فلاديمير لينين.. النظرية والممارسة – إيان بيرتشال

Posted: 11 فبراير 2016 in مبادئ الاشتراكية, مختارات سياسية, عمال وجماهير
الوسوم:, , , , , , , ,
 إيان بيرتشال
ترجمة: محمود عبد المنعم
وحدة الترجمةمركز الدراسات الاشتراكية
1. لماذا لا يزال لينين حياً اليوم؟

معظم المؤرخين يقولون أن لينين واللينينية أمورٌ سيئة. ويُقال أن لينين قد حكم بطريقة ديكتاتورية في حزبه، وبعد ذلك حكم بنفس الطريقة الدولة التي أُنشئت بعد الثورة الروسية. يُقال أيضاً أنه كان مسؤلاً عن موت الآلاف وعن التأسيس لمجتمع استبدادي، وأن ستالين لم يكن إلا شخص يتبع خطوات لينين، وأنه لم يختلف عن أشخاص مثل هتلر وصدام حسين كواحد من أكثر الحكام وحشية في العصور الحديثة. ومن أكثر المجلدات رواجاً، أن مارتن آميس استغرق بعض الوقت للخروج من كتابة الروايات عن الجنس والعنف ليستعرض معلوماته الهائلة عن تاريخ روسيا، مستنتجاً أن لينين وتروتسكي لم يسبقا ستالين فقط، ولكنهم أنشئا دولة بوليسية شمولية تعمل من أجل مصالحهم. (آميس، القبة والرهبة، لندن، ٢٠٠٢، صـ ٢٤٨).

انتقد اليساريون لينين أيضاً على معارضته الحركة الأناركية المستقلة في أوكرانيا، وتدمير اللجان العمالية التي نشأت في المصانع بعد الثورة!

شخصية لينين الحقيقية كانت أكثر تعقيداً. بالتأكيد أنه ارتكب بعض الأخطاء، وكان قاسياً بعض الشيء، ولكن من أجل مصالح القضية وليس من أجل أن يملأ جيوبه. وقد ناضل بدون كلل أو ملل من أجل ما آمن به. وفوق كل ذلك أنه لعب دوراً محورياً في ثورة أكتوبر ١٩١٧ الروسية. وقد فتحت الثورة الروسية، قبل أن يخمدها ستالين، الباب أمام عالمٍ جديد، عالمٍ يكون فيه الإنتاج من أجل احتياجات البشر وليس من أجل الربح، عالمٍ تُتخذ فيه القرارات عن طريق أولئك الذين يعملون وليس الذين يملكون، عالمٍ يتعاون فيه جميع البشر من جميع الأجناس والجنسيات بدلاً من محاربة بعضهم البعض، عالمٍ لا يعرف فيه الأجيال الجديدة شيئاً عن الفقر والحروب إلا عن طريق دروس التاريخ فقط، مندهشين من كيفية حدوث تلك الأشياء البشعة من قبل.

ولكن العالم اليوم مختلفٌ تماماً عما عرفه لينين. كانت منشورات لينين في البداية مكتوبة بخط اليد، ولكن اليوم أصبحت الأفكار تسافر عبر الكرة الأرضية بمجرد الضغط على زر. إذا عاد لينين مرة أخرى إلى الحياة سوف يدرك بعض الأشياء بسرعة وهي: حروب أبدية، وفجوة تزداد دائماً بين الفقراء والأغنياء، وتصاعد حالة القمع، ونهب المؤسسات الضخمة للبلدان الفقيرة، وضعف وفساد السياسيين. فالعالم الجديد ليس فقط محتملاً، ولكنه ضرورياً من أجل بقاء البشرية. ولتحقيق ذلك يجب أن نكون منظمين، فأعداؤنا منظمون بدرجة كبيرة من القوة.. وهذا ما يجب أن نكون عليه نحن أيضاً.

المحور المركزي لحياة لينين كان ضرورة بناء التنظيم الثوري. وبالنسبة للشكل الذي يجب أن يكون عليه هذا التنظيم، فهذا يختلف من وقت إلى آخر. ول وجود لمثل هذا الشيء الأسطوري الذي يُسمى بـ”الحزب اللينيني”، فأعمال لينين لم تكن كتباً وصفية، واللينيني الجيد ليس من يقتبس دائماً من لينين، فتحليل تجارب وخبرات لينين يمكن أن يساعدنا في فهم أساليبه لتسهيل مهمة تطوير الأشكال التنظيمية التي نحتاجها في نضالنا.

2. كيف أصبح لينين ثورياً؟

فلاديمير أوليانوف، والذي عُرف بعد ذلك بلينين، وُلد عام ١٨٧٠ لأب كان يعمل مفتشاً للمدارس. كانت روسيا في ذلك الوقت إمبراطورية ضخمة عاش فيها الناس وماتوا وهم فلاحين أميين كانوا ينددون بالعمل المضني والمجاعة الدورية، وكانوا يعلمون القليل عن الحياة خارج قراهم الأصلية إلا إذا أُرسلوا للذبح كباقي الجنود. لم تُلغى العبودية، والتي كانت تجعل الفلاحين ملكية خاصة لملاك الأراضي، إلا في عام ١٨٦١. وقد حكم القيصر بدون أية مؤسسات برلمانية.

في ذلك الوقت كان الشعبويون يمثلون القوى اليسارية في البلاد، وأُطلق عليهم “الإرهابيين”. تكونت مجموعاتهم بالأساس من الطلاب والمثقفين الذين آمنوا بضرورة تحرير الفلاحين المضطهدين. وكانت أساليبهم عبارة عن إلقاء المتفجرات والقيام بالاغتيالات. وقد أظهرو شجاعة هائلة ولكن بدون تأثير كبير. وقد شارك شقيق لينين في هذه الأعمال وأُعدم عام ١٨٨٧.

ساعد ذلك في تحول لينين إلى أن يكون ثورياً، وقد استغرق لينين بعض الوقت ليجد الاستراتيجية التي تمكنه من تغيير العالم، وفي النهاية تحول إلى كتابات كارل ماركس. وقد عارض ماركس الرأسمالية في أنها تعمل على استغلال العمال الذين يحصلون على قيمة أقل بكثير من قيمة السلع التي ينتجونها. ولكن هؤلاء العمال المستغلين سيحفرون مقابر النظام بالثورة وتأسيس مجتمع يعتمد على الملكية العامة. العمال، وليس الفلاحون، كان لهم الدور المحوري في التغيير الاجتماعي. فالفلاحون الذين تخلصوا من ملاك الأراضي استطاعوا أن يتقاسموا الأرض فيما بينهم، ولكن العمال لن يستطيعوا تقسيم مصنع، فالحل الجماعي هنا ممكنٌ.

أصر ماركس على أن العمال لن يتحرروا عن طريق مجموعات صغيرة من الثوريين البطوليين: “إن تحرير الطبقة العاملة يجب أن يكون من فعل العمال أنفسهم”.

آمن لينين بأن على الثوريين أن يتواجدوا في الأماكن التي يتواجد فيها العمال. ففي بداية التسعينات من القرن التاسع عشر بدأت تتكون حلقات صغيرة من العمال المثقفين الذين يبتغون المعرفة، ولكنهم كانوا بعيدين تماماً عن زملائهم الآخرين من العمال. وقد جادل لينين أنه يجب على الاشتراكيين أن يشاركوا بأنفسهم في النضالات الحقيقية حول القضايا الهامة مثل تحسين الأجور وتحسين شروط العمل، ولكن هذه المشاركات كانت محدودة في ذلك الوقت.

بدأ لينين نشاطه في سان بيطرسبورج في تسعينات القرن التاسع عشر بمجادلته حول ضرورة التحريض داخل المصانع، فكان نشاطه عبارة عن دراسة ظروف العمال داخل المصانع وإصدار المنشورات وتوزيعها عليهم.

في عام ١٨٩٩ أصدر لينين كتابه “تطور الرأسمالية في روسيا”، وكان نتيجة ثلاثة أعوام من الأبحاث التي قام بها أثناء وجوده في السجن والمنفى. اشتمل الكتاب على تفاصيل كاملة وجداول إحصائية، ولكن النقطة الأساسية فيه كانت بسيطة. كانت روسيا بالأغلبية الساحقة دولة زراعية، فيما كانت الصناعة الحديثة لاتزال في طور النشأة وبالتالي كانت تنشأ طبقة عاملة. والشعبويون كانوا على خطأ؛ فمستقبل روسيا كان يقع بين أيدي الطبقة العاملة.

وقد زاد تأثير هذا التطور كثيراً، فالرجال والنساء كانوا يُستغلون بطرق وحشية، وقد أخذهم تطور الصناعة خارج نطاق الجهل والعزلة اللذين كان يعاني منهما الفلاحون ووضعتهم في المصانع حيث الثورة الشاملة كانت ممكنة.

لا يمكن أن تعود الحياة إلى عصور ما قبل الصناعة: “كيف لأحد أن يصور لنفسه التجزئة المدهشة لصغار المنتجين ليصبحوا مقتنعين بتطور الرأسمالية التي حطمت الهيئات القديمة لأسس الاقتصاد والحياة”.

وفي المصانع، كما جادل لينين، بدأ الوعي الاشتراكي للعمال في التطور: “كل إضراب يقدم أفكاراً اشتراكية قسراً لعقول العمال”.

3. البلشفية: ما العمل؟

في مؤتمر ضم 9 مندوبين فقط في مدينة مينسك عام ١٨٩٨، تأسس حزب العمال الاشتراكي الديمقراطي الروسي. لم يحضر لينين هذا المؤتمر بسبب أنشطته الثورية في سيبيريا.

كانت الأنشطة الاشتراكية في العهد القيصري غير قانونية أو شبه قانونية، فقليل من الثوريين استمتعوا بأكثر من عام من الحرية قبل أن يُلقى القبض عليهم ونفيهم في سيبريا. وما بين عامي ١٩٠٠ و ١٩٠٥ كان لينين منفياً بين لندن وميونيخ وجينيف.

في عام ١٩٠٢ أصدر لينين كتاب “ما العمل؟” حيث عرض فيه أفكاره حول التنظيم. الكثير من نقاد لينين وأنصاره يستخدمون هذا الكتاب كبيان لوجهات نظر لينين حول ما يجب أن تكون عليه المنظمة الثورية في جميع الأزمنة والبلدان. وهذا محض هراء؛ لأن لينين كان يكتب في ظرف معين، وكتاب “ما العمل؟” هو وثيقة تاريخية وليس وصفة شاملة، ولكنه أيضاً يحتوي على جدالات هامة لا زالت ذات صلة باليوم.

قبل ذلك بسنوات قليلة، شدد لينين على أن النقابات العمالية يجب عليها أن توجه العمال نحو الأفكار الاشتراكية، ولكنه قال العكس بعد ذلك: “إن الحركة النقابية تعني أيديولوجيا استعباد العمال عن طريق البرجوازية”. كانت مبالغة كبيرة من لينين، ولكنه كان يريد أن يوضح أن مسئولية النقابات هي تحسين ظروف العمال داخل النظام الرأسمالي وليس التخلص منه.

أما الحزب فمسئوليته أن يناضل من أجل الاشتراكية، ونضال النقابات هو وسيلة لتحقيق تلك الغاية وليس الغاية نفسها؛ فالأفكار الاشتراكية لا تتطور من تلقاء نفسها، والمفكرين الاشتراكيين الرئيسين من ماركس واينجلز إلى لينين نفسه لم يكونوا عمالاً. عمال المصانع كانوا يكدحون دائماً في العمل لأوقات كثيرة قد تصل إلى ١١ ساعة يومياً، فنادراً ما كان عندهم وقت الفراغ للقراءة أو الكتابة. وفي هذا السياق قال لينين أن: “الوعي الطبقي السياسي لا يمكن أن يتحقق للعمال من لا شيء، فهو يتحقق فقط من خارج الصراع الاقتصادي ومن خارج دائرة العلاقات بين العمال والموظفين”.

