السيسي والأربعون حرامي

Posted: 28 يونيو 2015 in مختارات سياسية, عمال وجماهير
الوسوم:, , , ,
نزار مانك وجيريمي هودج*
ترجمة ياسر عزام
الناشر وحدة الترجمة – مركز الدراسات الاشتراكية

في 9 ديسمبر 2014، في مقر واحدة من أقوى الأجهزة المناهضة للفساد في مصر، في هيئة الرقابة الإدارية، جمع رئيس الوزراء إبراهيم محلب المسؤولين في الدولة لوضع خطة قومية لمكافحة الفساد خلال أربع سنوات. لقد كان التوقيت مبشراً، فقد كان في اليوم العالمي لمناهضة الفساد.

اجتمع المسئولون في غرفة بيضاء ضخمة مليئة بكراسي سماوية اللون. كان هناك وزير الداخلية محمد إبراهيم (قبل إقالته) بجانب رئيس هيئة الرقابة الإدارية محمد عمرو هيبة (تم استبداله وتولى منصب مستشار للرئيس عبد الفتاح السيسي)، وعزت خميس مساعد وزير العدل، وخالد سعيد رئيس الأمانة الفنية لجهاز يعرف باللجنة الوطنية التنسيقية لمكافحة الفساد.

انسابت آشعة الشمس من النوافذ على الحوائط البيضاء. تفاخر محلب بنجاح السيسي في صعود مصر عشرين مرتبة في آخر مؤشر سنوي صادر عن مؤسسة الشفافية الدولية للفساد العالمي من المرتبة 114 إلى الـ94 من مجموع ما يزيد على 170 دولة. يبدو أنه شأن عائلي، فواحد من أبناء السيسي، مصطفي، هو ضابط في هيئة الرقابة الإدارية وجزء من هيئة مكافحة الكسب غير المشروع. والذي ادعى في أبريل مساعدة أمن الدولة في تحضير قضية ضد سبعة مسئولين ومتعاقدين حكوميين والذين تم إتهامهم بطلب ودفع رشوة مجموعها 170 ألف دولار داخل الهيئة القومية لمياة الشرب والصرف الصحي بمحافظة البحر الأحمر.

لكن تحقيقنا الذي استمر لمدة عام، مبني على وثائق مسربة وشهادات من الداخل، تكشف عن مستنقع من ممارسات الفساد وفشل ذريع في الحد من فساد هذه المجموعات بعينها التي تدعي مكافحته. كبداية، خبأ مسؤولون مصريون 9.4 مليار دولارا من أموال الدولة في حسابات لم يتم مراجعتها في البنك المركزي المصري، بالإضافة إلي بنوك تجارية مملوكة للدولة، وتم صرفها بحلول نهاية العام المالي 2012-2013 تحت بند “صناديق خاصة”، العديد من هذه الحسابات تديرها أجهزة مثل وزارة الداخلية وهيئة الرقابة الإدارية.

بعد انقلاب الجيش المصري على الرئيس السابق محمد مرسي في 2013 وسيطرته على السلطة مع نهاية العام المالي، فمن الممكن أن يكون جزء من المساعدات الخليجية التي انسابت إلى البلاد قد حُفظ في حسابات الصناديق الخاصة التي يديرها الجيش. بثت قناة “مكملين” في اسطنبول مبكراً هذا العام سلسلة من التسجيلات الصوتية للسيسي ومدير مكتبه عباس كامل وهو يناقش نقل 30 مليار دولار من مساعدات الخليج لحسابات يديرها نشطاء بحركة تمرد، والتي لعبت دور رأس الحربة لدفع الجماهير ضد مرسي في يونيو 2013.

يبدو أن حسابات الصناديق الخاصة هذه ذات صلة برئيس هيئة الرقابة الإدارية في عهد مبارك اللواء أركان حرب محمد فريد التهامي، الرجل الذي يُعتبر المستشار الخاص للسيسي (كان أول تلاقي للاثنين عندما كان التهامي مدير إدارة المخابرات الحربية والاستطلاع في مصر). أثناء العام المالي 2010-2011، كانت حسابات هذه الصناديق الخاصة تتضمن 900 مليون دولار، بعضها استخدمته هيئة الرقابة الإدارية، ولكن ليس واضحاً كم يبلغ هذا الكم بالضبط. كان هذا هو نفس العام الذي خُلع فيه مبارك. وبعدها بقليل، أقال الرئيس مرسي التهامي من هيئة الرقابة الإدارية بعد تحقيق من المدعي العام بتهمة بتخريب أدلة إثبات لحماية أعضاء في نظام مبارك. اتُهم التهامي بتهم جنائية مثل إخفاء أدلة تورط رجال أعمال يرتبطون بكبار جنرالات المجلس الأعلي للقوات المسلحة والذين باعوا وقودا مدعما بشكل غير شرعي واستخدموا أموال ميزانية الرقابة الإدارية لشراء هدايا لرئيس المجلس الأعلي للقوات المسلحة وقتها المشير محمد حسين طنطاوى. لكن عندما تولى السيسي السلطة، اختفت القضية بشكل غامض وعُيّن التهامي (الذي تقاعد مؤخرا) في قيادة إدارة المخابرات العامة، التابعة للجيش والتي تكتب تقاريرها مباشرة إلى مكتب الرئيس.

