وداعا.. د. عبد العزيز الدسوقي

Posted: 28 يوليو 2015 in كتابات أدبية وفنية
الوسوم:,
جريدة القاهرة
28 يوليو 2015

حكت لنا أمي أن آخر شيء حاول فعله أبي صبيحة يوم نقله للمستشفى قبل وفاته بسويعات قليلة، بعد أن سقط شبه مشلول في الحمام.. أن ينحني ليساوي بيده حصيرة بلاستيكية ثنيت تحت قدميه فلم يستطع، بل كاد أن يسقط من بين يديها، لم يعينه نصفه شبه السليم على فعل أبسط الأشياء.. هكذا يموت بعض الناس حينما يعجزون عن فعل الأشياء البسيطة، فما بالنا بما أصبح مستحيلا من الأشياء المتوسطة والكبيرة.

ليست صدفة أن يكون هؤلاء الأشخاص هم المخلصون في عملهم والمتفانون في حب الغير ومساعدته مهما كلفهم الأمر من مال وجهد ووقت، ليست صدفة أن يرحل معظم هؤلاء دون أي ضجيج أو مراسم أو احتفاءات بذكراهم وصنائعهم في الحياة. فهؤلاء عاشوا وماتوا كنباتات الظل الجميلة التي تخشى الضوء، ليس بوصفه مساحة للخداع فقط، بل بقدرته على منعهم من النمو والعطاء تمهيدا لقتلهم. هؤلا فقط هم من يحملون رسالة مفادها “حياتي تكمن في استمرار حياة الأخرين” ويرحلون سعداء فقط لو أدوا ما اؤتمنوا عليه من وديعة لا يعرف قيمتها سوى أشباههم من محبي الإنسانية وقيمها النبيلة.

لم يحالفني الحظ لأتعرف على د. عبد العزيز الدسوقي عن قرب، فقد رأيته للمرة الأولى منذ أربع سنوات في أول أيام شهر رمضان، جمعنا إفطار عائلي عند أهل زوجتي فهو جدها لأمها، كان يسير ببطء بنظر ضعيف أنهكته سحابة المياه اللعينة، أكل وقتها ما يكفي لبطن طائر صغير، وصلى معنا المغرب جالسا على كرسيه، كلماته قليلة ومرحبة بوجه بشوش اعتلته علامات العجز فجأة دون أن تواتيها الفرصة لنحت التفاصيل وتغيير الملامح. هكذا ظلت علاقتنا محدودة بفعل الوضع الصحي الذي آل إليه ولقاءاتنا القصيرة المتباعدة، حتى مرضه الأخير قبل رمضان الماضي بأيام ودخوله المستشفى وسيطرة حالة من الضعف والوهن وعدم القدرة على تصرفاته.

ظننا بعد خروجه أن الأمور استقرت إلى حد ما، ولكن بلوغه التسعين وكفه عن مزاولة أية أنشطة في حياته مثل المشي وقراءة الجرائد والاستماع للإذاعة ومطالعة بعض الكتب في سنوات ما قبل بلوغه العام الخامس والثمانين، بالإضافة لافتقاد الرؤية بوضوح وضعف السمع إلا على مقربة وسيطرة النسيان على الذكريات والتفاصيل في سنواته الخمس الأخيرة.. كل ذلك لعب أدوارا طبيعية في حضور الموت كضيف ثقيل على حجرته العامرة بالكتب المتنوعة والمجلدات التراثية وأعداد المجلات القديمة، ليترك جسده لنا نتحسس مواضع كدمات دخول الحقن في أوردته، ونمسد عظامه البارزة وأطرافه الباردة لعوده النحيل التي أتت عليه السنون، أملا في استشعار نفسا يعلو أو يهبط أو دقة قلب تحرك ما بدواخلنا معلنة بقائه حيا ولو لفترة وجيزة.

لكاتبنا مؤلفات كثيرة تقترب من عدد سنوات عمره، علاوة على المقالات والدراسات القصيرة التي نشرها في العديد من الصحف والدوريات، ومنها مجلة الثقافة التي تشرفت برئاسته لتحريرها. وبالرغم من هذا التاريخ الحافل بالمؤلفات وحياته العامرة برحلات التنقيب والغوص في الأدب العربي خصوصا في شخصية المتنبي الأقرب لروحه، لم يعش ناقدنا الأدبي بعيدا عن شقته التاريخية المتواضعة على طرفي تلاقي حي السيدة زينب والحلمية الجديدة، ورغم سفره للتدريس خارج مصر، فلم يكن من ماسحي الأجواخ والمقربين للبلاطات الملكية والرئاسية لينعم عليه أحدهم بوسام أو جائزة أو حتى تأمين مستقبل بوظيفة تدر دخلا يصنع ثروة معقولة، فقد ظل شخصا متواضعا متفانيا في عمله ومحبا لعلمه ومساعدا –بشهادات الكثيرين- للشباب في النشر وتوجيه النصح، وهذا ما يفسر حالة الصمت التي قوبل به رحيله رسميا مثلما حدث مع أقرانه العطائين.

في أخر سنوات عمره بدى وكأنه متوحدا مع نفسه أكثر، فياللعجب بدلا من أن نكتشف أنفسنا وندنو منها بود شديد معترفين بحقوقها علينا في وسط الحياة بتفاصيلها ونحن بعافيتنا، يحدث ذلك فقط في اللحظات التي نقترب فيها من ملامسة النهايات مودعين كل شيء بما فيه أنفسنا، يحدث ذلك بوصفه فقدان أكثر للنفس ونفاد قدرتها على التواصل مع الآخرين بتفاصيل عوالمهم حلوها بمرها. وفي أيامه الأخيرة كان يردد أية من سورة الرحمن تحتوي على مفردتي السماوات والأرض، ظلت تتناقص ليردد فقط تلك الكلمتين وكأنه يشعر بأن روحه معلقة بينهما، وفي يومه الأخير، 24 يوليو 2015، لم يردد سوى كلمة السماوات فقط.. محلقا بمفرده من فوق السرير الصغير الذي احتضن جسده الهزيل لسنوات طوال، ومغردا بها عبر أنفاسه الأخيرة.

عثرنا ونحن نقلب في أوراقه بحثا عن بطاقته الشخصية لاستخراج تصريح الدفن، على مفكرة صغيرة دون بها جملة بخط يده في ٢٨ أكتوبر ٢٠٠٩ يقول فيها “أصبحت أنسى الأسماء وهذا أمر خطير لأن جميع الأشياء التي أريدها لها أسماء فكيف أعيش”. ناقدنا الكبير يؤكد علينا قبل رحيله بست سنوات رسالته التي عاش من أجل إيصالها إلينا: لا تنسوا.. لا تفقدوا ذاكرتكم، ففيها إنسانيتكم. رحمه الله وأعطاه على قدر مساهماته في خدمة الأدب والإنسانية.

11823806_112454172433680_1779075301_n

تسعدني تعليقاتكم

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s