أنطونيو جرامشي.. ثوري

Posted: 23 فبراير 2016 in مختارات سياسية, خبرات نضالية
الوسوم:, , , , ,
 المقال باللغة الإنجليزية منشور في 8 يونيو 2015 على موقع الاشتراكيين الأمميين في كندا
ترجمة أشرف عمر
 الناشر وحدة الترجمة – مركز الدراسات الاشتراكية

يُعد أنطونيو جرامشي واحدًا من الرموز الماركسية القليلة التي حظت بشعبية في قاعات الجامعات والنشرات الأكاديمية خلال العقود الثلاثة الماضية. عادةً ما يُستشهَد بتأثير جرامشي النظري في الدراسات السياسية والثقافية والأنثروبولوجية، ويشهد له الكثيرون من النشطاء اليساريين بصياغة وتقديم مفاهيم نظرية مبتكرة ومفيدة عن النضال والرأسمالية.

مع الأسف، بعد انتشار دراسات جرامشي في الثمانينات والتسعينات، غالباً ما كانت أفكارة تُستخدم كتقديم لاستراتيجية إصلاحية لمشكلات المجتمع الحديث. فقط في العقد الأخير تمكن بعض الكُتَّاب الماركسيين من إعادة الاعتبار لجرامشي في القلب من التراث الثوري وإظهاره نداً عنيداً للحكم البرجوازى.

الحرب والثورة
في سنوات ما قبل اندلاع الحرب العالمية الأولى، كان جرامشي طالباً في جامعة تورين، وقد أجبرته الظروف المالية وضعف حالته الصحية على التخلي عن دراسته الجامعية، لكن بعد أن اكتسب معرفة كبيرة عن التاريخ والفلسفة.

لقد جلبت الحرب العالمية البؤس على العمال الإيطاليين من ناحية، والتوسع السريع في التجارة والصناعة من ناحية أخرى. أدى ذلك إلى زيادة كبيرة في حجم الطبقة العاملة الصناعية في مراكز صناعية كبرى مثل تورين وميلان وجنوة.

مع استمرار الحرب، تَحوَّل الخضوع إلى غضب نتيجة نقص الغذاء والتجنيد الإجباري ومصادرات الحكومة، مما دفع العمال والفلاحين للاشتباك مع الشرطة. في إيطاليا، خلَّفت الحرب 615 ألف قتيل، ونصف مليون عاجز ومليون جريح.

لكن كان للثورة الروسية في 1917 تأثير الشرارة على العمال والفلاحين في إيطاليا. الأنباء عن الإطاحة بالقيصر الروسي، وانسحاب الجنود وتمردهم، وتشكيل مجالس ديمقراية للعمال والفلاحين والجنود (سوفييتات) أعطت دفعة هائلة جديدة للعمال الذين عاشوا يعانون ويلات الحرب والقمع. انتفض العمال في إيطاليا وانتزعوا مطلب يوم عمل من ثمانِ ساعات.

السنوات الحُمر
عُرفت 1919 و1920 في إيطاليا “بالسنوات الحُمر”، فهذه السنوات قد شهدت اضطرابات اجتماعية حادة. في 1919 وحدها، كان هناك 1663 إضراب مصنعي، مقارنةً بـ 810 فق في 1913. أما في 1920، فقد خاض العمال 11 إضراباً، وفي نفس العام انخرط حوالي 2 مليون فلاح في الحركة. تحرك العمال بعشرات اﻵلاف ليحتلوا مصانعهم وليؤسسوا مجالهم المصنعية-منظمات “الحكم الذاتي” للطبقة العاملة – الشبيهة للغاية في طبيعتها بالسوفييتات في روسيا. وصلت الحركة إلى ذروتها في أغسطس 1920 حيث انضم عمال التعدين إلى زملائهم في تورين في إشعال موجة عارمة من احتلال المصانع.

كان جرامشي في ذلك الوقت عضواً بالحزب الاشتراكي الإيطالي، وقد ساهم في تأسيس “النظام الجديد”، التي كانت تعتبر جريدة عمالية غير تقليدية. في صفحات الجريدة، قدم جرامشي تصوره بأن مجالس المصانع هذه كانت تمثل مؤسسات للسلطة العمالية المستقبلية المحتملة: “الربط بين هذه المؤسسات والتنسيق بينها وتنظيمها في هيكل مركزي للإختصاصات والسلطات… يعني بناء ديمقراطية عمالية حقيقية اﻵن”.

