أنطونيو جرامشي.. النظرية والممارسة – كريس بامبري

Posted: 22 فبراير 2016 in مختارات سياسية, خبرات نضالية, عمال وجماهير
الوسوم:, , , , ,
كريس بامبري
ترجمة: إيزيس قاسم
وحدة الترجمة – مركز الدراسات الاشتراكية

1- إيطاليٌّ منطوٍ

وُلِدَ أنطونيو جرامشي في إيطاليا ولم يكن حينها قد مر على حياة الدولة إلا ثلاثة عقودٍ، وكانت الجبهات الداخلية مازالت تمزّق الدولة الجديدة. لقد كان لمسقط رأسه وللمدينة التي بلغ فيها نضجه السياسي أثرًا بالغًا على مساره وتطوره، ذلك المسار الذي أدّى به لأن يصبح الثوري جرامشي.

حيث وُلِدَ عام 1891 في جزيرة سردينيا المنفصلة جغرافيًا عن إيطاليا القارية، والمنتمية الانتماء كله للجنوب الإيطالي. وكان الجنوب حينها قد خرج خاسرًا من عملية التوحيد عام 1861، والتي جمعت بين أغلب أجزاء إيطاليا كما نعهدها اليوم. وكما كان الحال في الجنوب، ساد في سردينيا الفقر والجوع والمرض والأمية، وزوّر الأعيان الانتخابات. كانت أسرة جرامشي تنتمي إلى الطبقة الوسطى، لكنهم عاشوا حياة قاسية. وعندما عارض والده الحاكم السياسي المحلي سُجن بموجب اتهامات باطلة.

شهدت الجزيرة وقتها قوى جديدة ناشطة؛ فقد تأثر عمال الفحم بالأفكار الاشتراكية وأضربوا عن العمل. ووجد الملاك صعوبة في قمع هذا العصيان، وجُنِّد شقيق أنطونيو الذي بدأ، وهو يقضي فترة تجنيده في تورينو، في قراءة الصحف الاشتراكية التي كان يرسلها إلى أخيه الأصغر.

دفع الغضب من الظروف السائدة في الجزيرة الشاب جرامشي إلى القومية الساردينية، التي ألقت باللوم على سكان روما وميلانو.

وبعد انتهائه من الفترة المدرسية المتقطعة، بسبب الحاجة إلى العمل وبسبب المرض الذي ترك عليه آثارًا دائمة ووهن مزمن، انتقل جرامشي إلى مدينة تورينو التي حوّلته إلى ثوري. وقد حصل على منحة دراسية من جامعة المدينة، أهلته لأن يبدأ دراسته عام 1911. وصل الشاب أنطونيو جرامشي إلى المدينة حاملًا في صدره غضبه من سكان إيطاليا، إلا أنه اكتشف في تورينو ما كان له شديد الأثر في حياته، وظل يذكر أهميته مرات ومرات بعد ذلك؛ فقد كانت تورينو موطن أكثر الطبقات العاملة نضالًا على مر الزمان.

2- تورينو – مركز عاصفة الثورة

شهدت تورينو في السنوات الأولى من القرن العشرين انتشارًا سريعًا للتصنيع، يشبه ما يحدث اليوم في العديد من المدن الصينية والهندية. وهيمنت على المدينة صناعة السيارات الجديدة، وتحديدًا شركة “فيات” العملاقة. وقد ناهز عدد سكان تورينو، وقت قدوم جرامشي إليها، 400 ألف نسمة، 20% منها من عمال المصانع.

وكان كلٌ من الحزب الإيطالي الاشتراكي (PSI)، والحركة النقابية الإيطالية، ما يزالون في مراحلهم الأولى. فقد سيطر على الحزب إلى حد كبير موظفو الطبقة المتوسطة الراغبة في تحسين ظروف حياة الطبقات الدنيا، والرافضة للثورة في الوقت نفسه. أما النقابات فكانت في الأغلب توجّه أنظارها إلى العمالة الماهرة فحسب، وكان اتحاد النقابات الرئيسة (CGL) على صلة وثيقة بالقيادات الوسطية المعتدلة في الحزب الاشتراكي.

كلتا المجموعتين تقبلتا الدخول في اتفاق مع جيوفاني جيوليتي، الذي كان يقود آنذاك ائتلافات الحكومات المتتالية في العقدين الأولين من القرن العشرين، بعقد الصفقات وإقامة الموازنات بين المصالح المحلية المهيمنة على السياسة الإيطالية. كان جيوليتي يأمل في إدماج الاشتراكيين والقيادات العمالية النقابية في ذلك.

أما عمال تورينو المنتمين للاشتراكية، فقد حاولوا ترشيح شخصية راديكالية من الجنوب، كانت قد ألقت الضوء على الظلم الواقع على الجنوب أمام البرلمان. ورغم فشل محاولتهم إلا أنها أثارت اهتمام جرامشي الذي بدأ يرى في عمال الشمال حلفاء لمزارعي الجنوب وعماله، وأن الثورة الاشتراكية هي الطريق الوحيد إلى التغيير الحقيقي في الجنوب.

التقى جرامشي، الذي كان حينها طالبًا نجيبًا ومتفوقًا دراسيًا رغم الفقر والمرض، بمجموعة موهوبة من الشبان الاشتراكيين في جامعة تورينو. وتزامن وصوله إلى المدينة مع تفاقم الصراع الاجتماعي في كل أنحاء أوروبا، فقد تراجعت الأفكار الليبرالية التي هيمنت على السياسة السائدة، لتفسح المجال أمام نوع أكثر قسوة من سياسة الطبقة الحاكمة. وفي ذلك الوقت كانت حدة التنافس بين القوى الكبرى قد وصلت مداها، ففي الخارج كان يعني ذلك الاستحواذ على أجزاء أكبر فأكبر من العالم، وفي الداخل كان يعني المزيد من الضغط للحفاظ على الأجور المنخفضة مع الإنتاجية المتزايدة. كما حفّز فشل الثورة الروسية عام1905حكام أوروبا على قمع اليسار وقلاقل العمال.

طالب رجالُ الصناعة وملاك الأراضي في إيطاليا الحكومةَ، جنبًا إلى جنبِ مع التفاوض مع النقابات واليسار، أن تستخدم الدولة ضدهم كل ما أوتيت من سلطان. وأراد الكثيرون فتح مستعمرات في أفريقيا لمنافسة فرنسا وبريطانيا.

انتفض عمال الهندسة الصناعية عام 1911 في إضراب عام غير رسميٍّ ضد الهجمات الموجهة لظروف العمل التي وافقت عليها القيادات النقابية. وهُزِمَ الإضراب بعد مرور 75 يومًا، لكنه وفي العام التالي قاد موظفو اتحاد عمال المعادن (FIOM) إضرابًا استمرّ 93 يومًا من أجل استعادة دعم النقابة لهم. كانت السمة الجديدة هي البناء من أسفل للقواعد العمالية التي أُطلق عليها اللجان الداخلية، وكانت تُنتخب من قِبَل العمال كلهم في المصنع، سواء كانوا حاملين لبطاقة النقابة أم لا. وقد حاولت القيادات النقابية خارج نطاق الإضراب أن تحتوي هذه اللجان، وأن تُحيّدَها، ولكن وجودها كان يعني أن إعادتها للحياة ممكنة عند الحاجة.

كان موقف كل جانب من جانبي الفصل الطبقي يزداد جمودًا مع الوقت. حاول جيوليتي في عام 1911 أن يسترضي منتقديه بإطلاق حملة استعمارية لليبيا. وقد طالب وقتها الجيل الأصغر داخل الحزب الاشتراكي الإيطالي بإنهاء الاتفاق مع جيوليتي. وظهر ذلك في زيادة دعمهم للمزارعين الجنوبيين والعمال، الذين عانوا قمعًا بلا رحمة كلما احتجوا، كما ظهر في انتشار الأجواء المعارضة للعسكرية والاستعمار. كان جرامشي الآتي من جزيرة سردينيا متعاطفًا بالفعل مع الثورة المناهضة للاستعمار ضد القوى الأوروبية، واعتبر “مسألة الجنوب” مسألةً جوهرية، وقد ساهم كل ذلك في ازدياد اهتمامه بالماركسية. وفي عام 1913 جُنِّد في الحزب الاشتراكي على يد طالب زميل له هو أنجيلو تاسكا.

شكل بنيتو موسيليني، الشعلة النارية الآتية من منطقة رومانيا المتمردة، قوةً جاذبةً للتذمر من قيادات الحزب الاشتراكي الإيطالي الحذرة المتآمرة. وقد فاز موسيليني بمنصب رئيس تحرير الجريدة اليومية للحزب أفانتي (إلى الأمام)، بعد معارضة الاحتلال الإمبريالي الإيطالي لليبيا، وبعد خطبة حماسية في مؤتمر للحزب، هاجم فيها الجناح اليميني في الحزب الاشتراكي الإيطالي المتباطئ.

3- الاشتراكية على الطريقة الإيطالية

انقسم الحزب الاشتراكي الإيطالي إلى أقلية وقواعد. الأقلية هي الجناح اليميني الإصلاحي، وهي فرقة تحمست لفكرة الانضمام إلى أي حكومة، وأما القواعد فأوصلت اليسار بأصواتها إلى مواقع النفوذ. وقد تبنى اليسار بقيادة جياسينتو سيراتي، بصوت عالٍ وسيل من الكلمات، الحد الأقصى من الانحياز للثورة، لذا أطلق عليهم أصحاب برنامج الحد الأقصى. بينما شدد الإصلاحيون على برنامج الحد الأدنى، ذلك الذي يحتوي على إصلاحات عاجلة. ولم تكن هناك أي محاولة لمدّ الجسور بين النضال الآني، والمهمة ذات المدى الثوري الأطول.

وفي يونيو لعام 1914 تحولت مظاهرة، كانت قد قامت ضد إرسال قوات عبر السفن إلى ألبانيا – التي كانت تقع تحت استعمار إيطالي حقيقي-، إلى انتفاضة وانتشرت في منطقة رومانيا. وانضمت إليها مدن بأكملها وأُعلن خلالها عن قيام الجمهوريات الاشتراكية، ورفرفت الأعلام الحمراء على مبنى البلدية. فلم يستطع الحزب الاشتراكي ولا النقابات أن يفعلوا شيئا، لذا تم قمع الانتفاضة على يد الجيش.

ومع تلبد سماء أوروبا بالغيوم، ارتفعت نداءات موسيليني من خلال مكتبه في الجريدة من أجل إعلان إضراب عام مناهض للحرب ومن أجل قيام ثورة. ولكنه في الحقيقة لم يكن لكل هذا محتوى حقيقي، غير مطلب من أجل العمل. بيد أن جرامشي والعديد من الاشتراكيين الشبان رحبوا به.

اندلعت الحرب في أغسطس عام 1914 بسبب التوتر بين القوى الأوروبية، ودخلت إيطاليا في تحالف مع ألمانيا والنمسا على أمل أن يكسبها ذلك أراضٍ في البلقان، إلى جانب حدودها في جبال الألب. ثم رفضت الدخول في حرب إيفاءً بهذا التحالف، وبدأت تقدم نفسها في العواصم الأوروبية بحثًا عن أكبر مكافأة لدخول حرب حمام دم.

أما داخل البلاد فقد طالب اليمين القومي الحكومةَ بإعلان الحرب إلى جانب فرنسا وبريطانيا، فالنمسا كانت العدو التاريخي للوحدة الإيطالية. ووضعت قطاعات الأعمال الكبيرة أعينها على العقود المربحة التي ستجلبها الحرب، في الوقت نفسه الذي أراد خصوم جيوليتي أن يتخلصوا منه، وقد أراد الجميع، بدءً من الملك نفسه مرورًا بمجموعة من الشعراء والفنانين إقامة إمبراطورية.

بحلول مايو لعام 1915 وبمساعدات مقدمة من فرنسا وبريطانيا، طالب اليمين شنّ الحرب. وقد أراد الحرب كلٌّ من الملك وخليفة جيوليتي كرئيسٍ للوزراء، ووقعوا معاهدة سرية مع بريطانيا وفرنسا، تحصل بموجبها إيطاليا على أراض في البلقان والشرق الأوسط وشمال أفريقيا (نشره البلاشفة وغيره الكثير بعد الثورة الروسية في 1917).

