حول جوهر الدساتير – فرديناند لاسال

Posted: 19 يناير 2016 in مختارات سياسية, عمال وجماهير
فرديناند لاسال
( خطاب القى فى برلين ، 16 ابريل ، 1862 )
من مجلة الاممية الرابعة، المجلد 3 العدد 1 ، يناير 1942 ، ص ص 25 – 31 .
ترجمة: سعيد العليمي

مقدمة المحررين
نعيد ادناه نشر ترجمة انجليزية مختصرة لخطاب لاسال الشهير حول طبيعة الدساتير ، وهو واحد من الوثائق الكلاسيكية للحركة العمالية الاممية .
***
يستخدم لاسال هنا المنهج المادى التاريخى ليفسر الطابع الحقيقى للاشكال الدستورية للحكم – وهى ظواهر سياسية يقل ادراكها ، حين تكون لها الهيمنة والسيادة تحديدا ، اى فى البلدان الديموقراطية .
ينظر لهذه الدساتير عموما برهبة خرافية . ويعتقد انها نتاجات فوق تاريخية ثبتت وباتت نهائية بصفة اساسية ، وانها تتضمن مبادئ تعد صالحة فى كل الازمان وفى ظل كل الظروف . ويشغل الدستور فى الميثولوجيا القومية نفس المكان الذى تشغله العقيدة ( الدوجما ) فى الدين . وفى نقضه لأقنمة الدساتير ، يكشف لاسال الاصول التاريخية الواقعية للدساتير فى الصراع الطبقى ، وقواعده المادية الفعلية فى علاقات القوى بين الطبقات المعنية فى بلد بعينه ، وفى زمن بعينه .


كقاعدة يتطابق التقنين الموجود مع الدستور الفعلى . مع ذلك ، يشير لاسال الى انه مامن مقاربة اشد وهما وزيفا من هذه . الدساتير المكتوبة هى تعابير قانونية فحسب عن العلاقات الطبقية التى تأسست كنتاج للصراع المتفاقم فى المجتمع . وهى تظل ذات فاعلية فقط طالما لم تجر تغيرات عميقة فى العلاقات القائمة بين القوى التى صنعت الدستور .
وعلى سبيل المثال ، فإن الدستور الاصلى للولايات المتحدة ، الذى صاغه ممثلوا ملاك العبيد الجنوبيين والرأسماليين الشماليين ، قد اعترف بمؤسسة العبودية بوصفها حقا من “الحقوق التى لايمكن ان يتنازل عنها ” المواطن الامريكى . لقد اسس هذا الحق ووضعته الحكومة موضع التطبيق لثلاثة ارباع القرن . ثم جرت تحولات عظيمة فى علاقات القوى الطبقية خلال هذه الفترة فى الولايات المتحدة . فقد تدهورت قوى ملاك العبيد فى الجنوب بينما سادت وهيمنت قوى الرأسماليين الشماليين . ولم يعد الدستور المكتوب يعكس العلاقات الفعلية بين القوى المتصارعة فى الولايات المتحدة . حطم انتصار الشمال فى الحرب الاهلية ملاك العبيد واعطى المكانة السياسية العليا للرأسماليين الشماليين . وقد انعكست هذه المرحلة الجديدة من الصراع الطبقى واكتسبت صلاحيتها بإصدار تعديلات على دستور الولايات المتحدة وازالة مؤسسة العبودية ، والقضاء على طبقة ملاك العبيد . يخدم مثال الولايات المتحدة فى تبيان كيف ان الدستور الفعلى ، اى علاقة القوى الطبقية هى التى تحدد طابع الدستور المكتوب .
الدساتير المكتوبة هى تطور حديث – فهى نتاج للمجتمع البورجوازى بصفة اساسية فى فترة صعوده . ان ظهور الاشكال الدستورية للحكم وتطويرها قد وسم مراحل متعاقبة فى تطور الديموقراطية البورجوازية . غير ان الاشكال الدستورية اصبحت مع تدهور الرأسمالية اشد فأشد ضعفا ، وازيحت جانبا بواسطة الحكام الاحتكاريين ووكلائهم فى قطر بعد آخر. يتجلى الآن الدستور الفعلى فى الحكم المكشوف لرأس المال المالى فى ظل الفاشية او فى اشكال اخرى من الديكتاتورية . فقد ازيحت هذه الدساتير المكتوبة العتيقة جانبا . وفى ظروف كهذه فإن تأسيس نظام اجتماعى جديد هو الذى يمكنه وحده من خلال دفع الصراع الطبقى ان يمنح دستورا جديدا للشعب ، يحمى حقوقه الديموقراطية الاولية ومكتسباته الاجتماعية .
المحررون
لقد دعيت لأخاطب هذا الجمهور المبجل ، وقد اخترت لهذه المناسبة موضوعا جديرا بانتباهكم لأنه يأتى فى ذروة اوانه . سوف اتحدث عن جوهر الدساتير .
وسوف ابدأ حديثى بالسؤال : ماهو الدستور ؟ ماالذى يشكل جوهره ؟
يتحدث الجميع اليوم من الصباح حتى المساء عن الدستور . فى كل جريدة ، فى كل لقاء ، فى كل حانة ، تدور المناقشة حتى السأم حول الدستور .
ومع ذلك ، اذا طرحنا بجدية سؤال : ماهو جوهر مفهوم الدستور ، فاننى اخشى انه من بين الكثيرين الذين يناقشون المسألة بسطحية شديدة فإن قلة قليلة هى التى يمكن ان تقدم اجابة مرضية .
سوف يشعر الكثيرون عندما يطرح عليهم هذا السؤال ان عليهم ان يلتقطوا مجلد التقنين التشريعى البروسى لعام 1850 ويقرأوا منه المقاطع التى تتعلق بالدستور .
قصور التعريفات الشكلية
ولكن ، بعد كل شئ ، لن يشكل هذا اجابة على سؤالى . ففى هذا المجلد نجد المحتوى الخاص لدستور معين فحسب ، اى البروسى ، وعلى ذلك ، فهو لايمكن ان يزودنا باجابة على السؤال المطروح . ماهو جوهر ، مفهوم الدستور بصفة عامة ؟
اذا قيض لى ان أسأل هذا السؤال لمحام ، فقد يجيب : ” الدستور هو تعاقد ، عقد مقدس بين الملك وشعبه ، يؤسس للمبادئ الاساسية لتشريع البلاد وحكمها ” . او بقدر ماهنالك من دساتير جمهورية ايضا ، فربما قدم تعريفا اكثر عمومية : ” الدستور هو القانون الاساسى الصادر المعلن فى البلاد الذى يؤسس تنظيم الحقوق العامة فى تلك البلاد ” .
ولكن كل هذا ، والتعريفات القانونية الشكلية المماثلة تحملنا خارج مجال الاجابة الحقيقية لسؤالى كما هو حال الاجابة السابقة بالضبط .
فهى جميعا تزودنا فحسب بوصف اصطناعى لكيف ينشأ الدستور ، وماهى وثائقه ، لكنها لاتفسر ماهو . انها تزودنا بمعايير معينة ، علامات يمكن ان نتعرف بها على الدستور قانونيا واصطناعيا . ولكنها لاتقول لنا ماهو مفهوم ، جوهر الدستور . انها تتركنا من ثم فى الظلام بشكل كامل فيما يتعلق بمااذا كان الدستور جيدا ام رديئا ، ممكنا ام غير ممكن ، مستقرا ام غير مستقر . ويمكننا ان نحكم على ذلك فقط اذا ماعرفنا جوهر الدستور بصفة عامة ، حينئذ فقط يمكننا ان نحدد مااذا كان دستورا معينا يتطابق مع هذا الجوهر ، او بأى كيفية يرتبط بالاخير تحديدا . ولكن هذه الطبيعة الجوهرية ( للدستور) لايمكن ان تفسرها تعريفات قانونية اصطناعية يمكن ان تكون قابلة للتطبيق على قدم المساواة على كل قصاصة من الورق توقعها امة ومليكها ، التى يعلن انها دستور بغض النظر عن مضمونها . ان مفهوم الدستور وحده هو مصدر كل الفن الدستورى وكل الحكمة الدستورية التى تنبع منه بغاية البساطة فى ومن ذاته ، وسوف تكون مقتنعا بذلك عندما تكتشف هذا المفهوم .
