لماذا كان ماركس محقاً بشأن الرأسمالية؟ – ليز والش

Posted: 3 فبراير 2016 in مختارات سياسية, عمال وجماهير
الوسوم:, , , ,
 ليز والش
المقال باللغة الإنجليزية منشور في يناير 2011 على موقع “الراية الحمراء” الأسترالي
ترجمة أشرف عمر
 الناشر وحدة الترجمة – مركز الدراسات الاشتراكية

منذ اللحظة التي بدأ فيها ماركس بالكتابة، شرع المحللون والأكاديميون السياسيون المدافعون عن الرأسمالية في محاولات مستمرة لدفن أفكاره. لكن الأجيال اللاحقة من النشطاء توجهوا إلى هذه الأفكار وتأثروا بها، من المناضلين الأفضل والأكثر تماسكاً في الطبقة العاملة الذين انضموا إلى الأحزاب الاشتراكية والشيوعية في أوائل القرن العشرين، إلى الطلاب الجذريين الذين هبوا ضد فظائع الحرب على فيتنام في الستينات، متبنيين رؤاه للثورة ومناهضين لقهر الرأسمالية.

اليوم، في ظل غرق الملايين حول العالم في المهانة والبطالة والجوع والتشرد، وفي ظل التمزُّق الذي يعاني منه الشرق الأوسط، تثبت أفكار ماركس حيويتها بشكل دائم. هذه الأفكار أساسية لفهم لماذا تبدو الرأسمالية الحديثة بهذا الفُجر، لمن منا يسعى للظفر بمجتمع خالٍ من البؤس والتفاوت الطبقي الذي يشوّه عالمنا. هذه الأفكار لا غنى عنها لتوجيه حركتنا.

“المجتمع كله ينقسم أكثر فأكثر إلى معسكرين كبيرين متعاديين، إلى طبقتين كبيرتين متجابهتين مباشرةً: البرجوازية والبروليتاريا” – البيان الشيوعي
برغم كل التأكيدات على أن ما من طبقات موجودة في المجتمع، وأن التقسيمات الأكبر هي بين القوميات والأجناس والثقافات، وليس بين الطبقات، إلا أن ماركس كان على صواب بشأن طبيعة الرأسمالية. إنها نظامٌ يُعرًّف باستغلال الرأسماليين للطبقة العاملة. حينما كتب ماركس “البيان الشيوعي” و”رأس المال” فيما بعد، كانت الرأسمالية مهيمنة فقط على بلدان أوروبا وأمريكا الشمالية ليس أكثر. أغلبية سكان العالم كانوا إما فلاحين أو مزارعين مستقلين أو مجموعات قبلية.

إلا أن الرأسمالية سرعان ما سادت لتصبح نظاماً عالمياً. طُرِدَ الفلاحون من أراضيهم أو هجروها، ودُفعوا دفعاً إلى المراكز الحضرية سريعة التطور آنذاك. نمت الطبقة العاملة والطبقة الرأسمالية مع تطور الدول. أما الطبقة العاملة، التي تتضمن ذوي الياقات البيضاء والزرقاء المُجبرون على بيع قوة عملهم لصاحب العمل مقابل أجر، فتُقدَّر بحوالي 2 مليار إنسان.

الرأسماليون لا يمثلون سوى جزءاً متناهي الصغر من السكان، لكنهم يحوزون سلطة هائلة من خلال ملكيتهم وسيطرتهم على وسائل إنتاج الثروة في مجتمعنا، سواء كانت أراضي خصبة أو مناجم أو مكاتب أو مصانع. هؤلاء هم من يقررون ماذا يُنتج وكيف يُوزَّع، من يُوظَّف ومن يُلقى به في قاع البطالة والفقر. هؤلاء هم من يقررون ما إذا كانت ثرواتنا الطبيعية ستُحفظ أم تُنهب. هؤلاء هم من يأتون بالحكومات أو يسرِّحونها.

وإذ ينقسم المجتمع إلى طبقة عاملة ورأسماليين، يزداد التفاوت الطبقي وعدم التكافؤ بشكل كبير. في أستراليا، يُقدَّر متوسط دخل مدراء الشركات بحوالي 100 ضعف متوسط أجر العمال. وعلى المستوى العالمي، يؤدي تركيز الثروة، وفقاً لوثيقة نشرتهاالأمم المتحدة في عام 2006، إلى امتلاك 1% فقط من البشر البالغين 40% من الأصول في العالم، بينما يمتلك أغنى 10% حوالي 85%. في المقابل، يمتلك البشر البالغون في النصف الأدنى من البشرية فقط 1% من الأصول في العالم.