انقسمت إيطاليا، فدعم جيوليتي خيار الحياد إيمانا منه أن إيطاليا يمكنها أن تكسب أكثر. وعارضت الكنيسة الكاثوليكية صاحبة النفوذ الواسع الحرب؛ إذا أنها لا تستطيع أن تنحاز إلى جانب بلد كاثوليكي ضد بلد كاثوليكي آخر، دون تدمير مصالحها وثروتها. وقد برز الحزب الاشتراكي الإيطالي، من بين الأحزاب الاشتراكية في أوروبا الغربية، بمعارضته للحرب، ولكن ذلك كان فقط دعما للحياد ومعارضة لأي معارضة فعالة لجهود الحرب.

تردد البرلمان في إعطاء صوته للحرب فنزل اليمين إلى الشارع. ومع ممارسة القليل من الضغط تأرجحت الأصوات. وابتدعت خرافة اشتعلت بين اليمين، تُفيد بأن الأمة متحدة باستثناء اليسار المتطرف، والقساوسة الموالين للبابا أكثر من ولائهم لإيطاليا.

المهم أن اليمين قد ذاق النصر من خلال اللجوء إلى وسائل بعيدة عن البرلمان، رغم أن الاحتجاجات كانت بمساعدة ومعاونة الشرطة والجيش، وبتمويل الأعمال الكبيرة. وقد قام إضراب عام كبير في تورينو مناهض للحرب، إلا أن المدينة تُركت لتناضل وحدها، وقُمعت لا للمرة الأولى ولا الأخيرة.

ولكن ماذا كان موقف موسيليني، المناهض الحماسي للحرب؟ في خريف عام 1914 أعلن فجأة معارضته للحيادية. كانت خطوة قصيرة قبل دعم دخول إيطاليا للحرب. فقد قفز موسيليني ليستقيل من الحزب قبل أن يُدفع إلى ذلك، ولينشئ صحيفة جديدة هي “الشعب الإيطالي”، بتمويل مصنعي السلاح، وبمساعدات بريطانية فرنسية. عاد موسيليني لمكتب صحيفته في ميلانو، بعد خدمة قصيرة في الجيش، انتهت بعد إصابة بسبب حادثة مع قنبلة يدوية.

انفجر خبر انشقاق موسيليني كالقنبلة، وانتقلت أعداد صغيرة من نشطاء الاتحادات وأعضاء الحزب الاشتراكي والفوضويين معه، إلا أن داعميه من شباب الحزب أصيبوا بصدمة. وكتب جرامشي في تورينو مقالة ضعيفة في محاولة لشرح خطوة موسيليني الأولية لرفضه للحياد ثم انهار عصبيًّا.

4- اختبار الحرب

كان وقع الحرب على إيطاليا كارثيًّا. فبسبب الحاجة إلى العمال الصناعيين، جُمِّع المجنّدون من الفلاحين، في سلسلة من الهجمات الأمامية الخائبة في المواقع النمساوية الألمانية في جبال الألب المغطاة بالثلج، تحت قيادة فيلق من الضباط الأكثر عندًا وفسادًا وتميزًا في أوروبا، وكانت منافسة عالية. حقق الصناعيون أرباحًا ضخمة جرّاء بيع المواد الألمانية بوساطة سويسرا المحايدة، مثل مصنع الإطارات “بيريللي”.

تضاعف حجم مدينة تورينو بعد سحب العمالة إليها من محيطها الريفي، وقد كان من ضمن تلك العمالة عدد كبير من النساء، اللائي سريعًا ما أنهكن تحت وطأة زيادة ضغط العمل وانكماش الأجور وارتفاع الأسعار. وازداد المهندسون المهرة تمرّدًا، في أنحاء أخرى من أوروبا، مع خسارتهم للامتيازات التي اكتسبوها نتيجة إدخال الآلات.

في أكتوبر لعام 1917، شُنَّ هجومٌ ألماني نمساوي من خلال كابوريتو، استسلم له 300 ألف عسكري إيطالي، وانشق عدد مماثل له، بعد ترك الضباط للجبهة. وتقهقر الجيش الإيطالي المشتت إلى الوراء حتى فينيسيا، وباتت إيطاليا مهددة بهزيمة ساحقة. وهكذا، وفي محاولة لحشد القوات، وعدت الحكومة المجندين بإعطاء أراض لهم بعد الحرب.

انتشرت سياسات التوسع الصناعي بسرعة مذهلة بعد واقعة كابوريتو. وأنهت إيطاليا الحرب وهي تمتلك مدفعية أكبر من بريطانيا؛ بصفتها مصدر للشاحنات والطائرات لحلفائها. كان عدد العمال المهندسين نصف مليون بنهاية الحرب، وتضخم حجم النقابات لتضم ثلاثة ملايين. إلا أن حياة الطبقة العاملة ضاقت بسبب التضخم، وساهم في تفاقم الوضع نقصٌ حادّ في الغذاء، إذ لم تستطع الزراعة الإيطالية توفير الغذاء إلى المراكز الصناعية الجديدة. أما المصانع ففرض عليها انضباطٌ عسكريٌّ، مع زيادة ساعات العمل وتجريم الإضراب.

5- محاربة الحرب

وجدت الثورة الروسية صدى في تورينو أكبر منه في أي مدينة أخرى في غرب أوروبا. وقد صُعقت المدينة حين وصلت إليها أخبار أول ثورة روسية، تلك التي أسقطت القيصر في فبراير 1917، وبعثت الأمل في أن يليها ثورة ثانية يقودها العمال وتخرج روسيا بفضلها من الحرب.

وقد وصل إلى تورينو في 15 أغسطس1917، وفدٌ ليخطبَ في مظاهرة حاشدة لعمال الذخيرة. فقد كان الروس كلهم داعمين لاستمرار الحرب، وأرادوا حثّ إخوانهم وأخواتهم الإيطاليين على مساعدتهم، بزيادة إنتاج أسلحة الدمار الشامل. وقد اندهشوا أيّما اندهاشٍ عندما استُقبلوا بهتاف: يحيى لينين!
في الحادي والعشرين من أغسطس لعام 1917، ظل ثمانية مخابز في المدينة مغلقين. وتظاهر النساء والأطفال في كافة أنحاء المدينة مطالبين بالخبز. وسارعت السلطات لإدخال الطحين، إلا أن المظاهرات كانت قد تحركت على صعيد سياسي. يقول أحد العمال في مصنع دياتو فريوس متذكرًا: “بدلا من الدخول إلى المصنع، بدأنا المظاهرة على أبوابه وصرخنا أننا لم نأكل، ولذا لا نستطيع العمل ونريد الخبز!، وأكد صاحب المصنع للجمهور بأن الخبز في الطريق. هدأ العمال للحظة، ونظروا إلى بعضهم البعض كأنهم يتشاورون في صمت. ثم صرخوا معًا: في داهية الخبز، نريد السلام! فليسقط المتربحون، ولتسقط الحرب! ثم تركت الجموع المصنع” (جون إم كاميت وأنطونيو جرامشي وأصول الشيوعية، ستانفورد يونفيرستي برس 1967 ص52).

نشبت المواجهات أولا بين العمال والشرطة، ثم مع العساكر. وشُيّدت المتاريس في مناطق سكن الطبقة العاملة. هُجم على عدد من متاريس الجيش، وأبرمت النيران في كنيستين، وقد أسهم ذلك في كشف مشاعر الناس نحو الكنيسة. وفي النهاية تقهقر العمال أمام المدرعات والبنادق الآلية. قتل خمسون عاملا، وأُرسل غيرهم لمحاكمات أمام المحاكم العسكرية، أو أُرسلوا مباشرة إلى وحدات الصفوف الأمامية في الخنادق.

وقد تسبّب في فشل الانتفاضة شيئان، أولهما أنّه، وعلى رغم من بياناتهم الثورية، لم يكن للقادة أي خطة عمل، سواء أكانت منسقةً تنسيقًا ضعيفًا أو غير منسقة على الإطلاق. وثانيًا أن معلومات قد تسرّبت عن بعض الوحدات العسكرية المنفصلة التي رمت سلاحها، إلا أن العمال فشلوا في استمالة القوات. كان لواء سردينيا صاحب الدور الحاسم في قمعهم، مما ألهب إصرار جرامشي على الوحدة بين عمال الجنوب ومزارعي الشمال.

جمع الحزب الاشتراكي في المدينة، والذي التزم يسار الحزب بشدة، المتمردين من جميع المصانع، مع نشطاء المجتمع، وأخضعهم كلهم لتأثير النقاشات التي أحاطت الحزب والحركة الدولية.

وعلى المستوى القومي، كان رد فعل الفريق المناهض للحرب-داخل الحزب الاشتراكي-على انتفاضة تورينو، أن يدعو لعقد اجتماع في فلورنسا في شهر نوفمبر. وقبل أن تفض الشرطة الاجتماع، تحدّث شاب ثوري من مدينة نابولي، اسمه أماديو بورديجا، وقال أمام الجمع أن وقت العمل قد حان وأن عليهم أن يعملوا. لم تكن إيطاليا مستعدة بعد للانتفاضة، إلا أن شغفها بالأخبار الآتية من مدينة بتروجراد (بطرسبرج حاليا) الخاصة بثورة أكتوبر قد ألهبت مزاج شباب الاشتراكيين الموجودين في القاعة كجرامشي مثلا.

أثارت الحرب مزيجًا من الاضطرابات. ففي تورينو كان هناك إضراب عن العمل ضد دخول إيطاليا الحرب، وثورة الخبز في 1917. وقد خلق نشوب تنظيم ذاتي في المصانع إمكانية الجمع بين المطالب الاقتصادية مع المطالب السياسية. في أثناء ذلك عاد الفلاحون المجندون من الخنادق وفي حلوقهم غصّة الإحساس بالظلم، فالتقفوا عدوى الأفكار الجديدة من المدن الجنوبية. واكتشفوا بمزيد من المرارة أن الوعود بالحصول على أراضٍ كانت أكذوبة.

وسرعان من تآكل النظام القديم للأرض. كان المزارعون قد بدأوا منذ عام 1915 أن يضعوا أيديهم على أراضٍ في منطقة لازي، وكان ذلك هو النموذج الذي بدأ في الانتشار في إيطاليا. انتشر خبرٌ بين المزارعين وعمال الأجرة ممن لا يملكون الأراضي مفاده أن الثورة في روسيا قامت بتوزيع الأرض على الناس.

شكّل المزارعون والأجراء الذين لا أرض لهم أغلبية المجندين، على النقيض من الطبقات العليا التي ضمنت بُعد أبنائها عن الخدمة العسكرية على الجبهة الأمامية. كسلاندرا، أحد رؤساء الوزراء في زمن الحرب، الذي كان له ثلاثة أبناء في سن التجنيد، لكنهم لم يدخلوا الجيش أبدًا لسبب ما.

6- الجبهة الداخلية

شرع العمال في هذا الظرف في تكوين منظمات للمقاومة، مكونة من عامة الناس. وبدأت اللجان الداخلية في الانتعاش، وعادت بقوة بعد الحرب العالمية الأولى. تجمعت المجالس لمناقشة الأجر والظروف المنطبقة على كل من يعمل في قطاع أو مصنع، بغض النظر عن كونه عضوًا حاملا لبطاقة النقابة أو لأي اتحاد للنقابات ينتمي إليه. كان لهذا أهمية خاصة؛ إذ إن المصانع شهدت زيادة في عدد النساء والعاملين الجدد الآخرين، الذين لم يكن لديهم خلفية تقريبا عن عضوية النقابة.

بطبيعة الحال لم ترق مثل هذه التشكيلات للمسئولين في النقابات؛ لأن بها أعضاء غير نقابيين، مما لا يسمح لهم أن يقوموا بدور الوسيط بين المصنع والإدارة والجيش. في أبريل لعام 1918 نجحت نقابة المهندسين (فيوم) في رفع الأجور والحصول على تأمين للبطالة، واعتراف باللجان الداخلية. أما على الجانب المظلم فقد عادت النقابة مرة أخرى للتعيينات وتأديب هذه الهيئات.

انقسمت الطبقة الحاكمة الإيطالية، فقد فشلت إيطاليا في جمع قيمة الرشاوى التي قدمت إليها عندما دخلت الحرب. أما معاهدات السلام التي تلت ذلك فقد أغضبت شريحة من الطبقة الحاكمة، وقطاع واسع من الطبقة المتوسطة، خاصة من الضباط في الخدمة ومن خرج منها.

