سرد أحداث موت مفاجئ

Posted: 3 سبتمبر 2015 in نصوص وخواطر
الوسوم:,

استهلال:

28 فبراير 1938: الست محمد حسان تضع مولودها الأول أنثى، فتقرر مع زوجها محمد يوسف زلمة أن يسمياها “حورية”. تكبر الصغيرة بجوار شقيقها يوسف الذي ولد بعدها بعامين، وسرعان ما تيتما بعد سنوات قليلة بفقد أبيهم في حادث سقوط من أعلى أثناء عمله في إحدى مشروعات الاحتلال الإنجليزي لأرض المحروسة.

عام 1952: تتزوج حورية بنت الـ14 ربيعا من عامل الكهرباء الفقير إلى الله عبد المعطي عبد الرسول موسى ورد، في حجرة متواضعة بمنطقة قايتباي الأثرية بحي الجمالية بالقاهرة الفاطمية، ليعيشا معا رحلة طويلة امتدت حوالي 42 عاما من الكفاح الإنساني في مواجهة شظف العيش وقسوة الحياة.

1954: تنجب الأم الصغيرة مولودها الأول “محمد” توفي بعدها بعامين ونصف العام، وفي عام 1956 تنجب هدى، وخالد في 1958، وناهد 1960 (ولدت ميتة)، وإيمان 1962، وإسلام 1963، وياسر 1966، وأخيرا أيمن (أنا) 1970.

25 يناير 1990: توفيت والدتها الجدة الجميلة التي لعبت دور الأم الثانية معنا، والتي ربتني صغيرا، والوحيدة التي أبكتني يوم رحيلها الذي رمى بداخلي بذرة الاكتئاب.

رحلة المرض:

1993: عندما أتمت عامها الخامس والخمسين دخلت للمرة الأولى غرف العمليات بمستشفى القوات المسلحة بالمعادي، لتستأصل ثديها الأيمن بسبب السرطان الخبيث لتوجعني في كل شيء حتى اسمي. لم تكن تشكو من شيء قبل ذلك، وظلت طوال هذا العمر جملا صبورا يمكنك الاعتماد على قوته وجلده حتى في أسوأ الظروف.

7 نوفمبر 1994: توفي زوجها في مستشفى الجوي العام بالعباسية عصرا بعد نقله لها صبيحة نفس اليوم، لتبدأ حورية رحلة الحزن والفقد بأوجاع أكثر وطأة من فقد أجزاء من جسدها في جراحات متتالية. وقتها نما الاكتئاب بداخلي وأصبح مهيمنا “كشجرة خبيثة اجتثت من فوق الأرض مالها من قرار” ليتم زرعها بداخلي.

1995: جراحة ثانية لاستئصال الرحم بسبب النزيف خشية أن تكون الأورام السرطانية قد تسللت إليه، هذه الحورية التي لم تمرض من قبل يباغتها المرض الخبيث من حيث لا تدري بضربات موجعة تتحملها حبا في الحياة وفينا بوصفنا حياتها.

8 نوفمبر 2003: أنجبت طفلة بعد ولادة يوسف بخمس سنوات سميتها حورية، الاسم بديع ورائع ومعبر حقا، يا للحظ الجميل أن تكون أمك حورية وابنتك أيضا!.

2008: جراحة ثالثة للجدة ذات السبعين عاما تستأصل فيها ثديها الأيسر بعد تسلل السرطان له هو الآخر. كيف لهذا الماكر أن قام بفعلته هذه بكل خباثة ويسر؟!.

2009: تصاب باحتباس في البول كاد ينتج عنه ضرورة إجراء غسيل كلوي، ولكن الله ستر بعد إجرائها لجراحة تسليك للحالب بدون مخدر، بقرار جريء من الطبيب لتفادي الدخول في غسيل كلوي، وذلك لعدم وجود طبيب التخدير لحظتها بمستشفى غمرة العسكري. لا أدري كيف تحملت هذا سوى إيماني بقدرتها على التحمل كجبل لا يهزه “ريح صرصر عاتية”.