بينما نما الحزب الاشتراكي الإيطالي بسرعة كبيرة خلال تلك الفترة، شهد الحزب انشقاقاً بين جناحية الإصلاحى والمتطرف، متخذاً موقف محايد تجاه احتلال المصانع. وفقاً لأنجيلو تاسكا، فقد كان لدى الحزب “نفسية طفيلية، كوريث مستقبلي يجلس بجوار رجل يحتضر (البرجواية)، معتقداً أن محاولة تقصير أمد سكرات الموت لايستحق ما قد يؤدي إليه من متاعب”.

وفي حين كان الفاشيون كامنين داخل هذه الأجنحة، كانت تنبؤات جامشي صادقة في تقييمه للموقف: “المرحلة الراهنة للنضال الطبقي في إيطاليا هي المرحلة التي تؤدي إما إلى ظفر البروليتاريا الثورية بالسلطة السياسية، والانتقال إلى أنماط جديدة في الإنتاج والتوزيع… أو رجعية هائلة تشنها الطبقات المتميزة والطبقة الحاكمة”.

جادل جرامشي بأن من الضروري بناء تحالف بين العمال في الشمال والفلاحين في الجنوب. استطرد موضحًا أن “الحزب لابد أن يغرس نفسه في حقائق النضال الطبقي… أن يحتل موقعاً يمثل فيه القيادة الحقيقية للحركة ككل”. مع الأسف، بقي الحزب الاشتراكى منقسماً بين أمثال تاسكا الذين اعتقدوا أن المجالس لابد أن تخضع لسيطرة الحزب، والآخرين الذي دافعوا عن مقاطعة كل الانتخابات أيا كانت مثل أمايدو بورديجا.

الثورة المضادة
من دون قيادة حاسمة، لم تتخذ الحركة الثورية أي اتجاه. لقد أدرك جرامشي أن احتلال المصانع ليس كالاستيلاء على السلطة السياسية، تشير الحركة إلى “الحد الذى تقف عنده سلطة البروليتاريا، ليس لها، لذاتها أو في ذاتها، موقعٌ جديدٌ محدد. تبقى السلطة بين أيدي الرأسمال، ولا تزال القوات المسلحة مملوكة للسلطة البرجواية”.

جاء الركود والموات في الحركة بعد انتهاء موجة احتلال المصانع، وكذلك أيضاً ارتفعت البطالة، كما شهدت نفس الفترة بدايات الهجوم الفاشي المضاد. وبحلول نهاية 1921، وصل عدد أولئك المنخرطين في فرق الفاشية إلى حوالي 300 ألف شخص. كانت الحركة العمالية في حالة تراجع، وفي نفس الوقت انخفضت عضوية الحزب الاشتراكي، والحزب الشيوعي المُشكَّل حديثاً إلى النصف.

في مايو 1922 سافر جرامشي إلى روسيا، باعتباره الممثل الجديد للحزب الشيوعي الإيطالي في الأممية الشيوعية لحضور مؤتمرها عانى جرامشي هناك انهيارًا عصبيًا، دون شك بسبب الضغوط الهائلة للوضع الإيطالي الصاخب المضطرب. وفي 28 أكتوبر 1922، عُين بينيتو موسوليني رئيساً للوزراء في إيطاليا.

الجبهة المتحدة
قضى جرامشي العامين اللاحقين في محاولات تأسيس “جبهة متحدة” ضد الفاشيين. لقد آمن بأن على الثوريين التكاتف وتوحيد مؤيديهم من العمال لمحاربة العدو المشترك، فالدور المتصاعد للفاشيين كان يعني إبادة كل المنظمات العمالية والحقوق الديمقراطية ليست إلا مسألة وقت.

