تخفي

Posted: 29 فبراير 2016 in نصوص وخواطر
الوسوم:,

 

29 فبراير 2016

اقتنيت مؤخرا نظارة شمسية من الماركات العالمية، أحضرها لي صديقي الجميل “عاطف شحات” من الولايات المتحدة الأمريكية، علاوة على اتخاذي قرارا نهائيا بشراء سلسلة فضية (Cartier) كنت أتمنى أن ارتديها منذ ما يزيد عن ثلاثين عاما. هكذا تحققت كل أحلام حياتي القليلة والتافهة (التافهة هنا عائدة على أحلامي وحياتي معا) التي تمنيتها بشكل شخصي لنفسي.

جاءت النظارة في موعدها، فالتنكر وراء عدسات سوداء حتى لا يراني أحد هو مرادي الآن من علاقتي بالشارع، منذ زمن وأنا مبهور بصورة نادية لطفي وهي تمارس حياتها من خلف نظارة سوداء نهارا وليلا في فيلمها “النظارة السوداء”، بالطبع شتان بين جمالها وجمال عينيها حينما طلب أحمد مظهر منها أن يرفع النظارة من أعلى وجهها كي يرى لوزتين بطعم الحياة، وبين عيني الناعستين دوما اللتين تحيط بهما هالات سوداء كبيرة منذ كنت صغيرا.

كانت أخر قطعة في المحل بتخفيض كبير لماركة شهيرة (DIESEL) لذلك قرر عاطف شراءها رغم أنها، كما قال لي مرسلا صورته وهو يرتديها حتى أراها، (Mirrored sunglasses) بعدسات كالمرآة ترى من خلالها خارجك ولا يرى أحد منها غير صورته المنعكسة عليها. ورغم تسرب القلق بداخلي قليلا في البداية، إلا أنني تقبلت الفكرة حتى قبل أن يأتي من سفره ويعطيها لي، وبعدها أغرمت بها بشدة للدرجة التي جعلتني أنسى أي شيء في خروجي ولا أنساها، كأنها أصبحت قطعة من ملامحي.

أعلم تماما أن هذه النظارة ستضعني في مصاف الغامضين من كلاب حراس السلطة، ولكن بالطبع ملابسي المتواضعة ستبعدني عن هذه الشبهة على الأقل بالنسبة للمخضرمين، وكي أقطع الطريق على الناس العاديين في الشارع وعلى المقهى والأماكن التي أرتادها ولا يعرفني أحد فيها، أطلت لحيتي أو بالأدق تركتها وشأنها دون أن أشذبها وأهذبها تماما كشعر رأسي الذي أخذ في الطول هو الآخر. وكي أمعن في التخفي بشكل كبير بدأت أرتدي (Cap) هكذا اكتملت عناصر التخفي: نظارة سوداء عاكسة ولحية يتقاسمها الشعر الأبيض والأسود، وطاقية. طبعا لا داعي للاستظراف من عينة “شورت وفانلة وكاب” أو “طاقية الاخفاء” فليست لدي قدرة على احتمال الاستخفاف بمشروعي للتخفي.

التخفي هو الشعار الذي أرفعه حاليا في مواجهة الواقع والحياة اللذين لا انتمي لهما ولا يشبهاني في شيء، التخفي عن كل من لا يعرفني، ومحاولة نسياني لمن يعرفونني.. سيكون أمرا جيدا عن حق أن يتجاهلني الجميع، وأن يتحاشوا النظر إلى وجهي، لأنهم لن يروا وقتها سوى صورهم المنعكسة في مرآة نظارتي ووجه يغطيه الشعر بكثافة.. سيكون من الصعب عليهم بالتأكيد التحقق مني من خلال أنفي وشفتي وأذني فقط دون باقي وجهي، خصوصا أني ساستمر في خفض وزني حتى تصبح النحافة سمتي الوحيدة.

سأتخفى عن كل شيء، وساستمر في التخفي حتى أثناء النوم، سأنام بالنظارة والكاب كي لا يصادفني في الحلم شخص يعرفني ويشاركني التفاصيل دون رغبة مني، ساتخفى حتى من ملاك الموت فيضلني وتظل روحي هي المسيطرة على اختياراتي وعلاقتي بنفسي وبما تبقى من علاقتي بالحياة، سأتخفى حتى يصير التخفي اختفاء، ربما وقتها يكون العالم أجمل في عيوني حين أفارق حيزي الشخصي وأطلق العنان للبخار.

تسعدني تعليقاتكم

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s