2012: تورم ذراعها اليمنى بشكل مخيف للدرجة التي باتت لا تستطيع عمل أي شيء به أو تحريكه دون مساعدة من ذراعها اليسرى التي أضحت هي الأخرى ضعيفة لا تقوى على حمل شيء، تماما كجسدها الذي أصابه الضعف والوهن وآلام العظام وخشونة الفقرات والمفاصل، حتى بدت أقصر مما قبل وتقوس ظهرها وسيقانها، وأصبحت لا تستطيع السير دون عصاتها التي لازمتها حتى قبيل وفاتها بأيام قبل أن يعجز جسدها تقريبا عن الحركة. لم تكف رغم كل ذلك عن الضحك وإلقاء الطرائف والحكم والأمثال في مواضعها وكلماتها اللاذعة ردا على العيوب والأخطاء التي تصدر من أحد، أيضا لم تكف عن الحكي وتذكر تفاصيل أزمنة مرت منذ بعيد.

29 ديسمبر 2013: رفيدة بنت شقيقي خالد تنجب طفلة تسميها حورية أيضا. فلتستمري يا حبيبتي جيلا بعد جيل، ولا تنقطع ذكراك، حية في قلوبنا وفي أسماء بناتنا.

موت مفاجئ:

11 أغسطس 2015: أبلغتني هدى شقيقتي الكبرى أن والدتنا مريضة منذ أيام، ذهبت على الفور لزيارتها، كانت تسير ببطء شديد في طريقها إلى المرحاض، وبدأ العد التنازلي في فقدها لشهيتها، بعد إصابتها بنوبة برد شديدة.

12 أغسطس: أحضروا لها طبيب في المنزل كتب لها مجموعة من الأدوية لإيقاف التقيؤ، الذي هو عبارة عن مخاط لزج معلق أعلى قصبتها الهوائية وبلعومها، خال من الطعام بالتأكيد والذي بدأت رحلة العزوف عنه.

14 أغسطس: قام شقيقي إسلام بشراء كرسي متحرك لتسهيل نقلها إلى أي مكان داخل أو خارج الشقة، ولكن دون فائدة فقدراتنا مجتمعة على حملها كانت أقرب للفشل منها للنجاح، فقط نجلاء زوجة شقيقي ياسر هي من استطاعت فعل ذلك، غير سهرها عليها لأيام بمشاركة هدى وزوجها بعدما أقامت عندهم بزوجها وأولادهما طوال فترة تعب والدتي الأخير. في كل مرة كنا نحاول مساعدتها على الجلوس كانت تمطرنا بكلماتها الموجعة “تقيلة عليك يا حبيبي” قبل أن تكف في أيامها الأخيرة عن الكلام أيضا.

15 أغسطس: ذهبت لرؤيتها مساء، وقررت بعد أن تيقنت من سوء حالتها أن نذهب بها للمستشفى صبيحة اليوم التالي، فاتصلت بإسلام ليأتي لنا صباحا لننقلها بسيارته. لم أنم سوى وقت قصير جدا لاستيقظ بسرعة في الصباح -على غير العادة- على صوت حفيف حركة أحدهم بالقرب مني.

16 أغسطس: في الصباح توجهنا إلى مستشفى غمرة العسكري وكشف عليها أطباء الباطنة والعصبية، وأجروا بعض التحاليل وأعطوها أدوية وعدنا للمنزل. قالت عنهم فيما بعد أنهم لا يفهمون شيئا، اكتشفنا بعد ذلك أنها كانت محقة فيما قالته.

17، 18، 19 أغسطس: لم تتحسن حالتها وبدأت في شبه الامتناع تماما عن تناول أية مأكولات أو مشروبات وعن الحركة أيضا، فقررت أختي الكبيرة، صاحبة الأمراض هي الأخرى، أن تلبسها حفاظة لعدم قدرتنا مجتمعين على نقلها إلى ومن المرحاض، وأقنعوها بصعوبة بالغة أن تقضي حاجتها فيها دون حرج.