كان بإمكان السياسيين المخضرمين أن يحتجوا، إلا أنهم لم يروا بديلا عن قبول ما قُدم من مكاسب من الأرض بمساحات أقل مما وُعِد به. قاد الشاعر القومي وبطل الحرب جابريلي دانونتسيو استحواذ شبه عسكري على مدينة فيوم، التي كان قد تم دمجها في دولة البلقان الجديدة “يوغوسلافيا”. ودعم الجيش هذه المغامرة بل حرّض عليها أيضا، مما أعطى مزيدًا من الدفع لحق اللجوء لوسائل غير برلمانية تحقيقًا لهدف ما. وأصبح عددٌ متزايدٌ من الناس يتجاهل الحكومة في روما، سواء من اليساريين أو من اليمنيين.

لم تتشابه ظروف أي بلد غرب أوروبي مع ظروف روسيا مثل إيطاليا. آمنت الأسرة الملكية الإيطالية أن مصير أقاربهم من أسرة رومانوف في روسيا كان ينتظرهم. وخشت قيادة الجيش أنها لن تستطيع أن تعتمد على رجالها. وبدا أن مزيجًا من التمرد الريفي الحضري قد يستعد لسحقهم جميعًا. دخلت إيطاليا أزمة ثورية خلال السنوات 1919 و1920، أو الفترة الحمراء.

7- مجالس المصنع

كان جرامشي يبحث عن السبل التي تحول المجتمع الاشتراكي المستقبلي من فكرة مجردة إلى واقع، وكانت مجالس المصانع جسرًا محتملا يقود إلى المستقبل.

اجتمع العمال في تورينو في عامي 1919 و1920 في مصانعهم لانتخاب تنظيمات جديدة ولانتخاب مجالس المصانع -أو كما كان يطلق عليهم أيضا اللجان الداخلية- بشكل مباشر من ورش المصانع. وكانت أكثر من مجرد نقابات؛ حيث أنها نظمت كل العمال سواء كانوا أعضاءً في نقابات أو لم يكونوا. كان العمال بداخل النقابات أفرادًا منفصلين في كثير من الأحيان عن أقرانهم من العمال المنتمين إلى نقابات مختلفة، التي غالبا ما كان يشغلها قضايا الأجر وظروف العمل.

كان جرامشي بالطبع مؤمنًا بأن على العامل أن ينضم لنقابة، إلا أنه رأى أن مجالس المصانع تعدت هذا، مما سمح لهم أن يتضامنوا كمجموعة لتقوم بإدارة المصنع. “يحقق المجلس عمليًّا وحدة الطبقة العاملة، ويعطي الجماهير نفس الشكل والتماسك المتبع في التنظيم العام للمجتمع.” (جرامشي، كتابات سياسية 1920 – 1910، ص100).

اكتسبت مجالس المصانع هذه ديناميكية ثورية عندما بدأت في تحدّي حق الإدارة في السيطرة على عملية الإنتاج ذاتها. وكان بإمكانها أن تشكل الأساس الذي تُبنى عليه دولةٌ جديدة للعمال.

كما كان يتم عمل أساس من أجل وحدة جديدة في مكان العمل. في شهر مارس عام 1919 أضرب موظفو الياقات البيضاء في مصانع تورينو الهندسية؛ بسبب إعادة تصنيف الفئات. استُغنيَ عن عدد كبير من عمالة الياقات الزرقاء خلال هذا الإضراب الطويل، إلا أنهم ظلوا متضامنين مع مجموعةٍ كانت بعيدة عن التمرد، وكانت تنظر لنفسها على أنها أعلى درجة من العمالة اليدوية. فكرة وقوف عمال الياقات الزرقاء مع الياقات البيضاء متحدين أسرعت الوتيرة، وأطلقت فكرة ضرورية أن يشمل التنظيم كل مَن في المصنع وبشكل دائم.

شارك الجميع في انتخاب المجالس الجديدة بغض النظر عن معتقداتهم السياسية أو الدينية، وبغض النظر عن انتماءاتهم الحزبية أو إذا كانوا يحملون بطاقة عضوية في نقابة مهنية أم لا. كانت لهذه المجالس القدرة على جمع كل من يساهم في عملية الإنتاج من فنيين وعمالة الياقات البيضاء، التي كانت تعتبر نفسها في ذلك الوقت من الطبقة الوسطى، هي والمزارعون والعمالة الريفية. هؤلاء أصبحت لهم هوية خاصة بهم وسلطة، بعد أن كانوا نكرة في العملية الإنتاجية.

حاول جرامشي، على عكس أنصار برنامج الحد الأقصى أو بورديجا الذي قاد المعارضة لهم من اليسار، أن يخاطب قضية تحرك الطبقة العاملة إلى الأمام، من الحاضر إلى المستقبل. وأصر على أن الدولة الاشتراكية كامنة بالفعل داخل مؤسسات الحياة الاشتراكية، التي تميز الطبقة العاملة المستغلة. واستكمل شارحًا أن اللجان الداخلية هي الأجهزة الديمقراطية للعمال التي لابد من تحريرها من القيود المفروضة عليها من قبل أصحاب الأعمال، وأن تُبث فيها الحياة والطاقة من جديد. “اليوم، تُحِد اللجان الداخلية من سلطة الرأسمالي في المصنع … أما غدًا إذا ما تم تطويرها وإثراؤها يجب أن تصبح أجهزة السلطة البروليتارية التي ستحل محل الرأسمالي في كل وظائفه المفيدة من التنظيم والإدارة”. (جرامشي، كتابات سياسية 1920 – 1910 ص65 – 66).

وحث جرامشي العمال على الدعوة لتجمعات جماهيرية في المصانع؛ لانتخاب المفوضين، تحت شعار “كل السلطة في الورشة، في يد لجان الورشة”، مع جملة مُكمّلة: “كل سلطة الدولة لعمال وفلاحي المجالس”.

كان من تقاليد اليسار قبل 1917 أن يعمل في مجالين منفصلين: أثناء ساعات العمل في الورشة يعمل كناشطٍ صالحٍ، وفي المساء والعطلات الأسبوعية يعمل كاشتراكي ينشر الفكر ويعمل في الحملات الانتخابية.

ثمة شيء كان مفقودًا، ألا وهو طريقة ربط المعارك اليومية في المصانع مع الكفاح من أجل مستقبل اشتراكي. رأي جرامشي في مجالس المصانع الأداةَ التي تجمع بين الاثنين، وتبني الجسر لتسد الفجوة التي يصر المجتمع الرأسمالي على أن تظل موجودة بين المطالب السياسية والاقتصادية. كما آمن جرامشي أن مجالس المصانع ستعمل من أجل تثوير النقابات والحزب الاشتراكي الإيطالي.

كان تأسيس مجالس من العوام يحدث بدرجة أو بأخرى في المراكز الصناعية الممتدة من سانت بطرسبرج في روسيا مرورًا ببودابست في المجر، وبرلين في ألمانيا حتى جلاسجو على ضفاف نهر الكلايد البعيدة. انبثقت السوفيتات الروسية من مجالس المصانع التي صوتت من أجل الاستيلاء على السلطة في أكتوبر 1917، ممثلين بذلك ملايين من العمال والفلاحين والجنود.

8- “النظام الجديد

أصبح التأكيد على خلق مجالس تقوِّي العمال هي الرسالة المركزية للصحيفة السياسية الأسبوعية، (لوردينه نووافو أو النظام الجديد)، التي أصدرها جرامشي مع مجموعة من الأصدقاء في شهر مايو من عام 1919، والتي اكتسبت شعبية بين جمهور المصانع في تورينو. واستلهم جرامشي مقولة الكاتب الفرنسي رومان رولان “تشاؤم العقل وتفاؤل الإرادة”، شعارًا تسترشد به الصحيفة.

شنت صحيفة النظام الجديد حملة لإعطاء كل العمال الحق في التصويت لمجالس المصانع ولكل قطاع في مكان العمل، لينتخبوا ممثليهم، ولتوسيع سيطرة العمالة وانخراطهم.

يعود جرامشي بالذاكرة إلى أغسطس 1920 فيقول إنّ “مشكلة تطوير اللجان الداخلية أصبحت الشغل الشاغل للصحيفة الرئيسة، وأصبح يُنظر إليها على أنها مشكلة العمال الجوهرية. وأصبح النظام الجديد “صحيفة مجالس المصانع”. ونقول بنفس راضية تمام الرضا أن العمال كانوا يعشقون الجريدة. لماذا؟ لأنهم كانوا، من خلال مقالاتها، يُعيدون اكتشاف جزء منهم، بل هو أفضل جزء؛ لأن مقالاتها كانت فعليًّا تلحظ الأحداث الواقعة ويُنظر إليها كلحظات من عملية التحرر الداخلية، ومن التعبير عن الجزء الخاص بالطبقة العاملة؛ لذا أحبَّ العمال النظام الجديد، وكيف أن فكرتها “تشكلت”. (كتابات سياسية، 1910 – 1920 ص293 – 294).

خرجت ثلاثة إصدارات فيصلية من محرري النظام الجديد، حيثُ حملت الأولي الحجة القديمة بأنّ من يملك عضوية في نقابة هو فقط من يحق له التصويت. وكانت قيادات النقابات المهنية تُردّدها مرات ومرات، حتى قُسّمت صحيفة النظام الجديد بين تاسكا الذي كان ينحاز إليهم وجرامشي الذي كان يناصر المجالس الجديدة. والثانية أنّه كان هناك ميلٌ لرؤية أشكال جديدة من السيطرة التي كانت تمارسها مجالس المصانع، مع وجود أشكال قديمة للإدارة والملكية الخاصة. وكان هذا الاتجاه أيضًا موضع تشجيع من قيادات النقابات.

كان وجود جرامشي والنظام الجديد يقلل من حجة أن سيطرة العمال لا يمكن تطويرها بشكل كامل، والحفاظ عليها إلا من خلال تغيير ثوري في المجتمع. ولكن بدون هذا كان هناك اتجاه يرى أن مجالس المصانع سوف تغرق في وابل من الخلافات الفردية، ثم تتحول إلى ما لا يرقى إلا ليكون نوعًا من ممثلي النقابات أكثر تمردا بعض الشيء.

أما عن الثالثة فقد قلل جرامشي، بتأكيده على دور مجالس المصانع كوسيلة لخلق سلطة للعمال، من دور الحزب الثوري ليصبح كمجموعة ضغط فقط. وقد كان تحديه للماركسية الآلية، التي ترى أن الحزب يقود العمال ببساطة إلى أرض الميعاد، زائدًا عن الحد. كان يعني ذلك أنه لم يستطع الدفاع عن رأيه داخل الحزب، مما ترك المجال مفتوحًا أمام بورديجا وأنصار برنامج الحد الأقصى. إذ عملوا على أن يعزل النظام الجديد وداعموه في تورينو والمناطق النائية المجاورة له. بالإضافة إلى ذلك فقد كان اتحاد النقابات الرئيس وكل الفصائل بداخل الحزب الاشتراكي الإيطالي، مجتمعين على رغبتهم في عزل داعمو النظام الجديد وهزيمته. وبالإضافة إلى ذلك عزم أصحاب الأعمال، الذين انتبهوا إلى مخاطر الدعوة إذا ما انتشرت من تورينو، على كسر مجالس المصانع.

9- احتلال المصانع

أتت لحظة الحسم في الفترة الحمراء في سبتمبر 1920 عندما أشعلت كثرةُ الإقالات لأعضاء النقابة في ميلانو احتلالَ المصانع بشكل واسع في إيطاليا. وبحلول الرابع من سبتمبر وصل 400 ألف عامل ليحتلوا المصانع، ومع مرور بضعة أيام وصل قفز هذا العدد إلى مليون عامل. اجتاحت حركة الاحتلال هذه، والتي كانت قوية جدا تحديدا في الشمال، كافة أرجاء البلاد. ها قد ظهرت أخيرا قومية حقيقية لتواجه الرأسماليين ودولتهم، وفاقت كونها مجرد احتلالات. أعاد العمال في مصنع تلو الآخر عملية الإنتاج تحت سيطرة العمال.

