فريدريك إنجلز – توني كليف

Posted: 5 فبراير 2016 in مختارات سياسية, خبرات نضالية, عمال وجماهير
الوسوم:, , , , , ,
توني كليف
 ترجمة أشرف عمر
 الناشر وحدة الترجمة – مركز الدراسات الاشتراكية
محاضرة ألقاها الاشتراكي الثوري البريطاني توني كليف في مؤتمر الماركسية عام 1996.

سأبدأ الحديث بأن إنجلز كان يرى نفسه نسخة ثانية من ماركس. وللحق، أن تكون نسخة ثانية من ماركس لهو إنجاز كبير. حتى لو كنت النسخة الـ 150 منه، فهذا أيضاً إنجاز كبير. لكنني أجادل هنا بأن إنجلز كان يبخس حق نفسه ويقلل من قيمة إسهاماته. لقد كان متواضعاً للغاية. كان أكثر من مجرد نسخة ثانية من ماركس، إذ قدّم إسهامات عملاقة أضافت الكثير للماركسية، وقد قام بذلك، في أغلب الأحوال، مستقلاً عن ماركس، وحتى قبل ماركس.

يمكنكم ملاحظة ذلك بسهولة. فقط القوا نظرة على الأعمال الكاملة لماركس وإنجلز، لاحظوا بأنفسكم متى ظهر مفهوم مركزية الطبقة العاملة للمرة الأولى في كتاباتهم. هل كان ماركس أول من أشار إلى هذا الموضوع أم شخص آخر؟ إنجلز هو أول من فعل ذلك في كتاب ألّفه في باريس عام 1844 بعنوان “حال الطبقة العاملة في إنجلترا – 1844″. يُعد هذا الكتاب مقدمة رائعة لدور الطبقة العاملة، ليس فقط في التاريخ، بل في مستقبل المجتمع أيضاً.

من المهم لنا أن نفهم أن الأفكار، كتلك التي يقدّمها إنجلز في كتابه هذا، لا تتطور في المكتبات العامة. أنتم واهمون بالتأكيد إذا ظننتم أن الأفكار تتولّد وتتطور هناك. حقيقة الأمر، كما ذكر ماركس في “البيان الشيوعي”، فإن الشيوعيون يسعون لتعميم الخبرات التاريخية والأممية للطبقة العاملة. وهذا يعني أن علينا تطوير الأفكار من خبرة هذه الطبقة.

سأعطي مثالاً هنا للتدليل على ذلك. في “البيان الشيوعي” – 1848، بدت الأفكار حول ما سيحدث بعد الثورة الاشتراكية مبهمة للغاية. تحدث البيان عن ديكتاتورية البروليتاريا، لكنه لم يذكر كيف ستبدو ديكتاتورية البروليتاريا هذه. ثم في 1871، كتب ماركس كتاباً صغيراً آخر يقول فيه أن في ظل هذه الديكتاتورية لن تكون هناك بيروقراطية، ولا جيش نظامي، وسيجري انتخاب كافة المسئولين، كما سيكونون عرضة للاستدعاء من مناصبهم في أي وقت، وسيتلقون متوسط أجر العامل العادي، إلخ. قد تقولون لأنفسكم الآن أن “ماركس بذل جهداً كبيراً في المتحف البريطاني. ففي 1848، لم يقل أبداً شيئاً كهذا، لكنه توصل إلى ذلك لاحقاً في 1871″. كلا، على الإطلاق. تشكلت رؤى ماركس في 1871 على خلفية ما شهده في كوميونة باريس في نفس العام. هذه الوقائع الحيّة بلورت أفكاره. فقد أسس عمال باريس الكوميونة دون بيروقراطية ولا جيش نظامي، وهكذا.

بالعودة إلى إدارك إنجلز لمركزية الطبقة العاملة ودورها، نجد أنه قد تفوّق على ماركس في ذلك وسبقه. الميزة التي كانت لإنجلز عن ماركس هو أنه عاش في بريطانيا قبل أن يأتي ماركس، وقد عاصر بزوخ أول حركة جماهيرية للطبقة العاملة في العالم – الحركة التشارتية. ما نتعلمه في المدارس والجامعات غير ذلك تماماً؛ يقولون لنا أن الثورة غريبة على بريطانيا. الروس كانوا يقتلون قياصرتهم. الفرنسيون يشنقون ملوكهم. الثورة بالنسبة لهم ظاهرة غريبة ومكروهة، لذلك لا ذِكر لأيٍ من تجارب وخبرات الحركة التشارتية.

الإضراب العام الأول في التاريخ كان هناك في بريطانيا عام ١٨٤٢. تأثر إنجلز بما شهده خلال الإضراب بشكل كبير. على سبيل المثال، أحد الأمور المثيرة في إضراب ١٨٤٢، كان فكرة لجان الإضراب الجوالة. قد تعتقدون أن هذه الفكرة ظهرت إلى الوجود حديثا، أو أنها وليدة جيلنا في السبعينات ربما. كلا، على الإطلاق؛ فقد ظهرت الفكرة لأول مرة في ١٨٤٢، حيث كانت هذه اللجان تجوب المصانع من موقع إلى آخر. كان ذلك إنجازا مدهشا في ذلك الوقت. لذا، فإن كتاب “حال الطبقة العاملة في إنجلترا” لا يمكن تناوله إلا على خلفية معرفة إنجلز بالحركة التشارتية في مانشستر التي كانت مركزا للإضراب العام في ١٨٤٢. لكن الأمر يتجاوز مجرد كون إنجلز شاهدا على الأحداث ومعاصرا لها.