سبب الانتشار الكبير للكسب غير المشروع، على الرغم من العدد الضخم من الهيئات الحكومية التي أُسست لمحاربته، هو أن هذه الهيئات تعمل دون مُساءلة من أحد. الآن، خطة مصر لمكافحة الفساد تستهدف الهيئات الممثَلة في اجتماع ديسمبر، جنباً إلى جنب مع هيئات أخرى تتضمن المخابرات، بتنفيذ سلسلة من المؤشرات، عملية كانت قد بدأت العام الماضي وتم إعدادها لتنتهي في 2018. هذه المؤشرات تتضمن تدابير تبدو حسنة النية مثل “إنشاء محكمة خاصة للتصدي لقضايا فساد أثناء 2015-2016″، و”تمرير قانون مجتمع مدني جديد”، و”خلق وسائل رسمية لتبادل المعلومات بين المجتمع المدني والأجهزة البيروقراطية وهيئات مكافحة الفساد” (ولكن بطريقة لا تضر “الأمن القومي”).

كان من المفترض أن يُقاس التقدم على أساس العديد من مؤشرات الأداء. أكثر الوسائل شيوعا بين هذه المؤشرات هي “تقارير” تُصاغ بشكل غامض بعلم اللجنة الوطنية التنسيقية لمكافحة الفساد. من غير الواضح أي جهة ستصيغ التقارير أو أن المهمة ستكون من اختصاص اللجنة الوطنية التنسيقية، والتي هي الجهة الأساسية الموكل إليها تنفيذ ورصد هذه الاستراتيجية المناهضة للفساد.

أعضاء اللجنة التنسيقية الوطنية يتضمنون ممثلين من عدد من الهيئات الخاضعة للمساءلة، مثل وزارات غابت عنها الإصلاحات، ومجموعات مكافحة الفساد المصرية مثل هيئة الرقابة الإدارية، ووحدة مكافحة غسيل الأموال، والنائب العام، ووزير الداخلية، والمخابرات، ووزير العدل. العديد من هذه الكيانات تورطت في أعمال فساد، أو جرى تحقيق جدي معها من قبل الجهاز المركزي للمحاسبات، جهاز حكومي للمحاسبة ومكافحة الفساد يترأسه هشام جنينة، وبالتالي فهمبين اللاعبين الأكثر اهتماماً بإفساد لجنة مكافحة الفساد (وزارة الداخلية أيضا اشتهرت بسلسة من الإنتهاكات لحقوق الإنسان، والتي تتضمن مذبحة رابعة العدوية بحق مؤيدي الإخوان المسلمين والتي تلت الانقلاب العسكري المصري المعادي للإسلاميين، والذي زعمت المخابرات بقيادة التهامي المساعدة في تخطيطه وتنظيمه). من الممكن أن تكون هذه المجموعات الفاسدة قد بدأت تحويل اللجنة الوطنية التنسيقية إلي مكان للصفقات السرية.

وكنتيجة لذلك، ومنذ تمثيل الجهاز المركزي للمحاسبات وهيئة الرقابة الإدارية في اللجنة التنسيقية الوطنية، فإن تحقيقات الجهاز المركزي للمحاسبات وضعتها في موضع خلاف مع عدد من الجهات. وبشكل خاص، خلال العام الماضي، تسبب جنينة في عدة فضائح لوزارة الداخلية، متهماً أعضاء فيها بشفط أموال الدولة علناً إلى حسابات بنكية خاصة. كما اتهم أفراد من النيابة العامة وهيئة الرقابة الإدارية بشراء أراضي مملوكة للدولة بأسعار أقل من قيمتها، كما اتهمهم بالعمل بنشاط من أجل تخريب قضاياه ضد الفساد عبر تعطيل القضايا التي يرسلها الجهاز المركزي للمحاسبات إلى المحاكم. استهدف جنينة أيضاً من قبل أعضاء بارزين في القضاء. هؤلاء القضاة يشملون وزير العدل المعين حديثاً أحمد الزند وزملاءه الذين أرادوا التخلص من جنينة، وقد قاموا برفع دعوى لإقالته بتهمة إهانة أعضاء في القضاء، الدعوى التي نظر فيها مكتب النائب العام القريب من الشرطة والجيش والقضاء برئاسة الزند. يبدو من المرجح وبشكل متزايد أن القضاء سيمنع أي جهود إدعاء يجلبها جنينة.