وعلى ذلك اكرر : ماهو الدستور ؟ ماهو جوهر ، مفهوم الدستور ؟
منهج مفيد فى التحليل
مازلنا بدون هذه المعرفة ، ولابد من ان نجد الاجابة بالبحث عنها معا . ولكى نجدها دعنا نطبق منهجا لابد ان يطبقه البشر دائما حين يرغبون فى تحصيل فهم واضح لشئ ما . وهذا المنهج غاية فى البساطة ايها السادة . وهو يتضمن التالى ، ان نقارن الشئ الذى نسعى لفهمه بشئ آخر من ذات الطبيعة ، ثم نحاول ان نحدد ، بقدر ما نستطيع من الوضوح والتحدد ، بأى طريقة يختلف كل منهما عن الآخر رغم تشابههما . بتطبيق هذا المنهج فاننى اسأل الان : ماهو الفرق بين الدستور والقانون ؟
الدستور والقانون متجانسان، اى من طبيعة واحدة . لابد ان يكتسب الدستور قوة القانون ، لذا ، لابد ان يكون قانونا . ولكن لاينبغى ان يكون قانونا فقط ، وانما شيئا ما اكثر من القانون . على سبيل المثال ، لانجد شيئا صادما فى حقيقة اصدار قوانين جديدة . وعلى النقيض انتم تدركون انه من الضرورى اصدار قوانين جديدة قلت او كثرت كل عام على الاغلب . ومع ذلك فمن المستحيل اصدار قانون واحد جديد بدون ان تتغير لذلك العلاقات القانونية القائمة . ان قانونا جديدا يترك النظام القانونى القائم بدون تغيير سوف يكون بلامعنى تماما واصطناعيا ولن يجرى تبنيه . وهكذا انتم لاتجدون شيئا صادما فى تغيير القوانين ، ولكن على النقيض يعتبر هذا بصفة عامة المهمة الدقيقة للهيئات الحاكمة .
ولكن بمجرد ان يمس دستوركم فانكم تشعرون بأن هناك انتهاكا جرى فتصرخون : ارفعوا ايديكم عن الدستور ! لماذا يوجد هذا الاختلاف ؟ ان هذا الاختلاف لايقبل الجدل لحد بعيد حتى ان بعض الدساتير تتضمن موادا مباشرة تحول دون اى تغيير فيه ، بعضها الآخر يتضمن موادا يمكن ان يضاف بها اليه بنسبة الثلثين بدلا من مجرد اغلبية الاصوات فى الهيئة التشريعية ، وهناك اخرى تنص على ان الهيئة التشريعية حتى فى صلتها بالسلطات الحكومية الاخرى ، –لايمكن ان تضيف للدستور وانما يمكن لها ان تقترح التعديلات فحسب ، ولايمكن انفاذها الا بانتخاب الشعب لهيئة تمثيلية جديدة ، لهذا الغرض وحده .
تشهد كل هذه الوقائع ، بانه وفقا للنظرات العالمية ، فإن الدستور يجب ان يكون شيئا اكثر قدسية ، اكثر قوة ، اكثر ثباتا ولا تغيرا من القانون العادى .
ومن ثم فإننى اسأل مرة اخرى ماالذى يميز الدستور عن القانون ؟
تتقوم الاجابة المعتادة على هذا السؤال فيما يلى : الدستور ليس ببساطة قانونا يماثل اى قانون آخر ، انه القانون الاساسي للبلاد . ومن الممكن تماما ايها السادة ان تكمن الحقيقة فى هذه الاجابة بشكل غير واضح . ولكن هذا الشكل غير واضح الى الحد الذى لايمكن ان يخدم فيه غرضا على الاطلاق . لأن هناك سؤالا آخر يطرح مباشرة . ماهو الاختلاف بين القانون والقانون الاساسي ؟ نتيجة لذلك فاننا لم نتقدم باكثر مما كنا قبلا . لقد حصلنا على تعبير جديد فحسب – اساسي قليل – الذى لايساعدنا على الاطلاق طالما لم نعرف ماهية الاختلاف بين القانون الاساسي والقانون الآخر .
الاختلاف بين القانون العادى والقانون الاساسي
دعونا نرى مااذا كان من الممكن ان نسبر الموضوع بشكل اعمق بتحليل الافكار التى يحتويها تعبير ” القانون الاساسي ” ، بمعنى آخر ، فى اى شئ يختلف القانون الاساسي عن القانون الآخر حتى يبرر تسميته ” القانون الاساسي ” . يجب ان يكون القانون الاساسي :
1 – هذا النوع من القانون الذى يتسم بنفوذه العميق اكثر من اى قانون عادى آخر ويشار الى ذلك بالتعبير اساسي ولكن يجب ايضا كقانون اساسي : 2 – ان يكون تحديدا اساس القوانين الاخرى ، اى ، ان القانون الاساسي يجب ان يكون بداية خلاقة للقوانين العادية الاخرى حتى يشكل اساس الاخيرة ، وعلى ذلك يجب ان يكون القانون الاساسي فعالا فى كل القوانين العادية الاخرى . 3 – ولكن الشئ الذى له اساس لايمكن ان يكون شيئا معينااو شيئا آخر بصفة تحكمية ، لايمكن ان يكون شيئا آخر غير ماهو عليه . ان اساسه لن يسمح له بأن يكون شيئا آخر .
فقط هذا الذى يفتقد الاساس ، والذى يكون من ثم عرضيا ، يمكن ان يكون ماهو ، وايضا ربما ، شيئا آخر ، على النقيض من ذلك ، كل شئ له اساس هو بالضرورة ماهو . على سبيل المثال للكواكب حركة معينة . وهذه الحركة اما لها اوليس لها اساس يحددها . فاذا لم يكن لها ، تكون الحركة اذن عرضية ، وقد تختلف فى اى لحظة معينة . ولكن اذا كان لها اساس ، اى ، كما يدعى الفلكيون ، فإن قوة جاذبية الشمس ، تؤسس اذن بالفعل لأن تكون حركة الكواكب محددة ومنظمة بأساس – قوة جاذبية الشمس – ولايمكن ان تختلف عما هى عليه . وعلى ذلك فإن مصطلح ” اساس ” يحتوى على فكرة الضرورة ، على قوة فعالة مؤثرة تجعل بالضرورة ماهو ” مؤسس عليها ” ماهو عليه بالفعل .
وعلى ذلك ، اذا كان الدستور هو القانون الاساسي للبلاد ، اذن فهو شئ علينا ان نعينه بتفصيل اكبر ، او كما اكتشفنا بالفعل ، لابد ان يكون قوة فعالة تجعل بالضرورة كل القوانين والمؤسسات القانونية فى البلاد ماهى عليه ، حتى انه نتيجة لذلك لايمكن اطلاقا ان تصدر قوانين اخرى غير هذه – وهذا بالنسبة لنا اول شعاع ضوء ، ايها السادة .
والان ، هل هناك شئ فى الامة ايها السادة – ومع هذا السؤال يتكشف لنا تدريجيا ضوء كامل – هل هناك شئ فى الامة ، قوة مؤثرة ما قادرة على ان تمارس نفوذا على كل القوانين الاخرى التى تصدر بطريقة تجعلها على الجملة ماهى عليه ، بالضرورة كذلك وليست شيئا آخر؟
اساس كل الدساتير
بالطبع ايها السادة ، هناك شئ كهذا ، وهذا الشئ ليس شيئا سوى – علاقات القوى الفعلية القائمة فى مجتمع معين .
تؤلف علاقات القوى الفعلية القائمة فى مجتمع معين القوة الفعالة المؤثرة التى تحدد كل القوانين والمؤسسات القانونية فى هذا المجتمع بطريقة معينة بحيث لايمكن ان تكون غير ماهى عليه من ناحية سماتها الجوهرية .
وسأسارع بتوضيح هذا بمثال وضع افتراضى . وبالشكل الذى سأقدمه ، فإن هذا الوضع ، ومما لاشك فيه ، مستحيل تماما . ولكن بغض النظر عن حقيقة ان هذا الوضع ، كما سنرى حالا ، قد يحدث فى شكل آخر ، فالمسألة ليست مسألة مااذا كان هذا شئ ، يمكن ان يحدث ام لا ، وانما مسألة اننا يمكن ان نفحص من خلال هذا الوضع الافتراضى فحسب طبيعة الاشياء التى تتكشف اذا افترضنا حدوثها .