حينما تتصفحون الكتاب، ستلاحظون بعض الأفكار الجديدة الرائعة، أفكارا تبدو بديهية بالنسبة لنا اليوم. من السهل للغاية أن نستخلص الاستتتاجات من الأحداث بعد انقضائها بوقت طويل. لكن عليك أن تتخيل أنك تعيش في ثلاثينات أو أربعينات القرن التاسع عشر، هل ستتولد لديك نفس الرؤى التي بلورها إنجلز؟ ضعوا في الاعتبار أيضاً دقة وروعة كتاب “حال الطبقة العاملة في إنجلترا”.

تذكروا أيضا أن إنجلز كان في عامه ال٢٣ فقط حين سطر صفحات كتابه. أهم ما في الكتاب ليس التوصيف الدقيق لحياة الطبقة العاملة في ذلك الوقت، برغم أن الأمر مثيراً للاهتمام بشدة. بل أنه، حين كتب عن حياة الطبقة العاملة، لم يتبن أسلوب تشارلز ديكينز على غرار “آه من هؤلاء الفقراء الشياطين”، أو “العمال يعانون حقاً. فضلاً منك يا سيدي أن تعطني المزيد”. كلا، كان أسلوب إنجلز بالضبط على العكس من ذلك. كان يمتاز بتفاؤل مدهش، وقد أظهر العمال في كتابه، ليس كضحايا للتاريخ، بل فاعلين فيه ومحركين وخالقين له. سأستعين هنا باقتباس من “حال الطبقة العاملة في إنجلترا” لتوضيح الأمر:

“حرب الفقراء على الأغنياء، والكامنة الآن في التفاصيل وبشكل غير مباشر، ستصير مباشرة وشاملة. فات أوان الحلول السلمية منذ أمد. قريباً ستكفي دفعة صغيرة لتدفق الفيضان. وسوف تتردد صيحات الحرب عبر الأرض “الحرب على القصور، والسلام للأكواخ والبيوت الفقيرة”. وقتها، سيكون قد فات الأوان على الأغنياء كي يتخذوا حذرهم”.

أدرك إنجلز أيضاً أهمية النقابات. الكثير من الناس هذه الأيام يعتبرون النقابات مجرد منظمات عمالية تحاول تحسين الظروف. واليوم، في ظل بلير، يبدو أن الأمر صار أكثر سوءاً، حيث النقابات منظمات عمالية تبيع العمال لأصحاب العمل. قد لا يتحدث قادة النقابات بهذه الدرجة من الصراحة والوضوح، لكن تحت أيديهم نقابات يستخدمونها للمساومة والمساومة والمساومة. رأى إنجلز الأمر على نحو مختلف كثيراً؛ إذ أدرك الفرص في بداية العهد بالعمل النقابي. في 1844، تحدث إنجلز بهذه الكلمات: “النقابات مدرسة للحرب”. بالنسبة له، كانت النقابات مدرسة للحرب وليس للمساومة. لم يكن الهدف هو انتزاع مكسب هنا أو هناك والوقوف عنده، إذ أن الحرب تحكمها قاعدة بسيطة؛ طرف ينتصر والآخر مهزوم. في وجهة نظر إنجلز، تعد النقابات أسلحة للحرب. وقد استخدم لينين، بعد مرور سنين طويلة، عبارة “النقابات مدارس للشيوعية”.

تذكروا أن إنجلز كان يكتب ذلك، وبهذه العبارات والمفردات، قبل حتى أن يلتقي بماركس. وحين أقول أن إنجلز أدرك مركزية الطبقة العاملة قبل ماركس، فهذا ليس انتقاداً لماركس أو تقليلاً من شأنه على الإطلاق. أين كان يعيش ماركس في ذلك الوقت؟ هل تسنت الفرصة لأحدكم لزيارة موطن ماركس بمدينة ترير مؤخراً؟ ربما يكون أكبر موقع عمل هناك أصغر من منزل ماركس نفسه! وبعكس ماركس، كان إنجلز في بريطانيا، أكبر بلد صناعي في العالم، وقد كانت مانشستر مركز الثورة الصناعية. وهكذا يبدو من الطبيعي للغاية أن تتولّد هذه الفكرة لدى إنجلز أولاً.

نقطة أخرى في موضوع الأفكار هذا، هو أنك لا يمكن أن تنسبها وتعطي براءة اختراعها لشخص بعينه. لا يمكن بالضبط أن تحدد أول من توصّل إليها، أو من ابتدع فكرة عظيمة، إذ أن الأفكار كالنهر، والنهر يتشكّل من تيارات كثيرة. إنجلز يمثل أحد هذه التيارات في إسهاماته للماركسية. لذا أنا لا أحبّذ فكرة التحدث عن إنجلز كشخص ثانوي بالنسبة إلى ماركس، فبموجب هذا المنطق لا يُنظر لإنجلز باعتباره تياراً مستقلاً مساهماً في الحركة الماركسية برمتها. لكنني بالمناسبة حقاً سعيد بأن نطلق على أنفسنا “ماركسيين”، فهذا التوصيف أسهل كثيراً في النطق من “إنجلزيين”!