20 أغسطس: هو اليوم الوحيد الذي لم أذهب لرؤيتها لارتباطي بزيارة أولادي. حكت لي زوجتي التي ذهبت يومها لزيارتها أن حالتها تسير إلى الأسوأ، وأن شقيقتي ستحتاج حتما لشخص أو اثنين للمكوث معها والقيام بمهام رعايتها. وأضافت أنها لم تعد تتحكم في نفسها، فبعد أن قاموا بتغيير الحفاظة لها بعد تنظيفها من البراز غاطت بكثافة قبل أن يقوموا بإردائها ملابسها. مسكينة يا أمي أنت يا من كنت تتباهين بنظافتك ونعومة ملمس بشرتك ونضارة جسدك الذي لم تنبت فيه أي شعيرات سوى في منطقة العانة فقط، يقوم أبنائك بتنظيفك مما لا تقوين على احتماله أو التحكم فيه.

21 أغسطس: كنا على موعد مع حفل زواج أسامة ابن شقيقتي الصغرى إيمان، كان اليوم جمعة، ذهبت مبكرا لرؤية أمي التي ساءت حالتها جدا وبدأت الدخول في شبه غيبوبة، مغمضة معظم الوقت، لا تقوى على الحركة والكلام والشكوى، رغم أنها في الأيام السابقة لم تتفوه سوى بكلمتين فقط “لا والنبي” مصحوبين بصراخ كتعبير عن رفضها لأي شيء وشعورها بالألم المستمر. استدعينا الطبيب مرة أخرى، فأوصانا بنقلها للمستشفى لعمل اللازم لها على أكمل وجه، وأخبرني أن الأعمار بيد الله. اتصلت بالإسعاف التي وصلت بعد 45 دقيقة وقمنا بنقلها لمستشفى القوات المسلحة بالمعادي، هناك وبعد الكشف وإجراء الفحوصات الطبية والتحاليل والأشعة، قرروا إيداعها الرعاية المركزة بقسم الأورام كحالة مشتركة بينهم وبين قسم الكلى، بعد أن اكتشفوا ارتفاع وظائف الكلى لدرجة كبيرة تستوجب إجراء جلسات غسيل لها.

ما لن أنساه ولن يغب عن ذهني ما حييت صورتها وهي جالسة على كرسي الإسعاف في حجرة الاستقبال منحنية برأسها ورقبتها جهة اليسار، فاغرة فاهها، متدليا نصف لسانها وكأنها تلهث، فاتحة عينيها على اتساعها ومثبتة نظرها صوب الأرض، لم تحد عن ذلك حتى أدخلوها الحجرة رقم 3 بالرعاية.

22 أغسطس: ذهبنا لرؤيتها في وقت الزيارة المتاح لمدة ساعة واحدة فقط من السادسة وحتى السابعة مساء. كانت في شبه غيبوبتها كما هي، ولكن الأطباء قالوا أن نسب وظائف الكلى بدأت في الانخفاض ومن ثم سيأجلون قرار الغسيل لربما تنخفض النسب مجددا وتستقر الحالة. الكل بكوا عند رؤيتها بحرقة وبعضهم انهار تماما، كان المشهد مؤلما بشدة، ولكن للأسف الشديد لم أتأثر مطلقا وكأنني تشربت صورتها لتعود وتسكن جسدها الذي أنهكته السنون والأمراض وتتركني صلدا، اكتفيت بتقبيلها أكثر من مرة وتمسيد جبهتها وذراعيها، كنت قد أوكلت لنفسي مهمة تنظيم دخول الزائرين.. شخصين في المرة الواحدة لدقائق قليلة، حريصا على محاولة إدخالهم جميعا أكثر من مرة وإبقاء أشقائي معها أطول مدد ممكنة.