يبدو أن جنينة سمكة وحيدة في مياه تنتشر فيها التماسيح، ولكنه محصن جزئياً بدعمه الشديد للسيسي والنظام العسكري المصري الحالي. فقد ادعى جنينة في ظهور إعلامي أن السيسي أعطاه الضوء الأخضر لاقتلاع الفساد في مؤسسات الدولة بما فيها وزارة الداخلية، كما ادعى في كثير من الأحيان أن الجيش المصري ومكتب رئيس الجمهورية خاليان من الفساد، كما لم يخفوا أي شيء عن فريق المحاسبات.

حتى الآن ولاء جنينة مازال يؤتي ثماره، فقد حُكم على مذيع تلفزيوني بارز بالحبس ستة أشهر بتهم تتضمن إهانة جنينة على الهواء واتهامه بعضوية جماعة الإخوان المسلمين المحظورة حالياً. ثم وفي نوفمبر العام الماضي، قدم جنينة مذكرة إلى كل من السيسي ومحلب متهماً الشرطة بالسطو على غرفة استخدمها مراجعوه أثناء تحقيق في وزارة الداخلية. ومع ذلك ، يعمل جنينة معهم في اللجنة الوطنية التنسيقية لمكافحة الفساد الآن.

دعم السيسي والجيش لجنينة هو فقط أحد العلامات على احتمال تخطي المهمة لأهدافها الأساسية: قوات الأمن والمخابرات المصرية يمكنها أن تلعب بشكل جيد دوراً موسعا في الفساد. فرغم كل شيء، فإن سيناريو مشابه قد حدثفي الجزائر. قبل الحرب الأهلية الدامية في البلاد في التسعينيات، ركزجهاز المخابرات المسمى إدارة الإستخبارات والأمنبشدة على شئون الأمن ومكافحة الإرهاب. بعدها مُنحت السلطةللتحقيق في الفساد الداخلي في مؤسسات الدولة، ما يشمل الوزارات والشركات المملوكة للدولة متشابكاً بشكل وثيق مع شبكة أصحاب القرار (décideurs) في الجزائر: سماسرة السلطة الرئيسيون وصناع القرار في الدولة.

منذ الحرب الأهلية، يقود رئيس المخابرات العسكرية اللواء محمد “توفيق” مدين– الذي تدرب في الاستخبارات السوفيتية كي جي بي – قوات إدارة الاستخبارات والأمن،ويعتقد بأنه منخرط في صراع على السلطة مع الرئيس عبد العزيز بوتفليقه. منذ حينها ومدين يراقب كل عمليات الدولة تقريباً،وأحياناً يسرب دليلاً للإبتزاز أو الإذلال العلني أو التخلص من غريم سياسي– مثلما قد يكون قد حدث من قبل من في الإعلامالمصري،كثيرمنهم لديه علاقات عسكرية وثيقة.”مؤسسات الدولة هي المعارضة الأقوى والأكثر خطورة للسيسي”، هكذا كتب إبراهيم عيسى، شخصية أخرى بارزة إعلامياً والمعروفة على نطاق واسعة ووثيقة الصلة بالقوات المسلحة، في عمود هذا الشهر بصحيفة المقال.

تفاصيل استراتيجية مكافحة الفساد الصادرة مؤخراً، والتي تتكون من 32 صفحة، هى نفسها مربكة بشكل بائس. إنها حتى لا تحدد أو ترسم الدور أو التأثير الذي يمكن أن يحصل عليه كل عضو من أعضاء اللجنة الوطنية التنسيقية لمكافحة الفساد . الصفحات الست الأخيرة، والتي تحدد تلك المعايير لمكافحة الفساد والتي سيكون للشرطة والمخابرات المصرية دور الإشراف عليها، ووضع الإطار الزمني لما ستنفذه، غائبة بشكل واضح عنالترجمة الإنجليزية ذات العشرين صفحة والفرنسية ذات الـ23 صفحة والتي وزعتها اللجنة. هذه الإصدارات تشمل خلق هيكل “عادل” لأجور للبيروقراطيين وتقنين حماية المبلغين عن الفساد وحرية المعلومات، وتعديل قوانين المناقصات والمزايدات.