انتم تعلمون ايها السادة ، انه فى بروسيا ماله قوة قانونية هو ماهو منشور فى التقنين الشرعى . وهذا التقنين مطبوع فى المجموعة القانونية . النصوص الاصلية للقانون محفوظة فى بعض ارشيفات الدولة ، مجموعات القوانين المطبوعة محفوظة فى ارشيفات اخرى ، المكتبات ، ومحلات بيع الكتب .
والآن ، دعونا نفترض ان حريقا مريعا قد شب ، شيئا مثل الحريق الكبير فى هامبورج ، وان كل ارشيفات الدولة هذه ، والمكتبات ومحلات الكتب ، والمجموعة القانونية نفسها ، قد احترقت ، ودعونا نوغل فى افتراضنا بأن ظروفا نادرة تضافرت فحدث نفس الشئ فى كل مدن المملكة ، وحتى المكتبات الخاصة التى احتوت نسخا من التقنين الشرعى قد احترقت ، حتى لم يبق فى كل بروسيا قانون واحد فى شكله المعتمد .
بهذه الطريقة ، سوف تحرم البلاد من كل قوانينها ، ولن يكون هناك مايمكن عمله سوى اصدار قوانين جديدة .
هل تعتقدون ايها السادة ، اننا سنكون حينئذ احرارا فى ان ننطلق اعتباطيا ونصدر مانرغب فيه من قوانين ايا كانت ، اى نوع ظننا انه مرغوب فيه ؟ دعونا نرى.
دعونى افترض انكم ستقولون ان القوانين قد فقدت ، وسوف نصدر قوانينا جديدة ولن نواصل منح الملكية المركز الذى تمتعت به حتى الآن ، او ماهو اكثر ، لن نمنحها اى مركز ايا كان .
وضع افتراضى
سوف يرد الملك على هذا بأن يقول فحسب : قد تكون القوانين قد فقدت ، ولكن ماذا عن ذلك ؟ من الناحية الفعلية ، يطيع الجيش اوامرى ، ويتحرك حيثما آمره ، من الناحية الفعلية فإن قادة الاسلحة والمتاريس يطلقون المدافع بناء على اوامرى ويرسلون المدفعية الى الشوارع ، ويستندون ، كما افعل انا ، على القوة الفعلية ، ليس لدى اى خوف من ان تمنحونى اى مركز آخر سوى الذى ارغبه .
اترون ايها السادة ، ان ملكا يطيعه الجيش والمدافع – هذا جزء من الدستور !
اوقد افترض انكم ستقولون : نحن 18 مليون بروسى . ووسط هؤلاء ال 18 مليون هناك بالكاد حفنة من كبار ملاك الارض الارستقراطيين يمكن ملاحظتهم . ونحن لانفهم لم تعطى هذه الحفنة الضئيلة من ملاك الارض الارستقراطيين مثل هذا النفوذ الذى يعادل نفوذ بقية ال 18 مليون اذا وضعوا معا ، ولا لم ينبغى ان يشكلوا مجلس اللوردات ، الذى توازن قراراته قرارات مجلس العموم ، المنتخب من الامة جمعاء ، ويسمح لهم بأن يعترضوا عليها ، عندما تكون لهذه القرارات قيمة ما ، اذا كانت هذه رغبتهم . افترض انكم قد تتكلمون بجزع وتقولون : كلنا ” لوردات ” ولانريد مجلسا خاصا للوردات .
حسنا ، ايها السادة ، انه امر مفروغ منه ان ملاك الارض الارستقراطيين لن يكونوا قادرين على اطلاق فلاحيهم ضدكم ، فسوف ينشغلون لاقصى حد بأن ينقذوا انفسهم من فلاحيهم .
ولكن لقد مارس ملاك الارض الارستقراطيين دائما نفوذا كبيرا على الملك والبلاط ، وبفضل هذا النفوذ يمكن لهم ان يرسلوا الجيش والمدافع بيسر ضدكم كما لو كانت هذه القوة تحت امرتهم.
وهكذا ترون ايها السادة ، ان طبقة النبلاء التى تتمتع بنفوذ على الملك والبلاط ، هى جزء من الدستور !
او دعونى افترض على النقيض من ذلك ، ان الملك وطبقة النبلاء قد قرروا ان يعيدوا نظام الطوائف الحرفية الذى يرجع للقرون الوسطى ، ليس فقط للحرف الصغيرة ، كما حاولنا منذ بضع سنوات مضت ، ولكن على نطاق يماثل القرون الوسطى ، اى فى الانتاج الاجتماعى بصفة عامة ليشمل ايضا الصناعة اليدوية ، وكذلك الصناعة الآلية . تعلمون ايها السادة ، انه فى ظل نظام طوائف القرون الوسطى لايمكن لرأس المال ان ينتج ، ان انتاج المصانع على النطاق الكبير ، الانتاج الآلى ، سوف يكون مستحيلا . لأنه فى ظل هذا النظام ، على سبيل المثال ، هناك حدود ثبتها القانون بين فروع العمل المختلفة ، حتى بين تلك التى ترتبط بوثوق ببعضها البعض ، فلم يكن مسموحا لصانع يدوى ان يقرن بين نوعين منهما . فلايمكن لعامل جص ان يسد فجوة ، وكانت هناك منازعات بين الحدادين وصانعى الاقفال لانهاية لها فيما يخص نطاقات تجارتهما على التوالى . ولايمكن لطابع قطن ان يستأجر صباغا . اضف الى ذلك ، فى ظل نظام الطوائف فان كمية الانتاج المسموح بها لمصنع يدوى بمفرده كانت ثابتة قانونا ، وهكذا ففى كل مدينة ، وكل تجارة ، كان مسموحا لكل معلم حرفة ان يوظف عددا محدودا ثابتا موصوفا قانونا من العمال.
انتم ترون ، وفق هذين الاعتبارين ، ان الانتاج الكبير ، الانتاج بالالات ، والنظام الآلى لايمكن ان يستمر يوما واحدا فى ظل نظام الطوائف . يتطلب الانتاج الكبير بلاجدال ، اولا ، اقتران فروع مختلفة مترابطة من العمل فى يد رأسمال واحد كبير ، وثانيا ، الانتاج الكبير والمنافسة الحرة ، اى ، التشغيل الحر غير المقيد ، فى توظيف العمال ، ماذا يمكن ان يحدث ، اذا حاولنا ، على الرغم من كل ذلك ، ان ندخل نظام الطوائف الحرفية اليوم ؟
القوى الاجتماعية تحدد الدستور
السادة بورسيج ، وايجلز ، وآخرين وهم كبار صناع القطن والحرير ، الخ سوف يغلقون مصانعهم ويصرفون العمال . وحتى هيئات السكك الحديدية سوف تفعل نفس الشئ . سوف تتوقف التجارة والصناعة . عددا واسعا من معلمى الحرف سوف يصرفون صبيانهم اما طوعا او مدفوعين لذلك . هذه الكتلة الواسعة من الشعب سوف تندفع فى الشوارع طالبة الخبز والعمل . وسوف تقف البورجوازية الكبيرة وراءهم ، مستخدمة نفوذها لتحفزهم ، مشجعة اياهم بمركزها ، مساعدة اياهم بالتمويل –ومثل هذا الصراع سوف يترتب عليه الا يكون النصر مع الجيش .
وهكذا ايها السادة ، ترون ان بورسيج وايجلز ، والصناعيين الكبار بصفة عامة هم – جزء من الدستور !
او دعونى افترض ان الحكومة ارادت ان تتخذ اجراءا مصيريا بشأن مصالح كبار المصرفيين .على سبيل المثال ، سوف تقرر الحكومة ان البنك القومى لن يخدم كما يفعل الآن المصرفيين الكبار والرأسماليين ، الذين حتى بدون هذا ، يتحكمون بالفعل فى كل النقود والائتمان وهم وحدهم من يستطيعون اليوم ان يخصموا فواتيرهم فى البنك القومى ، اى ، هم وحدهم من يحصلون على الائتمان هناك ، وان على البنك الا يجعل الائتمان رخيصا لهم وانما يتعين ان يكرس نفسه لتوسيع الائتمان ليشمل الفقراء ، وصغار ومتوسطى المنتجين ، وانه من ثم كان ضروريا اعادة تنظيم البنك القومى بطريقة يحقق بها هذه الغاية . هل سيحدث هذا ايها السادة ؟
بالفعل ، ايها السادة ، لن يستثر هذا الاجراء انتفاضة ، مع ذلك سوف يكون من المستحيل على الحكومة الحالية ان تتخذه .