إلا أننا أحياناً نلاحظ اختلافاً بين أعمال ماركس وأعمال إنجلز. إذا قارنت بين كتابات الرجلين، ستجد أن بينما كان إنجلز رائداً في أغلب هذه الأعمال، يتميز ماركس بالعمق أكثر وأكثر. أنا لا أحاول هنا القول أن ماركس مثلاً كان ينتحل أعمال إنجلز. هذا ليس صحيحاً على الإطلاق. كان إنجلز رائداً بسبب خبراته في إنجلترا، لكن ماركس قد ذهب أبعد من ذلك، وقد طوّر الأمور أكثر وأكثر.

لنأخذ على سبيل المثال تعريف الشيوعية. كيف صاغ إنجلز ذلك؟ لقد كتب الفقرة التالية، مستخدماً أسلوب مكثّف ومبسّط للغاية (أبسط بكثير من ماركس):

“الشيوعية: (1) ضمان أن مصالح البروليتاريا تسود على مصالح البرجوازية (وهذه مفردات طبقية واضحة). (2) أن يتم ذلك من خلال إلغاء الملكية الخاصة وإحلال الملكية المشاعية محلها. (3) ألا تُحقق هذه الأهداف إلا بالثورة الديمقراطية باستخدام القوة”.

هذا التعريف هام للغاية. حينما أوضح إنجلز لماذا الحاجة إلى ثورة، قال أن ذلك لسببين؛ الأول “ليس فقط لأن الطبقة الحاكمة لا يمكن الإطاحة بها بأي طريقة أخرى، لكن أيضاً لأن الطبقة التي تطيح بها يمكنها، فقط من خلال ثورة، أن تتمكن من تخليص نفسها من روث كل العصور السابقة وأن تؤهل نفسها لبناء مجتمع جديد”. لقد وُلِدنا لنجد أنفسنا في مجتمع طبقي ولدينا قدر هائل من القذارة المحشوّة في رؤوسنا. الأفكار السائدة هي أفكار الطبقة الحاكمة، وهذه الأفكار تهيمن على كل شيء.

ليست الأفكار الواضحة والصريحة هي فقط ما يؤثر فينا. ليس من الصعب ملاحظة أن العنصرية فكرة سيئة، ليس من الصعب إدراك أنها فكرة رجعية. لكن أفكار الطبقة الحاكمة تصيب الأمور الأساسية والأولية حتى. أتذكر حين جادلتني أختي الصغيرة منذ سنوات طويلة، حين كانت تبلغ سبع أو ثمان سنوات، لا أتذكر بالضبط الأمر الذي تحدثنا فيه، لكنها قالت “لابد أنك على صواب”. سألتها “لماذا لابد أن أكون على صواب؟”، فأجابت “لأنك أكبر مني سناً، لذا فأنت بالتأكيد أذكى”. قلت لها “حسناً، أنا أذكى منكِ، وستكونين أنتِ أذكى من ابنك أو ابنتك في المستقبل. وهكذا يكون الناس أكثر وأكثر غباءاً”. هنا فكرة أن الأكبر أفضل من الأصغر، ولابد أن يُطاع – هذه تراتبية واضحة في المجتمع. تأتي هذه الفكرة من بناء المجتمع نفسه. والناس لا يلاحظون ذلك.

لنأخذ مثلاً فكرة أن هناك دائماً غني وفقير. يُقال “بالطبع هناك أغنياء وفقراء؛ لطالما كان هناك أغنياء وفقراء”. كم أم لأسرة من الطبقة العاملة قالت لأطفالها “أبوكم عامل، وجدكم كان عاملاً. ستكبرون لتصيروا عمالاً، وأطفالكم أيضاً كذلك. هناك دائماً أغنياء وفقراء”؟ الاستنتاج من ذلك هو أن ما من شيء يمكن فعله حيال الأمر برمته. لسبب ما الأغنياء دائماً أكثر موهبةً وذكاءاً.

أتذكر أن والدي اعتاد القول لي “يمكنني توقيع اسمي بتسع لغات”. كان ذلك صحيحاً، “لكن الشيكات التي أوقعها ترتد كل مرة من البنك”. ثم يأتي شخصٌ آخر معدوم الموهبة يوقّع شيكاً بشطبة غريبة ليمر الشيك بشكل طبيعي وعادي.

حقيقة أن الأفكار السائدة في المجتمع هي أفكار الطبقة الحاكمة تعني أننا لا يمكن أن نتخلص منها إلا عبر فعل خلّاق؛ فعل الثورة. إذا كنت ترى الثورة كانقلاب تُستبدل فيه أقلية ضئيلة بأقلية ضئيلة مثلها – 50 جنرال يطيحون بـ 50 آخرين على قمة السلطة – إذن ستبقى الجماهير نفسها بنفس الأفكار المهيمنة عليها، وستبقى أيضاً للثورة فرصة أن تقوم. لكن إذا كنت تتحدث عن أن تحرر الطبقة العاملة ينبغي أن يكون من فعل الطبقة العاملة ذاتها، إذن فلن نكون قادرين على تغيير المجتمع إذا لم تتغير أفكار الجماهير. أخذ موسى بني اسرائيل 40 عاماً في الصحراء لتطهير أنفسهم من أفكار الماضي القديمة. كان لينين يكرر أن “العمال يتعلمون في يومٍ واحد من الثورة ما لا يمكن تعلمه في قرن”.