تسائل لينين حول كيفية سيطرة الأفكار البرجوازية على المجتمع، وقد رد على ذلك قائلاً: “لسببٍ بسيط؛ أن الأفكار البرجوازية أقدم بكثير في الأصل من الأفكار الاشتراكية، ولذلك فهي أكثر تطوراً، ولديها تحت تصرفها أدوات للدعاية بدرجة لا تقاس”. فما الذي كان سيقوله لينين إذا رأى وسائل الإعلام الحديثة؟

إن الأفكار الاشتراكية لن تتطور تلقائياً عند العمال، فالنظام الحالي عنده أساليب قوية يحمي به نفسه، والاشتراكيون بحاجة لنفس الأساليب القوية ليناضلوا من أجل بدائلهم.
والجانب الحيوي لذلك كان التأسيس لجريدة اشتراكية، فالفصل النهائي من كتاب “ما العمل؟” نادى بضرورة إصدار جريدة اشتراكية تغطي جميع أنحاء روسيا. وبالنسبة للينين فإن الجريدة عمل جماعي منظم، ومثل هذه الجريدة ستحتاج إلى شبكة من العملاء يعملون كفريق منضبط ومنظم، ومثل هذه الأنشطة “سوف تقوّي اتصالاتنا بشرائح أوسع من الكتل العمالية”.

صحيفة مثل إيسكرا (الشرارة)، والتي كان يكتب فيها لينين الكلمة الافتتاحية، كانت تُطبع في الخارج ويتم تهريبها إلى روسيا، أو يتم طباعتها سراً في مطابع داخل الأقبية.
جادل لينين بأن الحزب يجب ألا يكون مفتوحاً لأي شخص أو حتى للمتعاطفين معه فكرياً فقط، ولكنه يجب أن يكون تنظيماً جاداً يضم ثوريين محترفين مستعدين دائماً لتكريس جميع طاقاتهم للنضال وأن يعملوا بانضباط. وقد أشار إلى أنه تحت الظروف القمعية في روسيا فإن: “المنظمة العمالية الواسعة يُفترض أن تكون الأكثر انفتاحاً لجميع الكتل الجماهرية” ولكن في الحقيقة: “الثوريون هم الأكثر انفتاحاً لقوات الشرطة”.

في “ما العمل؟” شدد لينين على ضرورة وجود منظمة مركزية: “منظمة مستقرة شديدة المركزية من الثوريين”.

وفقط المنظمة المركزية هي وحدها التي تستطيع التعامل مع تهديدات البوليس السياسي وتعمل حول جريدة ثورية مركزية تثير نفس القضايا على مستوى قومي. الاشتراكية الروسية تميزت بالمناقشات النشطة طوال تاريخها. ولكن بمجرد اتخاذ القرار، يصبح واجب التنفيذ على الجميع؛ فالسياسات يتم اختبارها عن طريق الممارسة، وإن وجب، يتم تصحيحها.

كانت هذه هي المبادئ الذي سُميت بعد ذلك بـ”المركزية الديمقراطية”. لا يوجد غموض كبير حول هذه الفكرة، فهي توجد في أي شكل من الأشكال التنظيمية التي يعمل فيها الناس من أجل تحقيق شيء بدلاً من المناقشات المجردة.

في العام التالي انشق حزب العمال الاشتراكي الديمقراطي الروسي. وشهدت الحركة الاشتراكية بالفعل الكثير من الانشقاقات، ويعتقد بعض الناس أن بتكرار الانشقاقات يثبتون انتمائهم للينينية. ولكن هناك مبدأ هام، وهو أن لينين أراد حزباً يعمل فيه الناس وفق الانضباط الحزبي وليس فقط التوافق الصريح مع الحزب. الانشقاق الأخير جاء أكثر من مجرد تساؤل تنظيمي ثانوي، ولكنه عَكَسَ اختلافات هامة، فأنصار لينين كسبوا الأغلبية وأخذوا إسم “البلاشفة”، والجانب الخاسر كان الأقلية ولُقبوا بـ”المناشفة”. كانت هذه بداية الانشقاق.

وفي خضم الأحداث الضخمة في ١٩٠٥ كانت الكثير من المنظمات المحلية ما زالت متحدة، وكانت هناك محاولات عديدة لإعادة الاتحاد مع باقي المنظمات، إلى أن جاءت الضربة القاضية والفاصلة بين البلاشفة والمناشفة في عام ١٩١٢.

ساعدت مبادئ لينين التنظيمية في تماسك البلاشفة في أوقات عصيبة، ولكن مع تطور مسار النضال أصبح هناك شكل آخر تماماً ضرورياً للتنظيم.

4. 1905: السوفييتات

في يناير عام ١٩٠٥، تحركت مظاهرة ضخمة في سان بطرسبورج يقودها قس، وهو الأب غابون، وأطلقت قوات القيصر النار عليها، مما أدى إلى سقوط المئات في ذلك اليوم. عهد جديد قد بدأ، وكانت أفكار “ما العمل؟” منسية، وكان على الحزب في ذلك الوقت أن يدفع الحركة إلى الأمام ضد الدولة القيصرية، والتي لا تحتاج إلى مجرد مجموعات صغيرة من الثوريين بل إلى الأنشطة الأكثر نضالية في الطبقة العاملة.

بعد شهر من تلك الأحداث جادل لينين البلاشفة في أحد خطاباته قائلاً: “جنّدوا الشباب بكثافة وكثرة، فهذا هو وقت الحرب. هؤلاء الشباب بما فيهم الطلاب والعمال الشباب سوف يقررون مصير النضال”.

شدد لينين على أنه إذا كان الأعضاء الجدد نشطين، “فليس هناك ضرراً إذا ارتكبوا أخطاءاً”.

في سبتمبر ١٩٠٥، أضرب العاملون بالطباعة في سان بطرسبورج ضد معدلات الأجور بالقطعة وطلبوا أجراً على علامات الترقيم. انتشر الأمر سريعاً حتى تحول إلى إضراب عام. كانت القطاعات المضربة ترسل مندوبين إلى لجنة الإضراب المركزية والتي عُرفت بعد ذلك بـ”السوفييتات”، والتي مثّلت شكلاً جديداً من أشكال التنظيم. وفي خلال أسابيع، أصبح هناك ٥٦٢ مندوباً يمثلون ٢٠٠ ألف عامل، حتى تحولت السوفييتات إلى هيئة سياسية تدافع عن مصالح الطبقة العاملة. اختفت التحيزات القديمة، وعلى الرغم من انتشار معاداة للسامية، انتخب العمال يهودي شاب إسمه ليون تروتسكي ليكون قائدهم.

تمخضت الأعوام السابقة من العمل السري عن نوعٍ ما من العادات المحافظة والعصبوية بين البلاشفة، ولم يكن سهلاً في ذلك الوقت تبني مواقف جديدة، وكان الكثير من البلاشفة في سان بطرسبورج مرتابون من السوفييتات. ولكن في موسكو وفي الأماكن الأخرى لعب البلاشفة دوراً هاماً داخل السوفييتات. ولاحظ لينين أن الحزب أصبح كلياً في موقف جديد جعله يسافر إلى سان بطرسبورج بجواز سفر مزوّر.

جادل لينين بأن الحزب يجب أن يترسخ في أوساط العمال الثوريين، وأولئك الذين يريدون أن يناضلوا. على سبيل المثال، دافع لينين عن ضرورة السماح للعمال المسيحيين بالانضمام إلى الحزب. وجادل أيضاً بأنهم إذا أرادوا الاحتفاظ بمعتقداتهم الدينية، فذلك سوف يتعارض مع نضالهم. فقد آمن لينين أن: “النضال الحقيقي والعمل بين القواعد سوف يقنع جميع العناصر الحيوية بأن الماركسية هي الحقيقة، وسوف يلقي جانباً كل من يفتقر إلى الحيوية”.

أمرٌ واحدٌ فقط كان يفصل بين البلاشفة والتيارات السياسية الأخرى في ثورة 1905 وهو الإصرار على تسليح العمال. حكى لينين عن جداله مع أحد الليبراليين الذي قال: “تخيل أن هناك وحشٌ مفترسٌ أمامنا، أسد مثلاً، ونحن الاثنين عبيدٌ ألقونا لهذا الأسد، فهل سيكون مناسباً في ذلك الموقف أن نبدأ جدالاً؟ أليس واجبنا أن نتحد ونحارب هذا العدو المشترك؟”. رد لينين قائلاً: “ولكن ماذا إذا كان أحد هؤلاء العبيد قام بتأمين سلاح وهاجم الأسد، بينما الآخر وهو في منتصف النضال لاحظ شيئاً مكتوباً “دستور” معلق على رقبة الأسد وبدأ يصرخ أنا ضد العنف سواء من اليمين أو اليسار”.

جميع الثورات تأتي لتفاجئ الجميع. لكن التحدي الحقيقي أمام الثوريين ليس التنبؤ بالانفجار الاجتماعي، بل البحث عن طرق تتجاوب مع الأوضاع الجديدة. ولكي تستمر الأحزاب الثورية لفترات طويلة غير ثورية، فهي تحتاج إلى تنظيم وانضباط وروتين، ولكن هذه الصفات يمكن أن تكون عقبات في فترة التغيير السريع.

قبل عام ١٩٠٥ كان البلاشفة عبارة عن أقلية صغيرة تحاول أن تنشر الأفكار الاشتراكية بين العمال، ولكن في عام ١٩٠٥ تغيرت وظيفتهم بطريقة جذرية، فأصبحت مهمتهم الحاسمة هي الاستماع للعمال والتعلم منهم لدفع الحركة إلى الأمام. على الرغم من بعض الأخطاء، زاد تأثير البلاشفة في عام ١٩٠٥ ونمت عضوية الحزب بشكل سريع خلال العامين المقبلين حتى وصلوا إلى ٤٠ ألف عضو. جيلٌ جديدٌ من المناضلين سيلعب دوراً حاسماً في النضالات القادمة.

5. تماسك ووحدة الحزب

استعاد القيصر سيطرته، وأُجبر لينين على الهروب إلى فنلندا، وفي نهاية عام ١٩٠٧ انتقل إلى سويسرا. كان هناك فقدان هائل للثقة بين العمال، وبدلاً من التظاهر في الشوارع كانت هناك مجموعات صغيرة تجادل حول دروس التجربة. ولأن البلاشفة كانوا متجذرين وسط العمال فكانوا في مأمن من الإحباط. في عام ١٩٠٧ كان عدد البلاشفة يصل إلى ٤٠ ألف عضو، وبحلول عام ١٩١٠ تقلص عددهم حتى وصل إلى بضع مئات.

آمن لينين أن تلك الأحوال السيئة لن تستمر، فعاجلاً أم آجلاً، سوف تجبر الرأسمالية العمال على استكمال النضال. كانت وظيفة الحزب هي الحفاظ على التماسك والتحضير للموجة التالية. فمن يتابع منكم سباق فرنسا للدراجات سيعلم ذلك، أنه لا جدوى من الصعود لقمة الجبل إذا كنت لا تعلم كيفية النزول من الناحية الأخرى. إن بقاء المجموعات المحلية، حتى الصغير منها، أعطى للحزب إمكانية على الاستجابة مع التقدم في النضال عندما أتى فيما بعد.

كان لينين متميز وواسع الأفق. لكن مقارنةً بماركس وإنجلز أو تروتسكي، فهو يبدو ضيق الأفق للغاية، حيث كانت كتاباته تفتقر إلى التعبيرات الأدبية، والثقافية، والعلمية. كان لينين معزولاً عن التجارب الثقافية. أشار مكسيم جوركي ذات مرة في حديثه عن لينين إلى أنه عندما استمع إلى بيتهوفن قال أن هذه الموسيقى رائعة وتجعلك تريد أن تربت على أكتاف الناس “عندما يوجب ضربهم على الرؤوس”.