ايها السادة ، تحتاج الحكومة من وقت لآخر ، مبالغ كبيرة من النقود وهى لاتجرؤ حتى على جبايتها من الضرائب . وفى ظروف كهذه ، فانها تجد مخرجا من خلال التهام اموال المستقبل ، اى انها تقترض وتصدر سندات على الدولة لتغطيتها . ولهذا فهى تحتاج المصرفيين . مما لاريب فيه ، فان القسم الاعظم من سندات الدولة يجد طريقه على المدى الطويل الى ايدى كامل الطبقة المالكة وذوى الدخل من الامة . ولكن غالبا ما يأخذ هذا وقتا طويلا للغاية . على اية حال ، تحتاج الحكومة النقود على الفور، وجملة واحدة ، او على اقساط قليلة ، ولهذا الغرض فهى تحتاج الى وسطاء ، وكلاء يمكن لهم ان يقدموا كامل المبلغ فورا ، من يتحملون مسؤولية الحصول على صكوك الدولة التى يتلقونها فى التبادل وينقلونها تدريجيا الى ايدى الجمهور ، والذين اضافة الى ذلك يحققون ربحا من الزيادة المفتعلة لهذه الاصدارات فى البورصة . هؤلاء الوسطاء هم مصرفيون كبارولهذا السبب لاتستطيع الحكومة ان تشتبك معهم فى شجار الآن .
وهكذا ترون ايها السادة ، ان المصرفيين من آل مندلسون ، وشليكر ، وبورصة الاسهم بصفة عامة هم – جزء من الدستور !
او اننى سوف افترض ان الحكومة قد قررت اصدار قانون ، مثل ذلك القانون الصينى الذى ينص على انه اذا سرق الابن فان العقوبة تطال الاب . لن ينجح مثل هذا المقترح ، لأنه سوف يناقض الضمير العام والثقافة العامة . كل موظف حكومى ، بل وحتى مستشارى الملك ، سوف يرفعون ايديهم بفزع ، حتى اعضاء مجلس اللوردات سوف يناهضونه . ترون من ثم ايها السادة ، انه وفى حدود معينة فان الضمير العام والثقافة هى بالمثل جزء من الدستور !
الثقافة والتقاليد هى قوى اجتماعية
او اننى سوف افترض ان الحكومة قررت ابقاء طبقة النبلاء ، والمصرفيين ، الصناعيين الكبار ، وكبار الرأسماليين راضية ، وان تحرم الطبقة الوسطى والعمال من حريتهم السياسية . هل يمكن لهذا ان ينجح ايها السادة ؟
اوه ، بالطبع ، ايها السادة سوف ينجح هذا لبعض الوقت ، : لقد كانت لدينا الفرصة بالفعل لأن نشهد انه يمكن تحقيق ذلك بنجاح ، وسوف تكون لدينا فرصة لأن نتمعن فى هذا فيما بعد .
ولكننى ، افترض الحالة الآتية : لايتقوم المشروع الذى تخيلته ببساطة فى حرمان الطبقة الوسطى والعمال من حريتهم السياسية وانما من حريتهم الشخصية ايضا ، اى ان يقترح ان نعلن انهم ليسوا احرارا وانما اقنانا او ارقاء لكبار الملاك ، كما كانت الاوضاع فى اماكن كثيرة منذ عدة قرون مضت . هل يمكن لهذا ان ينجح ؟
لا ، هذا لن ينجح ، حتى لو ظاهره الملك ، وطبقة النبلاء وكل البورجوازية الكبيرة . لانكم فى هذه الحالة سوف تقولون : لا ! اننا نفضل ان نقتل على ان نخضع لهذا ! العمال ودون ان ينتظروا بورسيج وايجلز ليغلقوا مصانعهم ، سوف يندفعون فى الشوارع ، وسوف تهب الطبقة الوسطى لمساعدتهم ، ولحد بعيد سيكون صعبا التغلب على مقاومتهم المشتركة ، انتم ترون ايها السادة ، انه فى اشد الحالات تطرفا ، فانكم جميعا جزء من الدستور !
الدستور الفعلى
لقد رأينا الان ، ايها السادة ، ماذا يعنى دستور البلاد ، اى : علاقات القوى الفعلية الموجودة فى البلاد .
ولكن ماهو هذا الذى يسمى عادة دستورا ؟ ماهو الدستور القانونى / الشرعى ؟ الان ايها السادة ترون بانفسكم ماهو .
انه علاقات القوى الفعلية هذه وقد وضعت على الورق ، وقد اتخذت شكلا مكتوبا ، وبعد ان دونت هكذا ، لم تعد ببساطة علاقات قوى فعلية وانما اصبحت قوانينا ، مؤسسات قانونية ، يعاقب من يعارضها !
وكذلك من الواضح لكم الآن ، ايها السادة ، كيف سجلت علاقات القوى هذه فى شكل مكتوب ، مما حولها الى علاقات قانونية .
من الطبيعى انها لايدونون عبارة : السيد بورسيج جزء من الدستور ، والسيد مندلسون جزء من الدستور ، الخ ولكنهم يعبرون عن كل هذا بطريقة اكثر نقاوة .
وعلى سبيل المثال ، اذا كان من المرغوب فيه ان يؤسس لوضع يكون فيه لعدد صغير من الصناعيين الكبار والرأسماليين فى ظل الملكية سلطة تماثل – واكبر بكثير – من كل مواطنى الطبقة الوسطى ، والعمال والفلاحين معا فان هذا سوف يكتب باى حال بصراحة ووضوح ، ولهذه الغاية يصدر قانونا يشبه ، على سبيل المثال ، القانون الانتخابى على ثلاث درجات لعام 1849 ، حيث ينقسم السكان وفقه الى ثلاث فئات انتخابية ، مصنفون حسب قدر الضرائب المدفوعة ، التى يحددها نصاب الملكية التى يمتلكونها .
وفقا للقوائم الرسمية التى صدرت فى 1849 ، وبعد اصدار القانون الانتخابى ذى الثلاث درجات ، وكان هناك فى بروسيا فى هذا الوقت 3255600 ناخبين اوليين ويقعون فى ثلاث فئات انتخابية :
153808 مصوت ينتمون للفئة الاولى
409945 مصوت ينتمون للفئة الثانية
2691950 مصوت ينتمون للفئة الثالثة
اكرر ، ان هذه الارقام مأخوذة من القوائم الرسمية .
ستلاحظ ان هناك 153808 غاية فى الثراء لهم سلطة سياسية فى بروسيا تماثل 2691950 مواطن من الطبقة الوسطى ، والفلاحين اوالعمال ، واضف الى ، هؤلاء ال 153808 ممن هم غاية فى الثراء و409945ممن هم اثرياء باعتدال التى تؤلف الفئة الثانية لها تماما سلطة سياسية ضعف مالدى بقية الامة معا ، حتى ال 153808 الذين غاية فى الثراء مع نصف المصوتين 409945 من الفئة الثانية لها سلطة سياسية اكثر من النصف الباقى ممن هم اثرياء باعتدال مع ال 2691950من الفئة الثالثة .
العلاقات الطبقية والدستور المكتوب
وهكذا ترون انه بهذه الطريقة تماما فاننا نحصل على نفس النتيجة كما لو كانت الحالة مدونة فى الدستور بكلمات فجة مثل : للشخص الغنى سلطة سياسية تعادل سبعة عشر ضعفا مقارنة بالمواطن العادى او سبعة عشر شخصا آخرين .
قبل اصدار هذا القانون الانتخابى على ثلاث درجات ، كان نافذا ، بالتوافق مع قانون ابريل 1848 ، نظام انتخابى عام منح كل مواطن فى ظله بغض النظر عما اذا كان غنيا اوفقيرا ، حق المشاركة على قدم المساواة فى تحديد ارادة وهدف الدولة . انتم ترون فى هذه الظروف ايها السادة ، تصديقا لما لاحظته سلفا – هذا سهل بمايكفى ، لسوء الحظ ، لحرمانكم ، ومواطنى الطبقة العاملة والطبقة الوسطى من حرياتكم السياسية مادام الحق فى الممتلكات الشخصية ، واجسامكم وممتلكاتكم لم ينتهك مباشرة وبعنف . لقد تخليتم بخفة عن حقكم المتساوى فى الانتخاب العام . وفى حدود معلوماتى انه منذ ان حدث ذلك لم يتم اى تحريض بصدد استعادة هذا الحق .
