كتاب (الثورة الروسية.. خبرات ودروس) 2 – كيف مُهّد الطريق للثورة الروسية؟ (آلان ماس)

Posted: 2 مارس 2016 in مختارات سياسية, خبرات نضالية, عمال وجماهير
الوسوم:, , , ,
آلان ماس
ترجمة: محمود نبوي
الناشر: وحدة الترجمة بمركز الدراسات الاشتراكية

إنَّ الثورة الروسية عام 1917 تذكرةٌ بأن النضالات التي تُغيّر العالم كثيرا ما تتخذ طرقا غير متوقعة، حيث تبدو احتمالات نجاحها ضئيلة.

كانت روسيا القيصرية، واحدة من أكثر الديكتاتوريات البشعة في التاريخ. حيث كان يعيش الغالبية العظمى من الروس في ظروف فقيرة، والتي تغيرت قليلا منذ قرون. كان الكل يخضع للسلطة الحديدية من قبل النظام القيصري والنبلاء الروس. وكان تأثير محاولات إصلاح النظام -أوفرض التغيير من خلال مؤامرات اغتيال فاشلة – ضعيفًا جدًّا في حياة الروس.

كانت روسيا حتى ذلك الوقت تُعِد للثورة التي أعطتنا اللمحة الدائمة والوحيدة عما سيبدو عليه مستقبل المجتمع الاشتراكي؛ حيث جماهير العمال هي التي تحكم المجتمع بشكل جماعي وديمقراطي.

إنّ الثورة الروسية هي قصة ملايين الناس ممن صنعوا التاريخ، هي قصة تحديد الجماهير لمصيرهم بالقوة – كما عبّر عنهاالزعيم الثوري الروسي ليون تروتسكي.

استمرت تجربة روسيا في ظل حكم الطبقة العاملة لبضع سنوات قصيرة. فقد أعاد نظام الثورة المضادة، الذي بُنيَ على أنقاض الثورة، إنتاج كل أشكال ظلم النظام القيصري القديم وقهره، وبرر لهم بخطاب الاشتراكية. بالرغم من ذلك، فإن الإنجازات التي حققتها الثورة -في إسقاط أحد أقسى الطغاة في العالم، وفي خلق الطرق الأولى للديمقراطية العمالية الجماهيرية، وفي إعادة مواهب وآمال مجتمع بأكمله – مازالت مصدر إلهام حتى اليوم.

تخلف اقتصادي واجتماعي                

كانت روسيا القيصرية متساوية مع الممالك الأخرى؛ من حيث الإسراف والغطرسة. ولكن في نفس الوقت كانت الدولة الأكثر تخلفا في أوروبا في باقي المجالات.

عاش 80% من السكان كفلاحين، مرتبطين بالأرض وخاضعين لطبقة النبلاء الإقطاعية. وفي مطلع القرن الـ 20، كان نصيب الفرد من الدخل في الولايات المتحدة أعلى من ثمانية إلى 10 مرات مما كان عليه في روسيا.

حكم القيصر ونبلاؤه هذا المجتمع بقبضة من حديد، واعتبروا إمبراطوريتهم متفوقة وراثيا عن الآخرين. تلك الإمبراطورية التي وصلت من طرف أوروبا عبر آسيا؛ “بسبب الفتوحات الهائلة التي كان من ضمنها 20 دولة مستعبدة”، كما قال الفوضوي إليزي ريكلوس.

عُرفت روسيا القيصرية بمعاداتها للسامية؛ “فمن الممكن تنفيذ أي نوع من المجازر، يشمل 10 أشخاص إذا أردت، أو 10 آلاف”، كما قال مسئول في الشرطة.

في كتاب تاريخ الثورة الروسية، يوضح تروتسكي فساد النظام القديم من خلال وصف القيصر نيكولاس الثاني:

“كان هذا الرجل التافه، الهادئ، المتزن، “المُربى جيدا”، شخصا قاسيا إلى درجة الإجرام. ولم تكن قسوته إيجابية فعالة تعمل لتحقيق أهداف تاريخية كقوة إيفان الهائلة أو قسوة بطرس، ولكنها كانت قسوة جبانة كقسوة شخص خائف من الإحساس بأنه محكوم عليه؛ فلقد هنأ في مطلع حكمه “رجال فوج فاناغوريا الشجعان” الذين أطلقوا النار على العمال. وكان يقرأ دائما “بكل شغف” كيف جُلد الطلاب “ذوو الشعور القصيرة” بالسياط الجلدية، وكيف هُشمت رؤوس أشخاص عُزّل من السلاح في معابد اليهود، كان ذلك الشخص “الجذاب” فاقد الإرادة والهدف والخيال، أشد رهبة وإجرامًا من كافة طغاة التاريخ القديم والحديث”.