كان لينين مهووساً بكامل تركيزه ببناء الحزب، بينما بحث الثوريون الآخرون عن طرقٍ مختصرة. كان جوركي صديقاً للينين، وقد انضم إلى البلاشفة في عام ١٩٠٥ وكتب تقريراً رائعاً عن الحركة الثورية في روايته “الأم” عام ١٩٠٦. في عام ١٩٠٩ نظم جوركي حلقة دراسية لم يحضرها سوى ١٣ ناشط روسي، ورفض لينين المشاركة بسبب اختلافاته الفلسفية مع جوركي، فعندما تشاجر ٥ طلاب وأحد المنظمين مع جوركي وانسحبوا من الحلقة، سارع لينين بدعوتهم للانضمام إليه في باريس، فقد كان كل فرد ثمين بالنسبة له.

بعض البلاشفة هجروا الطريق العسير في بناء الحزب وصاروا أكثر ميلاً للأفكار الصوفية. وقد هاجم لينين هذه الأفكار بشدة. عندما كانوا أعضاءاً قليلين كان يجب أن يكون لديهم وضوح حول قواعد الفلسفة الماركسية.

كانت هناك أيضاً جدالات تكتيكية. قام القيصر بتنصيب برلمان مزيّف أُطلق عليه إسم “الدوما”، وكان لا يملك أي سلطات حقيقية. لم تكن الانتخابات نزيهة بالمرة، حيث كان صوت مالك الأرض الواحد يساوي ٤٥ صوتاً للعامل، ولكن كان هناك بعض الفرص لانتخاب مرشحين عن العمال. بعض البلاشفة ومن بينهم بوجدانوف، مؤلف رواية الخيال العلمي الرائعة “النجم الأحمر”، جادل بأن الحزب يجب أن يقاطع الدوما، وقد جادل لينين ضد ذلك بشراسة.

استغل البلاشفة الدوما في الدعاية والتحريض، حيث كتب باداييف، أحد نواب البلاشفة في الدوما: “نحن نستخدم منبر الدوما للتحدث إلى الجماهير فوق رؤوس البرلمانيين من مختلف الأطياف”. لاحقاً سوف يخرج النواب البلاشفة من البرلمان المزيّف لدعم الإضرابات والانضمام إلى مظاهرات الشوارع.

6. 1912: الجريدة العمالية

بعد مظاهرة طلابية ضخمة في عام ١٩١٠، صعدت الإضرابات العمالية مجدداً في عام ١٩١١، فاستيقظت الطبقة العاملة بعد سنوات من الخمود.

قرر البلاشفة إصدار جريدة يومية. وبدلاً من الجرائد الصغيرة التي أصدروها من قبل، والتي تكرست لمهاترات غامضة ضد الاشتراكيين الآخرين، خاطبت الجريدة الجديدة جميع العمال وتحدثت عن المشاكل الحقيقية في حياتهم. ظهرت جريدة البرافدا (الحقيقة) اليومية في أبريل ١٩١٢ بهدف الرد على أكاذيب الحكومة.

جاءت الجريدة في الوقت المناسب. قبل ذلك بوقت قصير هاجمت قوات الشرطة العمال المضربين في مناجم لينا، وقتلت وأصابت المئات منهم. موجة من الإضرابات انتشرت في روسيا. كان البلاشفة منذ أعوام تنظيماً سرياً، وهذه التقاليد كانت ضرورية لحمايتهم من الشرطة، وكان لابد من نفضها سريعاً. والثوريون الذين اعتادوا على السباحة ضد التيار وجب عليهم أن يسبحوا معه.

طُبعت الجريدة اليومية داخل روسيا، وكانت تُباع على نطاق واسع داخل المصانع وفي الشوارع. لم تستطع السلطات القيصرية خنق الجريدة ومنعها من الصدور تماماً، لكن استمر تضييق الخناق عليها. ابتكر النشطاء جميع الحيل لخداع السلطات. فأحياناً تم حظر الجريدة وأعيد إصدارها تحت إسم مختلف. مثل الحقيقة الشمالية، وغيرها من الأسماء.

كان من الضروري بالنسبة للينين أن تضطلع الجريدة بدور الناظم للحزب. اعتمدت البرافدا على مراسلين من العمال على نطاق واسع، والذين ساهموا في كتابة تقارير عن مشاكل عملهم ونضالهم. ومكنت الجريدة القراء المنعزلين من التعلم من خبرات الطبقة العاملة.

تمويل الجريدة كانت مسألة سياسية في حد ذاتها؛ فالجريدة كانت تموّل من قارئيها. كان معظم العمال يعيشون حياة فقيرة، وقد جادل لينين بأنه يجب تشجيع العمال على المساهمة بكوبيك واحد (عملة روسية قليلة القيمة) في كل يوم يكون مدفوع الأجر للعمال. لم يكن للينين أن يرفع أنفه إلى متعاطف غني، فقد كانت الاسهامات المعتادة من العمال أكثر أهمية. تأكد البلاشفة من أن العمال اتخذوا البرافدا جريدةً تعبر عنهم، وأنها سوف تموت من دون دعمهم.

7. الحرب وزيمرفالد

اندلعت الحرب في عام 1914 بين القوى الأوروبية الرئيسية، وهي بريطانيا وفرنسا وروسيا من ناحية، ضد ألمانيا والنمسا من الناحية الأخرى، وكانت المناقشات واسعة داخل حركة الطبقة العاملة حول الحرب. وصدرت القرارات في عام ١٩١٠ و١٩١٢ في مؤتمر الأممية الثانية (التي تضم جميع الأحزاب الاشتراكية الديمقراطية الأوروبية) بإلزام الاشتراكيين أن يعملوا بكل حسم لمنع الحرب.

ولكن في أغسطس عام ١٩١٤، كانت الأحزاب الاشتراكية فقط في روسيا ودول البلقان هي من عارضت الحرب، أما في الأماكن الأخرى فكانت الأحزاب والنقابات، واللتين اتخذتا موقفاً مناهضاً للحرب من قبل، تحولت إلى دعم مساعي الحرب الوطنية. في بريطانيا وفرنسا انضم الزعماء الاشتراكيون إلى الحكومة لتشجيع زملائهم العمال على الذهاب إلى الحرب ليلقوا حتفهم داخل الخنادق. مجموعات نضالية صغيرة فقط هي التي عارضت الحرب، مخاطرين بقمع الدولة وغضب الجماهير المؤيدة للحرب. كانت صدمة كبيرة لهؤلاء الذين عارضوا الحرب أن يجدوا أنفسهم في انعزال تام.

بدايةً، لم يصدق لينين تقارير المنظمات الاشتراكية الخائنة، لكن سرعان ما انشغل بمحاولات توحيد القوى الصغيرة المناهضة للحرب.

وفي نفس الوقت غمر لينين نفسه في الفلسفة، بالأخص أعمال الفيلسوف الألماني هيجل الذي ألهم ماركس عندما كان صغيراً. وما تعلمه لينين من هيجل هو أن كل موقف يجب رؤيته على أنه مترابط كلياً، ولكن بالرغم من ذلك هناك تناقضات تجعل التغيير السريع ممكناً. وقد وصف لينين الملامح الرئيسية لفكر هيجل “الطفرة، والتناقضات، وانقطاع التدرج”، ودائماً كانت فلسفة لينين تدعوه إلى العمل.

في سبتمبر ١٩١٥ عُقد مؤتمر صغيراً لمناهضة الحرب في مدينة زيمرفالد في سويسرا. حيث اندرج جميع المندوبين في أربعة حناطير فقط – كان هذا كل ما تبقى من الأممية الثانية والتي كانت تمثل الملايين من العمال.

أدرك لينين مهمتين رئيسيتين؛ أن الحركة تحتاج إلى الوحدة ولكنها أيضاً تحتاج إلى الوضوح. آمن البعض في زيمرفالد بأن الحرب يمكن أن تنتهي من دون التحدي الثوري للرأسمالية، وأن الأممية الثانية الغادرة يمكن أن تحيا من جديد. أما بالنسبة للينين، قد رأى أن الطريق الوحيد هو القطيعة التامة مع الأممية الثانية وتحطيم النظام القديم الذي أنتج الحرب.

كان هناك قلق بالغ من تفكك وحدة الحركة الوليدة المناهضة للحرب، وصوّت لينين للقرار الرئيسي الذي وصفه بأنه “خطوة إلى الأمام تجاه النضال الحقيقي ضد الانتهازية”. كان هو وخمسة آخرين قد أصدروا بياناً يوضح تحفظاتهم على المواقف الرئيسية.

جادل لينين بأن العمال في روسيا يجب أن يفهموا أن “هزيمة الملكية القيصرية سيكون أهون الشرور”. بالنسبة للاشتراكيين، فإن الانتماء يكون للطبقة وليس للوطن بغض النظر عن طبقاته ومصالحها، وهدفهم الأساسي يجب أن يكون مهاجمة الطبقات التي تحكمهم. على حد تعبير رفيق لينين، قال الاشتراكي الألماني كارل لبكنيخت المناهض للحرب “العدو الرئيسي موجود في البيت”. ولكن لينين لم يكن قادراً حتى على إقناع أعضاء حزبه بموقفه الجذري.

8. الإمبريالية

طوال الحرب استكمل لينين جداله من أجل فهم أعمق وأكثر وضوحاً لها. في عام ١٩١٦ كتب لينين كتاباً صغيراً بعنوان “الإمبريالية”، والذي حلل أسباب الحرب من أجل معارضتها بشكل أكثر تأثيراً.

أشار ماركس إلى أن الرأسمالية تعتمد على التنافس، فكل مؤسسة رأسمالية تسعى جاهدةً للتغلب على منافسيها، لكي تنتج بأسعار أرخص وتبيع في سوق أكبر وأوسع. ولكن، بعيداً عن أن ادعاء أنصار الرأسمالية بأن ذلك مبدئاً أبدياً، تنتج المنافسة عكسها – الاحتكار. المؤسسات الأكثر نجاحاً هي التي تتمكن من طرد منافسيها خارج العمل ثم تسيطر على أصولهم الإنتاجية، أو أن تندمج معهم لتكوين مؤسسة قادرة على تحقيق أرباح أكبر. ويصبح العالم تحت سيطرة الشركات الكبيرة. ولاحظ لينين حقيقة أنه عندما تكبر الشركات الرأسمالية تصبح في حاجة إلى مواد خام أكثر وسوق أكبر لتبيع فيه، فتلك الشركات لا تستطيع التواجد فقط داخل حدودها الوطنية وتحتاج إلى الدفع بها إلى الخارج لتسيطر على بقية العالم.

في الربع الأخير من القرن التاسع عشر استطاعت القوى الأوروبية الإمبريالية السيطرة على معظم القارة الأفريقية وأن تفرض حكمها على الحضارات المحلية بها. كان هذا هو منطق النظام، فلم يكن ممكناً أن تكون هناك رأسمالية إنسانية. كتب لينين “الرأسماليون يفرقون العالم، ليس بسبب الحقد الخاص، بل بسبب درجة التركيز التي وصلوا إليها والتي تجبرهم على تبني تلك الطريقة من أجل جني الأرباح”.

بعض المفكرون من الأممية الثانية، مثل كارل كاوتسكي، ادعوا أنه كلما تطورت الرأسمالية كلما قلت ميولها للحرب. تلك الأسطورة ما زالت حولنا اليوم، فهناك بعض الناس يدعون بأن العولمة يمكن أن تنهي الحروب. وقد جادل لينين بأن الميل إلى الحروب سيستمر مع استمرار الرأسمالية. اليوم أصبحت الرأسمالية متعددة الجنسيات أكثر مما كانت، ولكن هذا لا يعني أن العلاقات بين القوى الكبرى أصبحت منسجمة. بالعكس، فالمنافسة والصراع أكثر تأثيراً.