هذا فقط جزءٌ من هيكل مجتمعنا الحالي، وهو يفسّر لماذا هذه الطبقات ليست موجودة فحسب، بل أيضاً أنها “متعادية ومتجابهة”. لم تأت ثروات الرأسماليين من الهواء، وأرباحهم ليست نتاجاً لعملهم الجاد أو العبقري، بل أنها تأتي من العمال أنفسهم؛ يدفعون لنا أقل من القيمة التي ننتجها بالعمل. وبما أن الرأسماليين في تنافس ضد بعضهم البعض، فهم يبحثون دوماً عن السُبل التي تمكّنهم من تقليص النفقات وتعظيم الربح الذي يعصرونه منّا.

الرأسمالية إذن تتميز بالصراع الذي لا ينتهي بين العمال في جانب، والرأسماليين وحلفائهم في النظام القانوني والبرلماني في الجانب الآخر. هذا الصراع يستعر على معدلات الاستغلال، وظروف العمل والسلامة، وعلى ما إذا كانت الخدمات الأساسية مثل المواصلات العامة والمستشفيات ستعمَّم أم تُخَصخَص.
هذا الصراع خفيٌ أحياناً، لكنه في أوقات أخرى يتخذ شكل المعركة المفتوحة. من السهل رؤيته في محاولات الحكومة تقليص الإنفاق الاجتماعي أو تجميد الأجور.

“إن البرجوازية تنتج، قبل كل شيء، حفاري قبورها” – البيان الشيوعي
كان ماركس محقاً حين تصوَّر أن الفئة الوحيدة في المجتمع القادرة بالأساس على تحدي هذا التفاوت فيه، والحروب والاضطهاد، هي الطبقة الأكثر تعرضاً لكل ذلك – الطبقة العاملة. فظائع الرأسمالية تدفع من يعانون منها للتصدي والمقاومة، لكن ماركس رأى أن الطبقة العاملة لديها قدرات خاصة تجعلها هي بالذات بمثابة “حفاري قبور” النظام.

رأى ماركس في الطبقة العاملة ممثلةً للتغيير الثوري لعددٍ من الأسباب. أولاً؛ لدينا العدد الكبير. كما قال الشاعر بيرسي شيللي “هم قلة، ونحن كُثُر”. لكن الأهم من العدد هو مركزية العمال بالنسبة للإنتاج وصناعة الربح. من دون عملنا لن يدور ترس واحد في العملية برمتها، لن يُنتج ولو مُنتَج واحد. إذا انسحبنا جميعاً سوياً، سينضب بئر الأرباح الذي يدر لهم المال.

ليس هناك من فئة في المجتمع يمكنها تحدي الرأسمالية وآلياتها على هذا النحو الأساسي والجوهري. الطبقة العاملة تجمع في شرائحها جميع الناس – السود والبيض ومثليي الجنس والرجال والنساء، إلخ. وبينما الجميع لديهم هوياتهم المختلفة، يمكنهم كـ”عمال” أن يحوزوا السلطة بحق.

وبينما تدفع الرأسمالية العمال لمنافسة بعضهم البعض، في الحصول على الوظائف أو المساكن أو ضمان مكان في الجامعة أو ما شابه، تجمعنا كلنا في عالم العمل، حيث لابد من التعاون فيما بيننا لتسيير الأمور. وبالمثل، لا يمكن تعطيل آليات الرأسمالية بالبطولات الفردية، بل يتطلب ذلك انخراط العمال بحيوية ونشاط. والحاجة إلى حركة جماعية نشطة تستلزم أن يبني العمال منظمات ديمقراطية يمكن أن تلهم التضامن وتنظم أغلبية العمال للانخراط في الحركة.

هذه هي الطبيعة الجماعية لحياة الطبقة العاملة ونضالها في ظل الرأسمالية التي توفر لنا القدرة على إعادة تشكيل المجتمع لصالح الأغلبية. أما بالنسبة لانتزاع زمام الأمور من الرأسماليين، فالعمال لا يمكنهم ببساطة تقسيم المصانع والمستشفيات والمكاتب وتوزيعها فيما بينهم، واحد يأخذ فرناً لصهر الصلب، وآخر يأخذ جهاز مراقبة ضربات القلب أو ماكينة تصوير مستندات، بل أن السبيل الوحيد لمحو الاستغلال هو تحويل وسائل الإنتاج والتوزيع إلى ملكية جماعية، ومقرطة كل جوانب الإنتاج واتخاذ القرار.

وبالنظر إلى الطبيعة المترابطة للاقتصاد العالمي، نجد أن هذه العملية لابد أن تكون أممية، لذا نادى ماركس عمال العالم بالوحدة.