وتأكيدًا لهذه النقطة، اقتبس تروتسكي من المذكرات الشخصية للقيصر – عندما كان كبار الوجهاء وعدد كبير من أفراد الدوائر الليبرالية يعيشون حالة قلق وخوف من تطور الأمور – ما يلي: “7 يوليو، الجمعة.  صباح مليء بالمشاغل. تأخرت نصف ساعة عن حضور غداء الضباط، وهبَّت عاصفة ثقيلة، وكان الجو خانقا. تنزهنا معا. استقبلت غوريميكين، ووقعت المرسوم الخاص بتعطيل اجتماعات مجلس الدوما (البرلمان الروسي)! تعشيت مع أولغا وبيتيا، وقرأت طوال السهرة”. إن إشارة التعجب المكتوبة بعد نبأ تعطيل اجتماعات مجلس الدوما، تمثل أقصى انفعالات القيصر.

كان هناك وجه آخر لروسيا في هذه السنوات الأولى من القرن الـ 20. ففي ظل الركود الاقتصادي والتدهور السياسي من النظام الإقطاعي القديم، وتطور الرأسمالية في مدن روسيا – والأهم في العاصمة بتروجراد – نتج عن ذلك بعض الظروف الأكثر تقدما في العالم.

لم تظهر الرأسمالية بنفس الوتيرة المتزايدة كما كانت في أوروبا الغربية، ولكن على المستوى التكنولوجي والإنتاجي كانت على نفس الخُطى بل تخطت الغرب. في عام 1914، في الولايات المتحدة، كان يعمل 17.8 في المئة من القوى العاملة في المشاريع العملاقة من 1000 عامل أو أكثر. ولكن في روسيا، وصل المعدل لـ 41.4%. وكان مصنع بوتيلوف في بتروجراد أكبر مصنع في العالم، ويعمل به أكثر من 30 ألف عامل في عام 1917.

كان لهذا”التطور المتفاوت”، على حد تعبير تروتسكي، العديد من العواقب السياسية. أولا، بينما كان النظام القيصري على رأس البلاد، كان يُعدّ للإطاحة به والمجىء بنظام أكثر ديمقراطية، وثانيًا فإنّ الطبقة التي أدت لهذه الثورات في الغرب -الطبقة الرأسمالية -كانت ضعيفة وخجولة ومتراجعة. وكانت البرجوازية الروسية تملك آلاف الطرق للسيطرة على الرأسمالية الدولية التي تمولها، وترتيبات وتنازلات شتى مع النظام القيصري.

وفي الوقت نفسه، ونظرا لتطور الرأسمالية السريع في المدن، بينما كانت الطبقة العاملة الروسية لا تزال أقلية في المجتمع ككل، كانت أكثر تقدما نسبيا من حيث التنظيم الطبقي، وبالتالي كانت الطبقة العاملة–على مستوى الوعي الطبقي-أكثر استعدادا بكثير لأخذ زمام المبادرة في النضال ضد النظام القيصري.

برميل بارود” ينتظر الانفجار

كانت المدن في روسيا عبارة عن “برميل بارود” من الظلم ينتظر الانفجار. فقد كانت ساعات العمل في المصانع الجديدة هي الأطول، وكانت الأجور متدنية. “حياة عامل الروسي، حتى في سان بطرسبرج، كانت مظلمة وفقيرة بشكل قاسي”، كما كتب المؤرخ الاشتراكي فيما بعد. “وكانت وسيلة الترفيه الوحيدة للعامل هي الحانة؛ وكانت عائلته لا تملك شيئا على الإطلاق”.

أعلن القيصر في عام 1904حربًا كارثية ضد اليابان سرعان ما تسببت في المزيد من نقص الموارد والفقر.

عند وصول الوضع إلى مرحلة حرجة وحاسمة، لم يتجه العمال نحو الاشتراكيين في روسيا، بل اتجهوا لأحد القساوسة وهو “الأب جابون”، الذي كان على قمة جمعية عمال المصانع والورش الروسية، وهي نقابة حكومية بوليسية معترف بها من قبل النظام.

