزون تماما، لا نه فى ظل ” أسوأ القوانين الانتخابية ” لدينا صوت، لا شك فى ذلك، لكن احالوه باطلا، ولايمكن تأمين تفويض الا تحت شرط ان نصبح ما شية تصويت غبية للحزب البورجوازى.

فى الانتخابات التشريعية البافارية الامور مختلفة الى حد ما . لا تجعل قوانين الانتخابات فى بافاريا من المستحيل تامين تفويض.

ولايقدح هذا فى رفض المساومة، وانما على النقيض، يضع ” تجارة الماشية ” التي جرت هذا الصيف فى ضوء اسوأ بعد.

لن ادخل هنا فى اسس معارضة الاشتراك فى الانتخابات التشريعية البروسية. ان اضعاف المعنويات من خلال تغيير الجبهة فى انتخابات الرايشستاج والانتخابات التشريعية، تشوش العقول، ترخى الانضباط، وفوق كل شيء تطمس طابع الصراع الطبقى لحزبنا الذي اعلنته قبلا ومن ضمن آخرين فى معظم الاحيان وبشكل مشدد ولن اتعب من تكرار ذلك للقارئ.

هناك شيء واحد بعد.

اذا ما كان لدى الاحزاب البورجوازية قدرا من الحيوية فلن يحتاجوا معونتنا فى تأمين النصر فى الانتخابات التشريعية البروسية. ولايمكن لا حد أن يسرق منهم الاغلبية اذا لم يتخلوا هم عنها. كيف يمكن ان نساعدهم اذن؟ هل يمكن لا حد ان يجعل الكسيح او المخمور يمشى؟ يمكن مساعدتهم على الوقوف، ولكن اذا ما تركتهم سرعان ما يقعوا مثل زكيبة فارغة. لا نستطيع ان نتجاوز هذه المعضلة، اما ان البورجوازية ما زال لديها حيوية سياسية.- وفى هذه الحالة لا تحتاج مساعدتنا، او ليست لديها حيوية، وفى هذه الحالة لا فائدة فى مساعدتنا. هل يمكن لا حد ان يتوقع تحالفا مع جثة؟

العمل المستقل هو الشيء الوحيد العملى 

هناك من وجد خطأ فى جانبى لا ننى قلت فى الجريدة ان صدور قانون جديد استثنائى مناهض للاشتراكيين سيكون اهون شرا من طمس التناحرات الطبقية وخط الحزب والاندماج مع الحزب البروسي التقدمى فى الانتخابات التشريعية. كلما تأملت فيما قلت كلما ازددت اقتناعا بصواب هذا الموقف. لا ى شيء سيتحول حزبنا اذا ما سمحنا لا نفسنا ان نبعد عن مسار مبادئنا بحجة الاخطار التي هددتنا وتهددنا وفقداننا بعض المنافع؟ الخوف فى الأمثال هو محدد بائس للفعل الانسانى، ويعنى بالنسبة للحزب الدمار. لقد سبب الخوف من الحركة العمالية والاشتراكية السقوط السياسي للبورجوازية الالمانية، وسوف تكون ايام الاشتراكية الديموقراطية معدودة بمجرد ان تجد صيحة الخوف استجابة فينا. لا ينبغى ان نتحدى، ولكن لا يجب علينا ان نطلق الانذار وأن يضلنا الخوف لاتخاذ خطوات لا تتفق مع المبادئ، ولا طبيعة وشرف الحزب. لا يمكن لنا نزع سلاح العدو بالرقة والجبن، فذلك ببساطة تشجيع له. وليس معنى هذا ان نسعى لخبط رأسنا بالجدار. نحن نرغب فى ان نكون ويجب ان نكون ” عمليين “. لكن هل انكرنا هذا ابدا او وضعناه موضع مساءلة؟ لقد كنا دائما ” عمليين ” على الرغم من مناقضة برنشتين. لقد اسسنا جهودنا دائما على الظروف القائمة وعملنا بشكل منهجى واعيننا على الهدف. فى المدن، والولايات، والامبراطورية، ساندنا كل التحسينات الضرورية، ان لم تكن قد اقترحت اصلا من قبل الاشتراكية الديموقراطية. فكروا فقط فى الاصلاح الاعظم من بين كل الاصلاحات، اصلاح الشر الاجتماعى، حيث الحكومة، ان لم ترغب فى بناء الاطلال او قصور الهواء يجب ان تعتبر المطالب التي طرحناها منذ ما يزيد على عشر سنوات مضت.