23 أغسطس: ذهبنا كعادتنا في الموعد المحدد للزيارة، لم تتحسن حالتها بطريقة ملحوظة، ولكن الأطباء أكدوا مرة أخرى أن النسب في انخفاض مما يحسن من الوضع بشكل عام. قمت بمهمتي في تنظيم الزيارة لها كاليوم السابق. كل ما كان يقلقني أن تتحول هذه الزيارة إلى طقس يومي وتطول فترة ممارسته حتى نتساقط الواحد تلو الآخر ليأتي يوم لا يزيح أحدا منا ستارة حجرتها.

24 أغسطس: بدأت في الانتباه قليلا، ولكن الأطباء أشاروا إلى ثبوت النسب، معللين ذلك بأن الأمور تحتاج لأيام كي تشهد تحسنا ملحوظا، وأن ما حدث في اليومين السابقين يعد إنجازا ومؤشرا على أن الأمور تسير على ما يرام. يا ليتهم كانوا قد قرأوا الطالع وأخبرونا بما فوجئنا به بعدها بساعات.

25 أغسطس: في هذا اليوم كانت مفتحة العينين، وشعرت بيدي حينما حاولت إزالة شعرة اسدلت على عينها اليسرى برمشة لا إرادية، وهكذا تكررت فعلتها حينما حاول أحمد ابن هدى مسح دمعة كانت على وشك النزول من مقلتها اليسرى. انتابنا شعور بالارتياح لهذا التحسن في الوعي والإدراك، هي التي لم تنبس شفتاها بكلمة منذ دخولها المستشفى، أشارت بإيماءات محدودة ردا على أسئلتنا الملحة عن صحتها. فقط شقيقاي خالد وهدى قالا أنهما لم يلحظا أي تحسن في صحتها مما نتداول بعض الكلمات بخصوصه، وقالت هدى أنها في أسوأ حالاتها منذ دخولها الرعاية واستشهدت على ذلك بتركيب خرطوم للتغذية لها من أنفها كمؤشر -من وجهة نظرها- على أن بلعومها قد أغلق تماما وأنها لم تصبح تقوى على البلع حتى بطريقة دفع بعض السوائل فيه عبر سرنجة كبيرة. حاولنا إقناعهما بأننا بالتأكيد لن نكذب على أنفسنا وبالتالي لن نكذب عليهما، وأننا نأمل في أن يكون هذا التحسن الطفيف بادرة أمل لتحسن أكبر. للأسف لم نشعر بما شعرا به، وصدقنا سرابا مضللا.

الثلاثاء 25 أغسطس في تمام الساعة 11:30 قبل منتصف الليل: هاتفني أحمد متسائلا وهو يبكي عن صحة خبر وفاة جدته، تلعثمت ولم أفهم منه شيئا ولم أفده في أي شيء فأغلقت معه المكالمة سريعا بارتباك، اتصلت على الفور بالمستشفى فأكدوا لي خبر الوفاة. ارتديت ملابسي غير مصدق لشيء ونزلت معي زوجتي متوجهين إلى هناك. وصلت المستشفى وأدخلني العساكر حراس البوابة، سرنا في وحشة ليل المستشفى متعددة المباني الضخمة ذات الطرقات الطويلة الممتدة بينها بدون مارة بها والمساحات الشاسعة من الفراغات الخضراء، صوب مستشفى الأورام وأبحاث الدم. عند الباب الرئيسي لمحت من نهاية الطرقة الطويلة نسبيا، المؤدية لباب الرعاية الداخلي الذي كان مفتوحا، ناقلة الجثامين ذات الطلاء اللامع، هرولت مسرعا حيث حجرتها لتقابلني الممرضة بجملة “البقاء لله” دخلت فوجدتها ملفوفة بملاءة زرقاء، كشفت وجهها وقبلتها كثيرا دون أن أذرف دمعة واحدة وبلا أي ارتباك كأنها نائمة، سألتها عن نفسها وحالها دون أن تجيبني، ثم بادرتها بسؤال ثان لم تجبني عليه أيضا: هل قمتي يا حورية بفتح عينيك اليوم لتودعينا؟!. ذهبت للممرضة وسألتها: كيف حدث ذلك، ألم يخبرنا الأطباء بتحسن حالتها؟ فقالت إنها لا تدري شيئا سوى أن الأطباء كانوا يفحصونها وطلبوا منها تجهيز حقنة شرجية لها، وما أن ذهبت لعملها وجاءت حتى وجدتها قد فارقت الحياة بين خروج الأطباء من الحجرة ودخولها إليها. رافقتها بعد أن أدخلناها أنا وزوجتي وعامل الناقلة والممرضة بصعوبة لناقلة الجثامين لانتفاخ بطنها وتورم ذراعها، لنودعها ثلاجة الموتى. تحركنا إلى بيت شقيقتي التي كانت أمي تقيم فيه معها، وقضيت طوال الليل ساهرا واقفا على قدمي بعد أن أقنعت معظم الحاضرين بضرورة النوم لسويعات قليلة حتى يستطيعوا الصمود في يومنا التالي الطويل.