لذا فإن فكرة أنجلز هي أن العمال يحتاجون الثورة للتخلص من الأفكار البالية. فقط حينما يناضلون في الثورة، وحينما ينشطون فيها ويحركونها، يجدون القوة الجماعية التي لن يحتاجوا من يبحث لهم عنها ويقدمها لهم. إذا طلب مني أحدكم أن ألخّص هذا المفهوم، لذكرت قصة شهيرة من كتاب “عشرة أيام هزت العالم” لجون ريد. المثال الذي سأضربه هنا يوضح تأثير الثورة الروسية على نحو بسيط ومبدع. حينما قدم تروتسكي، رئيس سوفييت بتروجراد، إلى مبنى السوفييت ذات يوم أثناء الثورة، كان هناك اثنين من العمال واقفين على مدخل المبنى لفحص تصاريح الدخول (في ذلك الوقت، كانت هناك تخوّفات كثيرة من هجوم عناصر من الثورة المضادة على المبنى بالقنابل اليدوية أو ما إلى ذلك). دسّ تروتسكي يديه في معطفه وأخذ يبحث جيداً، ثم قال “أنا آسف جداً. التصريح ليس معي الآن، لكنني ليون تروتسكي”. رد عليه أحدهما “لا يعنيني من تكون”. هذه سلطة عمالية. نحتاج لثورة حقيقية ليتجرّأ أحدهم على جون ماجور على بوابات 10 ش داونينج قائلاً له “لا يهمني من تكون أنت”. هذه ستكون دلالة على السلطة العمالية. وهكذا فإن فكرة أن العمال بحاجة إلى الثورة كي يغيّروا أنفسهم، هي حقاً فكرة مدهشة.

لنلق نظرة على بعض الأمور الخاصة بإنجلز نفسه. لابد أنكم تلاحظون أن البيان الشيوعي مكتوبٌ على غلافه الأمامي أنه بقلم كارل ماركس وفريدريك إنجلز. في الحقيقة، ماركس وحده هو من كتبه. لكن كانت هناك مسودة أولى من البيان، وقد كان إنجلز هو من كتبها. حملت المسودة عنوان “مبادئ الشيوعية”. الآن، من المثير للاهتمام حقاً عقد مقارنة بسيطة بين المسودتين، إذ أن هناك بعض المسائل التي نلاحظ ذكرها في “مبادئ الشيوعية” غير موجودة في “البيان الشيوعي”.

على سبيل المثال، سؤال هل يمكن تحقيق الاشتراكية في بلد واحد؟ تتناوله “مبادئ الشيوعية” وحدها. وهذه قضية أدت إلى صراع دامي بين ستالين وتروتسكي بعد 80 أو 90 سنة لاحقة. طرح إنجلز السؤال، وقد الإجابة عليه بأن من غير الممكن تحقيق الاشتراكية في بلد واحد، لأن الاقتصاد الرأسمالي عالمي، إلخ. إذا نظرتم إلى “مبادئ الشيوعية”، يمكنكم ملاحظة الطابع العام لإسهام إنجلز في الماركسية. كل الأفكار التي يطرحها “البيان الشيوعي” مُتضمنة فيها، بل وموضوعة بأوضح وأبسط ما يمكن. حينما تنظرون إلى ماركس، ستجدونه يرسم جدارية رائعة، صورة كبيرة مدهشة. أما حينما تنظرون إلى إنجلز، فستجدون صورة أصغر، لكنها تتضمن نفس الأفكار.

يمكننا تناول نقطة أخرى أيضاً. قضية الثورة الدائمة مثلاً. كلنا نتحدث عن تروتسكي باعتباره مؤسس نظرية الثورة الدائمة وواضعها. وهذا صحيح بكل تأكيد، باستثناء أن قبل تروتسكي بسنوات طويلة، تحديداً في 1848، كتب إنجلز عن الثورة الدائمة. كتب أن البرجوازية في المقام الأول جبانة، ويزداد جبنها كلما اتجهنا شرقاً. البرجوازية الإنجليزية وصلت بها الجرأة إلى إعدام الملك. البرجوازية الفرنسية كانت من الثقة بأن تقطع رأس الملك أيضاً.

لكن لماذا يزداد جبن البرجوازية كلما اتجهنا شرقاً؟ ذلك لأنها وصلت إلى المشهد متأخراً (إذ تطورت الصناعة هناك متأخرا). أما الآن، فالإنتاج الرأسمالي منظم في وحدات إنتاجية عملاقة بطبقة عاملة قوية وعريضة. لم تكن البرجوازية في بريطانيا في القرن السابع عشر تسأل نفسها “هل ستنتفض البروليتاريا ضدنا أيضاً إذا تجرأنا على القيام بثورة؟”، فلم يكن هناك مخاوف من انتفاض البروليتاريا حينذاك. الأمر نفسه أثناء الثورة الفرنسية. لم يكن العمال يخوضون الإضرابات أو ما إلى ذلك. بالطبع كانت هناك تمردات من أجل الحصول على الطعام، ضد زيادة الأسعار، لكن لم يكن هناك تركيزاً وتمركزاً كهذا للعمال في المصانع.

كتب إنجلز ما يلي عن البرجوازية:

“مكافأتكم ستكون فترة قصيرة في الحكم. ستسنون القوانين، ستستلقون في شمس جلالتكم تستدفئون بها. ستقيمون الولائم في القاعات الملكية، وستخطبون ود ابنة الملك. لكن تذكروا أن حذاء الجلاد ومشنقته على الأعتاب”.