“أفكار الطبقة الحاكمة في كل عصر هي الأفكار السائدة” – الأيديولوجيا الألمانية
اليوم، من الواضح أن كل فكرة يقدمها النظام التعليمي، أو الإعلام أو شركات الدعاية أو ما إلى ذلك، تبرر الرأسمالية كما هي. الأفكار السائدة تتضمن مفهوم الترقي الاجتماعي؛ إذا عملنا جيداً يمكننا أن نفعل ذلك. هذه الأفكار تتضمن أيضاً أن التنافس والفردية والطمع يعكسون الطبيعة البشرية، وليس مصالح النخب الحاكمة. وبسبب هذه الطبيعة، يُحكم على أي محاولة لتغيير المجتمع جذرياً بالانتهاء إلى الديكتاتورية، لذا من الأفضل ألا نحاول من الأصل.

مرة أخرى، كان ماركس على حق حين جادل بأن سلاحاً مهماً في أيدي الطبقة الحاكمة هو الأيديولوجيا، أي أنظمة الأفكار التي تحاول التطبيع مع امتيازات الطبقة الحاكمة وإخضاع مصالح الأغلبية لها. ليس هذا مفاجئاً؛ فالنظام الرأسمالي يدهس احتياجات ورغبات أغلبية الناس لمصالح الأقلية. ومن أجل الحفاظ على الأوضاع الراهنة وتعطيل عملية “حفر القبور” هذه، يعملون لكسر وحدة الأغلبية، بل ويسعون لكسب بعضنا لفكرة أن لا شيء آخر يمكن تحقيقه. الطبقة الحاكمة تمتلك بين أيديها حقاً وسائل نشر أفكارها وتوسيع مداهل على نطاق مذهل.

الإعلام السائد، الذي يمكنه تشكيل الرأي العام واتجاهات النقاش بين الناس على مستوى جماهيري، لا يمكن اعتباره محايداً على الإطلاق. ومن أجل حرف الانتباه عن المشاكل الحقيقية، مثل تردي أحوال المواصلات العامة أو التكدس في المستشفيات، يوقظ الإعلام المشاعر المعادية للاجئين حين يقرر ذلك لتوجيه جم اهتمام السياسيين للحديث عن “ضرورة إيقاف زوارق الهجرة”. كيف يمكن أن نلاحظ هؤلاء اللاجئين البائسين إن لم تتحدث عن الجرائد في الصفحات الأولى عن مجيئهم؟

مؤسسة هامة أخرى في نشر هذه الأفكار في مجتمعنا هي النظام التعليمي، حيث يُدرَّس لنا أنه، كي تسير أمورك على نحو مقبول في هذا المجتمع، عليك إطاعة الأموامر واتباع القواعد واحترام السلطة، أو على الأقل تقبُلها. هذه هي الدروس التي يتمنى حكامنا أن نأخذها معنا إلى أماكن العمل بعد ذلك. نتعلم كيف يصنع الرجال العظام التاريخ (ونادراً جداً ما يذكرون النساء)، في تحقيرٍ من دور جماهير الناس العادية في تغيير التاريخ نفسه.

واقع الحياة في ظل الرأسمالية يلعب دوراً أيضاً في توطيد وترسيخ الأفكار المؤيدة لها. على سبيل المثال، بسبب التمييز على أساس الجنس في مجتمعنا، تُعيَّن النساء بشكل عام في وظائف ذات سلطة أقل وأجور أدنى. هذا الواقع يوطِّد فكرة أن المرأة من الطبيعي أن تكون أدنى من الرجل. المفاهيم نفسها في ظل الرأسمالية يؤسَّس لها باعتبارها طبيعية وعادية وليس باعتبارها بناءاً اجتماعياً يمكن تغييره.

وبرغم أن أفكار الطبقة الحاكمة سائدة، إلا أنها ليست مهيمنة تماماً، فالخبرات المُعاشة في ظل الرأسمالية لا تقوِّي الأفكار الحاكمة هكذا فحسب، بل أنها أحياناً ما تصطدم بها. على سبيل المثال، الوعود الكثيرة بالترقي الاجتماعي وتحسين الأحوال تتحطم باستمرار على صخرة الأزمة الاقتصادية. في البلد الأغنى في العالم، الولايات المتحدة، واحد من سبعة أشخاص يعتمد بالأساس على بطاقات الطعام للبقاء حياً.