26 أغسطس: توجهنا في الصباح الباكر إلى الثلاجة وطلبت من الحارس أن يراها محمد حفيدها (ابن هدى الصغير) لأنه لم يزرها طوال أيام مكوثها بالرعاية، وافق محذرنا من إبلاغ أي شخص بفعلته هذه، طمأنته فأخرج جسدها على طاولة تسير على مجريين صغيرين لتسهيل إدخال الجسد وخروجه، فكشفت عن وجهها المثلج الذي كان يخرج منه أبخرة بيضاء بدرجة برودة تقترب من الصفر، أشرت برأسي لمحمد لتوديعها، نظر إليها بصمت دفين اعتقد أنه استدعى فيه كل تفاصيل علاقتهما طوال الستة عشر عاما الماضية، حيث لم يفارقها منذ مولده مشاركها سريرها، فقط في العامين الأخيرين شعر بأنه كبر وبدأ ينام بمفرده في السرير المجاور لها. غطيتها وأدخلها العامل درج الثلاجة، أغلقنا الباب خلفنا حتى يحين وقت الغسل.

أتى إخوتي الذكور والإناث والبعض من أقاربنا وجيراننا، وبعد أن قمنا بتوزيع الأدوار والمهام علينا، دخلت معها الغسل وبعد دقيقة واحدة اضطررت إلى إخراج هدى لانهيارها وعدم قدرتها على لعب أي دور في العملية التي تحتاج تقديم مساعدات كثيرة للسيدة التي تقوم به. استبقيت معي إيمان واعتماد زوجة أخي خالد وفؤادة نجلة بنت خالة أمي، اللاتي على الرغم من انهمار دموعهن أثناء القيام بالمراسم إلا أنهن ثبتن بقوة حبهن لها، ونفذن ما طلب منهن على أكمل وجه. لم أتأثر مطلقا بالمراسم كما لم أتأثر بمنظرها في حجرة الرعاية حية أو ميتة أو في الثلاجة، وظللت ثابتا أدير الأمر وكأن لدي مهام لن ينجزها غيري وستتعثر الأمور لو ضعفت وأصبحت غير قادر على أدائها، فقط بين الحين والآخر كنت أقترب من جسدها المسجى على الطاولة وأسرق بعض القبلات من يديها أو رأسها أو أمسد على ذراعيها وجبهتها. كفناها وربطناها بطريقة وكأننا نخشى فرارها من مصيرها المحتوم، ونثرت السيدة عليها زجاجتي عطر صغيرتين اعتقد أنهما كانا مسكا، ملست بيدي على جسدها الطاهر ومسحت بهما وجهي كمستغفر أمام ضريح لأحد الأولياء الأبرار، أودعناها غرفة مجاورة حتى انطلاقنا بها إلى المسجد.