هذه طريقة رائعة لشرح ماذا تعني نظرية الثورة الدائمة. صارت البرجوازية في القرن التاسع عشر أكثر جبناً بما لا يُقاس لأن تخوض ثورتها هي ضد الإقطاع، حيث كانت ترتقب من وراء ظهرها مخاطر ثورة الطبقة العاملة.
نقطة أخرى؛ هل تعرفون العنوان الكامل لـ”رأس المال” لماركس؟ إذا لم تقرأوه بالكامل، فعلى الأقل قرأتم المكتوب على غلافه الأمامي. عنوانه الفرعي هو “نقد الاقتصاد السياسي”. الأمر فعلاً مثير للاهتمام حين نعلم أن إنجلز كان قد كتب في العام 1846 كراساً صغيراً عن “نقد الاقتصاد السياسي” أيضاً. لقد قضى ماركس 26 عاماً في كتابة هذا العمل الكبير، وقد بذل جهداً جباراً في الدراسة والبحث. بالطبع كراس إنجلز الصغير ليس كذلك. لكن هذا لا يعني أن الكثير من الأفكار ليست مُتضمنة في هذا الكراس – على سبيل المثال، الفرق بين رأس المال الثابت والمتغير، ومفهوم الاستغلال، وفائض القيمة، ونظرية الأجر، إلخ.

أنا حقاً أمقت المفهوم القائل بأن إنجلز كان ببساطة تابعاً لماركس. ما يُحزن في الأمر حقاً أن إنجلز كان متواضعاً بشدة حيال نفسه حين يتعلق الأمر بماركس. كان مخلصاً بعمق لرفيقه. لا تتخيلوا كيف كان هذا الإخلاص. يمكننا أن نتلمّس ذلك حين نعلم أن إنجلز عَمِلَ مديراً لمصنع أغلب حياته. لم يتعلق الأمر بحبه لهذا العمل. لم يكن يؤمن بالهيمنة الطبقية، لكنه شخصياً كان مديراً لمصنع. امتلكت عائلته مصنعاً في مانشستر، وأوكلوا له مهمة إدارته. لقد بغض هذا العمل كل يوم، وكل أسبوع، وكل شهر. لقد كَرِهَ هذا العمل بشدة وعنف، لكن أتعلمون لماذا امتهن هذه المهنة؟! فقط لسبب واحد؛ فعل ذلك من أجل ماركس، إذ لم يجنِ ماركس أي أموال في حياته. كانت والدته بالطبع على حق حين سألته “لماذا بحق الجحيم تكتب عن رأس المال؟ لماذا لا يكون لديك بعضٌ من هذا الرأس مال؟!”. لم يكن لماركس أي رأس مال في حياته. كان إنجلز ببساطة يوفر المال لعائلته وأبنائه لسنوات وسنوات. وحينما مات ماركس، لم يكن إنجلز مرتاح البال أبداً، لكنه ربما تنهّد وتنفس الصعداء لأنه لن يكون مضطراً بعد الآن للعمل في إدارة المصنع. لم يكن يريد تولي عمل شنيع كهذا.

وبالرغم من تضحياته المذهلة تجاه رفيقه ماركس، زاد هذا الوضع من تواضعه بشكل كبير. وحين أنجب ماركس طفلاً غير شرعي، ادعى إنجلز أنه والد الطفل كي لا تنجرح مشاعر زوجة ماركس. اليوم، ربما نعتبر هذا التصرف غبياً، كمثال على تخلف القرن التاسع عشر. لكن هذه نقطة أخرى.

أود الآن أن أوضح أمر آخر هام. نتحدث دوماً عن المادية التاريخية كإسهام فريد لماركس، وهلمجرا. لكن دعونا ننظر إلى مثل هذه العبارة لإنجلز:

“التاريخ لا يفعل شيئاً. التاريخ لا يملك أية ثروات طائلة. التاريخ لا يشعل المعارك. إنهم البشر، البشر الحقيقيون الأحياء، هم الذين يفعلون كل ذلك، هم الذين يملكون وهم الذين يحاربون، أما التاريخ، فلا… ليس التاريخ شيئاً إلا نشاط البشر الساعين لتحقيق أهدافهم”.

وبرغم ذلك، كثيراً ما يتهم البعض إنجلز بالحتمية.. لأكون صادقاً معكم؛ إذا علمت أنا أن أمراً ما مُحدّد بشكل مُسبق، لن أفعل شيئاً، فإذا كانت الاشتراكية حتمية تاريخياً، لكنت جلست عاقداً ذراعيّ مبتسماً “الاشتراكية قادمة”. لست مضطراً أبداً لفعل أي شيء، لست مضطراً لفتح الباب أمام التاريخ. التاريخ سيفعل ذلك ويمهِّد طريقه بنفسه. والحال أيضاً إذا علمت أن انتصار الفاشية أمرٌ حتميّ الحدوث، لما كنت سأجلس مرتاح البال عاقداً ذراعيّ في هدوء، بل لكنت استلقيت على السرير وخبّأت نفسي تحت البطانية وأخذت في البكاء. في كلتا الحالتين لم أكن لأفعل شيء. لكن إنجلز صاغ الأمر بشكل صحيح تماماً. التاريخ هو ما يفعله ويخلقه البشر. لم يكن التاريخ الفرنسي هو من اقتحم سجن الباستيل، بل الرجال والنساء الذين قهروا ذلك السجن الجبّار في 14 يوليو 1789. لم يكن التاريخ هو من صنع الثورة الروسية، بل العمال والجنود الروس هم من فعلوا ذلك.