اضف الى ذلك ، اذا كان من المرغوب فيه ان ينص فى الدستور على ان عددا قليلا من طبقة النبلاء سوف تكون لهم سلطة تعادل كل الاغنياء ، والموسرين ومن لاملكية لهم – سلطة تعادل اصوات الناخبين فى الفئات الثلاث معا ، اى ، الامة كلها – سوف اتجنب مرة اخرى صياغتها بهذه الطريقة الفجة ( لأنه ولاحظوا جيدا ، ايها السادة ، مرة والى الابد ، ان اى شئ واضح ومكشوف يبدو مبتذلا ) ولكن سوف نصيغه على النحو التالى : سوف يكون هناك مجلس لوردات مشكل من بين ملاك الارض القدامى ، ويتعين اخذ موافقتهم على كل القرارات الصادرة عن مجلس العموم ، ومن ثم فمفاد ذلك ان السلطة السياسية قد اعطيت لحفنة من الارستقراطية العقارية التى ترجح ارادة اجماع الامة وكل طبقاتها .
واذا كان من المرغوب فيه ايضا ان ينص فى الدستور على ان يكون للملك شخصيا سلطة تعادل – اوحتى اكبر من – كل الفئات الثلاث مجتمعة معا ، اكبر من الامة كلها حتى اذا وضعت معها الارستقراطية العقارية ، حينئذ يتم هذا على النحو التالى :
تنص المادة 47 من الدستور على ان : ” يعين الملك كل المناصب فى القوات المسلحة ” ونقرأ المادة 148 : ” لايقسم الجيش قسم الولاء للدستور ” والى جانب هذه المادة قامت نظرية تأسست من ناحية المبدأ على هذه المادة – تلك التى تتصل بالجيش حيث يشغل الملك فيها تقريبا مركزا مختلفا تماما عن علاقته بكل مؤسسات الدولة الاخرى ، ففى تلك التى تتصل بالجيش هو ليس الملك فقط وانما شيئا آخر ، خاص بشكل مطلق ، غامض ، وغير معروف ، لأن مصطلحا خاصا قد نحت خصيصا من اجل ذلك ، ” رئيس الحرب” ( سيد الحرب ) ، وبسبب هذه الاعتبارات تبين ان مجلس العموم او الامة لاعلاقة لهما بالجيش ، ولايمكن ان تتدخلا فى شؤونه وتنظيمه ، وانما يمكن لهما ان يصوتا لتمويله .
لابد ان نقر ايها السادة – ان الحقيقة تأتى اولا ! – ان هذه النظرية لها اساس لايمكن انكاره فى المادة 108 من الدستور . لأنه اذا اعلن الدستور ذات مرة ان القوات المسلحة ، بخلاف كل مؤسسات الدولة الاخرى ، بمن فيهم الملك والضباط ، لاحاجة بهم لأن يقسموا على الولاء للدستور ذاته ، اذن يعترف بهذا من ناحية المبدأ ان الجيش يقف خارج الدستور ، ومامن شئ يجمعه به ، ومفاد ذلك انه يرتبط حصريا بشخص الملك بمفرده وليس الامة .
مصدر سلطة الملك
متى تأسس ذلك ، لايتمتع الملك بسلطة سياسية تعادل بل ترجح عشر مرات الامة كلها ان وضعت معا حتى لو كانت قوة الامة الفعلية هى عشرة ، عشرين ، خمسين مرة اعظم من قوة الجيش . وسبب هذا التناقض الظاهرى غاية فى البساطة .
ان اداة الملك فى سلطته السياسية وهو الجيش ، منظم ، ويتحرك دائما ، منضبطا ومستعدا دائما للحركة ،بخلاف قوة الامة ، حتى وان كانت اعظم ، فهى غير منظمة . ارادة الامة ، وبصفة خاصة درجة التصميم الضرورى لتطبيق هذه الارادة ، ليس من السهل ادراكه حتى للشعب نفسه ، مامن احد يعلم اذن كم واحدا على وجه الدقة سيتبعه . فى نفس الوقت ، تفتقر الامة لتلك الاسلحة التى تمتلكها القوى المنظمة . تلك الدعامات الدستورية الاهم التى اشرت اليها سلفا – المدافع . من الحقيقى انه يدفع لهم من الموارد القومية ، ومن الحقيقى انهم استعدوا واعدوا فقط بسبب العلم الذى ينبثق من المجتمع – الفيزيقا ، التقنية ، الخ . ان وجودهم ذاته هو دليل على القوة الكبرى للمجتمع المدنى ، لنجاحات العلم الكبرى ، التقنية ، التصنيع ، والمهارات من كل الانواع .
دور الجيش فى ظل الملكية
ولكن علينا هنا ان نتذكر قصيدة لفرجيل : لقد صنعته لكنك لم تصنعه لنفسك ! لأن المدافع قد صنعت دوما للقوة المنظمة ، ومن ثم تعرف الامة انه فى حالة الصدام سوف تجد ان منتجات سلطتها هذه مصطفة ضدها . ولهذا فإن القوة المنظمة حتى وان كانت صغيرة عدديا غالبا ماتستطيع ولوقت طويل ان تهزم القوى غير المنظمة للأمة حتى وان كانت اكبر ، الى ان تنمى ارادتها ووعيها من خلال قيادة رشيدة وخلق مناسبات لتمرس الجماهير ، آنئذ يمكن للقوة الكبرى غير المنظمة ان تكون مستعدة لمواجهة القوة المنظمة .
نحن نعرف الآن جوهر كل من دستورى البلاد ، دستورها الفعلى – علاقات القوى الفعلية الموجودة فى البلاد – ودستورها المكتوب الذى اذا ماميزناه بالتضاد مقارنة بالاول يمكن ان نسميه قصاصة من ورق .
من الواضح ان الدساتير الفعلية قد عاشت فى كل البلاد وفى كل الاوقات ، ومامن شئ اشد ضحالة او اشد تضليلا من الفكرة الشائعة عن ان الدساتير تخص العصر الحديث .
لكل بلد فى كل عصر من ثم دستوره الفعلى – ولكن ماهو خاص بالعصور الحديثة – ومن المهم ان نتذكر هذا دائما – ليس الدستور الفعلى وانما الدستور المكتوب – قصاصة الورق .
فى الواقع ، نحن نشهد فى العصور الحديثة نضالا فى كل البلدان تقريبا من اجل تأمين دستور مكتوب يصيغ القانون الاساسى ، على قصاصة من الورق ، المبادئ التى ستقوم عليها المؤسسات والممارسات الحاكمة للبلاد .
ماهو سبب هذا النضال الخصوصى للازمنة الحديثة ؟
النضال الحديث من اجل دستور مكتوب
وهذا سؤال آخر مهم ، بالاجابة عليه فقط يمكننا ان ننهض بمهمة وضع دستور ، كيف نفكر فى الدساتير التى حصلنا عليها بالفعل واى موقف نتخذه ازاءها . فقط من اجابة هذا السؤال يمكن ان نبلغ فهما لفن كيفية وضع الدساتير وكل الحكمة الدستورية .
وعلى ذلك : ماهو سبب النضال الخصوصى فى الازمنة الحديثة للحصول على دساتير مكتوبة ؟
حسنا من اى مصدر يأتى ؟
من الواضح ، فقط من حقيقة ان تغييرا جرى فى علاقات القوى الفعلية فى البلدان التى جرى فيها هذا النضال . اذا بقيت العلاقات ثابتة ، اذا الحت بشكلها القديم ، فسوف يكون من المستحيل ومما لايمكن تصوره ان يشعر هذا المجتمع بأنه مضطر لصياغة دستور جديد . سوف يحتفظ بالقديم ، وفى اقصى الاحوال ، سوف يضم معا فحسب الاقسام المشتتة من دستوره .