في مايو 1924، عاد جامشي إلى إيطاليا بعد انتخابه في مجلس النواب، مما أعطى له حصانه برلمانية ضد الاعتقال. وخلال الصراع مع بورديجا، كان جرامشي قادراً على إعادة توجيه الحزب تكتيكياً من أجل بناء جبهة متحدة، واستراتيجياً من أجل الثورة. وفي الأشهر التي سبقت مؤتمر الحزب في ليون في فرنسا، ربيع 1926، قفزت عضوية الحزب المحدودة إلى 27 الف عضو. انتبهت الشرطة السرية الفاشية إلى أن الشيوعيين نجوا من القمع أكثر وأفضل من أي تنظيم آخر. حينها، بدأت حظوظ الحزب في النفاذ.

في “أطروحات ليون” الشهيرة، تَعَرَضَ جرامشي إلى فشل الثورة اﻹيطالية وما نتج عنه من انتصار للفاشية: “جاءت هزيمة البروليتاريا الثورية في هذه الفترة الحاسمة نتيجة أوجة القصور السياسي والتنظيمي والتكتيكي والاستراتيجي لحزب العمال… لم تفلح البروليتاريا في احتلال مكانها على رأس تمرد الأغلبية الكبيرة من السكان، والعبور منه إلى تأسيس الدولة العمالية… لذا، يجب أن يُرى انتصار الفاشية في 1922 ليس كانتصار على الثورة، بل كنتيجة للهزيمة التي تكبدتها القوى الثورية بسبب ضعفها الجوهري”.

في خريف 1926، جَرَّد موسولينى نُّواب البرلمان من حصانتهم. وفي 8 نوفمبر 1926، وألقت الدولة القبض على جرامشي وزجَّت به في السجن. وفي محاكمته، طَالبَ المدعي العام الفاشي بسَجن جرامشي “لإيقافعقلة عن التفكير لمدة عشرين عاماً”.

كراسات السجن
نجح الفاشيون بالفعل في عل جرامشي، بدنياً عن جماهير العمال، لكنه برغم ذلك كان قادراً على إنتاج قدر هائل من الكتابات في زنزانته، عُرفَت هذه الكتابات بـ “كراسات السجن”، وقد تناول فيها موضوعات شديدة التنوّع. من دور الأيديولوجيا والمثقفين إلى طبيعة الدولة والمجتمع المدني. كان مهتماً بشكل خاص بالثورة التي فشلت في سنوات 1919 و1920.

كتب جرامشي أيضاً عن أهمية وضرورة أن يشتبك الثوريون في معركة الأفكار، وأطلق على ذلك: النضال من أجل “الهيمنة”، تلك الكلمة التي تستخدم كمرادف لـ”القيادة”. هذا النضال من أجل الهيمنة له مساران؛ تحرير العمال من الأفكار التي تربطهم بالنظام الإجتماعى القائم، وربط الطبقات “الخاضعة”، مثل الفلاحين، في “كتلة” مع الطبقة العاملة.

من الضروري للغاية المجادلة ضد الأفكار المتخلفة و”الحس المشترك” اللذَين يربطا العمال بالنظام. الأفكار مثل العنصرية والقومية والتمييز ضد المرأة، على سبيل المثال، لابد من مواجهتها بجرعات كبيرة من “الحس السليم”، إذا كان للعمال أن يظفروا بعالم أفضل. أشار كارل ماركس إلى ذلك بـ”روث العصور الماضية” الذي لابد أن يُزاح، إذا كان للعمال أن يصيروا قادرين على الحكم.

التراث
من بين الروَّاد الماركسيين الثوريين، يمثل أنطونيو جرامشي رمزاً استثنائياً. كان فكره خلَّاقاً وروحه الثورية متوهجة بالحماس.

وعلى عكس ما يعتقده الكثير من “الجرامشيين الجدد”، لم يكن جرامشي يحتمل الإصلاحية، وقد آمن بكل ما أُوتي بأن العمال قادرين على صياغة مصيرهم. بهذا المفهوم، كان جرامشي شديد التمسك بتراث الاشتراكية من أسفل. يمكننا أن نتعلَّم الكثير من جرامشي ونحن نواجه الأزمة الاقتصادية وتهديد الفاشية، آملين مؤمنين بالثورة.

Advertisements

تسعدني تعليقاتكم

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s