هذا ما تعنيه المادية التاريخية: البشر هم الفاعلون الحقيقيون في التاريخ، البشر هم من يغيّرون التاريخ، لكنهم يفعلون ذلك في ظروف مستقلة عن إرادتهم لم يختاروها. ليس هناك شك في ذلك – لا أعتقد أن كلامي هذا يبدو غريباً. أنا أتحدث الإنجليزية، ربما لا تصدقون ذلك، لكنني لم أبتدع اللغة الإنجليزية. ربما أكون أشوّه الأمر الآن بعض الشيء، لكن اللغة الإنجليزية مستقلة عني. ليست الإنجليزية هي من يتحدث إليكم، ليست اللغة، ما من شيء غامض يتحدث إليكم. إنه أنا، بإنجليزية ركيكة بعض الشيء، لكنه أنا، جزءٌ من الفاعل النشط في التاريخ. هذا جزء مهم للغاية في صيغة إنجلز.

اليوم، هناك بعض الناس يحاولون تصوير ماركس في معارضة إنجلز. يفعلون ذلك لأنهم يريدون فصل النظرية عن الممارسة. لقد تكرر ذلك في أوقات سابقة. خلال الصراع بين ستالين وتروتسكي، وقد كان الحركة الشيوعية مؤيدة لستالين في هذا الصراع طيلة حياته. في كل مرة يُصاب فيها ستالين بالزكام ويعطس، تمد الحركة الشيوعية العالمية أيديها بالمناديل. لكن بمجرد فضح ستالين بعد وفاته، قرر هؤلاء أنفسهم “إننا لا نعرف من يكون تروتسكي هذا (رغم أن تروتسكي كان يناضل ضد ستالين)، لابد من إيجاد شخص ما ليس ستاليني، ولكن أيضاً ليس تروتسكياً”. بحثوا حولها بعناية، وبالفعل حالفهم الحظ. وجدوا رجلاً قابعاً في سجن إيطالي، وبالطبع لأنه كان في السجن لم يكن بمقدوره التدخل بفاعلية في المعارك اليومية. هذا الرجل هو جرامشي. اعتبروا جرامشي مثالاً يُحتذى به، وكأنهم يقولون “نحن لسنا ستالينيين، لسنا تروتسكيين، بل جرامشيين”.

فعلوا نفس الشيء مع ماركس وإنجلز. طبعاً من الصعب للغاية مهاجمة ماركس، وبدلاً من ذلك أخذوا يبحثون عن الاختلافات بينه وبين إنجلز. لاحظوا أن إنجلز رجل الممارسة، لذا قالوا أن ماركس ليس كذلك – كان منظّراً. يقولون أنهم يتفقون مع الماركسية. لكن في عالمهم الخاص الماركسية علم مجرد. كان المجلد الثالث من “رأس المال” هو الذي ركّز فيه ماركس تحليل تحوّل فائض القيمة إلى متوسط معدل الربح. صاروا مهتمين للغاية بالحسابات الرياضية أكثر بكثير من اهتمامهم بالنضال. هكذا كانوا يفرّقون بين ماركس وإنجلز. لا يمكن الفصل بينهما على مستوى الأفكار، فقد كان كلٌ منهما يغذي الآخر فكرياً.

لكن أيضاً ينبغي أن نذكر أن إنجلز، في بعض المواضع، قد قدم إسهامات بشكل مستقل بعض الشيء عن ماركس. على سبيل المثال، كتاب “أصل العائلة والملكية الخاصة والدولة”، كتبه إنجلز عام 1884، أي بعد وفاة ماركس بعام واحد. كان ذلك إسهاماً مذهلاً لإنجلز، إذ تناول موضوعاً جديداً. استخدم الأنثروبولوجيا – عُرفت في ذلك الوقت من مورجان وغيره. اخترق إنجلز مناطق جديدة وطرح سؤالاً بسيطاً: ماذا عن العلاقات الشخصية؟ ماذا عن العائلة؟ ماذا عن العلاقات بين الرجال والنساء؟ هل العلاقات القائمة أبدية؟

