ترجمة محمود عبد المنعم
 الناشر وحدة الترجمة – مركز الدراسات الاشتراكية
 المقال منشور باللغة الإنجليزية في 18 يونيو 2014 بموقع الاشتراكيين الأمميين بكندا

“في إنتاج الناس الاجتماعي لحياتهم يدخلون في علاقات محددة، ضرورية ومستقلة عن إرادتهم، وهي علاقات إنتاج تطابق درجة معينة من تطور قواهم الإنتاجية المادية. ويشكل مجموع علاقات الإنتاج هذه البنيان الاقتصادي للمجتمع، أي يشكل الأساس الحقيقي الذي يقوم فوقه صرح علوي قانوني وسياسي وتتمشى معه أشكال اجتماعية. فأسلوب إنتاج الحياة المادية هو شرط العملية الاجتماعية والسياسية والعقلية للحياة بوجه عام. ليس وعي الناس هو الذي يحدد وجودهم، إنما وجودهم الاجتماعي هو الذي يحدد وعيهم”.

هذا الاقتباس مأخوذ من مقدمة ماركس عام 1859 لكتابه “مساهمة في نقد الاقتصاد السياسي”، والذي ربما يعتبر أوضح تعبير عن نظرية ماركس التي عُرفت بعد ذلك بـ “المادية التاريخية”.

المادية التاريخية
يبدأ ماركس بدراسة المجتمع الإنساني من الواقع المادي الذي نعيش فيه. هذا هو الذي يحدد واقعنا الحي وليست الأفكار التي نؤمن بها هي التي تحدد ذلك، وعلى الرغم من ذلك هناك تفاعل معقد بين الواقع المادي والأيديولوجيات التي تبادر بشرح هذا الواقع، أو في كثير من الأحيان، التعتيم عليه.

يمثل هذا تقدماً كبيراً في الطريقة التي يُنظر بها للتاريخ على هيئة “الرجل العظيم” أو على الأقل “المرأة العظيمة”. وهذه هي الطريقة التي روّجتها المؤسسات التعليمية السائدة في فهم التاريخ. فوفقاً لهذه الطريقة فإن التاريخ يحرك المجتمع إلى الأمام بفضل عبقرية الفرد، وفصله عن العلاقات الاجتماعية وبقية المجتمع.

هذا هو السبب الذي جعل دراسة التاريخ في كثير من الأحيان مقتصرة فقط على حفظ تواريخ الملوك والملكات والأباطرة والرؤساء ورؤساء الوزاراء، وهلم جرا. فهم الجهات الفاعلة التي تؤثر على التاريخ، ودور البقية منا هو أن ننظر إليهم في رعب، أو في كثير من الأحيان في رهبة، وهم يضربون بحياتنا عرض الحائط.

ومع ذلك، حوّل ماركس هذه الفكرة رأساً على عقب وجلب الجماهير العادية إلى ساحة التاريخ. وفقاً لمفهوم ماركس، فإن التاريخ يتحرك إلى الأمام، ليس من خلال أفعال الأفراد ذوي السلطة، ولكن من خلال الصراع الطبقي:

“فعندما تصل قوى المجتمع الإنتاجية المادية إلى درجة معينة من تطورها، تدخل في صراع مع أحوال الإنتاج القائمة أو بالتعبير القانوني مع أحوال الملكية التي كانت تعمل في ظلها حتى ذلك الوقت. وتتغير هذه الأحوال التي هي قيد على الأشكال التطورية من القوى الإنتاجية. وفي هذه اللحظة تحل حقبة من الثورة الاجتماعية. فتعديل القاعدة الاقتصادية يجر في أذياله قلباً سريعاً بدرجة أكثر أو أقل، لكل الصرح العلوي الهائل. وعند دراسة الانقلابات التي من هذا النوع يجب دائماً أن نفرّق بين القلب المادي الذي يحدث في أحوال الإنتاج الاقتصادية والتي يمكن تقريرها بدقة عالية، وبين الأشكال القانونية والسياسية والدينية والفنية والفلسفية، أو بكلمة واحدة الأشكال الأيديولوجية التي يدرك الناس في ظلها هذا الصراع ويجاهدون في سبيل فضه. إذا لم يكن في الإمكان الحكم على فرد طبقاً لما يراه هو عن نفسه، فلن يكون في الإمكان الحكم على حقبة مشابهة من الثورة على أساس وعيها بنفسها؛ وإنما بالعكس يجب تفسير هذا الوعي بمتناقضات الحياة المادية في أحشاء المجتمع القديم”.

وبالتالي، من أجل فهم الأحداث التاريخية، مثل الانتقال من الإقطاع إلى الرأسمالية، أو الثورات البرجوازية التي دمرت قوة الأرستقراطية في بلدان مثل فرنسا وإنجلترا، فأنت بحاجة لفهم كيفية تطوير أشكال جديدة من الإنتاج يبدأ في تقويض الأشكال القديمة الحاكمة للإنتاج.

وعلى عكس السياسيين في العصر الحديث ووسائل الإعلام السائدة، لم يكن ماركس يجادل بأن صعود الطبقة البرجوازية والإنتاج الرأسمالي يمثل أفضل ما وصل إليه العالم وأنه نهاية التاريخ. بل لقد رأى ماركس أن الرأسمالية هي مرحلة أخرى في تطور المجتمع البشري، ومرحلة يمكن أن تقود المجتمع إلى الاشتراكية والمساواة، حيث أن الكل يستفيد من الكم الهائل من الثروة الناجمة عن النظام الاقتصادي للرأسمالية.