يمكن لنا ان نقول عن انفسنا، ليس فقط اننا عمليون، وانما اننا الحزب العملى الوحيد – العملى بمعنى المعقول. ان من يدركون قوانين التطور العضوية ويكافحون بشكل منهجى فى تناغم معها نحو هدف محدد هم العمليون فقط. وهذه هى الطريقة التي نعمل بها. وخصومنا اما لا يعرفون هذه القوانين، او يدركونها ويسعون لحرفها او كسرها. ان من يسعى لدفع الماء جبرا نحو الهضاب ليس عمليا بالتاكيد، وهذا هو الهدف الغبى لخصومنا. مما لا ريب فيه انه قد قيل ان العمال وحدهم لا يمكن ان يؤمنوا تحرر الطبقة العاملة، وان العناصر المثقفة الذكية من الطبقات الاخرى لا بد ان تتعاون معهم. يوجهون عنايتنا للاجراءات المتعددة المفيدة للطبقة العاملة التي سنتها قانونا او ساندتها الاحزاب البورجوازية. لكن هذا تعليل سوفسطائي. لا نه ( وفى هذه المسألة فإن برهان بسمارك غاية فى الوضوح ) ما من واحد من اجراءات الاصلاحات الاجتماعية هذه، وهى بالتأكيد قليلة للغاية، لم تكن لتسن بدون مبادرة وضغط البروليتاريا والاشتراكية الديموقراطية.

يزعم برنشتين ان الاشتراكية هى الناتج النهائى لليبرالية. ويعنى هذا الزعم الانكار المطلق لوجود أى تناحرات طبقية.

لقد عكس هذه الجملة ميكيل، رفيقى السابق فى جريدة ” ان كوميونيسمو ” والمستشار الحالى فيما يتعلق بها، وهكذا يقرأها، ليبرالية فى الناتج النهائى للشيوعية. وأن ليبرالية ميكيل تقترب بشدة من النزعة المحافظة، بالمعنى الالمانى، اى، المثال الزراعى القروسطى للرابطة الشخصية، ويعرف ذلك كل من له اذن تسمعان وعينان تريان.

لا، يجب ان تظل الاشتراكية الديموقراطية لنفسها، يجب ان تسعى من اجل / وأن تولد قوتها من داخلها. اى قوة خارجنا نسعى لا ن نتكأ عليها هى بالنسبة لنا ضعف فحسب. فى الوعى بقوتنا، فى ايماننا بمهمة الاشتراكية فى غزو العالم يكمن سر نجاحنا الاستثنائى وتقريبا العجائبى.

لم يكن الاسلام قابلا للهزيمة طالما وثق فى نفسه فقط ورأى عدوا في كل من هو غير مسلم. ولكن من اللحظة التي دخل فيها الاسلام مسار المساومة واتحد مع غير المسلمين، ما يسمى بالقوى المتحضرة ( يقصد الرأسماليات الامبريالية – المترجم ) فإن قوته القاهرة قد تبددت. لم يكن الامر مع الاسلام ليكون غير ذلك. لم يكن العالم الحقيقى ليخلص الايمان. على اى حال فالاشتراكية هى هذه، وهى لا تستطيع ان تقهر العالم او تخلصه اذا ما كفت عن ان تؤمن بذاتها فحسب.

وعلى ذلك، فلن نلتفت عن التاكتيكات القديمة، ولا عن البرنامج القديم. سنتقدم دائما بالعلم والتطور الاقتصادى، نحن ما كنا وسوف نظل ما نحن عليه.

او – ان تكف الاشتراكية الديموقراطية عن الوجود.

Advertisements

تسعدني تعليقاتكم

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s