كيف تجرى التغيرات فى علاقات القوى الفعلية داخل المجتمع ؟
تطور الملكية المطلقة
دعونا نتخيل دولة قروسطية قليلة السكان – مثلما هو الحال على الاغلب فى كل الدول القديمة – حيث يوجد امير وطبقة نبلاء تملك اغلب البلاد . بسبب تشتت السكان ، قسم ضئيل فقط من السكان يمكنه ان ينخرط فى الصناعة والتجارة ، مادامت اغلبية السكان ماتزال تحتاج الى ان تعمل فى الارض وان تنتج السلع الزراعية . ومادامت الارض تملكها كلها على الاغلب طبقة النبلاء وتدخل فى علاقات متنوعة مع الاخيرة بوصفهم تابعين ، واقنانا ، وعبيدا ، ومستأجرين وراثيين الخ . تعبر هذه العلاقات جميعا عن درجات مختلفة من نفس وذات اعتماد الشعب على طبقة النبلاء ، وهذا الاعتماد يضطر السكان لأن يخدموا كاتباع وان يشتركوا فى حروبهم وثأرهم .على فائض المنتجات الزراعية لاقطاعاتهم ، تستبقى طبقة النبلاء فى قلاعها حراسا وفرسانا – ومحاربين من كل نوع . وللأمير ، فى مواجهة قوة طبقة النبلاء ، قوة اخرى فعلية سوى دعم هؤلاء النبلاء الذين يتبعونه طوعا – لانه سوف يجد صعوبة فى اجبارهم – ومعهم المساعدة التى لايؤبه لها من المدن قليلة السكان .
ماذا يمكن ان يكون عليه دستور دولة كهذه ؟
سوف يتوافق بالضرورة مع علاقات القوى الفعلية فى البلاد .
سوف يختص الدستور طبقة النبلاء ، بوصفها طبقة ، فى كل شأن بالمركز الاول الحاكم . وبدون قبول ومصادقة طبقة النبلاء ، لن يكون الامير قادرا على ان يطلب ماقيمته فلسا كضرائب – سوف تكون علاقته بطبقة النبلاء هى علاقة اول بين متساوين ، وياايها السادة ، هذا هو نوع الدستور تماما الذى امتلكته بروسيا وغالبية الدول الاخرى خلال القرون الوسطى .
الآن دعونا نفترض ان السكان بدأوا فى الزيادة بسرعة اكثر فأكثر ، وبدأت الصناعة والصناعة اليدوية فى الازدهار، وهكذا تقدم وسائل العيش لنمو جديد فى السكان ، الذين يبدأون فى ملء المدن . يتطور رأس المال والثروة النقدية فى ايدى البورجوازية والطوائف الحرفية المدينية . ماذا يحدث عندئذ ؟
ان نمو سكان المدينة ، وهو نمو مستقل عن طبقة النبلاء بل بالاحرى معاد لها ، يمارس اثره فى صالح الامير ، فهو يزيد من امداد المحاربين الذين تحت امرته ، ومع المساعدات من المواطنين المدينيين والمشاريع الانتاجية – الذين يعانون من الاضطرابات الناجمة عن حروب الثأر الاقطاعية الدائمة ، والذين تاقوا الى النظام والامن ونظام قانونى متماسك لصالح التجارة والصناعة ، والذين هم من ثم على استعداد لدعم الامير بالرجال والاموال – وهو يستطيع حينما تنشأ الحاجة ، ان يحشد قوة عسكرية تفوق لحد بعيد قوى طبقة النبلاء . ثم يبدأ الامير فى ان يضيق اكثر فاكثرمن سلطات طبقة النبلاء . وينتزع منهم حق شن الحرب .
فاذا انتهكت طبقة النبلاء قانون البلاد ، ينطلق الامير لهدم قلاعهم ، واخيرا ، فى مجرى الزمان ، تزيد الصناعة الثروة النقدية وسكان البلاد الى الحد الذى يمكن الامير من تشكيل جيش دائم ، ويمكن للامير ان يحرك فرق جيشه فى مواجهة الفئة الحاكمة ، طبقة النبلاء … وهو يلغى الاعفاءات الضريبية التى تتمتع بها طبقة النبلاء وكذلك حقها فى فرض جباية ضريبية على المجتمع .
ترون هنا كيف ان تغييرا فى علاقات القوى الفعلية يؤدى الى تغيير فى الدستور ويؤسس للملكية المطلقة .
ليس الملك فى حاجة لكتابة دستور جديد ، والملكية عملية لاقصى حد حتى تبدد وقتا فى ذلك . فى يد الملك اداة القوة الفعلية ، الجيش الدائم الذى يشكل الدستور الحقيقى للمجتمع ، وفى مجرى الزمان ، يعترف الملك واتباعه بالفعل بهذا بوصف المجتمع بأنه ” دولة عسكرية ” .
اذ لم تعد طبقة النبلاء قادرة على ان تنافس الملك ، فانها تتخلى اخيرا عن فكرة الاحتفاظ بقوات مسلحة لنفسها . وينسون معارضتهم السابقة للملك ، وينسون مركزهم المتساوى القديم مع الملك ، ويعتزل اغلبهم فى اقطاعياتهم ، ليقبضوا معاشاتهم ويسهموا فى مجد الملك .
نشأة البورجوازية
كيفما كان الامر ، تستمر الصناعة والتجارة فى التطور ، وبقدر ماتزدهرا ، ينمو السكان اكثر فاكثر .
يبدو على السطح ان هذا التقدم يعمل فى صالح الملك كما كان الامر قبلا الذى تمكن من ثم من زيادة قواته المسلحة …
ولكن اخيرا ، يحقق تقدم المجتمع المدنى تناسبا سريعا حتى يصبح من المستحيل على الملك ان يبقى ، حتى من خلال الجيش فى ذات النطاق رغم القوى النامية للمواطنين المدينيين .
سوف توضح بضعة ارقام هذا الامر .
فى عام 1657 ، كان فى برلين 20000 مقيم . وفى نفس هذه الفترة ، بلغ عدد الجيش مابين 24000 و 30000 .
فى عام 1803 ، ضمت برلين 153070 مقيما . فى 1819 ، اى بعد ستة عشر عاما ، 192646 . بلغ الجيش الدائم فى هذا العام 137639 رجلا … وكما ترون ، تضاعف الجيش الدائم اربعة مرات . ولكن سكان برلين تضاعفوا تسعة اضعاف .
والآن هناك شئ آخر ، وحتى تطور غير عادى يبدأ .
فى عام 1846 ، زاد سكان برلين الى حوالى 389308- تقريبا 400000 – ضعف ماكان عليه فى 1813 . فى خلال ستة وعشرين عاما ، تضاعف وزاد سكان المدينة …
من ناحية اخرى ، بلغ الجيش الدائم فى 1846 138810 مقابل 137639 . ونما بالكاد منذ 1819 ، ولم يشارك على اى نحو فى النمو الضخم للسكان المدنيين .
مع هذا النمو الضخم ، يبدأ سكان المدينة فى اعتبار انفسهم قوة سياسية مستقلة . يدا بيد مع نمو السكان هذا يتساوق النمو فى الثروة وكذلك بالمثل يحدث نمو مذهل للعلم ، والتعليم العام ، والوعى العام ، والثقافة – التى تشكل كما نعرف ، جزءا من الدستور . يبدأ سكان المدينة فى الحديث هكذا : ” نحن لن نبقى بعد ذلك جمهورا لطيفا يقوده الملك . ، نحن نرغب فى ان نحكم انفسنا ، والملك لابد ان يحكم ويشغل نفسه بشؤوننا بالطريقة التى نرغبها نحن ”
بايجاز ، علاقات القوى الفعلية فى المجتمع قد تغيرت . بمعنى آخر لقد حان اوان – 18 مارس 1848 !
وهكذا ترون ايها السادة ، نشأ نفس الوضع الذى افترضناه فى البداية بوصفه افتراضيا ومستحيلا . لقد افترضنا ان المجتمع قد فقد كل قوانينه بسبب حريق . وفى الواقع فقد فقدوا لابسبب حريق وانما بسبب عاصفة .
لقد نهض الشعب
وانطلقت العاصفة
سبب هزيمة ثورة 1848
بعد ثورة ناجحة فى المجتمع ، تبقى الحقوق الخاصة غير منتهكة ، ولكن كل القوانين التى ترتبط بالصراعات العامة اما ان يطاح بها اوتستبقى طابعا مؤقتا ، ولابد ان تسن قوانين جديدة .