لابد أن واضعي هذه المسودة قد استبعدوا هذه المعايير لتجنب المسئولية. فعلى الرغم من أن الاستراتيجية الوطنية لمكافحة الفساد في مصر تحاول خلق مساحة للمجتمع المدني ووسائل الإعلام والجهات الفاعلة الأخرى للمشاركة في مراقبة الفساد وتنفيذ معايير الاستراتيجية، إلا أن هؤلاء المراقبين قد حيدوا أو جردوا من قدرتهم على العمل بحرية إلى حد كبير. على سبيل المثال، فإن مشروع قانون، سُرّب في نوفمبر 2014، يسعى لتجريم نشر أي معلومات تتعلق الجيش، التي يعتبرها “أسرار تتعلق بالأمن القومي بطبيعتها.” وعلى الرغم من أن القانون لم يُقر بعد، إلا أنه كان لديه بالفعل تأثير سلبي. لم تنشر الصحافة المصرية المحلية أي من المحادثات بين السيسي ورئيس مكتبه المسربة في وقت سابق من هذا العام.

على الرغم من قلة من تجرأ على كتابة تقارير عن التسريبات، بدأت الشرطة باتخاذ إجراءات صارمة ضد وسائل الإعلام، واستهدفوا نفس الصحفيين بعينهم منعوا أنفسهم من كتابة تقارير عن الجيش. فبدلا من ذلك، نشر هؤلاء الصحفيون قصصاً عن وزارة الداخلية. على مدى الأشهر القليلة الماضية، استدعت الشرطة عدداً من الصحفيين من صحيفة المصري اليوم اليومية الخاصة وصحيفة الدستور الموالية للنظام، وأحالتهم إلى نيابة أمن الدولة بعدما نشرت كلتا الصحفيتين عن مزاعم الفساد داخل وزارة الداخلية. من المفارقة بما يكفي، ادعت جريدة الدستور أن وزارة الداخلية هي التي رشحت الصحفي الذي ترأس صفحة الحوادث التي نشرت قصة الفساد المثيرة للجدل. مع ذلك، لم يتبقي أحد منهم قيد الاعتقال، وبحلول هذا الشهر، قالت الوزارة أنها أسقطت الدعاوي القانونية ضد المصري اليوم كجزء من “جهودها لتعزيز علاقتها مع مختلف الأطراف في الوطن ووسائل الإعلام المختلفة.”

مشروع قانون آخر، صدر بعد فترة وجيزة من ارتقاء السيسي لمنصبه الرفيع، يمنح الحكومة السلطة لإغلاق، وتجميد الأصول، ووقف التمويل ومصادرة الممتلكات، ورفض مجالس الإدارة لأي من المنظمات غير الحكومية، وتجريدهم من أي قدرة على فرض المعايير التي وضعتها مصر لنفسها في استراتيجية مكافحة الفساد. مثلما حدث خلال حكم مبارك، فقد تعلم السيسي كيفية تعزيز سلطته. ولكن خطته هي استراتيجية توحيد مختلفة: في خضم التنافس الشديد بين القوات المسلحة ووزارة الداخلية، حبذ مبارك الشرطة بسبب خوفه من حدوث انقلاب عسكري محتمل، كما استخدمهم في كثير من الأحيان للتجسس على الجيش والحد من صلاحياته. وإلى حد ما، سعى مبارك لكبح جماح نفوذ الشخصيات العسكرية الراسخة، بنفس القدر الذي سعى بوتفليقة في الجزائر إلى تحقيقه في أواخر عام 2013 مع منافسه مدين، (وهو ما قيل أنه قام به عن طريق سحب وحدات إدارة الاستخبارات والأمن لمكافحة الفساد والاستخبارات العسكرية من يد الإدارة ووضعها في يد من رآه مواليا وعينه وزير الجزائر للدفاع) ولكن، فالسيسي يميل أكثر نحو الجيش والاستخبارات العسكرية كما أنه سيطر على الأجهزة الأمنية غير العسكرية.

تصرفات السيسي تعيد إلى الذهن قصة علي بابا، وكيف خدع أربعين لصا وحصل على ذهبهم بتعلّمه لكلمة السر التي تفتح مغارة كنوزهم، “افتح يا سمسم!” في هذه الحالة، فكلمة السر هي “مكافحة الفساد”.

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

* نزار مانك هو كاتب مساهم في أفريكا كونفيدنشيال، وجيريمي هودج صحفي استشاري أبحاث. نُشر هذا المقال يوم 26 يونيو 2015 على موقع فورين أفيرز.

Advertisements

تسعدني تعليقاتكم

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s