هذا التصادم يخلق مزيجاً متناقضاً من الأفكار في رؤوس العمال. معظم العمال يقبلون جوانب عدة من الأيديولوجيا الرأسمالية، وفي نفس الوقت يحتفظون بأفكارٍ مناهضة لها. إذا لم يكن هذا هو الحال، إذا كنا جميعاً مغسولي الدماغ تماماً، لكان من المستحيل تحقيق أي تغيير اجتماعي جذري، لما كانت حركات الحقوق المدنية وحقوق المرأة، التي شكّلت تحدياً مباشراً للأفكار الحاكمة، ستقوم.

المفتاح الأساسي لمواجهة هذه الأفكار يكمن في النضال الطبقي نفسه. حينما يخوض العمال إضراباً، تتكشّف أمامهم القوة الاجتماعية التي بين أيديهم، تتكشّف أمامهم حقيقة أن الرأسماليين لا يمكنهم الاستغناء عنهم، لكنهم هم العمال بإمكانهم الاستغناء عن الرأسماليين. النضال الطبقي أيضاً يمكنه مواجهة الأفكار المتعصبة التي قد يحتفظ بها العمال، فالنضال يحتاج الوحدة في الفعل والتضامن.

الانقسامات التي تصنعها الرأسمالية، مثل التمييز على أساس جنسي أو عنصري، يمكن أيضاً تجاوزها، فالاضطهاد الواقع على قطاع معين من الطبقة العاملة يمكنه أن يدفع الطبقة بأكملها إلى الوراء. كما كتب ماركس في “رأس المال”: “لا يمكن للعمل أن يتحرر في بشرته البيضاء بينما السوداء لا تزال موصومة”.

“حاول الفلاسفة تفسير العالم بطرق مختلفة، لكن الأهم هو تغييره” – أطروحات حول فيورباخ
لم يكن ماركس مفكراً معزولاً عما يحيط به. لقد جادل بأن فهم العالم فقط – معرفة الأسباب الحقيقية للحرب، وكشف الأكاذيب التي تسوقها الطبقة الحاكمة، وإدراك أن ثروتهم مبنية على استغلالنا – لا يكفي لتغييره.

بالنسبة لماركس، فإن السعي من أجل رؤية أعمق للتناقضات في النظام الرأسمالي ليست عملاً فكرياً خالصاً، فالفكرة الأساسية هي أن النظرية ترشد الممارسة العملية. الفكرة الأساسية في معرفة النضالات التاريخية والاطلاع عليها هي فهم الروافع الرئيسية في تغيير المجتمع.

الأفكار وحدها ليست كافية لتغيير العالم من حولنا. لم تكن أفكار الإخاء والحرية والمساواة هي التي اقتلعت رؤوس الأرستقراطية في الثورة الفرنسية، بل أن الأفكار كي تتمتع بالقوة اللازمة لتطبيقها، بالأخص إذا كانت هذه الأفكار مناهضة للحسّ العام في ظل الرأسمالية، بحاجة لأن تُنظَّم، هي بحاجة إلى لأن تُجسَّد في تحركات العمال من الرجال والنساء. لذا كان ماركس يضطلع بدورٍ قيادي في المنظمات الجذرية أثناء حياته، مثل العصبة الشيوعية واتحاد العمال الأممي.

كان ماركس أبعد ما يكون عن الحتمية الميكانيكية. لم يعتبر أن انتصار الاشتراكية أمراً حتميّ الحدوث. فبرغم أن الرأسمالية ممزّقة بالتناقضات الداخلية والأزمات الاقتصادية الدورية، إلا أنها لن تسقط من تلقاء نفسها. التغيير الاجتماعي الثوري يستلزم النضال والكفاح من أجله.

بالطبع، من أجل إنجاز أي تغيير اجتماعي تقدمي، نحن بحاجة إلى المطالبة به والتحريض عليه والتنظيم من أجله. إذا كنت تريد وضع حد للحروب الدموية، وإذا كنت تريد انتزاع حق زواج المثليين، وإذا كنت تريد تحرير اللاجئين من أغلال الحكومة، إذن لابد من الفعل تماماً مثل القول.

مجرد نظرة سريعة على التاريخ تؤكد ذلك. جماهير الطبقة العاملة هي التي ناضلت من أجل انتزاع يوم عمل من ثمان ساعات. إنها الطبقة العاملة هي التي كافحت من أجل أجور متساوية للنساء. لم يكن من الممكن الحصول على أيٍ من هذه المكاسب بقوانين اقتصادية أو من خلال أحد السياسيين الأخيار.
لا يزال الإطار العام للأمور كما هو لم يتغير. رأسمالية القرن الحادي والعشرين لا تزال ملوَّثة بالدماء، ولا تزال الجماهير العادية تقض مضجعها. لقد تعلَّم جيلنا مجابهة الوحش بعناد وعزم على النصر.

Advertisements

تسعدني تعليقاتكم

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s