تنشأ الحاجة آنئذ لصياغة دستور جديد ومكتوب ، او- كما قيل فيما بعد – انهم توصلوا معه لاتفاق بشأنه .
وقد وصلنا الآن للسؤال : ماهى الشروط الضرورية لدستور جيد ومستقر ؟
يتبين من كامل عرضنا بوضوح ان هناك شرطا لازما ، اى ، ان الدستور ينبغى ان يتوافق مع علاقات القوى الفعلية القائمة فى البلاد . حينما لايكون هذا حقيقيا فان نزاعا لايمكن قمعه ينشأ ، وهو امر لايمكن تجنبه . وفى هذا النزاع فإن الدستور المكتوب – تلك القصاصة من الورق – تنهزم دوما من قبل الدستور الفعلى .
اى مسار كان يتعين اتباعه ؟
كان يتعين ، قبل كل شئ ، عدم عمل دستور مكتوب ، وانما دستور فعلى ، يحدث تغييرا فى علاقات القوى الفعلية فى البلاد لصالح المواطنين .
من الحقيقى ان احداث 18 مارس قد اظهرت ان قوة الامة كانت اعظم من قوة الجيش الدائم . فبعد معركة طويلة دامية اضطرت القوات للتراجع .
ولكننى قد لفت انتباهكم قبلا الى الاختلاف الهام بين قوة الجيش وقوة الامة ، اى انه ، رغم انه صغير عدديا ، فهو اكثر حقيقية على مدى زمنى معين من قوة الامة التى تفوقه لحد بعيد .
ينشأ الاختلاف ، كما تتذكرون ، من حقيقة ان قوة الامة غير منظمة بينما قوة الجيش منظمة ، دائمة التدرب ، وقادرة على شغل الميدان فى اى وقت ضد الامة ، التى تتحد من اجل العمل فقط تحت تأثير الاحداث الكبرى وفى لحظات نادرة .
نتيجة لذلك ، كان يتعين حتى لايصبح انتصار 18 مارس فارغا بالنسبة للشعب ، ان توظف لحظة الانتصار لتغيير تنظيم الجيش بحيث يستحيل علي الجيش الدائم ان يوظف ثانية كأداة فى يد الملك ضد الامة .
كان يجب تحديد الوقت الذى يقضيه الجندى فى الخدمة ، على سبيل المثال ، بمدة لاتجاوز ستة شهور ، وهى فترة تقر السلطات العسكرية بأنها كافية لمواطن حتى يتعلم الفنون العسكرية ولكنها ليست طويلة حتى تطور سيكولوجيا فئوية . اضف الى ذلك فإن هذه الفترة القصيرة سوف يترتب عليها تزويد دائم للجيش من صفوف الشعب ، ومن ثم تحويله من جيش الملك الى جيش الشعب .
كان لابد اضافة الى ذلك ، ان يشترط ان كل الضباط الصغار – على الاقل حتى رتبة رائد – لابد ان ينتخبوا من رجالهم ولايعينوا ، حتى لا يشغل مراكز الضباط من لهم روح معادية اساسا للشعب وهذا يعمل فى تسهيل تحول الجيش الى اداة عمياء لسلطة الملك .
يجب ان يخضع الجيش ايضا – عدا فى الامور المنفصلة العسكرية المحضة – للمحاكم المدنية العادية ، حتى يبقى جزءا من الشعب وليس شيئا منفصلا عنه ، والحيلولة دون تطوير روح الفئة .
لابد وان يكون كل السلاح المخصص لاغراض الدفاع – عدا تلك القطع الضرورية ضرورة مطلقة لاغراض التدريب – فى حيازة السلطات المدنية المنتخبة من الشعب .
لم حافظت الملكية البروسية على وجودها
من كل هذا ، لم نفعل اى شئ فى ربيع وصيف 1848 . وبعد هذا ، هل يمكن لنا ان نندهش من أن الثورة المضادة فى نوفمبر 1848 قد جعلت انجازات مارس لامعنى لها ؟ بالتأكيد لا، ان رد الفعل هذا كان نتاجا حتميا لحقيقة انه لم تجر تغيرات فى علاقات القوى الفعلية الحقيقية .
ان الملوك يااصدقائي مخدومون افضل منكم لحد بعيد ! ان خدم الملوك ليسوا متحدثين جيدين ، مثل كثير من خدام الشعب . انهم اناس عمليون ، يفهمون غريزيا ما هو جوهرى . كان السيد فون مانتويفل متحدثا رديئا . ولكنه كان رجلا عمليا ! عندما حظر الجمعية الوطنية وانزل المدافع الى الشوارع – ماالذى توجه لفعله اولا ؟ ان يكتب دستورا رجعيا ؟ مطلقا . لقد عرف ان امامه متسع من الوقت لذلك . وقد اعطاكم بالفعل دستورا ليبراليا للغاية فى ديسمبر 1848 .
ولكن بأى شئ بدأ فى نوفمبر ؟ ماذا كان اجراءه الاول ؟ اوه ، ايها السادة ، انتم تتذكرون ذلك ، بالطبع ، لقد بدأ بتجريد المواطنين من السلاح ، بنزعه السلاح منهم ، انتم ترون ايها السادة ان اول عمل يقوم به المنتصر ، اذا كان لايرغب فى انفجار العداوات مجددا ضده فى اية لحظة ، هى ان يجرد المهزوم من السلاح .
عانينا فى بداية تحليلنا لتوضيح الطبيعة الجوهرية للدستور . قد يبدو للبعض ان ذلك قد تم عمله بمشقة . ولكن لابد وانكم لاحظتم ، اننا ما أن قبضنا على الجوهر ، فقد تلى ذلك النتائج والاستنتاجات الاشد ادهاشا الواحدة بعد الاخرى ، وان لدينا الآن فهم افضل بكثير، واوضح بكثير للمسألة اكثر مما لدى الاخرين ، لقد وصلنا ، بالفعل ، الى نتائج مناقضة مباشرة لتلك النظرات التى تهيمن على العقل الجمعى .
دعونا نحلل بايجاز بعضا من هذه الاستنتاجات .
لقد بينت انه فى عام 1848 لم يتخذ ايا من الاجراءات الضرورية التى كان يمكن لها ان تغير علاقات القوى الفعلية فى البلاد – اى التى كان يمكن ان تحول الجيش من اداة للملكية الى اداة للشعب .
لقد تصادف ان كان هناك ، اقتراح واحد ، مال لهذا الاتجاه ومثل الخطوة الاولى فى هذا الطريق . اقصد مقترح شتين ، الذى استهدف اجبار الوزارة على اصدار امر للجيش هدفه عزل كل الضباط الرجعيين من مناصبهم .
لكنكم سوف تتذكرون ، ايها السادة ، ان الجمعية الوطنية لم تسارع بتبنى هذا المقترح مثلها مثل البورجوازية بكاملها ومعها نصف البلاد حيث صرخوا ” ان وظيفة الجمعية الوطنية هى ان تصيغ دستورا ، لا ان تتشاحن مع الوزارة ، ولا ان تبدد الوقت فى الامور العارضة ، وليس لها ان تتدخل فى شؤون السلطة التنفيذية ” . ” اكتبوا دستورا ، فقط اكتبوا دستورا ” هكذا انتشرت الصرخة كما لو ان حريقا قد شب .
وهكذا ترون ، ان كل البورجوازية ونصف البلاد الذين اطلقوا هذه الصرخة ، لم يعرفوا شيئا عن جوهر الدساتير !
لابد ان يعكس الدستور العلاقات الطبقية الفعلية
تمثل صياغة دستورمكتوب ، اقل الامور اهمية ، فهذا يمكن القيام به ، خلال ثلاثة ايام ، وهو آخر شئ كان يتوجب عمله . لقد جرى هذا قبل اوانه ومن ثم كان بلا فائدة .
ان نغير علاقات القوى الفعلية فى البلاد – ان نتدخل فى السلطة التنفيذية ، ان نتدخل بطريقة ، ان نغيرها بشكل لاتستطيع فيه ان تضع نفسها بشكل مستقل فى مواجهة ارادة الامة – هذا ماكان ضروريا – هذا ماكان ينبغى عمله حتى نجعل الدستور مستقرا .
بقدر مابدأت الجمعية الوطنية العمل على الدستور المكتوب مبكرا ، بقدر مالم تمنح الوقت حتى لانهاءه ، وازيحت بواسطة ادوات السلطة التنفيذية التى لم تحطم .