كتب جرامشي مبتهجًا: “يوم كهذا بعشرة أيام من النشاط المعتاد والدعاية المعتادة والإدراك المعتاد للمفاهيم والأفكار” (جرامشي، كتابات سياسية 1910 – 1920 ص340).

انتعشت مجالس المصانع على إثر الاحتلالات مباشرة في كل أنحاء تورينو. وفي شركة فيات قام مجلس بتعيين مفوضين خاصين؛ لتولي الأمن بداخل المصانع حفاظًا على النقل وإمداد المواد. كما شُكّل الحرس الأحمر لحماية المصانع من هجوم محتمل. وفي مصنع SPA صُنّعت قنابل يدوية ووزِّعت على المصانع المحتلة، في حين أن ورشة في شركة فيات تخصصت في صناعة الأسلاك الشائكة.

وقال جرامشي مجادلا إنّ المجالس عليها أن تخطو خطوة أخرى، وأن تؤسس منظمة على مستوى المدينة وقوة دفاع عسكرية، تلك القوة التي كانت موجودة بالفعل على مستوى المصانع. ولا يمكن تحقيق السيطرة على أماكن العمل، وإقامة ديمقراطية على طراز السوفييتات، والحفاظ عليها إلا في ظل ثورة وعصيان ضد سلطة الدولة القديمة.

إلا أن المشكلة الجوهرية تمثّلت في أن نفوذ النظام الجديد وجرامشي، رغم تأثيرهما الحاسم في تورينو، لم يكن لهما تأثير في أمكنة أُخرى، خاصة في مدينة صناعية كبرى أخرى وهي ميلانو. تشكلت مجالس المصانع في ميلانو، وفرض مسئولو الاتحادات المهنية والحزب الاشتراكي سيطرتهم عليها لضمان عدم تأثرهما بعدوى “تورينو”. رأى اتحاد عمال المعادن في الاحتلالات وسيلة للضغط على حكومة جيوليتي؛ حتى يعمل كحكم بين الحكومة وأصحاب الأعمال، لا أكثر.

كان جرامشي والنظام الجديد فعليًّا معزولان في تورينو. كان يقول إن ميلانو هي نقطة ارتكاز الثورة؛ لأن “قيام الثورة الشيوعية في ميلانو يعني قيامها في إيطاليا بأكملها، حيث إنها فعليًّا عاصمة الديكتاتورية البرجوازية”. (جرامشي، كتابات سياسية 1910 – 1920 ص152).

وكانت حجة جرامشي أن الاستيلاء على المصانع خطوةٌ هامة، إلا أنه يجب أن تتطور الأوضاع لأكثر من ذلك. وحتى تُحسم الأمور كان على العمال أن يُدفعوا للاستيلاء على المراكز الحقيقية للسلطة الرأسمالية، ألا وهي: وسائل الاتصال والمصارف والقوات المسلحة وباقي مؤسسات الدولة.

طالب أصحابُ المصانع القوات بأن تُخلي المصانع، إلا أن الحكومة المركزية لم يكن لديها أعداد كافية من العساكر، كما تشككت في ولائهم. وكانت الحكومة من جانبها تتطلع لاتحاد النقابات، وقيادات الحزب الاشتراكي ليحلوا المشكلة. ورغم خطابهم الثوري إلا أنهم كانوا كالأرانب الواقعين في الفخ، يُسلّط عليهم الضوء مع كل تطور ثوري للأحداث.

لم يستنتج جرامشي رغم ذلك أن على الثوار أن ينفصلوا عن الحزب ليشكلوا حزبًا شيوعيًا قبل ربيع عام 1920 – وذلك عندما غرق اليسار الإيطالي بالفعل في أزمة الثورة. في ظل هذه الظروف كانت القفزة بالنسبة لجرامشي وقسم من اليسار في تورينو سهلة نسبيًا في وقت قصير، إلا أن كسب أغلبية مجالس المصانع وعضوية الحزب الاشتراكي الإيطالي كان يتطلب وقتًا، في حين أن الوقت كان محدودًا.

علّق المؤرخ جوين وليامز قائلا: “إن اشتراكيي إيطاليا، وهم غير قادرين على الطريق الإصلاحي ولا على الطريق الثوري، أصبحوا بلا حيلة. لم يتبق في أيديهم سوى خدعةٍ واحدةٍ أخيرة: أن يتجاوبوا مع أبسط غرائزهم، بل عادوا إلى الوضع “الطبيعي”، فطرحوا المسألة للتصويت”. (جوين وليامز، النظام البروليتاري، بلوتو، 1975 ص256 – 255).

والتقت المجموعتان في ميلانو، وسألوا الموفدين من تورينو إذا ما كانوا مستعدين لشنِّ تمردٍ مسلحٍ؟ وجاء الرد بـ”لا”، إذ خشوا أن يُطلب منهم مرةً أخرى أن ينتفضوا وحدهم. ثم طالبت قياداتُ النقابات المهنية الحزبَ الاشتراكي أن يثورَ، فجاء ردهم بلا. وأخيرًا، وفي خضم الأزمة الثورية، أحالوا الأمر لمؤتمر يعقده اتحاد النقابات!

لم تضم تشكيلتُه ممثلين من مجالس المصانع، ولكن من أفرع الاتحاد، مستبعدًا بذلك أغلب العمال المتمردين. والمدهش أن الميل للثورة كاد أن ينتصر. إلا أن المفوضون الممثلون لعدد 245,591 صوتوا ضد ذلك، وجاء 569،409 صوت مع، في حين امتنع عدد 623،93 عن التصويت. فجاء القرار مناهضًا للثورة وأصبح لدى الاتحاد والحزب العذر بعدم العمل حسبما جاء التصويت، فانهزمت الحركة.

حضر عمال السكك الحديدية والبحرية المتمردون، ولكنهم لم يتمكنوا من التصويت. وكان المصوتون في غالبيتهم منحازين للموالين للاتحاد، أو من العاملين به، مما يُزيد من غرابة النتيجة بفارق ضئيل. ثم دخلت قيادات الاتحاد في مفاوضات لتحسين الأجور وظروف العمل، بالإضافة إلى وعد بأن يكون للاتحاد كلمة في كيفية إدارة المصانع. انتزعوا القبول بهذه الحزمة وإنهاء احتلال المصانع بصعوبة بالغة.

تول العمالُ المصانع، وأداروها لمدة تراوحت بين ثلاثة إلى أربعة أسابيع بلا أجر. كان إنجازًا رائعًا، ولم يترنّح إلا عندما وظفت قيادات الحزب والاتحاد نقاشها حول الثورة.

هل كانت لحظة ثورية؟ إذا كانت الإجابة تعتمد على إمكانية نشوب تمردٍ فوري على المستوى القومي، فهي لا. ولكن إذا ما فهمنا أن الثورة عمليةٌ تنشأ فيها سلطةٌ بديلة معارضة للدولة البرجوازية، وقادرة على إزاحتها في وقت ما، ففي هذه الحالة قد يُوصف الوضع بالثوري. كان هذا احتمال بيد مجالس المصانع، لو أنهم استطاعوا الخروج من تورينو. وبالتأكيد كان العنفُ رد فعل ناتج عن الفزع الذي شعر به أصحاب الأعمال.

10- قيام الحزب الشيوعي

كان هناك صوتٌ واحدٌ يتحدث بوضوح مبسط بين صفوف اليسار، بعد انكسار احتلال المصانع، وهو صوت أماديو بورديجا. قبل أن يسبقه غيره، دعا بعلو صوته للانفصال عن الحزب الاشتراكي، وإنشاء حزبٍ شيوعيٍّ منفصلٍ. وهو أيضًا من قدّم بعد هزيمة احتلال المصانع، المسارَ الوحيد الذي يتميز بالوضوح والحسم للمضي فيه، وكان هذا المسار هو الانفصال القاطع بما يسمح لليسار أن يضمن قيام حزب شيوعي متماسك متمتع بنقاء أيديولوجي. في خريف عام 1920 بدا ذلك الطرح طرحًا منطقيًّا أمام قوى الثورة المشتتة. دفع الإحباط والغضب، من رفض سيراتي للانفصال القاطع عن الإصلاحيين، مع فقدان الوجهة الواضحة الممزوجة بفيض من الخطابة، دعم أقصى اليسار لتأييد لهذا المسار.

ولكن المشكل أن بورديجا كان على حق فيما يتعلق بضرورة إنشاء حزب شيوعي، إلا أنه استند في دعوته للانفصال وإنشاء حزب جديد إلى عدد من الحجج الأخرى، التي بها عوار شديد، مثل مقاطعة الانتخابات، وحث العمال على ترك النقابات المهنية القائمة.

اعترض بورديجا على مجالس المصانع وأنصارها في “النظام الجديد”، كان له منظورٌ نخبويٌّ للحزب، كقائدٍ نصَّب نفسَه ليأخذ بيد الطبقة العاملة كي تتحرر. أما عن جرامشي فلطالما نظر للحزب كأداة يحقق العمال باستخدامها الثورة بأنفسهم. في حين رأى بورديجا في الحزب كيانًا مؤسسًا مسيطرًا موجهًا للمجالس المصانع والسوفيتات، واضعًا إياهم بذلك في مكانة ثانوية.

اجتمعت مختلف قوى اليسار الثوري من كافة أرجاء إيطاليا، لينشئوا الحزب الشيوعي. وكان دور جرامشي هامشيًا في هذه العملية، مما أفضى إلى توابع كارثية. فقد كان فشله في بناء شبكة وطنية من الأنصار المتضامنين مع أفكار “النظام الجديد” يعني أن يظل منعزلا وغير قادرٍ على أن يكون له تأثيرٌ حاسم على الأحداث. لقد عزف بشكل عام عن نقاشات الحزب الداخلية؛ إذ كان يرى دوره في تثقيف الطبقة العاملة. في حين ناشد بورديجا لمجرد الإعلان عن حزب شيوعي حقيقي. كان جرامشي يعتقد أنه لا بد من تحضير أرضية له بين القواعد. كما رفض جرامشي فكرة مقاطعة الانتخابات؛ لأن الانتخابات في اعتقاده يمكن أن تستخدم لتوصيل الرسالة الثورية، في حين أن البرلمان قد يكون منصةً لنشر الحلول الحقيقية لمشاكل البلد من خلالها.

لم يرَ بورديجا لمجالس المصانع أو السوفيتات أي دورٍ في الثورة، كان يرى بِدَور الحزب فقط، كما عارض حتى مجرّد إنشاء مجالس المصانع قبل نجاح الثورة. كان يَفترض، بعد الثورة، إقامة سوفيتات في الأفرع المحلية للحزب الشيوعي، بدلا عن انتخابها في المصانع والورش.

أكّد بورديجا في عام 1920على ثلاثة أشياء: ضرورة الانفصال عن الحزب الاشتراكي الإيطالي، والامتناع عن المشاركة في الانتخابات البرجوازية، وتوجيه النقد لمجالس المصانع. كان يضع الثورة في مقابل المشاركة في الانتخابات البرلمانية، ولكنه لم يقدم أي شيءٍ ملموسًا ليجتذب العمال من الجانب الأول إلى الجانب الأخير. لم تخاطب الدعوة بالمقاطعة العمال الذين تقبلوا، بأي درجة كانت، فكرة أن التغيير قد يأتي من خلال البرلمان. ظنّ بورديجا، إضافة إلى ذلك، أن المطلوب كله هو اتخاذ القرار أو المانفيستو الصحيح؛ حتى يرى العمالُ أن طريقهم طريقٌ خاطئ.

كانت غالبية حزب إيطاليا الاشتراكي داعمةً للثورة الروسية، وضرورة القيام بثورة. وبدا مؤكدًا أنهم سيجتمعون معًا في حزبٍ جديد، ينتهج نهجًا ثوريًا واضحًا، وينفصل عمّن ولائه للديمقراطية البرلمانية.

إلا أن هذا لم يتم. وبدلا من أن ينسحب الإصلاحيون من الحزب، انسحب بورديجا وأتباعه، ومعهم جرامشي، في مؤتمر الحزب في شهر يناير لعام 1921 المُقام في ليفورنو. لقد عانى الحزب الشيوعي من العزلة منذ تأسيسه. اقترب حدس جرامشي من الصواب كثيرًا، ولكن ثقته اهتزت بسبب عدم قدرته على تأسيس منظمة ثورية قادرة على خوض الفترة الحمراء.