تغيرت الكثير من الأمور منذ أيام لينين، فالاستعمار إلى حد كبير قد انتهى، والإمبريالية بشكل عام تستطيع أن تستغل دول العالم الثالث على نحو أكثر فعالية بدون الحاجة إلى حكمها سياسياً. ولكن النقطة الأساسية، هي أن لينين أثبت أنه على صواب؛ ففترات التعاون الدولي هي فقط عبارة عن فواصل.

“الحلفاء السلميون يمهدون الطريق للحرب، وبدورهم تنبثق الحروب”، هكذا كتب لينين. الرأسمالية لا زالت تؤدي إلى الحرب كما نشاهد كل يوم في الأخبار التلفزيونية.

9. 1917: مراجعة وجهات النظر

في يناير ١٩١٧، وأثناء لقاء للينين في مدينة زيوريخ، قال: “نحن الجيل القديم من الممكن ألا نعيش لنرى المعارك الحاسمة للثورة المقبلة”. ولكنه سوف يتفاجئ قريباً.

روسيا ذات الاقتصاد النامي، كانت تعاني من توترات هائلة عن أي دولة أخرى. ففي فبراير ١٩١٧ أضربت عاملات النسيج في مدينة بتروجراد، مع أن البلاشفة قد حذروا من الإضرابات في ذلك الوقت، والعمال كانوا يمضون خارج الحزب.

انتشرت الإضرابات، وفي الأسابيع اللاحقة تنازل القيصر عن منصبه، وتشكلت حكومة مؤقتة تعهدت بإجراء انتخابات عامة وإعداد دستور جديد. وأثناء الإضرابات عاد العمال إلى تنظيماتهم القديمة التي أنشؤها في ١٩٠٥ – السوفييتات.

كان لينين لا يزال في سويسرا، وقد لاحظ بأن مرحلة جديدة من التاريخ على وشك أن تبدأ. وبالرغم من بقائه خارج روسيا لمدة ١٠ أعوام تقريباً، إلا أنه قرر العودة. وقد ابتكر خطة للزعم بأنه سويدي الجنسية، رغم أنه لا يعرف شيئاً عن اللغة السويدية، ومن ثم وافقت الحكومة الألمانية على السماح له بالسفر بالقطار عابراً ألمانيا، ووصل إلى بتروجراد في أبريل.

واجه لينين وضعاً غير متوقع، وأعاد النظر إلى جوهر أفكاره التي بنى على أساسها استراتجيته السياسية. وحتى هذه اللحظة، كان لينين يجادل بأن روسيا لم تكن مستعدة لثورة اشتراكية، حيث لم يكن هناك ديمقراطية برلمانية، وقد آمن بأن روسيا تحتاج إلى ثورة ديمقراطية مثل الثورة الفرنسية الكبرى التي قامت في عام ١٧٨٩ (والتي يشير إليها الماركسيون بـ”الثورة البرجوازية”).

ولكن الثوري الروسية ليون تروتسكي كان مؤمناً بأن روسيا يمكن أن تنتقل مباشرةً إلى الثورة الاشتراكية. طوّر تروتسكي نظرية “الثورة الدائمة”، مقترحاً بأن الثورة الروسية يمكن أن تنتقل بالجماهير إلى سلطة العمال وأن تمتد سريعاً لتنتقل إلى البلدان الأخرى. في حين اعتبر البلاشفة تروتسكي شخصاً مهرطقاً.

الآن أصبح للينين موقفاً مشابهاً لموقف تروتسكي، حيث زعم أنه يمكن للبلاشفة أن يمضوا نحو سيطرتهم على السلطة في المستقبل القريب. وتسبب ذلك في صدمة حقيقية لأعضاء حزبه، وكانت مهمته الأولى هي أن ينتصر في جدال حاد معهم.

أراد لينين أيضاً أن توضع استراتيجية للفلاحين، حيث كانت الطبقة العاملة الروسية صغيرة الحجم مقارنةً بحجم الفلاحين وأعدادهم الهائلة. بدأت ثورة الفلاحين في الانتشار بعد ثورة فبراير بوقتٍ قصير. وقد أدرك لينين أن تلك الحركة يجب أن تترابط بنضال العمال في المدن، وعنى بذلك دعم مطالب الفلاحين بتوزيع عادل للأرض بين الذين يعملون فيها. وقد تبنى البلاشفة برنامجاً مثل ذلك الذي يتبناه الثوريون الاشتراكيون (خلفاء الشعبويين).

كان الجيش، الذي يضم الكثير من الفلاحين، يطالب بالسلام، ففي خلال عام ١٩١٧، أُرسل أكثر من مليون فلاح للخدمة العسكرية. أما العمال في المدن فقد كانوا يطالبون بالطعام. لذا تبنى البلاشفة شعار “الخبز والأرض والسلام”.

10. السلطة المزدوجة

بدأت الثورة بطريقة عفوية، ولكنها لم تنته هكذا. بعض العمال كانوا أكثر نضالاً من غيرهم، وكانت الطبقة الحاكمة سعيدة باستغلال الانقسامات، فيما كان على الحزب أن يحارب من أجل مصالح الطبقة العاملة ككل. وقد كتب فيكتور سيرج “الحزب هو الجهاز العصبي للطبقة العاملة، وهو عقلها” (السنة الأولى من الثورة الروسية، لندن، ١٩٩٢، ص ٥٨).

كان للينين مهمتين أساسيتين في ذلك الوقت؛ كان عليه أن يربط الحزب ببعضه وأن يشجعه على زيادة تأثيره، ولكن في نفس الوقت كان عليه أن يوجه اهتماماته إلى الجماهير العمالية الغفيرة غير المنتمية للحزب، فبدونهم لن تكون هناك ثورة. كان للحزب القدرة على أن يكبر ويتوسع لأن العمال تذكروا دوره في النضالات السابقة. ولكن منذ أن كان للحزب جذور حقيقية داخل الطبقة العاملة، فكان يتمايل في اتجاهات مختلفة ضمن الطبقة العاملة نفسها.

كانت مهمة لينين الأولى هي أن يجعل للحزب هيئة قتالية. ففي عام ١٩٠٥، كان هدف الحزب هو أن يلفت انتباه كل المناضلين الجيدين إليه. كَبُر الحزب بسرعة؛ ففي بداية العام كان عدد أعضائه ٤ آلاف عضو، وبنهاية العام وصلوا إلى ٢٥ ألف عضو تقريباً. وفي مدينة واحدة، وهي ايفانوفو – فوزنيسينسك تضاعف عدد الأعضاء من ١٠ إلى ٥ آلاف في شهور قليلة.

لم يكن البلاشفة منظمة بيروقراطية حيث يطيع كل شخص فيه الأوامر. في ربيع ١٩١٧ تألفت مكاتب الحزب من حجرتين صغيرتين، وكان عدد طاقم السكرتارية يتكون من نصف دستة من الأعضاء. كانت هناك فوضى كبيرة، وكان على الأعضاء أن يبادروا من أنفسهم بعيداً عن انتظار الأوامر.

عاد تروتسكي إلى روسيا في شهر مايو. في الخمسة عشر عاماً السابقة كان لينين وتروتسكي يجادلون ضد بعضهم البعض بالكثير من القسوة والحدة، ولكن مع قيام الثورة انتهت تلك النزاعات بينهم. كان لينين يعلم متى تكون الانقسامات واجباً ومتى يكون الاتحاد ملزماً. خلال صيف 1917، انضم تروتسكي ورفاقه إلى البلاشفة. وانتُخِبَ تروتسكي على الفور في اللجنة المركزية.

حتى مع توسع الحزب البلشفي، كان في أشد الحاجة إلى حلفاء. كان هناك القليل من الأمل في المناشفة (الذين آمنوا في أن السلطة يجب أن تبقى في أيدي البرجوازيين، وأيضاً تأرجحوا باستمرار في دعم البلاشفة حتى رفضوا في النهاية). أما الثوريون الاشتراكيون فقد انقسموا بدرجة كبيرة حول موقفهم من الحكومة الانتقالية، وأصبح الجناح اليساري منهم بجانب البلاشفة.

كان الوضع غير مستقر. وقد أشار لينين إلى الموقف بوصفه شكلاً من أشكال “السلطة المزدوجة”. فلم يكن هناك سلطة مستقلة واحدة تحكم المجتمع. ولم يكن للحكومة الانتقالية أي إصرار على تحدي السلطة الاقتصادية للرأسمالية. في أماكن العمل والمحليات كانت السوفييتات تدير الأمور، وفي بعض المصانع وضع العمال مديريهم في عربات صغيرة يجرونها باليد وطردوهم خارج البوابات توكيداً لسلطتهم.

كان واجباً على الحزب أن يناضل لأجل أفكاره داخل منظمات الطبقة العاملة، حيث كانت السوفييتات تضم أعضاءاً من جميع الأحزاب. وشدد لينين على ضرورة الصبر في توضيح موقف البلاشفة، فعليهم أن يعتمدوا على “الإقناع الرفاقي” وأن يتجنبوا “العربدة السائدة في العبارات الترويجية للثورة”. فقط في أغسطس حصل البلاشفة على الأغلبية في سوفييت بتروجراد، وهي واحدة من أقوى المدن التي سيطروا عليها.

خلال الصيف واجه لينين والبلاشفة اختبارين قاسيين. ففي شهر يوليو اندلعت مظاهرات عمالية ضخمة في بتروجراد تطالب بنقل السلطة فوراً إلى السوفييتات. وجادل البلاشفة بأن تلك التحركات يجب أن تتراجع؛ فإن استطاع العمال المناضلون وحدهم عزل الحكومة في ذلك الوقت، لن يكون بمقدورهم الحفاظ على السلطة بين أيديهم. فمزيداً من الوقت كان ضرورياً قبل أن تكون الأغلبية العمالية مستعدة لذلك.

بعد ذلك حاول جنرال يميني مؤيد للقيصر يُدعى كورنيلوف بأن الانقلاب لعزل الحكومة الانتقالية وإعادة تأسيس نظام سلطوي. حشد البلاشفة الآلاف من العمال للدفاع عن بتروجراد. قام عمال السكك الحديدية بتفكيك القضبان لتنحرف القطارات، بينما حرّض عمال آخرون جنود كورنيلوف على ترك السلاح. أوضح لينين أن البلاشفة يعملون ضد كورنيلوف، ولكن بالتأكيد ليس لدعم الحكومة الانتقالية. في الحقيقة، أضعفت تلك الأحداث الحكومة الانتقالية وعززت من مصداقية البلاشفة.

11. الدولة والثورة

كانت النظرية والممارسة متلاصقتين عند لينين، فالمتابعة النظرية أمرٌ عديم النفع إن لم يؤدي إلى التطبيق. وأيضاً أكثر الأعمال حماساً لسوف تكون عقيمة إلا إذا كانت متبعة لفهم كيفية تغيير المجتمع.

في يوليو 1917 كان على لينين أن يختبئ لعدة أسابيع بعيداً عن أعين السلطات القيصرية لتجنب خطر الاعتقال، استغرق ذلك الوقت في إعداد واحد من أهم كتبه: “الدولة والثورة”. (إن لم تقرأ أيٍ من أعمال لينين، فابدأ بهذا الكتاب). عندما صدر الكتاب، تسبب في ذعر العديد من الماركسيين الأرثوذكسيين، وبعد ذلك، حاز على تقدير كبير من الأناركيين.

في التعامل مع قضية الدولة، ذهب لينين إلى قلب الجدال حول ماهية الاشتراكية. معارضو الاشتراكية، والكثير من أنصارها أيضاً، قاموا بتعريف الاشتراكية على أنها ملكية الدولة. وكانت المجتمعات توصف بـ”الاشتراكية” فقط بسبب تأميم الأجزاء الرئيسية من اقتصادها.