أحياناً يفكر الناس في أن الأمور تتغيّر بالفعل: “نعم تتغيّر الأمور. على سبيل المثال، كانت العبودية سائدة في العالم، لكن الآن هناك العمل المأجور بدلاً منها”. ربما يرون الكثير من الأمور تتغيّر وتتبدل بالفعل. لكن يعتقدون رغم ذلك أن العلاقات البشرية بين الأشخاص مستقلة بشكل ما عن أي تغييرات ممكنة. الطبيعة البشرية هي شيء ثابت غير قابل للتغير. أوضح إنجلز أن الطبيعة البشرية ما هي إلا جزء من الظرف التاريخي السائد. لقد أتيت من فلسطين، هناك لا يترك الناس زجاجات اللبن بالخارج بعد أن يضعها بائع اللبن على أبوبا المنازل. ليس هذا بسبب أن المناخ حار مما قد يؤدي باللبن لأن يتخثّر، لكن لأنه ربما يُسرق. اليوم في بريطانيا، إذا جاء عامل التوصيل وطرق الباب لتسليم جهاز تلفزيون، ولم يجد أحداً بالمنزل، لن يترك الجهاز خارج المنزل. إذن أنتم تقولون أن سرقة أجهزة التلفزيون طبيعة بشرية، لكن سرقة اللبن ليس من الطبيعة البشرية. ما من شيء يمكن فعله حيال الطبيعة البشرية. اللبن رخيص السعر، ومتوافر بشكل كبير نسبياً، لكن أجهزة التلفزيون ليست متوافرة هكذا. حينما درس إنجلز العائلة، العلاقات داخل العائلة، أوضح بشكل أساسي أن هذه العلاقات جذورها تضرب في المجتمع الطبقي. الظروف المتحكمة في العائلة هي الملكية الخاصة، وكافة التحولات والتغيرات في العائلة تتأثر بها. لقد أوضح ذلك ببراعة في كتابه “أصل العائلة والملكية الخاصة والدولة”.
آخر نقطتان في الموضوع سأتحدث فيهما الآن. ما تناولته في الحديث حتى الآن كان بالأساس حول أفكار إنجلز، لكننا لا يمكن أن نتحدث عن إنجلز دون أن نتذكر أنه كان رجلاً عملياً. أتعرفون ماذا كان يُطلق عليه بين أفراد عائلة ماركس؟ كان يطلقون عليه “الجنرال”. لِمَ أطلقوا عليه هذا اللقب؟ الإجابة هي أنه حينما كان ماركس يكتب مقالاته الرائعة خلال العام 1848، وهكذا، كان إنجلز هناك على المتاريس. كان إنجلز هو من قاتل في الجيش. كان إنجلز رجل الحركة، الرجل العملي. ولبقية حياته ظل حركياً وعملياً.

في أحيان كثيرة، ولأنه رجلٌ عمليٌ وحركي، افتقد بعض الشيء الصورة الواضحة التي كانت لدى ماركس خلال بُعده النسبي عن قلب الأحداث. لا أقول هنا أن النظرية تتطور فقط في ارتباط مباشر بالممارسة والحركة. إذا كان لديك صلة قوية للغاية بالحركة والممارسة، لن تتوفر لديك المسافة التي توفر لك صورة أوضح وأشمل. ماركس كان لديه هذه المسافة، لكن إنجلز افتقدها أحياناً. على سبيل المثال، أثناء الحرب الأهلية الأمريكية بين الشمال والجنوب، توقع إنجلز انتصار الجنوب. لماذا فكر إذن في ذلك؟ لقد ساق الرجل عدداً من الأسباب الذي أسند إليها توقعه هذا: كان الجنوب مُنظماً على نحو أفضل، وقد كان ذلك صحيحاً تماماً، كل زملاء الجيش كانوا في الجنوب، الجنرالات الأكثر كفاءة كانوا في الجنوب، الضباط الأفضل كانوا في الجنوب، ولم يكن هناك من شك أن الجنوب كان يدير الأمور بشكل أفضل من الشمال. في حين أن ماركس لم يكن لديه شك في انتصار الشمال في هذه الحرب. لماذا؟ ببساطة لأن العمل المأجور أكثر إنتاجية من العمل العبودي، فقط هكذا. وهكذا أيضاً نيويورك أكثر تقدماً من تكساس، لذا توقّع ماركس انتصار الشمال. ليس ذلك فقط، فلننظر إلى القطاع الأكثر اضطهاداً في المجتمع – العبيد السود. من أين كانوا يفرون؟ وإلى أين؟ هل كانوا يتوجهون من الشمال إلى الجنوب؟ أم من الجنوب إلى الشمال؟ من الجنوب إلى الشمال. كانوا يفضّلون الشمال، لذا بالرغم من كل الأسباب التقنية العسكرية التي ساقها إنجلز، كان ماركس محقاً بشأن هذه الحرب، بينما كان إنجلز على خطأ.

ما الهدف إذن من هذا النقاش؟ أسوأ شيء في العالم هو سير القديسين. أن تأتي وتقول أن إنجلز كان يعرف كل شيء، وأنه كان محقاً دائماً، فهذا ما أضيق به ذرعاً. إنه بنفس درجة السوء حين يقول أحدهم أن ماركس كان بالطبع محقاً دائماً. فكروا فيما كُتب عن لينين في كتب الثورة الروسية في ظل حكم ستالين. لم يظهروا لينين على حق دائماً فقط، بل أيضاً والده، جسدوه رجلاً مناضلاً وتقدمياً. الحقيقة أن والده كرّمه القيصر. وحينما اغتيل أليكساندر الثاني في 1881، ماذا فعل والد لينين في ظنكم؟ لقد ذهب إلى الكنسية ليصلي على روح القيصر. لكن من يقدسون سيرة لينين لا يمكن أن يقبلوا بذلك، إذ أن آباء القديسين لابد أن يكونوا قديسين أيضاً. إذا قرأتم العهد الجديد، ماذا ستجدون؟ هذا ولد هذا، وهذا ولد ذاك، وفي النهاية، وُلِدَ المسيح.

لا أريدكم أن تنصرفوا من هذا اللقاء معتقدين أن توني كليف قال أن إنجلز رجل خارق لم يخطئ أبداً. هذا هراء.

ميزة أخرى كانت لدى إنجلز هو أنه كان نشيطاً للغاية. كان نشيطاً أثناء حياة ماركس، وحتى بعد وفاته. بين 1883 إلى 1895، أي خلال الـ 12 عام الذي قضاها وحده بعد وفاة رفيقه، نجد الكثير من الثوريين والنقابيين، من شتى أنحاء العالم، يرسلون الخطابات إلى إنجلز طلباً للنصيحة. وقد كان الرجل سخياً للغاية كي يرد عليهم ويدلي بنصائحه. كان منخرطاً في الحركة الاشتراكية الفرنسية، والألمانية، والروسية، وبالطبع في بريطانيا.. في كل حركة جماهيرية.