بالنظر مرة أخرى إلى الانقسام الذي حدث في مؤتمر ليفورنو للحزب الاشتراكي الإيطالي، وتأسيس الحزب الشيوعي، تذكر جرامشي ما قاله لينين: “انفصلوا عن توراتي – زعيم الجناح اليميني للحزب الاشتراكي الإيطالي – ثم تحالفوا معه”. والقصد أنَّ علينا أن ننفصل، وهي المهمة الضرورية التي يُحتمها التاريخ، ليس فقط عن المذهب الإصلاحي، بل أيضًا عن برنامج الحد الأقصى، الذي مثَّل في الواقع ومازال يمثل، الانتهازية الإيطالية الصميمة في الحركة العمالية. ولكنه بعد ذلك كان علينا، عن طريق الصراع الأيديولوجي والتنظيمي الدؤوب، أن نسعى لتأسيس تحالف ضد الرجعية. (جرامشي، كتابات سياسية، 1921 -1926 ص 380).

ظلَّت نصيحة لينين ماثلةً أمام عيني جرامشي حتى مماته. فقد طرح السؤال تقريبًا على الفور في إيطاليا عام 1921.

11- تقدم مسيرة موسوليني إلى الأمام

كان أنطونيو جرامشي يتمتع ببصيرة واضحة تستطيع أن ترى بعيدًا. ففي ذروة الفترة الحمراء، في مايو 1920، أطلق تحذيرًا مفاده أنّ “المرحلة الحالية في الصراع الطبقي في إيطاليا هي المرحلة التي تسبق إما انتزاع السلطة السياسية على يد البروليتارية الثورية، أو رد فعل رهيب من جانب الطبقة صاحبة الأملاك والطبقة الحاكمة، والتي لن تتوارى عن استخدام العنف لإخضاع البروليتارية الصناعية والزراعية لكدح مذل”. (جرامشي كتابات سياسية، 1920 – 1910 ص 191).

لم تكن كلماته مجرد رطانة، فالطبقة العاملة الإيطالية دفعت ثمنًا باهظًا؛ لأنها تركت اللحظة الثورية تمر عندما كان الفاشيون يستولون على الحكم في أكتوبر 1922.

كان موسوليني، الاشتراكي السابق، شخصيةً هامشيةً غير قادرة على إيجاد موضع لنفسها حتى أواخر 1920. مجموعته الصغيرة، واسمها فاشيو، كانت عاجزةً عن حسم إذا ما كانت يسارية أو يمينية. كان موسوليني أثناء احتلال المصانع يجوب طرقات ميلانو معبّرًا للعمال عن تعاطفه.

إلا أن العصابات الفاشية الآخذة في النمو استطاعت على مدار عامي 1921 و1922 أن تبث الرعب في نفوس سكان الريف ثم المدن، بحرقها لمكاتب النقابات والصحف الاشتراكية والتعاونيات الزراعية، وضرب نشطاء الاتحاد واليسار وقتلهم.

بدأت الهجمة الفاشية في منطقة الحدود الشمالية الشرقية بجوار تريست المتنازع عليها مع يوغوسلافيا، حيث كانت العصابات الفاشية تروّع التجمعات السلافية. ثم انتقلت إلى بولونيا والوادي بو عصابات من الضباط السابقين والطلبة وشباب الطبقة الوسطى. الذين بدأوا، بتمويلٍ من آبائهم الليبراليين وبتسليح من الجيش، في شنِّ حملة إرهاب ضد الاتحادات المهنية الريفية، والسلطات المحلية بقيادة اشتراكية.

كان اليسار قد حظى بالسيطرة على المجالس المحلية في هذه المناطق، حتى وإن كانت تحت قيادة الاشتراكيين الوسطيين، فقد كان هذا كافيًا لإغضاب أصحاب الأراضي الذين اعتادوا على أن تكون لهم السلطة المطلقة. لم يستطع الحزبُ الاشتراكي الإيطالي، بالرغم من خطابه الثوري، الردَّ على هذه العصابات شبه العسكرية. حيثُ طُردوا أولا من مكاتبهم في بولونيا، وأُحرقت نوادي النقابات المهنية الريفية، وضُرِب النشطاء وقُتلوا.

انضم موسوليني لهذه الفرق، ونصّب نفسه، ببعض الصعوبة، قائدًا للحزب الفاشي القومي. دخل في الريف أفواجٌ تحت السيطرة الفاشية مع تدمير المنظمات العمالية كلها من أي نوع. وانتقل الهجوم إلى المدن الصغيرة والمدن الأكبر، ولم تقترب الفاشية لتهاجم مدنًا كتورينو، قبل أن تكون معها السلطة كاملة.

وقع اليسار الإيطالي في حالة ارتباك بخصوص نوعية الرد، في حين دفع الجناح اليميني بداخل الحزب الاشتراكي الإيطالي وقيادات النقابات المهنية بأن على العمال والفلاحين أن يلجئوا لقوة القانون والنظام؛ للدفاع عنهم ضد التهديد الفاشي. رغم حقيقة أن الجيش والشرطة والمحاكم كانوا كلهم في عون فرق موسيليني. أما أنصار برنامج الحد الأقصى، أمثال سيراتي، فقد أيّدوا الاشتراكية ببساطة، إلا أنهم لم يقدموا استراتيجية للمضي قدمًا.

لم يكن حال خصومه في اليسار الثوري أفضل كثيرًا؛ إذ قالوا إن العمال لا صالح لهم في الدفاع عن الديمقراطية الليبرالية، ملمحين بذلك إلى أنه إذا ما نجحت الفاشية في تدمير البرلمان، فسيكون مفعول ذلك هو الكشف عن وهم التغيير البرلماني، ومصرين على أن الوحدة مع عمال غير ثوريين غير ممكنة ضد العنف الفاشي، إذ أن ذلك من شأنه أن يمس “نقاءهم” الثوري.

كانت رؤى جرامشي ضرورة قصوى في تلك الفترة، إلا أنّه كان قد بلغ أقصى درجات العزلة والارتباك في لحظة خطرٍ داهمٍ.

12- مقاومة الفاشية

تجمع عسكريون سابقون وعمال متمردون، خلال غياب قيادة وطنية من أي نوع، في منظمات مناهضة للفاشية، عُرفت باسم أرديتي؛ لوقف الفاشيين عمليًا في روما وبارما وليفورنو وليسبيزيا وغيرها من الأماكن. وقد وجدوا أنفسهم للأسف موضع شجب واستنكار من قيادات الاتحاد النقابية والحزب الاشتراكي الإيطالي، بل وأيضًا من الحزب الشيوعي الجديد.

وصل الأمر إلى الحد الذي دفع قيادات النقابات وقيادات الحزب الاشتراكي الإيطالي إلى توقيع حلف بعدم استخدام العنف مع موسوليني وتجاهل الدوتشي لكنه كان مما ساعد على نزع السلاح من أيدي المقاومة ضد الفاشية. ثم انقلبوا حين بدا أن الفاشية تقترب من النصر، لينادوا بإعلان إضراب عام، لكن الإضراب فشل بسبب قلة الأعداد أو انعدامها من الأساس.

كان حدس جرامشي يدفعه لمناصرة أرديتي، إلا أنه سحب الدعم عندما اتخذت قيادة الحزب الشيوعي قرارًا منافيًا. فقد أدرك أن الفاشية تعني تدميرًا شاملا لتنظيم الطبقة العاملة، بل ولأي منظمة مستقلة عن الدولة. لكن الحزب الشيوعي، مثله كمثل الآخرين، اعتقد أن وصول موسوليني إلى سدة الحكم لن يشكل سوى تغيير للحكومة، وأنه سرعان ما سيتم استيعابه في النظام البرلماني. أُجبر جرامشي مرّةً أخرى على التزام الصمت، أو حتى تكرار بعض ما قيل من هراء.

امتد الموقف اليساري المتطرف للحزب الجديد، ليصل لتحالف العمال، الذي أسسه في فبراير 1922 اتحاد البحارى مع الفوضويين والنقابيين من الاتحاد النقابي لمجابهة الفاشية. الشك في قدرة قيادات النقابة في مواصلة مقاومة الفاشية بكل عزم بالتأكيد يختلف عن عد محاولة نشر هذه المبادرة الوطنية لتصل لمقاومة محلية متحدة. كان الحزب الجديد غير متواصلٍ مع الطبقة العاملة واحتياجاتها، التي تفهمت خطورة الفاشية القاتلة. استولى موسوليني على الحكم في إيطاليا في أكتوبر لعام 1922، وقلل بورديجا من أهمية انتصار الفاشيين.

كانت ظاهرة الفاشية جديدة، ويمكن التسامح مع أيّ شخص لم يستطع تقديم تحليلٍ شاملٍ لها، أو لم يُقدَر مدى خطورتها. مع ذلك فقد أخطأ بورديجا خطأ بالغ عندما نظر للفاشية على أنها مجرد نوع مختلف من سياسات الطبقة الحاكمة التقليدية. أخذت الفرق الفاشية بعد استقرارها في الحكم تعربد حتى في تورينو. وأُخرست أصوات كل المعارضين والمستقلين مع زيادة نفوذ موسوليني، وحظرت كل المنظمات المستقلة عن الدولة أو الكنيسة.

أخذ عبء الدعم العلني لخط الحزب، الذي لم يكن جرامشي يتفق معه سرًا، يهدد صحته. وكان المخرج من ذلك عندما اتفق على أن يكون ممثل الحزب الشيوعي الإيطالي في الأممية الشيوعية. ووصل في نهاية 1922 في الوقت المناسب ليحضر المؤتمر الرابع للأممية الشيوعية، فتسببت كل العوامل مجتمعة، بدءًا من الإجهاد من العمل والعزلة والهجمة الفاشية، في انهيار عصبي له. تعافى جرامشي في روسيا. ثم بدأ، من موسكو ومن بعدها من موقعه الذي تلى ذلك في فيينا، في كفاحه من أجل استعادة الروح الشيوعية الإيطالية.

13- كفاح جرامشي من أجل إعادة الحزب إلى المسار

طرح جرامشي في 1924 أن الفاشية وليدة ظرف عجزت فيه البرجوازية والطبقة العاملة أن تعمل من أجل حلّ حاسم لأزمة المجتمع. ويعني هذا ببساطة أن الفاشية ليست بظاهرة إيطالية.

استولت الفاشية على الدولة بمعارضة النخبة السياسية الحاكمة القديمة، ولكنها لم تستبدل الطبقة الحاكمة القديمة بطبقة جديدة. كانت عائلة أجنيلي وغيرها مازالت مالكةً لشركة فيات وشركات صناعية أخرى. عارضت الفاشية الأشكال القديمة، وكذا أغلب أيديولوجية الدولة القديمة، خاصة ما يتعلق منها بضرورة قبول بعض الحلول الوسط مع الطبقة العاملة. انتهجت الفاشية بدلا عن سياسة التوافق القديمة، وتتلخص في قمع أي شكل من التنظيم للطبقة العاملة، وأي تنظيم مستقل عن الدولة أو الكنيسة. هذا ما كان يميزها عن أي شكل آخر من النظم الطبقية الحاكمة.

ازداد إحباط جرامشي أكثر فأكثر بسبب الطريقة التي كان الحزب الشيوعي الإيطالي يقدم نفسه بها، بصفته قائد الطبقة الحاكمة. فقال مشيرًا إلى علاقة بينية أكثر ديناميكية بين الحزب والطبقة العاملة والحركة الجماهيرية، مقارنة بالعلاقة التي كان يطرحها بورديجا، أنّه “لا يُنظر إلى الحزب كنتيجة لعملية جدلية، تلتقي فيها الحركات العفوية للجماهير الثورية مع الإرادة المنظمة والموجهة للمركز. وكان يُنظر إليه على أنه شيء معلق في الهواء، شيء يتطور بشكل مستقل معتمدًا على الذات، شيء ينضم إليه الجماهير عندما تحين اللحظة، وتكون الموجة الثورية في ذروتها…” (كتابات سياسية، 1920 – 1926 ص 198).