تحدى لينين هذا الرأي بقوة، وقد جادل بأن المجتمع المنقسم إلى طبقات تكون فيه الدولة “جهاز لقمع طبقة معينة عن طريق طبقة أخرى”. فهي تضم جسماً متكاملاً للمؤسسات القمعية التي تعمل على منع سكان الدولة من تحدي أصحاب الأملاك القائمين وأشكال الاستغلال القائمة. الدولة “تتكون من أجهزة خاصة لرجال مسلحين يمتلكون سجوناً، إلخ، تحت أوامرهم”. هذه المؤسسات ليست محايدة، والقانون لا يتعامل مع الغني والفقير بالمثل، وقد صُمِم ليدافع عن الأغنياء والأقوياء. لينين كان يتبع خطوات ماركس الذي كتب البيان الشيوعي: “إن جهاز الدولة الحديثة ليس إلا لجنة لإدارة الشئون المشتركة لجميع البرجوازيين”.

لذلك أدرك لينين أن الاشتراكيين لا يمكنهم أن يسيطروا على الدولة من الداخل، مستخدمين نفس المؤسسات القائمة. وقد نبذ البرلمان على أنه “زريبة خنازير”، بحيث يسمح لنا أن “نقرر لمرة واحدة لمدة أعوام قليلة أي من أعضاء الطبقة الحاكمة عليه أن يقمع ويحطم الناس من خلال البرلمان”. ما يميز الثوريين عن الإصلاحيين، كما كتب لينين، أنهم في الواقع يؤمنون بضرورة تحطيم آلة الدولة. ولذلك “الثورة العنيفة” كانت مطلوبة.

ولكن، ما الذي سيحل محل الدولة؟ يؤمن الأناركيون بأن الدولة القائمة يمكن إلغاؤها، وتأسيس مجتمع حر لا تحكمه دولة بشكل فوري. كان ذلك مستحيلاً بالنسبة للينين، فإذا سيطرت الطبقة العاملة على المجتمع، لسوف تقاوم الطبقات الأخرى بلا رحمة من أجل استعادة امتيازاتها. سيحتاج العمال إلى دولة لهم لمقاومة الثورة المضادة. وقد أطلق لينين على ذلك “ديكتاتورية البروليتاريا”. ولكن ستكون أبسط إذا اطلقنا عليها “سلطة الطبقة العاملة”.

أخيراً، جادل لينين بأن المجتمع يمكن أن يُعاد تنظيمه ويُعاد توزيع الثروة عليه. فنمط الإنتاج الرأسمالي يمكن استبداله بإنتاج أكثر تأثيراً لإشباع احتياجات الناس. وسوف تتلاشى الطبقات القديمة، وكل شخص سيصبح عاملاً، يقوم بعمل نافع للمجتمع، وحاكماً يشارك في عملية ديمقراطية لتقرير كيفية استخدام موارد المجتمع. هنا ستكون الدولة غير ضرورية وتزول. لخص لينين جدالاته بتلك الكلمات: “مع استمرار بقاء الدولة لن تكون هناك حرية، وإذا تواجدت الحرية، لا تتواجد الدولة”. هدف لينين النهائي هنا هو نفس هدف الأناركيين، ولكنه أدرك أن الطريق إليه سيكون معقداً.

لفت لينين الانتباه إلى أمثلة تاريخية كثيرة، وبالأخص في إشاراته إلى كوميونة باريس عام ١٨٧١، عندما استولت الطبقة العاملة على المدينة وحكموها لمدة ١٠ أسابيع قبل تعرضهم للذبح على أيدي قوات من الخارج. في الكوميونة كان كل أعضاء الحكومة العمالية يتقاضون متوسط أجر العامل، بل ويمكن استدعاؤهم في أي وقت من قبل أولئك الذين انتخبوهم – نفس شكل الديمقراطية داخل السوفييتات. قبل عام ١٩١٧ كان ذلك هو المثال الوحيد لسيطرة العمال على المجتمع. وبرغم قِصر عُمر الكوميونة، كان لابد من التعلم من هذه التجربة.

“الدولة والثورة” لم يكتمل أبداً، فقد عاد لينين إلى عمله. وأشار في الختام إلى أنه: “من اللطيف والمفيد أن تعيش تجربة الثورة أفضل من أن تكتب عنها”.

12. توقيت الانتفاضة

في صيف ١٩١٧ عارض لينين أولئك الذين أرادوا السيطرة على السلطة مبكراً، ولكن مع حلول الخريف أصبح الوضع مهيئاً لذلك الفعل. حينها كان لابد على الثوريين بشكل عاجل استغلال الفرص المتاحة لهم قبل فوات الأوان. جادل لينين في مقال بعد الآخر بأنه ليس هناك مزيداً من الوقت لإهداره، وأنه من الضروري التجهيز للانتفاضة على الفور. وفي شهر أكتوبر كتب لينين إلى اللجنة المركزية بمزيد من الإصرار أن: “الانتظار أكثر من ذلك سيكون جريمة”.

في الشوارع كان هناك مزاجاً من التوقعات. العمال كانوا يقرأون مقالات لينين مثل “لقد نضجت الأزمات”. وعلم الجميع بأن تغييراً خطيراً على وشك الحدوث، لكنهم كانوا في حاجة إلى قوة مركزية تؤكد لهم أنهم يعملون معاً.

كان هناك عضوان من اللجنة المركزية، زينوفييف وكامينيف، قد عارضا خطط لينين، وكتبا مقالاً ينتقدون فيه لينين في جريدة غير بلشفية. كان ذلك سيهدد المشروع بأكمله. ولكن على عكس الخرافة التي تقول أن لينين كان طاغية لا يرحم، لم يحث اللجنة المركزية على طردهم من الحزب.

في بتروجراد تأسست لجنة عسكرية من السوفييتات وقادها تروتسكي. ومن بين أعضائها الـ٦٠ كان ٤٨ عضواً من البلاشفة، والقليل من الثوريين الاشتراكيين، و ٤ فقط من الأناركيين.

لينين، الذي أمضى حياته مركزاً على مهمة بناء الحزب، قد رأى أن الحزب نفسه عليه أن يدعو إلى الانتفاضة. أما تروتسكي، الذي راكم خبرة أكبر في السوفييتات من لينين، كان عليه أن يقنع لينين أن دعم الحزب وحده لا يكفي إطلاقاً، وأن الدعوة يجب أن تأتي من السوفييتات. لم يكن لينين طاغية، ورغبته في التعلم هي التي جعلته قائداً عظيماً.

على عكس القيصر الذي أرسل الملايين ليلقوا حتفهم في الحرب، لم يبعثر لينين أرواح أنصاره. ولأن الثوريين كانوا محددين، وأظهروا أنهم يستطعون استخدام أي قوة في الضرورة، فكان عدد الخسائر في بتروجراد قليلاً للغاية. بعد ١٠ سنوات قام المخرج إيزينشتاين بإخراج فيلم عن ثورة أكتوبر، وكان يُقال أن عدد الناس الذين قتلوا في الفيلم أكثر من الذين ماتوا أثناء انتفاضة بتروجراد.

انهارت الحكومة الانتقالية في خلال أيام واستولى البلاشفة على السلطة. في موسكو كانت المقاومة شرسة، وكان هناك الكثير من الخسائر. وبعد الثورة بأيام صرح لينين لسوفييتات بتروجراد “علينا الآن أن نقوم ببناء دولة اشتراكية بروليتارية في روسيا”.

13. ثمار النصر

تأسس هيكل جديد للدولة مرتكزاً على السوفييتات، وكان لينين على رأس الحكومة الجديدة. وعلى الرغم من اتهام لينين بالسعي إلى السلطة، لم يوافق على هذه الوظيفة في البداية، وحاول أن يقنع تروتسكي على توليها، ليوهب هو طاقاته للحزب، لكن تروتسكي رفض (إسحق دويتشر، النبي المسلح، لندن، ١٩٧٠، ص ٣٢٥).

فوراً بدأ النظام الثوري الجديد في تقديم إصلاحات جذرية وبعيدة المدى. وكان من أول المراسيم التي اعتمدتها الحكومة هي تدابير الرقابة العمالية في المصانع. أُلغيت الملكية الخاصة للأراضي، وبدون تعويضات. وكان حق استخدام الأرض لمن يزرعها. وبعد مناقشات شرسة تم الاتفاق على معاهدة سلام مع ألمانيا، وخرجت روسيا من الحرب.

أُتيحت الفرصة للبلدان التي قمعتها الإمبراطورية القيصرية الروسية كي تنعم بالاستقلال. وخلال الأعوام التالية تكونت ٥ دول مستقلة، وضمن الاتحاد الروسي الجديد تم إنشاء ١٧ جمهورية مستقلة. أُلغيَ القانون القديم وأُنشئ نظام قانوني إصلاحي جديد. وتم تأسيس المحاكم الشعبية عن طريق انتخاب القضاة.

صار للمرأة حقاً في التصويت. وبدأت التغييرات القانونية في تحويل الطبيعة الأسرية بشكل كامل، وتم إعطاء حق الطلاق باتفاق متبادل، وقد عبر عن ذلك أحد المشرعين حين قال أن الزواج: “يجب أن يتوقف عن كونه سجناً يعيش فيه الزوج والزوجة وكأنهم مُدانين”. انتهى التمييز ضد الأطفال الغير شرعيين. وفي عام ١٩٢٠ كانت روسيا أول دولة في العالم تقنن الإجهاض. الشذوذ الجنسي لم يعد جريمة. ومنذ هذه التغييرات أصبحت روسيا في الصدارة ويُفترض أنها كانت أكثر الدول تقدماً في غرب أوربا.

خلال عام واحد زادت أعداد المدارس في روسيا بنسبة ٥٠٪، وكانت هناك حملات لتعليم الأميين القراءة والكتابة. أُلغيت مصاريف الجامعات لزيادة نسبة الطلاب في التعليم العالي. وتم الاستغناء عن الاختبارات، وانتهى التعليم الذي يعتمد على الحفظ. امتزجت الدراسة المدرسية بالممارسة العملية، وأُدخلت تدابير الرقابة الديمقراطية بمشاركة جميع عمال وتلاميذ المدارس فوق ١٢ عاماً. أعطى لينين شخصياً اهتماماً كبيراً بزيادة المكتبات العامة.

غيرت المراسيم الحكومية الكثير من الأمور. وكانت مهمة القضاء على الجهل والخرافات والسلوكيات الرجعية تأخذ وقتاً طويلاً. وقد شدد لينين على ضرورة تحرير الطبقة العاملة قائلاً أن على الثورة “تطوير مبادرة استقلال العمال، وجميع العاملين والمستَغلين عامةً، وتوسيع ذلك التطوير بقدر الإمكان في عمل تنظيمي مبدع. وبأي ثمن، يجب أن نحطم المبدأ القديم والسخيف والهمجي والحقير والمقزز الذي يقول بأن الطبقات العليا، فقط الأغنياء، وأولئك الذين ذهبوا إلى مدارس الأغنياء، هم وحدهم القادرين على إدارة الدولة وتوجيه التطوير التنظيمي للمجتمع اشتراكي”. بالرغم من المشقات الفظيعة التي كانت قبل الثورة، فقد شعر الكثير من العمال أنه قد تم تحريرهم من قيود حياتهم القديمة. أصبحت هناك حسابات معاصرة للعمال، فبعد ساعات العمل بالمصنع، كان يقوم العمال بارتجال وتأليف المسرحيات، أو حضور فصول تعليم كتابة الشعر، إلخ.

شهدت روسيا الثورية طفرات في الابتكار والتجربة في الأدب والرسم والسينما. وقد تحول وضع الفنان في المجتمع، وكما قال الشاعر ماياكوفيسكي “شوارعنا نسخرها لفرشات التلوين / لوحاتنا ومياديننا بمساحاتهم الواسعة المفتوحة”.

14. دولة العمال الهشة

واجه المجتمع الجديد العديد من المشاكل، فسوء حكم القيصر والحرب تركا الاقتصاد مدمراً. كانت الطبقة العاملة في روسيا حديثة العهد؛ فمعظم العمال كانوا أبناء الفلاحين الذين وفدوا إلى المدن للعمل بها، وكان الكثير منهم لا يعرف القراءة والكتابة. كانت الطبقة العاملة صغيرة للغاية مقارنةً بالأعداد الهائلة للفلاحين.