الاستنتاج الثانى . تخيلوا ان الجمعية لم تزاح وانها نجحت بالفعل فى صياغة وتبنى دستور .
هل كان هذا سيغير الامر جوهريا ؟
على الاطلاق ، ايها السادة ، ! والدليل على ذلك يكمن فى الحقائق ذاتها . لقد حظرت الجمعية الوطنية ، لكن الملك ، استخدم الوثائق التى تركتها وراءها تلك الجمعية واعلن دستورا فى 5 ، ديسمبر ، 1848 الذى كان فى نقاطه الرئيسية هو الدستور الذى كان يمكن ان نتوقعه من الجمعية .
وهذا الدستورهو منحه من الملك – لم ينتزع منه – وانما اعطاه طوعا بعد انتصاره . ولهذا السبب اكثر سوف يتبين لم ينبغى ان يظهر هذا الدستور وكأنه مستقر .
لا ، ايها السادة ! مستحيل تماما ! اذا كانت لديكم شجرة تفاح فى الحديقة وعلقتم عليها لاصقة كتبتم عليها ” هذه شجرة كمثرى ” هل تتغير شجرة التفاح بناء على ذلك . لا . واذا ماجمعتم كل عائلاتكم وكل المقيمين فى المقاطعة واقسمتم بصوت عال واحتفالى : ” هذه شجرة كمثرى ” سوف تبقى الشجرة كما هى وسوف تثمر فى العام القادم تفاحا وليس كمثرى .
وهكذا الامر مع الدستور . لافارق فيما كتب على قصاصة من الورق ، مادام يناقض وضع الاشياء الفعلى ، علاقات القوى الفعلية .
تنازلات لامعنى لها
منح الملك فى قصاصة الورق المؤرخة 5 ديسمبر 1848 عددا من التنازلات ، كلها ، على اية حال ، تناقضت مع الدستور الفعلى ، اى علاقات القوى الفعلية – فقد استمرت السلطة فى يد الملك بلا نقصان . لهذا السبب كان على الدستور الفعلى ان يفرض نفسه خطوة فخطوة على الدستور المكتوب بنفس الضرورة التى تكمن خلف قانون الجاذبية . ورغم ان دستور 5 ديسمبر 1848 قد تم تبنيه من قبل لجنة مراجعة ، كان على الملك ان يجرى التغيير الاول فيه : قانون الانتخاب على ثلاث درجات لعام 1849 . بمساعدة المجلسين اللذين تأسسا بمقتضى نفس القانون الانتخابى ، ادخلت التغييرات الاساسية اللاحقة على الدستور حتى اقسم الملك على دعمه عام 1852 . وبعد ان اقسم ، بدأت التغييرات حقا ! مامن راية خفقت فى مائة معركة مزقت اكثر واصيبت بالخروق مثلما حدث لدستورنا !
الاستنتاج الثالث ، تعلمون ايها السادة ، ان هناك فى هذه المدينة حزب ، لسان حاله الرسمى جريدة الشعب – حزب ، اقول ، انه يحرس بحمية بقايا هذه الراية ، دستورنا البالى، حزب ، يسمى نفسه بسبب هذا ” الاتباع المخلصون للدستور ” وشعاره ” دعونا نتشبث بالدستور ! بحق السماء ، الدستور ! الشرطة ! ساعدونا ! العون ! مقدور علينا ! نحن هالكون ! ”
ايها السادة ، حينما وحيثما تصادفون حزبا شعار معركته الدعوى الجبانة ، ” دعونا نتشبث بالدستور ” – ماذا يمكن ان تستنبطوا من هذا وانا لاأسألكم عن نواياكم ولارغباتكم . اننى اسأل فقط عن افكاركم ، اى استنتاجات سوف تستخلصونها من مثل هذا المشهد ؟
حسنا ، ايها السادة ، لسنا فى حاجة الى ان نكون انبياء ، سوف تقولون بيقين ان هذا الدستور يقف على مؤخرته ، فهو طيب مثل الموتى ، فبعد بضع سنوات ، سيتعين عليه ان يكف عن الوجود .
الاسباب بسيطة . مادامت الدساتير المكتوبة تطابق علاقات القوى فى الامة ، لن ترفع مثل هذه الشعارات ابدا . يبتعد المرء مسافة عن مثل هذا الدستور ويحترس من الاقتراب اكثر . ولايفكر احد فى الاشتباك مع دستور كهذا ، والا سيتأتى عن ذلك الاسوأ ان حدث . حينما يتوافق الدستور وعلاقات القوى الفعلية ، لن يتراءى لأى حزب ان يتبنى شعارا كشعار ” التشبث ” به . وحينما يسمع مثل هذا الشعار ، فانها علامة مؤكدة لاتقبل الجدال على انه شعار الارهاب ، بمعنى آخر ، انه دليل على ان هناك شيئا ما فى الدستور المكتوب يناقض الدستور الفعلى ، علاقات القوى القائمة . وحينما يوجد تناقض كهذا فإن الدستور المكتوب مقضى عليه لامحالة – ولايستطيع الرب ولا الصرخات انقاذه !
يمكن تعديله – الى اليسار او الى اليمين – لكنه لن يبقى . ان شعار الحفاظ عليه بذاته سوف يشي بذلك عند اى انسان مفكر . يمكن تعديله ناحية اليمين حين تغيره الحكومة بطريقة توكل فيها السلطة للقوة المنظمة فى المجتمع . اوأن تنهض القوة غير المنظمة فى المجتمع وتظهر مجددا تفوقها على القوة المنظمة . فى هذه الحالة ، سوف يتغير الدستور الى اليسار بنفس درجة ميل الحالة السابقة الى اليمين . وفى الحالتين الدستور ضائع .
فن وحكمة كتابة الدساتير
اذا كنتم ايها السادة لم تكتفوا بتحليل خطابى الذى تشرفت بالقاءه عليكم – بعناية ، وانما تمعنتم فى كل الاستنتاجات التى تترتب عليه ، فسوف تكتسبون جماع الفن الدستورى والحكمة الدستورية .
ليست المسائل الدستورية اولا وقبل اى شئ مسألة حق وانما مسألة قوة ، يكمن الدستور الفعلى لأى امة فى علاقات القوى الواقعية الفعلية القائمة ، اما الدساتير المكتوبة فتكون صالحة ومستقرة فقط ، حينما تعبر بدقة عن علاقات القوى الفعلية فى مجتمع ما – هذه هى المبادئ التى يتعين عليكم ان تتذكروها .
لقد طورت اليوم هذه المبادئ فى صلتها بالقوة العسكرية – اولا ، لأن الوقت لم يسمح لى ان احلل جوانب اخرى ، وثانيا ، لأن القوى المسلحة هى القوة ذات الوزن والحاسمة من بين كل القوى المنظمة . ولكنكم تفهمون ان نفس الشئ ينطبق على تنظيم ادارة القضاء ، موظفى الحكومة الخ فهذه ايضا تمثل ادوات القوة المنظمة فى المجتمع .
تذكروا هذا الخطاب جيدا ، ايها السادة ، وسوف تعلمون ، اذا ماوضعتم ابدا مرة اخرى فى مركز يمكنكم من كتابة دستور ، كيف تتناولونه وكيف يمكن للمهمة ان تنجز فقط من خلال تغيير علاقات القوى الفعلية وليس من خلال تسويد صحيفة من ورق .
حتى آنئذ، وللاستعمال اليومى ، سوف يكون لديكم ايضا مااستخلصتموه من خطابى ، دون ان اكون قد قلت كلمة عنه ، اى ماهى الالحاحية التى استدعت الاصلاحات العسكرية الجديدة ، فيما يتعلق بزيادة القوات المسلحة ، التى تطلب منكم من خلال البرلمان . سوف تكونوا الآن قادرين ان تلمسوا المصدر الداخلى الذى تنبثق منه مثل هذه الاقتراحات .
الملكية ايها السادة ، لديها موظفون عمليون ، لاخطباء مفوهين – ولكن مثل هؤلاء الموظفين العمليين – هم ماارغب فى ان يتوفروا لكم .

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــ
المصدر :https://www.marxists.org/history/etol/newspape/fi/vol03/no01/lassalle.htm

 

تسعدني تعليقاتكم

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s