جاءت الفرصة المثلى للتطبيق العملي لمثل هذه السياسات، مع وقوع أزمة كادت تنهي الحكم الفاشي. شنّ ماتيوتي الإصلاحي الاشتراكي في أبريل 1924هجومًا ضاريًا على موسوليني في البرلمان الإيطالي. سُمع الديكتاتور وهي يقول لماذا لا يُفعل شيءٌ ما حيال هذا الرجل؟ وبعد بضعة أيام اختُطف ماتيوتي من شوارع روما، وفيما بعد وجِدت جثته خارج المدينة. وسرعان ما أُثبت أنّ فرقًا تعمل تحت إمرة موسوليني مباشرةً لها علاقة بعملية الاغتيال.

ترنح النظام وشُلّ داعموه. اجتاح الغضب؛ بسبب قضية الاغتيال والشعور بأن الأزمة ستجرف الفاشية. إلا أن نواب مختلف التياراتِ الاشتراكيةِ الليبراليةِ واليمينيةِ المنتقدة لعملية القتل، اكتفوا بالخروج من البرلمان؛ لينقلوا أعمالهم إلى مكان آخر في روما. دعا جرامشي لحملةٍ متحدةٍ مكونة من كل الأحزاب المناهضة للفاشية، لكن على أساس الحشد، مع الدعوة لإضراب عام ضد النظام.

حاول الحزب الشيوعي أن يحول المظاهرات العفوية إلى تحد أكثر قوة. ويقول جرامشي عن نمو الحزب الذي تلى: “إن حركتنا اتخذت خطوة جبارة إلى الأمام، توزيع الجريدة تضاعف ثلاث مرات، وفي كثير من المراكز تولّى رفاقُنا قيادة الحركة الجماهيرية، وقاموا بمحاولة نزع السلاح عن الفاشيين، وهتفوا شعاراتنا ورددوها أثناء تمرير الاقتراحات في اجتماعات المصانع. أظن أن حزبنا قد أصبح حزبًا جماهيريًا حقيقيًّا في هذه الأيام القليلة الماضية” (جيوزيبي فيوري وأنطونيو جرامشي: حياة الثوري، دار فيرسو 1990 ص174).

اعتبر جرامشي الديمقراطيين غير قادرين على قيادة المقاومة ضد الفاشية. كراهيته للديمقراطية البرجوازية كانت تظهر من تحت السطح، إلا أنه فهم أنه لا يكفي مجرد “كشف القناع”، أو شجب الديمقراطية البرجوازية، بل كان يجب اجتذاب الطبقة العاملة والمضطهدين إلى جانب الثورة.

كان حزب جرامشي من النوع التدخلي. رأى بورديجا أن الحزب يقوم بتكوين الكوادر التي ستعمل في اللحظة التاريخية المناسبة، أما جرامشي فقد رأى في الشيوعيين الجزء النشط واليقظ في كل حركة. كان على الحزب أن يصبح جزءًا مكملا للطبقة العاملة، حتى وإن كانت أغلبيتها مازالت مؤيدة للديمقراطية الاشتراكية.

استطاع جرامشي ما بين عامي 1924 و1926 أن يفوز بالسيطرة الحقيقية على الحزب، فأعاد تسليحه، وأبعده عن منهج بورديجا العصبوي. كتب جرامشي في يناير 1926، بالاشتراك مع بالميرو توجلياتي ويون تزيز، وثيقتَه الأنضج سياسيًا، ودليلَ إعادة تسليح الحزب وتحويله إلى قوة شعبية.

لم تستطع المعارضة، بكل أسفٍ، استثمار الغضب الذي نشب بسبب مقتل ماتيوتي، مما سمح لموسوليني أن يلتقط أنفاسه، ويعيد ترتيب الصفوف، وأن يعيد إحكام قبضته الديكتاتورية أكثر فأكثر. كان سحب الحماية من الملاحقة للنواب البرلمانيين من بين الإجراءات التي اتُخذت. قٌبض على جرامشي وسُجن. وقال القاضي أثناء النطق بالحكم: “علينا أن نوقف عقله عن العمل لمدة 20 عامًا”. ولكن الفاشيون أخفقوا في ذلك كما أخفقوا في أشياء كثيرة أخرى.

14- سنوات السجن

فُرض على جرامشي قضاء سنوات سجنه في عزلة تامة تقريبا، عدا بعض الشهور المليئة بالسعادة، والتي وجد نفسه فيها في جزيرة قرب صقلية مع شيوعيين آخرين ومناهضين للفاشية. وبالفعل ساءت صحته، كما هو منتظرٌ من هذا الوضع. أصابه، بين ما أصابه، مرض السل وتصلب الشرايين وداء بوت، الذي كان يأكل في عموده الفقري فتحلّل بدنُه. خشى أن يجبره ظرفه الصحي العسير أن يلتمس معاملة خاصة من النظام، إلا أنه لم يفعل أبدًا.

كانت إرادته الصلبة تدفعه إلى الأمام، فرغم كل شيءٍ عكف ما بين عامي 1929 و1935 على كتابة سلسلة من الكراسات التي خرجت في أمان رغم صعوبة ذلك. كُتبت كراسات السجن في ظروف فائقة الصعوبة، وفي ظلّ عدم توفّر أدبيات الماركسية الكلاسيكية، فقد كان عليه أن يستحضرها من الذاكرة.

حال المرض دون أن يستمر في الكتابة عام 1935، ثم أُطلق سراحه؛ لينقل إلى رعاية عيادة في روما، بعد ضغوط مارستها حملة دولية لتحريره، وعدد من ضحايا الفاشية. إلا أن الوقت كان قد فات وتوفى في أبريل 1937.

كُتبت الكراسات بشكل مشفّر حتى تفلت من رقابة السجن. فقد كان يشير بـ “فلسفة الممارسة” إلى الماركسية، وبـ “الأمير الحديث” إلى الحزب الثوري، مُستخدمًا نفس ما كان يُطلق على كاتب النهضة ميكيافيللي، وغير ذلك من الشّفرات. أبعدت العزلة جرامشي عن النقاشات الموسعة التي دارت في الحركة الشيوعية، مما صانه من التأثر بالستالينية، ولكن الأهم أنه لم يكن مدركًا تمام الإدراك لمدى تأثيرها. هاتان الحقيقتان سمحتا لمن جاءوا بعده أن يحاولوا الاستيلاء على كراسات السجن لتوظيفها لأغراضهم هم.

نشر الحزب الشيوعي الإيطالي أجزاء انتقائيةً منها بعد الحرب العالمية الثانية، واستخدمها منذ ذلك الحين لتبرير استراتيجية “المسيرة الطويلة من خلال مؤسسات الدولة الإيطالية” الخاصة بهم. وبمعنى آخر فقد استُخدم جرامشي لتبرير المسيرة البرلمانية تحقيقًا للاشتراكية، التي كان قد صبّ جام غضبه عليها. اختُزل كفاح جرامشي من أجل الهيمنة – أي القبول العام بأفكار معينة – إلى هدف كسب 51% من الأصوات.

وبعد مرور وقتٍ طويلٍ، ومع قرب انتهاء القرن العشرين، استغله جيل من الأكاديميين الدارسين لعلوم ما بعد الحداثة تبريرًا، كما ادعوا، لاعتقادهم أن الرسول والرسالة شيء واحد، وأن الهيمنة هي من أجل احتلال المواقع في الإعلام الجماهيري حتى يؤثر على الرأي العام.

الحقيقة أن كراسات السجن كانت تحمل بين طياتها حربًا، يشنها جرامشي ضد قيادة الحزب الشيوعي الإيطالي، الذين أصبحوا يتبعون توجيهات ستالين في موسكو. أعلن ستالين الذي كان يزداد ديكتاتورية في 1929، أن الرأسمالية تواجه أزمةً أخيرةً وأن وقت الثورة قد حان. وعليه فقد نادت قيادات الحزب الشيوعي الإيطالي على الفور بثورة لإسقاط الفاشية.

كان جرامشي يعلم أن هذا هراء خطير. لم تكن إيطاليا على حافة انتفاضة. راحت كل الجهود، التي بذلها لإعادة بناء الحزب وإعادة بوصلته ليقوم على بناء مقاومة موحدة ضد موسوليني، هباءًا منثورًا.

تفككت مجموعة البحث التي كان جرامشي مشاركًا فيها في السجن في بوليا، عندما كان يسوق حجته بأن الثورة لا يجب أن توضع على أجندة العمل القريب، وأن المهمة الملحة الآن بالنسبة للشيوعيين هي بناء جبهة متحدة مع مناهضي الفاشية الآخرين.

كان يرى أن هذه طريقة أمام الحزب للتدخل وحشد الجماهير، مع تقديم وجهتهم الخاصة عن جمهورية العمال القائمة على سوفيتات للعمال والفلاحين. صارح أخيه بمعارضته للخط الجديد، إلا أن الأخ قرر أن يحجب هذا الرأي عن توجلياتي وقيادة الحزب، خوفًا من أن يطرد جرامشي.

يجب قراءة كراسات السجن في ضوء هذا كله. وإذ أن جرامشي كان بعيدًا البعد كلّه عن رفض الثورة، فقد عاد لفكرة كيف يمكن تحقيقها في أوروبا الغربية، مع الحث على الصبر كفضيلةٍ ثورية. وكان جرامشي مازال يعتبر الانتفاضة المسلحة هي لحظة حسم الصراع، وأن أميره العصري، أي الحزب الثوري، مازال الكيان المركزي المنسّق والمُعمم.

15- الثورة في الغرب

تساءل جرامشي في كراسات السجن لماذا فشلت الانتفاضات الثورية التي اجتاحت غرب أوروبا في أعقاب الثورة الروسية؟ قال لينين وتروتسكي والقادة البلاشفة إن طريق الثورة سيكون أطول في الغرب من روسيا. عاد جرامشي لهذه الحجة وطورها، فقام بذلك بتعميق تحليل كارل ماركس للأيديولوجيا بشكل هام.

ركز محور كراسات السجن على الفوارق التي تواجه الثوار في غرب أوروبا وفي روسيا. وقال جرامشي إنّ “الدولة تمثل في الشرق كل شيء، والمجتمع المدني بدائي وفي وضعٍ ما بين بين، أمّا في الغرب فالدولة والمجتمع المدني يربطهما علاقة صحيحة، فكلما اهتزت الدولة ظهر على الفور البناء القوي للمجتمع المدني. (جرامشي، كراسات السجن ص 238).

كانت الطبقة الحاكمة بالنسبة لجرامشي أشبه بكائن القنطور الأسطوري، نصفه رجل والنصف الآخر حيوان، يحكم مستخدمًا القمع من خلال الدولة، وبموافقة المحكومين.

أما المجتمع المدني الروسي تحت سيطرة القيصر، حيث كانت إمكانية تنظيم حياة اجتماعية وسياسية خارج سيطرة الدولة المباشرة مُتاحة، فقد كان حديث النشأة. كان القبول الشعبي لحكم القيصر ضعيفًا، وكانت الدولة تعتمد مباشرة على استخدام القمع. كان هذا يعني بالتالي أن أي أزمة يمكن أن تتحول إلى مواجهة ثورية مع الدولة. وكانت مهمة الثوار أن يقودوا الهجوم المباشر على السلطة، كلما توفرت الفرصة. وأطلق جرامشي على هذا “حرب المناورة”.

استندت الطبقة الحاكمة في أوروبا الغربية من الناحية الأخرى على الرضا العام، وكانت لديها إمكانية الاعتماد على عدد متنوع من المؤسسات بداخل المجتمع المدني، الذي قام بتنظيم وتعزيز ذلك. وصفها جرامشي بأنها كسلسلة معقدة من الحفر حول حصن منيع، ألا وهو الدولة. فالمؤسسات، كالكنيسة والإعلام ونظام التعليم والأحزاب السياسية، تساعد على ضمان قبول الجماهير، وتسمح باستخدام القوة بحرص، وكسبيل أخير. كانت في الحقيقة بعيدة كل البعد عن تقليل التهديد الذي تمثله الدولة في الغرب، مما يعني أنها أقوى من الدولة في روسيا، ومن ثَمّ فعملية إسقاطها أصعب.

إذن، يجب أولا إضعاف الشبكات الداعمة للطبقة الحاكمة في المجتمع المدني، والأفكار التي ساعدت في ترسيخها في صراع أيديولوجي طويل، قبل أن يصبح الهجوم المباشر على الطبقة الحاكمة ممكنًا، هذا ما أسماه “حرب المواقع”. يجب على الشيوعيين أن يضعوا مهمة تفكيك حالة القبول التي تسمح للرأسمالية أن تحكم نصب أعينهم، مهما كانت مقيتة بالنسبة لهم.