لم يكن أممياً بالقول فقط، بل بالفعل. وفي الممارسة، يمكنكم أن تروا ذلك مما كان يقرأه هو. لديّ قائمة بما كان يقرأه يومياً. سبع صحف يومية، ثلاث منهم بالألمانية، واثنان بالإنجليزية، وواحدة نمساوية، وأخرى إيطالية، بالإضافة إلى 19 نشرة أسبوعية بلغات مختلفة. كان إنجلز يعرف 29 لغة. أن تتمكن من قراءة اللغة أسهل بكثير من أن تتحدثها. لا أقول أن إنجلز كان يتحدث 29 لغة، لكنه كان يعرف قراءتهم، لأنه كان يسعى لمعرفة ما يحدث. كان يريد أن يعرف ماذا يفعل الروس. كان هناك عدد قليل من الاشتراكيين في روسيا في ذلك الوقت، لكن لا يمكنك تتبع الحركة ومعرفة أخبارها إلا إذا عرفت قراءة الروسية. لقد درس الروسية بالذات من أجل ذلك الهدف.

إسهامه وإخلاصه المتفاني للقضية كان مذهلاً. يمكننا استخلاص ذلك بسهولة من كلمات إنجلز نفسه. هذا جزء من خطابه على قبر ماركس:

“لقد كان ماركس قبل كل شيء ثورياً. وكانت مهمته الأولى في الحياة المساهمة بطريقة أو بأخرى في الإطاحة بالمجتمع الرأسمالي وبمؤسسات الدولة التي جلبها معه… لقد كان الكفاح أمراً أساسياً بالنسبة له”.

هذه الكلمات تناسب الآن فريدريك إنجلز نفسه. كان إنجلز مقاتلاً، لم يكن عالماً مجرداً، بل لقد كان علمه ببساطة سلاحاً للنضال من أجل الاشتراكية. إن فكرة الوحدة بين النظرية والممارسة ليست كما يحاول البعض تصويرها بأن يكتب أحدهم كتاباً – هذه نظرية – وأن يقرأه آخر – وهذه ممارسة. الوحدة بين النظرية والممارسة تعني الوحدة بين النظرية والنضال الطبقي.

لم أفهم على الإطلاق الفكرة المطروحة التي تقول أن الحزب يعلِّم الطبقة. ما هو الحزب بحق الجحيم؟ من يعلِّم المعلِّم؟ الديالكتيك يعني أن الشارع “رايح – جاي”. النظرية وحدها وفي حد ذاتها عديمة النفع. والممارسة وحدها وفي حد ذاتها عمياء. بالطبع تسبق الممارسة النظرية على أرض الواقع، فقبل أن يكتشف نيوتن قانون الجاذبية، اعتادت ثمرات التفاح على السقوط من الأشجار. بعدها وجد نيوتن النظرية التي تفسّر سقوط التفاح. الممارسة دائماً تسبق النظرية، لكن النظرية دائماً تنضج الممارسة.

لذا، فنحن لسنا ببساطة عمليين فقط، ولسنا ببساطة نظريين فقط. نحن نظريون عمليون. لكننا نؤمن بأن الأمر الأكثر أهمية هو الممارسة. حاكموا نشاطاتنا وقيّموها بناءاً على نتائجها العملية، سواء في الوقت الراهن أو على المدى الطويل. لا تؤيدوننا لأنكم معجبون بنا، بل ضعونا محك الاختبار؛ فالتحرر الذاتي للطبقة العاملة هو من فعل الطبقة العاملة. في الممارسة، سيكون عليكم الانخراط بفاعلية في إضراب يونيسون في مكتبات شيفيلد، أو في أي نضال آخر في بريطانيا، أو أي بلد آخر. ما من استخدام للنظرية مطلقاً إلا في خضم النضال الطبقي.

سأنهي حديثي هنا بقصة جيدة عن هاينريخ هاين. كان هاين شاعراً، وقد كتب قصيدة قصيرة بعنوان “حلم البروفيسور ماركس”. بالمناسبة، لم يقصد هاين كارل ماركس، فقد كان الأخير طفلاً آنذاك. القصة أن البروفيسور ماركس راوده حلمٌ بحديقة، وفي الحديقة لم تكن ثمة أزهار تنبت، بل اقتباسات من كلام. كان هذا حلم البروفيسور ماركس.

هذا بالتأكيد ما لم يحلم به كارل ماركس وفريدريك إنجلز. لم يكن حلمهما أن تؤدي النظرية إلى النظرية، النظرية إلى النظرية، وهكذا، بل أن تدفع النظرية التطبيق العملي (بالمناسبة كلمة التطبيق العملي هنا جيدة جداً هنا). لا، هذا هراء. القضية هنا هي كيف ترتبط النظرية في الوقت الراهن بالنضال في النقابات، كيف ترتبط بالنضال ضد الفاشية، كيف ترتبط بالحركة ضد البطالة، كيف ترتبط بالتحركات ضد الحرب على الشيشان. بصياغة أخرى، الماركسية دائماً هي مرشد للعمل. وقبل كل شيء، كان إنجلز رجلاً عملياً.

Advertisements

تسعدني تعليقاتكم

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s