ومع ذلك، لم يكن هذا محسوماً أو مفروغاً منه. وأحياناً يُقال أن ماركس لديه نظرة “ذرائعية” للتاريخ – أي أنه اعتقد بأن التاريخ من شأنه أن يؤدي حتماً إلى الاشتراكية.

الصراع الطبقي
على العكس من ذلك، فعلى حد تعبير ماركس، فإن البشر هم الذين يصنعون التاريخ، ولكن ليس في ظروف يختارونها بأنفسهم. فالتاريخ يتحرك إلى الأمام من خلال الصراع الطبقي، ولكن نتائج هذه الصراعات لا تتحدد مسبقاً.

في القرن التاسع عشر، كتب فريدريك دوجلاس، الأمريكي من أصل أفريقي الذي وُلِدَ عبداً وظل مناهضاً للعبودية، أن: “إذا لم يكن هناك صراع، لن يكون هناك تقدم”. وهذا متفق تماماً مع نظرية ماركس للتاريخ.

بهذا المعنى تُعد الماركسية فلسفة مفعمة بالأمل وواقعية على حد سواء. إذا نظرنا إلى العالم اليوم سنجد أدلة وافرة على أن النظام يحتاج إلى تغيير – من دمار البيئة الطبيعية والتغيرات المناخية الكارثية إلى استمرار القمع والعنصرية التي يعاني منها الملايين حول العالم، ومعاداة العمال وأسرهم، وزيادة الفجوة بين أقلية صغيرة من الأثرياء وبقية الكوكب.

صمدت الرأسمالية طويلاً بسبب المنافع التي قدمتها، لكنها أيضاً بشكل لا لبس فيه قوة مُدمِرة على نطاق واسع. ولكن إذا لم تقم الإنسانية بتنظيم نفسها بنجاح لإسقاط النظام فقد نرى جيداً ما وصفه ماركس بـ “هلاك الطبقات المتصارعة”.

نحن تعلمنا وتلقينا المعرفة من قبل سادة النظام لنعتقد بأننا تروس عاجزة داخل الآلة وبأن كل شيء “خارج عن سيطرتنا”. ولكن هذا ليس هو الحال. وصف الماركسي البريطاني الراحل كريس هارمان في كتابه “الرأسمالية العائدة من الموت – Zombie Capitalism” هذا المعنى للنظام كونه يخرج عن نطاق السيطرة:

“الناس يتحدثون عن “قوة المال”، كما لو أن قوته لم تأتِ من العمل البشري… أو عن “احتياجات السوق”، كما لو أن السوق ليس إلا مجرد تدبير الربط بين الأفعال الملموسة لعمل البشر المختلفين. إن هذه النظرة الزائفة تؤدي بالناس إلى أن يعزوا العلل الاجتماعية إلى أشياء خارجة عن السيطرة البشرية – وهي العملية التي سماها ماركس الشاب “الاغتراب” ويطلق عليها الماركسيون من بعد ماركس تعبير “التشيؤ”. إن تمزيق تلك الغلالة الزائفة في حد ذاته لا يداوي العلل الاجتماعية. وكما لاحظ ماركس، فإن التوصل إلى فهم علمي لملامح المجتمع الحالية لا يغير من المجتمع نفسه، مثلما أن “اكتشاف الغازات المكونة للهواء، لا يغير الهواء نفسه”.

إن تنظيم البشر لأنفسهم في ممارسة أفعال واعية من أجل تغيير المجتمع يجري حولنا في كل مكان عندما يتصدى الناس للظلم واللامساواة.

ما نحتاجه الآن هو منظمة ثورية يمكنها أن تربط النضالات ببعضها وتصل بها للانتصار. ليون تروتسكي، الثوري الروسي الذي كرس حياته لتغيير المجتمع، جنباً إلى جنب مع ملايين آخرين خلال الثورة الروسية، ومع أعداد أقل من ذلك بكثير بعد أن نفاه ستالين، لم يفقد إيمانه في إمكانية البشر في صُنع التاريخ:

“لثلاثة وأربعين عاماً من حياتي الواعية ظللت ثورياً، لاثنين وأربعين منهم ناضلت تحت راية الماركسية. إذا كان لي أن أبدأ من جديد سأحاول بكل تأكيد تجنب هذا أو ذاك الخطأ، ولكن الهدف الرئيسي من حياتي يظل دون تغيير، سأموت ثورياً بروليتارياً، ماركسياً، مادياً جدلياً… إيماني في المستقبل الشيوعي للبشرية ليس مجرد حماسة، بل هو أكثر حزماً اليوم مما كنت عليه في أيام شبابي… ناتاشا قد فتحت للتو النافذة المطلة على الفناء على مصراعيها ليدخل الهواء بحرية أكثر إلى غرفتي. أستطيع أن أرى الشريط الأخضر للعشب مشرقاً أسفل الجدار، والسماء الزرقاء الصافية أعلى الجدار، وآشعة الشمس في كل مكان. الحياة جميلة. اسمحوا للأجيال القادمة أن تطهرها من كل شر وعنف وقهر، وأن يستمتعوا بها إلى أقصى حد”.

تعليقات

تسعدني تعليقاتكم

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s