فكيف تكسر الهيمنة، وتتحقق هيمنة منافسة ثورية؟

16- “الحس المشترك” و”الحس السليم

أكد جرامشي على ضرورة بناء تحالفات في إيطاليا، وذلك بشكل أساسي بين الطبقة العاملة في الشمال، والفلاحين في الجنوب. وكان يناصر استراتيجية الجبهة الموحدة كما قدمها لينين في المؤتمرين الثالث والرابع للأممية الشيوعية الثالثة في أوائل عشرينيات القرن العشرين.

كان الاستعداء العصبوي، تجاه إنشاء ونشاط مثل هذه التحالفات أو الجبهات المتحدة، نتيجة الأسلوب الميكانيكي المُتبع من قبل بورديجا وأتباعه، بالتهوين من الفاشية عن طريق وصفها بأنها شكل مختلف من أشكال الرأسمالية. وأصبح ستالين والكومنترن – الأممية الثالثة – يكررون الآن هذا الخطأ.

ما يحسم بناء هذه التحالفات هو تنمية القوى الثورية، وتعلمها من خلال الدعاية والتحريض. تلخصت مقاربة الجبهة المتحدة، التي كان جرامشي يؤيدها، في العمل مع الناس الذين نتوافق معهم في الرأي على بعض الأسس، ونختلف معهم على البعض الآخر. كما أنها تشمل أيضًا التعامل مع خليط الأفكار التي تدور في رؤوس الناس، أو ما أطلق عليه جرامشي مصطلح “الوعي المتناقض”.

حرص جرامشي على تمييز هام بين الأفكار التي تعكس “الحس المشترك” – وهي في الحقيقة أفكار الطبقة الحاكمة – و”الحس السليم” وهي الأفكار التي تشرع في التعبير عن الخبرة الواقعية للعمال ومصالحهم حتى وإن كان في البداية مجرد شعور الـ”هم ونحن”.

قال جرامشي، شارحا، أن الوعي الشعبي يحتوي على كل الأفكار الحديثة والتقدمية، مع بعض الفلتات الفظيعة. العامل، بالنسبة لجرامشي، قد يكون كائنا خارج العصر أو “أنتيكا” يمشي على قدمين، ويعبر عن كل أنواع الأفكار العنصرية والمناهضة للمرأة، ويكون في الوقت ذاته نقابيًّا مخلصًا لا يتعدى أبدًا حدود اعتصام. يتضمن “فكر” العمال عناصر من العصر الحجري إلى جانب مبادئ العلم المتقدم، والعصبيات من كافة المراحل التاريخية على المستوى المحلي، ومؤسسات الفلسفة المستقبلية التي تبشر باتحاد الجنس البشري في كافة أرجاء العالم. (جرامشي، كراسات السجن ص 324).

قد تدور في أذهاننا أفكارٌ متعارضة مع العالم. لخّص جرامشي هذا على النحو التالي: “قد نجزم دائمًا بأن للعامل وعيين نظريين، أو وعي متناقض، وعي غير ظاهر ويُستشف من نشاطه ويربطه عمليًا بزملائه من العمال في التحولات العملية في العالم الواقعي، ووعي ظاهر على السطح أو منطوق، ورثه عن الماضي واستوعبه دون تمحيص”. (جرامشي، كراسات السجن ص 333).

كيف يمكن فصل عوامل الـ “الحس السليم” عن “الحس المشترك” للحفاظ على تنمية “وعي طبقي حقيقي” لدى العمال؟ كيف للماركسية أن تنمّي أفكار العمال الإيجابية لتصبح نقدًا أكثر تماسكًا للعالم؟

أكد جرامشي على أن هذه العملية لا يمكن فرضها ببساطة من الخارج على يد الثوريين. فقد شدد على أن الموضوع “ليس موضوع إدخال شكل علمي للفكر على حياة كل فرد من الصفر، بل تجديد وجعل ما هو “حاسم” نشاطا موجودا فعلا. (جرامشي، كراسات السجن ص 331-330).

كما طرح نقطة هامة تفيد بأن العمال كثيرا ما يتصرفون بطريقة تتناقض مع ما يقولونه. كثيرا ما ينتفض العمال عفويا مع ظهور الصراع الخفي بين رأس المال والعمالة على السطح، رغم اعتناقهم للأيديولوجيا السائدة. قد يبدأ العمال بعد خروجهم من هذه المعارك في تطوير أفكار الجديدة.

مهمة الماركسيين حسب ما يرى جرامشي هي تطوير ما أخرجته مثل هذه المعارك من بصيرة “الفطرة السليمة” وعناصرها للعمال إلى منظور للعالم شامل معمم، يبدأ بخلق إرادة شعبية جماعية من أجل تغيير العالم.

قال جرامشي، بمراجعة خبرته مع الطبقة العاملة في تورينو، أن هذا التمرد العفوي للطبقة العاملة له أهمية حاسمة، لم يتعرض “عامل العفوية” هذا للإهمال أو حتى للازدراء. بل ازداد معرفة وتوجهٍ، ونُقِّيَ من العدوى من الخارج (جرامشي، كراسات السجن ص 198). نادى جرامشي بالمزج بين العفوية والقيادة والواعية. هذا النوع من العلاقة يتميز بالديناميكية المتبادلة بين الحزب الثوري والطبقة العاملة.

إذن، من أجل الفاعلية، لا بد من مأسسة الوعي الطبقي. ويجب أن يكون لها تعبير تنظيمي لضمان المحافظة على المكاسب من المعارك العفوية، وليسمح لها أن تكون واضحة وذات قوة.

17- أحزاب وطبقات

لكن إذا كان الماركسيون يحاولون أن ينمّوا “حسًا سليمًا” ليصبح وعيًا طبقيًا مكتملا، فهناك قوى أخرى تحاول هي أيضًا مأسسة وعي العمال المتناقض، بطرقٍ تعيق هذه التنمية، أو على الأقل توقفها عند نقطة محددة لا تتعداها. نجحت الأحزاب اليمينية في بعض الأحيان في أن تحشد العمال حول “حس مشترك” خالص للطبقة الحاكمة. فقد كان الحزب المحافظ في بريطانيا في الماضي على سبيل المثال يتلقى دعم أقلية مهمة من العمال أحيانًا.

بيد أن أحزاب الإصلاح الجماهيرية هي أهم تعبير عن تناقض وعي العمال. تبنّت الطبقة العاملة منظورًا سياسيًّا تقليديًا في تطورها، يبحث عن العدالة والمساواة والتغيير، ويقبل كذلك المنطق العام عن الحياة السياسية كما وضعتها الطبقة الحاكمة، والذي يقضي بأننا لا بد وأن نلتزم بالقواعد البرلمانية. نجد هنا مزيجًا من قبول أفكار الطبقة الحاكمة مع رفضها جزئيًّا، وذلك عندما نجد تعايشًا بين “الحس المشترك”، وعناصر من “الحس السليم” بداخل عقول أعداد كبيرة من العمال. وكنتيجة لذلك فقد شهدنا سيطرة أحزابٍ كحزب العمال في بريطانيا، والأحزاب الاشتراكية الأوروبية، وحزب العمال البرازيلي.

فهم جرامشي كذلك أن الطبقة الحاكمة لا تكتفي بشكل أساسٍ بضخ أفكارها من خلال وسائل الإعلام. فهذه الأفكار لا بد أن يتبناها الناس، وأن يدخلوها في حياتهم اليومية. اعتمدت الطبقة الحاكمة، حسب جرامشي، في إيطاليا على المدرسين والمحاميين والقساوسة والصحفيين؛ لبث هذه الأفكار في المجتمع لتترجمها إلى اللغة جماهير الشعب.

وتعتمد الطبقة الحاكمة على هذه الشبكات حتى الآن؛ لذا استمر الصراع الدائم في بريطانيا على مدار ثلاثة عقود من أجل توجيه المناهج في المدارس لتصبح أضيق ولتأخذ طابعًا أكثر تقليدية. إلا أن ساسة، مثل توني بلير، ينظرون للإعلام أكثر فأكثر على أنه أفضل طريقةٍ لتمرير رسالتهم. لكن الاعتماد ببساطة على الإعلام لتوصيل رسالة لمتلقٍ سلبي يحتمل أن يكون نقطة ضعف. فلا يوجد رابط فعال مع الأنصار يمكن أن يستخدم في حشدهم.

عندما شاركت بريطانيا في قصف العراق عام 2003 حاولت الحكومة نشر سلسلة من الأكاذيب تبرر دخول الحرب، إلا أنها لم تجد صدى. بدأت الحركة المناهضة للحرب، على الجانب الآخر، في بناء شبكات في البلاد لكسب تأييد لأفكارها، ليس هذا فحسب بل أنها بدأت أيضًا في حشد أعداد كبيرة جدًا. خلق هذا أزمةً في المستوى الأعلى من المجتمع، وأصاب توني بلير في مقتل. وقسم الحزب إلى حزب العمال الجديد، وأثار تساؤلات على نطاق واسع حول كيف تحكم بريطانيا.

كانت عضوية حزب العمال والأحزاب الأوروبية الشقيقة في الأصل مفتوحةً للجمهور، وكان نشطاؤهم متواجدين في كل مجتمعات الطبقة العاملة. فقد أصبحوا بمثابة حائط صد أمام بعض الأفكار الأكثر رجعية، إلا أنهم في لحظة تفاقم الصراع كانوا يعملون أيضًا لكبح انتفاضة الطبقة العاملة. تعمل النزعة الإصلاحية عملين، أولهما أنها تدافع عن مصالح الطبقة العاملة كالدرع، وثانيهما أنها تحول دون تقدمها أكثر كحاجز رئيسٍ. إلا أن هذه الجذور تندثر اليوم.

هكذا نعود إلى طبيعة العلاقة بين الحزب والطبقة العاملة والحركات الجماهيرية، وهي جوهر اهتمام جرامشي.

كان رد جرامشي على الادعاءات القائلة بأن الماركسية بلورة كريستالية، تسمح لنا بالتنبؤ بالمستقبل، هو أننا “نستطيع في الواقع التنبؤ علميًا بوقوع الصراع فقط، ولكننا لا نستطيع معرفة اللحظات المحددة لوقوعه، وهي حتمًا لا يمكن أن تكون إلا نتيجةً للقوى المعارضة في الحركة المستمرة، التي لا نستطيع أبدًا تقليلها لكميات محددة، حيث إن الكمية بداخلها تتحول إلى كيفية باستمرار. نستطيع في الواقع أن “نتنبأ” بقدر العمل وقدر المجهود المبذول طوعًا، ومن ثَمَّ أن نساهم بشكل ملموس لخلق النتيجة “المتوقعة” (جرامشي، كراسات السجن ص 438).

لا يُحسم الصراع بين الحس السليم والحس المشترك القديم بشكلٍ عفوي أبدًا. إنه صراعٌ يجب الانتصار فيه. وهنا يقول جرامشي أنه لابد من وجود شبكات من الثوار الحائزين على ثقة رفقائهم العمال في الصراع المشترك، الذين يستطيعون تقديم استراتيجية تضمن الانتصارات الجديدة على القديمة.

18- “الأزمة العضوية” المتنامية

عاش العمال تحت حكم ديمقراطي لأكثر من قرن في شمال غرب أوروبا، ولعقودٍ في ألمانيا وجنوب أوروبا، يتمتعون في ظله بحق التصويت والتنظيم، طالما أنّ ذلك لا يشكل تحديًا مباشرًا للنظام. فقد استفادوا من إصلاحات الرفاهة الاجتماعية، والحصول على تعليم ورعاية صحية، حتى وإن تقلصت قليلا في السنوات الأخيرة، ولم يشهدوا هبوطًا كارثيًا في مستوى الحياة.

ينبع المذهب الإصلاحي من ظرف يُمكِّن النقابات المهنية، على الأقل، من التدخل في تحديد الأجور والظروف أماكن العمل. قد تُقدم الأحزاب الإصلاحية، بداخل البرلمان وغرف المجالس المحلية، وعودًا بتوفير بعض التحسينات في الحياة اليومية، أو على الأقل تكون هي الدرع المنبعج الحامي للعمال من عصف السوق بهم.