لاحظ لينين منذ البداية أنه لا يمكن أن يكون هناك اقتصاداً مخططاً من دون المشاركة النشيطة للطبقة العاملة. وذكرت إحدى صحف خطاباً له قال فيه: “لم يكن، ولا يمكن أن يكون، هناك خطة محددة لتنظيم الحياة الاقتصادية، ولا أحد يستطيع أن يقدم واحدة منها، ولكنها يمكن أن تأتي من الأسفل، عن طريق الجماهير، ومن خلال خبراتهم. وبالطبع سوف تُقدم التوجيهات وتُحدد السبل، وأنه من الضرورة أن نبدأ معاً من الأعلى والأسفل”.

بمعنى آخر؛ لا يمكن أن يكون هناك “تخطيط اقتصادي” منعزل عن ديمقراطية العمال. وقد أظهر التاريخ كيف كان لينين على صواب، فعندما يأتي التخطيط من الأعلى من دون أي تدخل من الجماهير، فما يُسمى بالاشتراكية سيصير مهزلة سلطوية بشعة.

لكن العمال الذين اعتمد عليهم لينين قد نموا في مجتمع عمل على تشويه تطورهم. وقد اعترف لينين في ١٩١٩ أن الاشتراكية يجب أن تُبنى عن طريق “رجال ونساء قد ترعرعوا في ظل الرأسمالية، وتم إفسادهم عن طريق الرأسمالية”. كانت روسيا أقل تطوراً في الصناعة والزراعة عن أوروبا الغربية، وتحطم اقتصادها بسبب الحرب العالمية. فمنذ البداية كان يجب على البلاشفة بدرجة ما أن يستبدلوا أنفسهم بالجماهير العاملة.

كان هناك تقصير كبير من النشطاء الثوريين بسبب قلة خبرتهم في القيام بالوظائف الإدارية، وكان هؤلاء القادرين على القيام بتلك الوظائف يقومون بوظائف عديدة في وقت واحد. الثوري البلغاري فيكتور سيرج جاء إلى روسيا لمساعدة الثورة، وجد نفسه يعمل باستمرار كصحفي ومدرس ومفتش مدارس ومترجم ومحارب مسلح وأمين أرشيف.

كانت قلة الخبرة تمثل خطراً بشكل خاص على أمان الدولة. وقد أنشأ النظام الجديد منظمة تسمى “تشيكا” لمواجهة الثورة المضادة. كان ذلك ضرورياً بالتأكيد، حيث كان الكثير من أصحاب الامتيازات السابقون يريدون تخريب النظام الجديد. ولكن في كثير من الأحيان كان موظفي التشيكا غير ملتزمين بقدر كاف بمبادئ الاشتراكية وأساؤوا استخدام سلطتهم، وقد عانى الكثيرون تحت أيديهم. كان من المسلم به أن هذه المنظمة كانت من أجل التدبير في حالات الطوارئ. وفي ١٩٢٢، وبعد حث لينين وآخرين، استُبدلت التشيكا بهيكل آخر ذي سلطات محدودة.

توقع بعض الثوريين الكثير في القريب العاجل. في ١٩١٧ شكّل الكثير من العمال لجان لإدارة المصانع، وقد لعب البلاشفة دوراً هاماً في تلك اللجان. ولكن دائماً ما مثلت تلك اللجان مصالح مجموعات خاصة للعمال بعيداً عن الطبقة ككل. في مارس ١٩١٨ ذكر شليابنيكوف (والذي أصبح قائداً للمعارضة العمالية) في تقرير له واصفاً فيه الفوضى في السكك الحديدية بسبب سيطرة العمال. كان ذلك عكس مصالح العمال بشكل عام، والذين كانوا في حاجة إلى نظام مواصلات فعّال. ورغم التعهد بسيطرة العمال مبدئياً، دمج البلاشفة لجان المصانع مع النقابات.

إذا كانت روسيا داخل فقاعة مغلقة، لتم التوصل لاتفاقات بشأن تلك المشاكل خلال أعوام قليلة. لكن القوى الأوروبية العظمى لم تكن تريد أن تظفر هذه الثورة وتتقدم. فقد كانوا يعلمون كيف كانت روسيا الثورية ذات شعبية كبيرة بين عمال بلدانهم الذين أنهكتهم الحرب، وكانوا مرعوبين من انتشار مثل هذا النموذج.

في يوم ما قبل الهدنة أبلغ ويستون تشرشيل الحكومة البريطانية أنه من الضروري إعادة بناء الجيش الألماني لمحاربة البلاشفة. وبعد أسبوعين قال في إحدى الاجتماعات: “انطفأت الحضارة بشكل كامل في مناطق عملاقة، في حين نجد البلاشفة يقفزون ويعربدون وكأنهم جيش من البابون وسط أطلال مدنهم وجثث ضحاياهم”.

حتى ١٩٢٠ استمرت حرب أهلية شرسة في جميع المناطق الروسية. في الحقيقة كلمة “حرب أهلية” ليست دقيقة في الوصف. فكانت هناك قوات في روسيا من بريطانيا وفرنسا وكندا والولايات المتحدة و١٧ دولة أخرى، اتحدوا مع مختلف القادة الروس الوحشيين والرجعيين والفاسدين والذين أطاحت بهم الثورة.

كانت بتروجراد على وشك السقوط مرتين بين أيدي الرجعيين، إلى درجة أن ناقش لينين إمكانية عودة البلاشفة إلى العمل السري.

كان أولئك الذين يبحثون عن ذم لينين، مثل مؤلفي كتاب “الكتاب الأسود للشيوعية”، سردوا مقولات عن لينين تظهره وكأنه وحش متعطش للدماء. في أغسطس ١٩١٨ أرسل لينين برقية حول كيفية التعامل مع تمرد الكولاك (الفلاحين الأثرياء الذين كانوا أعداء للفلاحين الفقراء):

“إن تمرد الكولاك في مناطقك الخمس يجب أن يُسحق بلا شفقة. فمصالح الثورة بشكل كامل تتطلب مثل ذلك الفعل، والنضال الأخير ضد الكولاك قد بدأ الآن. يجب أن تجعل من هؤلاء مثلاً للجميع. 1) إعدام (وأعني الإعدام علانية حتى يراه الناس) على الأقل ١٠٠ من الكولاك والأغنياء الأوغاد ومصاصي الدماء. 2) أنشر أسمائهم. 3) استولى على محاصيلهم. 4) انتقي لكل رهينة واحدة من تعليماتي في برقية أمس”.

يبدو هذا الاقتباس مروعاً إذا أخرجته من سياقه. كانت هناك حرب شرسة مندلعة، وأنصار الثورة المضادة كانوا أكثر وحشية من البلاشفة بما لا يُقاس. كان قائد الجيش الأمريكي في سيبريا عام ١٩١٩، الجنرال وليام جرافس، قد كتب الشهادة التالي: “أنا على صواب عندما أقول أن أعداء البلاشفة قد قتلوا ١٠٠ شخص في شرق سيبريا مقابل كل شخص يقتله البلاشفة”. لم يكن لينين مسالماً، وقد قام بكل شيء يستطيع أن يقوم به ليؤكد انتصار البلاشفة. إن مؤلفي “الكتاب الأسود للشيوعية” ليسوا صاخبين بشكل خاص في نقد عنف جورج بوش أو توني بلير أو أرئيل شارون. إنه من السهل تسكين ضمائرهم عن طريق شجب لينين.

كانت قوات الثورة المضادة فاسدة وتعمل ضد السامية، ولم يكن لديهم ما يقدمونه سوى عودة النظام القديم الفاقد لمصداقيته. وأخيراً انتهت الحرب الأهلية بانتصار البلاشفة بسبب عزيمتهم الهائلة وما أظهروه من شجاعة وتضحيات.

لعب لينين دوراً حاسماً في التوجيه السياسي للحزب. ونادراً ما كان يظهر بمظهر الطاغية. فبعد الثورة بشهور كانت القيادة البلشفية منقسمة حول التساؤلات الرئيسية، وأحياناً كان لينين في جانب الأقلية وكان عليه أن يجادل بشراسة ليظهر أن موقفه هو الصواب.

لم ينظر لينين إلى أي مهمة لم تكن جديرة به. فقد أمضى الكثير من الوقت في التفاصيل الإدارية الثانوية. ومقارنةً بالطواغيت الجدد، كان أمنه الشخصي ضعيف. وذات مرة هاجم لصوص سيارته وأجبروه على الخروج منها وسرقوها، وفات الكثير من الوقت حتى تلقى المساعدة.

لم يبحث لينين عن الامتيازات لنفسه. ففي عام ١٩١٨ أصدر توبيخاً شديد اللهجة لمفوضي مجلس مفوضي الشعب حينما قرر زيادة راتبه. وفي جواب كتبه لينين في عام ١٩٢٠، سأل بطريقة مهذبة للغاية أمين إحدى المكتبات حول إذا كان من الممكن استثناءه من قوانين المكتبة حتى يستطيع استعارة بعض المراجع ليلاً، على أن يعيد الكتب في الصباح الباكر. إنه من الصعب أن تتخيل ستالين أو صدام حسين يظهرون هذا الاحترام لقوانين مكتبة.

15. الحركة الأممية

كان لينين دائماً على يقين بأنه لا أمل في الثورة الاشتراكية في روسيا إلا إذا انتشرت بسرعة فائقة لبقية العالم. وقد كتب في ديسمبر ١٩١٧: “إن الثورة الاشتراكية التي بدأت في روسيا، هي فقط البداية للثورة الاشتراكية العالمية”. وبشكل خاص، كان يمكن لعمال ألمانيا أن يساعدوا الاقتصاد الروسي.

كان أمل لينين في انتشار الثورة الروسية واقعياً، حيث أن احتمالات الثورة في روسيا كانت جيدة بنهاية الحرب. وبعد ٤ أعوام فاض كيل العمال بالنظام الذي تسبب في الكثير من الدمار وموت الآلاف. وبين عامي ١٩١٨ و١٩٢٠ كان هناك الكثير من الإضرابات وحركات التمرد وعمليات احتلال المصانع، وانتشرت مجالس العمال والجنود في كل مكان. وكانت ألمانيا المهزومة في الحرب، بشكل خاص، على حافة الثورة.

كانت المشكلة الوحيدة هي القيادة، حيث أن معظم القيادات العمالية القديمة كانت تدعم الحرب. وقد ظهر جيلٌ جديدٌ من المناضلين بعد الحرب ولكنه كان قليل الخبرة. لم يكن هناك حزب مماثل للبلاشفة ذو قيادة خبيرة وله جذور حقيقية وسط العمال. في يناير ١٩١٩ أُغتيلت المناضلة الاشتراكية الألمانية روزا لوكسمبورج على يد أعدائها السياسيين. كانت لوكسمبورج هي القيادية الأوروبية الوحيدة التي كانت تجادل على قدم المساواة جنباً إلى جنب مع لينين.

جادل لينين بأنه لا جدوى من إعادة إحياء الأممية الثانية، وأنه من الضروري تأسيس أممية جديدة. في مارس ١٩١٩ تأسست الأممية الشيوعية الثالثة في مؤتمر في موسكو. خلال الأعوام الثلاثة التالية عُقدت الكثير من المؤتمرات، كما انضمت منظمات عديدة إلى الأممية الجديدة.