هناك صلينا عليها الجنازة بعد صلاة الظهر، وتوجهنا صوب المدافن لتتبع السيارات جميعها سيارة نقل الموتى أو تكريم الإنسان، على أساس أن “إكرام الميت دفنه”. أمام باب الحوش أفسح لي الواقفون مكانا للمرور وما إن أصبحت قرب سلم المدفن حتى خلعت حذائي ونزلت معها القبر الذي اقتسمته مع زوجة خالي المدفونة بجوار الحائط المقابل للباب، وفي القبر المجاور يرقد شقيقها الذي توفى بعد زوجته منذ أكثر من عامين بفارق خمسين يوما فقط من فراقها. وضعناها بجوار زوجة أخيها وأملنا جسدها على جانبها الأيمن (مرة أخرى توجعني في كل شيء حتى اسمي) وقبل أن يحين وقت الرحيل وغلق القبر، نثر التربي على كفنها بعضا من ذرات الرمال التقطها من أرض المقبرة، كنت بصحبة ابن خالي المتوفي بجوار عمته وأمه وكان معي أيضا شقيقي إسلام، تناوبت أنا وإسلام السجود بالقرب من جسدها وتقبيله وحنوت بيدي مطبطبا على جسدها مرة وجسد نعمة الجميلة زوجة خالي مرة أخرى، وقبل أن أغادر أوصيتهم خيرا وونسا ودفئا ببعضهما. خرجنا وذهبنا لبيت شقيقتي هدى وتناولنا الغذاء، بعدها ذهبنا أنا وزوجتي وخالد وإسلام وزوجته لمسجد آل رشدان لحجز قاعة لاستقبال واجب العزاء، لم نجد مكانا خاليا سوى بعدها بيومين. عدت بعدها مع زوجتي إلى شقتي بالمقطم لأجد نفسي ذاهبا وبسرعة في سبات عميق لأربع ساعات تقريبا، استيقظت بعدها لأجد أهل زوجتي الذين جاءوا لتعزيتي، وبعدما انصرفوا استأنفت نومي العميق حتى صبيحة اليوم التالي.

منذ لحظة وفاتها أنام طويلا وأكل بكميات كبيرة ولمرات عديدة، ولم أبك قط، حتى وأنا أكتب الآن، وأحسد إخوتي وأحبائنا الذين ذرفوا دموعا أتمنى أن تصيب عيني إحداها ولو مرة واحدة، ولم أشعر حتى هذه اللحظة بافتقادها، أحاول إقناع نفسي بأنني أحلم بكابوس طويل متعدد التفاصيل في سيناريو محكم كتب بيد حكيم حزين، وسأصحو منه حتما في وقت ما منزعجا ليمر يومي يشاركني الضيق والحزن نفسيتي المكلومة حتى أنسى أو أتناسى بعد أن تأخذني متاهاتي اليومية، أو لا أصحو مطلقا وأدفن بجوار خالي في القبر الملاصق لزوجته وشقيقته، وما أن يغلقوا علينا الباب الرئيسي سنحطم أربعتنا الجدار الفاصل بين المقبرتين وسنمزق أكفاننا ونجلس عراة لنحكي ونتسامر ونضحك ونعيش حياتنا الجديدة بلا حزن على شيء.

تتمة:

29 أغسطس: ذهبت قبل الموعد بساعة لمتابعة تجهيزات قاعة العزاء، تلقينا عزاءها من أقاربنا وجيراننا وأصدقائنا، ودفعت الإكراميات لعمال البوفيه، وانصرف كل منا إلى منزله. لم أشعر في هذا اليوم بأي شيء سوى أنني مثقل بما لا ملامح ولا حجم أو حيز محدد له.

30 أغسطس: توجهت صباحا إلى المستشفى لاستخراج شهادة الوفاة كما اتفق معي موظف الثلاجة، انتظرت حوالي 50 دقيقة حتى ذهب موظف أخر لمكتب الصحة وأحضرها، تسلمتها ودفعت الرسوم والإكرامية وذهبت لعملي. وبدأت رحلة الانفصام عن نفسي.

العمر عند الوفاة: 77 عاما و5 أشهر و29 يوما.

سبب الوفاة: غير مذكور.

أيمن عبد المعطي

القاهرة في 30، و31 أغسطس 2015

تسعدني تعليقاتكم

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s