جرت العادة أن النقابات المهنية تفرّق بين أهدافها الاقتصادية وأهدافها السياسية، ولا تتحدى الحكم الرأسمالي في حد ذاته، بل تطالب النقابات بمقعد على طاولة المفاوضات. أما عن استخدام السلطة الاقتصادية لجلب التغييرات السياسية فهذا أمر لا يُطرح. وتقبل الأحزاب الإصلاحية الشقيقة، في الوقت ذاته، بالنظام البرلماني، وبأعراف الدولة البرجوازية كحدودٍ لنشاطها.

الفريقان يقبلان بأن هذه “دولتهم” التي يدافعون عنها في وقت الحرب، وأنّ هذا هو “اقتصادهم” الذي يحمونه من المنافسة الأجنبية غير العادلة، وهذا هو “نظامهم القضائي” الذي يمتثلون له. أما بالنسبة لغالبية العمال والمضطهدين فلا يوجد في أغلب الأوقات سببًا يدفعهم لعدم الإيمان بأن النظام لا يمكن أن ينجح، طالما أنه انتُخب المرشحون والأحزاب المناسبة. فكرة أن السلطة لا بد من تنتزعها أيدي الطبقة العاملة لضمان التقدم الاجتماعي والاقتصادي، لا يؤمن بها إلا قلة.

شهد النظام الرأسمالي العالمي، على مدار العقود الثلاثة الماضية، سلسلةً من الأزمات الاقتصادية العظمى، تخللتها فترات ازدهار قصيرة، وحدثت على المستوى العالمي نقلةٌ من دولة رفاه إلى سوق حرة أو اقتصاد نيو ليبرالي وتوافق اجتماعي، تبعته نتائج كارثية. كما تغيرت توازنات القوى تمامًا مع زوال الاتحاد السوفيتي، وصعود الصين، وجهود الإمبريالية الأمريكية المتضافرة؛ لدعم هيمنتها وتثبيتها. تعاني بريطانيا من أزمة خاصة، وتحاول الطبقة الحاكمة البريطانية، منذ فترة، وقفَ هبوط بريطانيا، وإعادتها لمنحنى الصعود.

أدى هذا إلى أزمة عضوية في قمة الهرم الاجتماعي، مهدت الأرضية التي تُمكن “القوى المعارضة” من التنظيم على حد تعبير جرامشي. شهدت السنوات الخمس الأولي من القرن الواحد والعشرين مقاومةً متزايدةً للأجندة النيوليبرالية العالمية، ووصلت الحركة العالمية المناهضة للحرب إلى حجم غير مشهود. فقد شاهدنا في عدد من البلدان، وفي بريطانيا أيضا، تشكيلات يسارية جذرية تنشأ لتعلن رفضها لليسار المؤيد لاقتصاد السوق ذي الأرضية البرلمانية. تأخر الصراع الاقتصادي حتى الآن بسبب الهزائم التي مُني بها العمال في ثمانينيات وتسعينيات القرن الماضي، إلا أن ثمة مؤشرات تشير إلى أن هذا قد يتغير.

العديد من الحجج التي ساقها جرامشي حول طبيعة النزعة الإصلاحية وكيفية استمالة العمال للأفكار الثورية قد تكتسب حيوية جديدة في ظل هذا الوضع. لقد سيطرت الطبيعة المزدوجة للنزعة الإصلاحية وكيف يمكن استمالة العمال للأفكار الثورية على اهتمام جرامشي بعد الفترة الحمراء وانتصار الفاشية.

19- العمال والديمقراطية والثورة

قد يبدو تركيز جرامشي على العمال غير ذي أهمية لمن يعتقد أن الطبقة العاملة قوة تضمحل في العالم اليوم، ولكنها تنمو عالميًا، وأصبحت الآن وللمرة الأولى تشمل أغلبية سكان العالم. إن الظروف التي نجدها في مدن كساو باولو أو شانغهاي متشابهةٌ مع الظروف التي سادت في تورينو أيام جرامشي. الغالبية الساحقة من الناس في غرب أوروبا إما تعمل، أو تدرس لتجد عملا، أو تقاعدت عن العمل. تستمر المصانع الكبرى في الإنتاج بأرباح طائلة، وإذا كانت قوة العمل لديهم أقل، فإنّ ذلك يُمكّنهم من بسط سيطرة أكبر على عملية الإنتاج. إلا أن الكثيرين منا يعملون في مراكز الاتصالات والقطاع المالي والأسواق الضخمة والتوزيع، وغيرها من الوظائف التي تكون بشكل عام ضعيفة الأجر وغير مضمونة الدوام.

تجمّع الملايين في بريطانيا ليعارضوا الحرب على أفغانستان والعراق في 2002 و2003، وما تلاه من احتلال. فقد أدركوا أن الهمّ مشتركٌ. ولكن لم ينشأ، وبسبب عدم اندلاع الصراع بالقوة نفسها كما حدث في مكان العمل، الإحساس نفسه بالهوية الطبقية والسلطة.

وعليه لا يُعتبر الظرف – بالمقارنة بتورينو بعد الحرب العالمية الأولى – مختلفًا كثيرًا، حيث تكالبت قوة عمل جديدة على المدينة في طور التوسع، ثم عجزت مؤسسات الطبقة العاملة الموجودة عن الحشد والتنظيم. رأى جرامشي أن مجالس المصانع هي الأساس في خلق قوة جديدة من الطبقة العاملة.

كانت مجالس المصانع – أو أمكان العمل بالأحرى – الجنينية الحجم تنشأ على عجلةٍ مع كل صراع ثوري عظيم في القرن الذي تلي الثورة الروسية في 1905.

اجتاحت انتفاضة ثورية بوليفيا، في مايو ويونيو لعام 2005، وقد استولت خلالها مجالس شعبية على منظمات الطبقة العاملة، وأسقطوا حكومة نيوليبرالية كانت تحاول بيع موارد البلاد من نفط وغاز.

تعتبر الديمقراطيات الرأسمالية العادية أن لكل فردٍ صوتًا رسميًّا، وبالتالي فكلنا سواسية، إلا أن هذا غير صحيحٍ. ففي أيدي روبرت موردوخ ومحافظ بنك انجلترا سلطات لن تتوفر للأغلبية منا أبدًا. هناك فصلٌ ضخمٌ بين السلطة السياسية والاقتصادية، مما لا يترك لنا سوى هامشٍ ضيقٍ، قد يصل إلى 20%، للتدخل فيما يحدث في المجتمع، مع استبعاد البسطاء من أقل سيطرة على باقي الـ 80% من الاقتصاد أو السوق. تهدم مجالس العمال الحواجز الفاصلة بين السلطة السياسية والاقتصادية، ويلتقي الناس ويتخذون القرارات كمواطنين ومنتجين ومستهلكين.

إن تقسيمنا في دوائر جغرافية، بحسب النظام الانتخابي، تحجب حقيقة أن الفصل الرئيس هو فصلٌ طبقي، وليس وفق مناطق جغرافية، وأنه لا يوجد في هذه المناطق مجتمع “طبيعي”، ولكن تقسيمات كبيرة للثروة. تَجمَعُ ديمقراطيةُ مجالس العمال الناسَ على أساس النشاط الذي يهمين على حياتهم، أي علاقتهم بالعمل والاستغلال.

بعدما ننتخب رؤساء الوزراء وأعضاء المجالس لا سلطان لنا عليهم. أما في نظام مجالس المصانع يمكن استجواب أي ممثل وإخراجه بالتصويت. كما أن هناك تمثيلًا للعوام، ويتقاضى المندوبون نفس الأجر لمن يمثلونهم، لا أضعافه مرتين أو ثلاث مرات. تبذل الديمقراطية البرلمانية قصارى جهدها لتبعد الناس عن التدخل. يُوحى لنا كثيرًا أن السياسة شيء ممل، وهذا ما ينطبق فعلا على مجلس العموم. ولا يُسمح لنا كثيرًا بإبداء الرأي في أيٍّ من أمور الشرطة والجيش والإعلام والخدمات المدنية والقضاة.. إلى غير ذلك.

أما ديمقراطية المجالس فتعظِّم من المشاركة وتنهي ابتعاد الناس العاديين عن عملية اتخاذ القرار. إنها تُعطي للناس شعورًا بحجم قدراتهم، وتُبرهن أننا نستطيع إدارة الأمور. بل وتضع حدًا لهراء السنين، الذي قادنا للاعتقاد أننا غير قادرين على إدارة حياتنا.

تكرر تشكيل حركات العوام من الناس لمعارضة فئة المسئولين في النقابات المهنية. وتعتمد قدرتهم على التقدم خطوة أخرى نحو تحولها إلى مجالس مصانع على مستوى الصراع، ومستوى التعميم بداخل الطبقة العاملة. لا يستطيع الثوار استدعاء ذلك بفعل إرادتهم، ولكنهم يستطيعون تنمية حركة جماهيرية تحضيرًا لموقفٍ تتحول فيها التقاليد التي أرسوها لتصبح مجالس المصانع.

لا يوجد خيار انتظار هذه اللحظة أمام الثوار. فالدرس المستفاد من الفترة الحمراء في إيطاليا هو أن على القوة الثورية أن يكون لها تواجد قبل مجيء هذه اللحظة، أن تكون قوةً تدخل بنشاط في الصراعات اليومية للعمال، أو أن تكون، بعبارة أخرى، حزبًا. لا بد لهذه القوة الثورية أن تكون على صلة بجماهير العمال، الذين يتقبلون الأفكار الإصلاحية، ولكن يمكن التأثير عليهم من خلال خوض الصراع من أجل متطلبات الحياة اليومية، فينضموا في لحظة الأزمة إلى صف الثورة في النهاية. على الثوار أن يكونوا بجانب هؤلاء العمال في نقاباتهم، ولكن عليهم أن يعملوا طوال الوقت ليتصدوا لقبضة قادة النقابات العمالية والساسة الإصلاحيين المستغلين لنفوذهم لأجل كبح الدفع الثوري، واحتوائه.

يشير جرامشي في كراسات السجن إلى أن الأحزاب المتنافسة تستقطب الناس في لحظات الأزمة، حتى وإن كان هؤلاء الناس يرفضون الأحزاب بشكل مجرد. بمعنى آخر، يلتف الناس حول استراتيجيات بعينها، سواء أكانت إصلاحية أو ثورية. ولكن حسبما رأينا لا يستوي الاثنان، فواحدة تمثل “الحس المشترك” التي تشبّعنا بها منذ ولادتنا، والتي يؤكد عليها حزب العمال وقيادات النقابات المهنية وفصائل المعارضة من كل صنف، بينما القفز تجاه مجتمعٍ جديدٍ يعني التغلب على كل ذلك. قد تبدأ الثورات بشكل عفوي، إلا أنها لا تنتهي أبدًا على هذا النحو.

فهم جرامشي أن مجالس العمال لا يُخطّط لها ببساطة، ولا هي عفوية تمامًا. كلا العنصرين يجب أن يجتمعا بشكل فعال. واعتبر أن دور هذه المجالس هو أن تعمل كجسر بين الأقلية المنظمة في الحزب الثوري، والكتلة الكبيرة من العمال، الذين مازال لديهم ميل للأفكار الإصلاحية.

لا يستطيع حزبٌ صغيرٌ بمفرده تحريكَ هذه الملايين. كانت هناك في بريطانيا منذ 30 أو 40 عامًا شبكةٌ قويةٌ من ممثلي النقابة المنتخبين مباشرة، يتواجدون في مواقع العمل، مستعدين للتصرف مستقلين عن مسئولي النقابة. رأى الاشتراكيون إمكانية تنظيم هؤلاء؛ ليشكّلوا حركة جماهيرية قوية، قد تكون جسرًا لجماهير العمال، وترسي أساس مجالس العمال.

تعدت سرعة التجذير الحادث اليوم، بسبب الحرب والإمبريالية والنيوليبرالية، إيقاع الصراع الاقتصادي، إلا أن جيلا جديدًا من الثوريين عليهم أن ينشغلوا بسؤالٍ: كيف يمكنهم إعطاء هوية لقوة العمل الموجودة والتي لم تكتشف قدراتها بعد؟

كان جرامشي حليفًا قويًّا لتحقيق هذا، بل كان أكثر من ذلك.

Advertisements

تسعدني تعليقاتكم

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s