قبل عام ١٩١٤ كانت هناك انقسامات عميقة داخل الطبقة العاملة، ما بين الماركسيين من ناحية، والأناركيين والنقابيين من ناحية أخرى. بعد الثورة الروسية دعمها الكثير من الأناركيين والنقابيين، فيما كان لينين حريصاً على كسبهم في صفه، وأمضى ساعات طويلة في مناقشاته مع الأناركيين أمثال إيما غولدمان من الولايات المتحدة وماخنو من أوكرانيا. في ١٩٢٠، عندما شق النقابيون طريقهم إلى موسكو بصعوبة تامة، لامهم بعض القادة البلاشفة على ضرورة بناء حزب ثوري. تبنى لينين موقفاً أكثر إيجابية، حيث جادل بأن الفكرة النقابية التي تتلخص في “القلة المنظمة” من أكثر العمال نضالية، والفكرة البلشفية حول الحزب متماثلتان تماماً. في تلك الاستراتيجية، حاز لينين دعم أكبر من تروتسكي، بينما اتخذ بعض البلاشفة موقفاً أكثر عصبوية.

لاحظ لينين مشاكل خطيرة في ذلك الوقت يمكن تلخيصها تحت مسمى “الطفولة اليسارية في الشيوعية”. في فترات النضال انضم العديد من المناضلين الجدد إلى العمل الثوري. ولأنهم لم يذوقوا الهزائم قبل ذلك، فكانوا دائماً يستهينون بكسب أغلبية العمال. ولأن النشطاء الجدد قد رأوا خدعة الديمقراطية البرلمانية، فكان من السهل، كما اعتقدوا، إقناع العمال بذلك، وأن الثوريين يجب عليهم رفض المشاركة في الانتخابات. لكن لينين قد ذكّرهم بأنه ما زال الكثير من العمال يؤمنون بالبرلمان: “يجب ألا نعتبر أن ما نرفضه دائماً يكون مرفوضاً من بقية الجماهير”.

حث لينين الحزب الشيوعي البريطاني للانتساب إلى حزب العمال، من أجل كسب الكتل العمالية التي ما زالت تحمل الولاء لحزب العمال، بينما كانت قياداته من اليمين. وقد أصر لينين على أن الشيوعيين يجب أن يحتفظوا “بالحرية والاستقلال الضروريين لفضح وانتقاد خونة الطبقة العاملة”، وختم بأنه إذا فصل الشيوعيين هؤلاء الخونة فذلك سيكون انتصاراً عظيماً. الحلول التنظيمية لم تكن هي ما يهم، فالمهم هو التأكيد على أن الأفكار الشيوعية قد وصلت إلى أكبر عدد ممكن من العمال.

بعض الثوريين أرادوا ترك النقابات تماماً بسبب فساد ورجعية البيروقراطيين بها. وذهب لينين بعيداً ليقول أن: “الثوريين الذين يُهددون بالطرد يجب عليهم اللجوء إلى الحيل المختلفة والمكر والطرق الغير قانونية، وإلى التهرب والخديعة، من أجل البقاء في النقابات”. وغالباً ما اقتُبس ذلك خارج السياق، كما لو كان لينين قد دافع عن التضليل بشكل عام. على عكس ذلك، فدائماً كان لينين يجادل الثوريين بأنه يجب عليهم قول الحقيقة للعمال. وقد جادل ببساطة بأنه إذا كان البيروقراطيون في النقابات يطاردون الثوريين ويتلاعبون بالقوانين لطردهم، فيجب على الثوريين أن يبقوا هادئين للحفاظ على عضوياتهم في النقابات: “إذا كنتم تريدون مساعدة الجماهير وكسب تعاطفهم ودعمهم، فيجب عليكم ألا تخشوا الصعوبات والمغالطات والإهانات واضطهاد القيادات لكم، ولكن بكل تأكيد يجب أن تعملوا في أي مكان يتواجد فيه الجماهير”.

كان يمكن للينين أن يجادل بشكل أكثر حيوية، ولكنه أيقن أنه يمكنه التعلم من الحركة الثورية. وقد وصف النقابي الفرنسي ألفريد روزمير أول لقاء له مع لينين، والذي قد كتب مقالاً يطالب فيه بالانقسام الفوري للحزب الاشتراكي الفرنسي وتكوين حزب شيوعي جديد. أوضح روزمير للينين أنه سيكون من الأفضل أن ننتظر شهور قليلة لحين كسب الأغلبية. وقد جاوبه لينين فوراً، “لا بد لي أني كتبت شيئاً تافهاً”، وغيّر لينين مقاله بعد ذلك. كان لينين قائداً من النوع الذي يعرف كيف يستمع إلى الآخرين والوقت المناسب لتغيير وجهات نظره. كيف كان مختلفاً عن سياسيي اليوم، فمتى كان الاعتراف بالخطأ اعترفاً بالفشل!

في آخر حديث للينين للأممية الشيوعية في عام ١٩٢٢، حذر من خطورة فرض التجربة الروسية على البلدان الأخرى. فعلى الثوريين في كل مكان أن يطبقوا مبادئهم على حسب الظروف المحددة لتجربتهم الفعلية: “هذا القرار روسي جداً، ويعكس التجربة الروسية. ولهذا السبب هو غير مفهوم تماماً للأجانب، ولا يمكنهم أن يحتووه بتعليقه في ركن ما كإله يصلون له”.

16. التراجع والسياسات الاقتصادية الجديدة

كان الحزب الشيوعي الألماني بدون قيادة متمرسة، وقد انحرف من اليسار إلى اليمين وفشل في تحويل أزمة اجتماعية طويلة إلى ثورة ناجحة. وبقيت روسيا منعزلة.

انتصر البلاشفة في الحرب الأهلية واستعادوا سلطتهم، ولكن بثمن باهظ ومريع. كان الاقتصاد مُدمَراً، وكانت الطبقة العاملة في تدهور حاد. في عام ١٩٢١ كان حجم الطبقة العاملة ثلث حجمها في ١٩١٧. الكثير من العمال المناضلين تركوا المصانع وانضموا إلى الجيش، ولم يعود الكثير منهم. وآخرون من الذين يعانون من البطالة والمجاعة قد عادوا إلى عائلاتهم في الريف، حيث يمكنهم الحصول على القليل ليأكلونه. وأصبحت السوفييتات عبارة عن هياكل فارغة.

لم يكن من الممكن للبلاشفة ترك السلطة، وإلا كان المجال سيصير متاحاً للطبقة الحاكمة القديمة لارتكاب المجازر ضد ما تبقى من تنظيمات الطبقة العاملة. لم يكن لدى البلاشفة بديلاً عن التشبث بالسلطة وانتظار تقدم الثورة في الغرب.

لم تكن مفاجأة حين ظهرت تعبيرات الاستياء في صفوف السكان. وكان الأكثر خطورة في ربيع ١٩٢١، حيث تمرد البحارة في قلعة كرونشتاد البحرية، والتي تقع خارج بتروجراد. نادى البعض منهم بالثورة الثالثة. وكانت الكثير من انتقاداتهم مبررة. ولكن “الثورة الثالثة” كانت محض خيال، وهدد التمرد النظام البلشفي. إذا تمت الإطاحة بالبلاشفة، فلن يكن هناك مجتمع أكثر ديمقراطية، بل ستكون عودة النظام القديم. تقرر سحق التمرد العسكري. وكانت هذه نقطة سيئة للبلاشفة، ولكن لم يكن هناك بديل.

أيقن لينين أن الحلول العسكرية لا يمكنها أن تحل المشاكل الحقيقية. وقد وصف أحداث كرونشتاد بأنها “مثل ومضة من البرق ألقت الكثير من الوهج على الحقيقة وأي شيء آخر”. مرة أخرى أظهر لينين قدرته على مواجهة الحقيقة المفاجئة وتبني الحلول الضرورية. كان الاقتصاد الروسي في طريقه للفشل لأن موظفي الحزب البلشفي كانوا مسؤولين عن مؤساسات عديدة ولم تكن عندهم المقدرة على إدارتها بشكل جيد. ولم يتحقق التوازن المناسب بين المدينة والريف.

تقدم لينين باقتراح سُميَ بعد ذلك بالسياسات الاقتصادية الجديدة. وتم استبدال مصادرة المحاصيل من الفلاحين بالضرائب لتشجيعهم لزراعة محاصيل أكثر. تم إسترجاع بعض الملكيات الخاصة، وكانت الفرص الجديدة التي ظهرت في التجارة الخاصة والتصنيع على نطاق صغير سمحت بنشوء طبقة تجارية جديدة من رجال الأعمال.

عملت السياسات الجديدة على مقاومة الكارثة الاقتصادية. وقد روى فيكتور سيرج: “كانت السياسات الاقتصادية الجديدة، وفي غضون شهور قليلة، تعطي نتائج رائعة. من أسبوع إلى آخر، كانت المجاعة والمضاربة الاقتصادية يتقلصان بشكل ملحوظ”.

تسببت هذه الحلول في صدمة العديد من الناس. فيما كان التزام لينين العميق بالمبادئ الاشتراكية يمكنه من الدفاع عن مثل ذلك التراجع. وقد اعترف أن مفتاح النقطة الرئيسية كان تكمن في: “هل يمكنك أن تدير الاقتصاد بالإضافة إلى الأمور الأخرى؟ الرأسماليون القدامى يستطيعون، أما أنت فلا”. وكان نتيجة ذلك أن “الرأسماليون يعملون معنا جنباً إلى جنب، يعملون كاللصوص، ويصنعون الأرباح، ولكنهم يعلمون كيف يقومون بالأعمال”.

كانت السياسات الاقتصادية الجديدة تراجعاً قصير المدى، وليست مصالحة طويلة المدى مع الرأسمالية. وكان لينين لا يزال متشبثاً بأمل أن تقوم ثورة في مكان آخر لتخفف الحصار على روسيا.

17. نضال لينين الأخير

بحلول عام ١٩٢٢ كان لينين مريضاً جداً، حيث كان يعاني من الإرهاق الشديد ومن إصابته إثر محاولة اغتياله التي تركته في حالة يُرثى لها. وقد أيقن أنه لن يعيش ليرشد الثورة في خلال مراحلها الصعبة.

كان قلقاً أيضاً حول كيفية تطوير الثورة. هذا في ظل انكماش الطبقة العاملة، وتمدد البيروقراطية داخل وخارج الحزب، وتبنيها طرقاً كانت غريبة عن ديمقراطية الطبقة العاملة. وكان هناك أيضاً تطور خطير للتوجهات القومية.

كرس لينين ما تبقى له من قدرة على النضال ضد البيروقراطية المتنامية. وفي مقالة “من الأفضل أقل شرط أن يكون أفضل”، اعترف أن، بعد مرور خمسة أعوام على الثورة، جهاز الدولة صار بائساً للغاية وفي حالة يرثى لها. لم يكن هناك علاج سريع، بل الصبر في النضال من أجل ديمقراطية عمالية حقيقية، مع تقديم المزيد من العمال في أجهزة الدولة:

“لأجل ذلك الهدف، فإن أفضل العناصر لدينا في نظامنا الاجتماعي، أولاً، العمال المتقدمين، وثانياً، العناصر المستنيرة والتي يمكن نجزم أنهم لن يأخذوا الكلمة لتحويلها لصكوك، ولن يطلقوا كلمة واحدة ضد ضمائرهم. يجب ألا يديروا ظهورهم للصعوبات غير معترفين بها، وألا ينسحبوا من أي نضال حتى يصلوا إلى هدفهم الحقيقي الذي حددوه بنفسهم”.
إن روح لينين الأمينة والجدالية كانت على النقيض تماماً من الرضا الذاتي والغطرسة اللذين ميزا الدولة الروسية تحت حكم ستالين وخلفاؤه.

أُجبر لينين على التفكير فيمن سيخلفه في الحكم. وقد كتب وثيقة صغيرة توضح حجم القادة البلاشفة الآخرين. وكان ينقدهم جميعاً، وخصَّ ستالين بالنقد اللاذع، مؤيداً طرده من السكرتارية العامة للحزب.

منذ منتصف عام ١٩٢٢ كان لينين يعاني سلسلة من السكتات الدماغية. وبحلول عام ١٩٢٣ أصبح غير قادر على المشاركة في نقاشات الحزب الذي بناه. وعندما توفى في عام ١٩٢٤ تم تحنيط جثته، وتحويله نوعاً ما إلى قديس، وكان هذا ما يروّعه قبل وفاته. وقد حثت أرملته، كروبسكايا، والتي شاركته في جميع نضالاته، على ما يلي:

“لا تقيموا النصب التذكارية له.. فكل ذلك ارتبط بأهمية قليلة في حياته.. فإذا كنتم تريدون تكريم إسم فلاديمر إيليتش، ابنوا الحضانات، ورياض الأطفال، والمنازل، والمدارس، والمكتبات، والمراكز العلاجية، والمستشفيات، والبيوت للعاجزين، إلخ، والأهم من ذلك كله، دعونا نضع تعاليمه في الممارسة”.

18. هل أدى لينين إلى ستالين؟

الكثير من الأكاديميين والسياسيين والصحفيين يدّعون أن طرق لينين وسياسته أدت بشكل مباشر إلى الوحشية والديكتاتورية اللتين تميز بهما عصر ستالين. وهذه وسيلة كسولة لشرح التاريخ، وقد فشلت في فحص العمليات التاريخية المعقدة التي أدت إلى ستالين. وإذا كان من المناسب أن تكون فكرة التاريخ كلها تعبر عن الأشخاص العظام، فكل ما نحتاجه هو فقط معرفة السيكولوجية النفسية لهؤلاء القادة.

وبالطبع أي شيء يمكن أن نثبته عن طريق حقائق مختارة ممزقة من المحتوى. فيكتور سيرج، الذي انضم إلى البلاشفة أثناء الحرب الأهلية وأصبح لاحقاً أحد ضحايا ستالين، لخص كل ما هو خطأ في ذلك النهج: “كثيراً ما يُقال أن الجرثومة الستالينية كانت موجودة في البلشفية منذ البداية. حسناً، فأنا ليس عندي أي اعتراض. البلشفية أيضاً تحتوي على العديد من الجراثيم، بل كتل هائلة من الجراثيم، وأولئك الذين عاشوا خلال حماسة الأعوام الأولى للانتصار الأول للثورة الاشتراكية يجب عليهم ألا ينسوا ذلك”.

كانت استراتيجية لينين الكلية معتمدة على مبدأ انتشار الثورة الروسية في أنحاء أوروبا، وبعد ذلك العالم كله. ولكن فشلت الثورة في الانتشار، وكما فهم لينين، لا يمكن تصديرها.

هذا الانعزال كان القضية الأساسية في ارتكاب الأخطاء في روسيا. وكتبت روزا لوكسمبورج: “لن يستطيع الروس إصلاح أنفسهم من تلك الأخطاء.. لأن الاشتراكية الديمقراطية في الغرب المتطور تضم بؤساءاً وجبناء ينظرون بطريقة هادئة تاركين الروس ينزفون حتى الموت”.

اللوم الحقيقي يقع على هؤلاء القادة الغربيين أمثال وينستون تشرشيل، الذي أطلق هجوماً مسلحاً على الدولة الثورية، وعلى قيادات الطبقة العاملة في أوروبا الذين لم يدافعوا عن الثورة الروسية بإخلاص.

بالطبع من المستحيل الحديث عما كان سيفعله لينين إذا كان قد بقى على قيد الحياة فيما بعد ١٩٢٤. ولكن يمكننا أن نكون متيقنين فيما لم يفعله لينين.

ظهر حل ستالين عندما تأكد من وفاة لينين، وكان هذا الحل هو “الاشتراكية في بلد واحد”. بدلاً من تشجيع الحركات الثورية عند صعودها في أي مكان في العالم,. لكن ستالين لم يقم بذلك.

كانت الأممية الشيوعية في أيام لينين مفعمة بالنشاط حيث كانت تناقش الاستراتيجيات المختلفة، ولكنها أصبحت بعد ذلك جهازاً بيروقراطياً من أعلى إلى أسفل حيث يعمل الجميع فيها على إطاعة نفس النهج. في الصين عام ١٩٢٧، قام ستالين بتوجيه الشيوعيين لتسليم استقلاليتهم إلى شانج كاي شيك، الذي استغلهم وذبحهم بعد ذلك. كما أخبر ستالين الشيوعيين في ألمانيا أن الاشتراكيين الديمقراطيين فاشيون، ومن هنا لم تكن هناك معارضة موحدة ضد هتلر. وأثناء الحرب الأهلية في إسبانيا، أدار الشيوعيون اسلحتهم ضد العمال الذين أرادوا تحويل الحرب إلى ثورة.

قرر ستالين أن روسيا عليها أن تعتمد على نفسها في الصناعة. وقد جادل بأن روسيا عليها أن تلحق بما حققه الغرب من تقدم: “نحن متأخرين عن الدول المتقدمة بخمسين أو مائة عام. وعلينا أن نعوّض هذا التأخر في عشرة أعوام. فإما أن نفعل ذلك أو تحطمنا هذه الدول”.

كانت بريطانيا متوحشة بما يكفي في الصناعة في القرن التاسع عشر. وهذه العملية كانت أسرع في روسيا ولذلك كانت المعاناة أكبر. وأكثر ما انتقدت به الستالينية أنها رفضت أن تلاحظ أن النظام الذي تسبب في معاناة الناس كان يشبهها بوجه خاص. على الرغم من ملكية الدولة، والسياسات الاقتصادية التي كانت تقود الاقتصاد الروسي، كان كل ذلك ضمن إطار الرأسمالية.

ضاعت الكثير من مكتسبات الثورة. واختفت النقابات المستقلة وحقوق الإضراب، وهبطت المرتبات. والإجهاض والشذوذ الجنسي أصبحتا في عداد الجرائم مرة أخرى، واستُبدل الابتكار الفني بالمذاهب المحافظة تحت مسمى “الواقعية الاشتراكية”.

كانت سياسات ستالين الوحشية في جمع المحاصيل الزراعية من الفلاحين قسراً نقيضة تماماً لمواقف لينين. حيث كان يسعى لينين دائماً إلى الحفاظ على تحالفاته مع الفلاحين.

ظهرت طبقة جديدة من البيروقراطيين بمصالحها الخاصة. وأصبح الحزب الشيوعي، الذي كان يضم أكثر المناضلين إخلاصاً وتضحية، منظمة للنخبة الذين تقربوا لستالين من أجل الحفاظ على مصالحهم.

دائماً ما يتم إتهام لينين بإنشاء دولة الحزب الأوحد. ولكن البلاشفة كان لديهم اختيارات ضيقة في تلك المسألة. فبعد نجاح الثورة تحالف المناشفة مع الثوريين الاشتراكيين وكوّنوا حكومة ائتلافية وتم استبعاد لينين وتروتسكي منها، فكان وضعاً غير مقبولاً بالمرة. وبعد ذلك استعاد الثوريون الاشتراكيون استخدام العنف ضد النظام الجديد (في أغسطس عام ١٩١٨ حاول أحد أعضاء الاشتراكيين الثوريين اغتيال لينين).

كان لينين قاسياً في جداله مع معارضيه. ولكنه كان يجادل حول الأفكار والسياسات، ولم يكن يتهم معارضيه بجرائم لم يرتكبوها. في عام ١٩٢١ حظر الحزب البلشفي حق التكتلات داخله، ولكن لينين أصر على أنه: “لا يمكن أن نحرم الحزب وأعضاء اللجنة المركزية من حقهم في عرض مواقف الخلاف حول القضايا الأساسية”. أثناء محاكمات التطهير في عام ١٩٣٠ اتهم ستالين أعداءه بالخيالية، وجرائم أخرى مثل التعاون مع النازيين.

بكل تأكيد كان هناك قمعاً شديداً أثناء فترة الحرب الأهلية، ولكنها لا تُقارن بوحشية نظام ستالين. فيكتور سيرج، الذي كان في وسط الأحداث ويعلم ما الذي كان يتحدث عنه جيداً، حكم على ذلك حيث كتب: “من زاوية النظرية والممارسة، لا يمكن أن يكون لدولة ستالين القمعية أي أوجه مقارنة بتدابير الأمن العام لدولة الكوميونة أثناء فترة المعارك”.

ومن أجل تماسك سلطات ستالين، قام بقتل مساعدي لينين المقربين زينوفيف وكامينيف وراديك وبوخارين. وطارد عملاء ستالين تروتسكي في أنحاء العالم وقاموا باغتياله في المكسيك. تم تصفية الآلاف من البلاشفة القدامى ذوي الرتب العالية.
في عام 1944 جلس ستالين مع وينستون تشرشيل، الذي ساعد في غزو روسيا عام ١٩١٨. وقد قاموا فيما بينهما بتقسيم أوروبا إلى “مناطق نفوذ” حاسمين مصير الملايين بدون استشارتهم. لم يكن تشرشيل مغفلاً، فقد كان يعلم جيداً من هم أعداؤه الحقيقيين.

كان أكثر معارضي ستالين تماسكاً هم هؤلاء الذين يتذكرون أيام لينين، وانتقدوا ستالين من حيث القيم التي تشاركوها مع لينين. من أبرز هؤلاء كان ليون تروتسكي وأتباعه القلائل الذين تميزوا بالشجاعة أمثال فيكتور سيرج وألفريد روزمير. هؤلاء وضعوا قواعد لحركة اشتراكية أصيلة بدأت في الظهور عندما تدهورت الستالينية.

19. اللينينية اليوم

قبل كل شيء، هناك أمران كانا مهمين بشكل خاص بالنسبة للينين: الوحدة والوضوح. فبدون الوحدة الواسعة للعاملين، يكون التحرك من أجل تغيير العالم مستحيلاً. ولكن ستكون هذه التحركات عقيمة إذا لم تعتمد على فهم واضح لكيفية تنظيم المجتمع. هذين المبدئين يبدوان متعارضين في بعض الأحيان – ومن هنا كانت التحولات والتناقضات الواضحة موجودة في كتابات لينين. الوحدة بدون الوضوح تعني أن الثوريين سينساقوا وراء صعود وهبوط الحركة الجماهيرية، وغير قادرين على التأثير عليها. والوضوح بدون الوحدة سيجعل الثوريين ينقسمون فيما بينهم، وبالتالي سيكونوا غير قادرين على التأثير في الأحداث.

لقد تغيرت الكثير من الأمور منذ ١٩١٧. ولكن هناك ثلاثة أمور أساسية في أعمال لينين ما زالوا حيويين حتى في يومنا هذا.

  1. استقلال الطبقة العاملة. لا زال عالمنا اليوم قائم على الاستغلال، وهؤلاء المُستَغلين يمكنهم أن يعدوا أنفسهم للمواجهة والقتال لتغيير هذا العالم. لا يوجد لدينا أوهام أن جون كيري أو غوردن براون سيعملون على تغيير حقيقي. الطبقة العاملة تحتاج إلى سياساتها الخاصة وتنظيماتها الخاصة.
  2. لا يمكننا السيطرة على مؤسسات الدولة، سواء البرلمان أو المجالس المحلية (مع ذلك يمكننا استعمالهم كمنبر للدعاية والتحريض). إن الحرب على الإرهاب واستخدامها للقوات المسلحة في الخارج وقيامها بالهجوم على الحريات المدنية، تظهر بشكل واضح وبأكثر من أي شيء أن أجهزة الدولة توجه أسلحتها ضد العاملين. فيجب أن تُدمر هذه الدولة وتُستبدل.
  3. العدو الطبقي لديه موارده الهائلة وهو منظم بشكل كبير. علينا أن نكون منظمين أيضاً. نحتاج إلى منظمة مركزية، لأننا نواجه عدو ذا مركزية كبيرة. لكن هذه المركزية تحتاج أن تكون ديمقراطية، وتعكس تجارب المناضلين بها. إن الأشكال التفصيلية للتنظيمات ينبغي تنقيحها باستمرار في رؤية المهام الحالية. ولكن الضرورة الأساسية لوجود منظمة ثورية هي مهمة عاجلة اليوم مثلما كانت في عام 1902.
Advertisements

تسعدني تعليقاتكم

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s