نظم جابون في يناير 1905مسيرةً إلى “قصر الشتاء” لمناشدة القيصر -اعتبرتها الأغلبية هادفة، ولكنهم خُدعوا من قبل “مستشاري السوء” -لإجراء إصلاحات. فتح جنود القيصر النار على المتظاهرين العُزل، مما أسفر عن مقتل أكثر من ألف عامل وأسرهم.

فجّرت هذه المجزرة -المعروفة باسم الأحد الدامي -الإضرابات الجماهيرية، واضطر أصحاب المصانع للموافقة على تقديم بعض التنازلات، التي سبق وطلبها المتظاهرون من القيصر.

امتدت الثورة إلى الريف، فأحرق الفلاحين 2000 عقار من عقارات المُلّاك، ووزعوا مخزوناتها بينهم. تمرد الجنود الروس بسبب الحرب خاسرة ضد اليابان. تمردت البحرية أولا، واستولى البحارة على السفينة الحربية “بوتميكين” لصالح الثورة.

اتجه النظام إلى تجربة تكتيك جعل اليهود فيه كبش فداء، وأطلق العنان للمئات من العصابات السوداء التي تخصصت في المذابح. نُفَذت الاعتداءات -بتواطؤ من مسؤولين حكوميين – وانتشرت بمرور الوقت، ولكن ليس في المناطق التي كان يسيطر عليها العمال والجنود. ففي بتروجراد، على سبيل المثال، لم يكن هناك مذابح بسبب التدابير المتخذة من قبل منظمات العمال، والتي شكلت ميليشيات مسلحة ضد العصابات السوداء.

حاول القيصر ونظامه استعادة السيطرة على الوضع من خلال تقديم تنازلات. واتفق الجانبان على تشكيل مجلس الدوما، على الرغم من أنه لن يكون له أي سلطة حقيقية ولن يمثِّل العمال أو الفلاحين. في أغسطس، قررت الحكومة الدخول في الحرب الكارثية.

ومع ذلك، استمر تمرد العمال وبلغ ذروته، وبدأوا إضرابًا عامًا في أكتوبر، والذي قاده العمال في موسكو، وامتد إلى بتروجراد ثم إلى المدن الأخرى عبر السكك الحديدية.

اضطر القيصر إلى أن يعد العمال بعمل دستور. وبعد شهر آخر من المعارك كان النظام واثقًا بما يكفي في قدرته على قمع التمرد ومحاولة اعتقال زعماء الطبقة العاملة.

استعاد النظام السيطرة على البلاد في نهاية المطاف، ولكن ليس قبل أن تعطي الثورة الريادة إلى السوفييت، أو مجلس العمال – في أول ظهور لقوة جديدة تقف أمام النظام القديم، ويمكن من خلالها أن يمارس جماهير العمال سلطتهم.

نمت السوفيتات من قلب المجالس التي شُكلت لتنظيم النضال في أماكن العمل. حيثُ انتُخب ممثلو المصانع لتلبية القرارات في الأحياء واتخاذها، ومن ثم على مستوى المدينة.

وصف تروتسكي – الذي انتُخب رئيسا لسوفييت بتروجراد في سن 26 عاما – كيف تتركز كل قوى الثورة في نظام مجلس العمال:

“كانت المنظمة المخولة، وحتى الآن ليس لديها أي تراث، فقد ضمت كتلا متفرقة من مئات الآلاف من الناس في حين تفتقد عمليا أي أجهزة تنظيمية، ووحدت التيارات الثورية في البروليتاريا، وكانت قادرة على الحكم والسيطرة بشكل عفوي، والأهم من كل هذا، كانت تخرج من تحت الأرض في 24 ساعة”.

كان الثأر من أولئك الذين شاركوا في تمرد 1905له أثره على الحركة. إن ثوار روسيا في الحزب البلشفي، والذي لعب دورا هاما في 1905، أشاروا إلى بقية العقد باسم “سنوات من رد الفعل”. ومع ذلك، كان تقييم الزعيم البلشفي لينين بأن “ليس علينا سوى الانتظار. ستأتي 1905 مرة أخرى. هذه هي الطريقة التي ينظر بها العمال إلى الأمور”.

جاءت 1905 مرة أخرى، وبسرعة أكبر مما توقع الكثيرون. وبالفعل خلال ما يزيد قليلا على عقد من الزمان. جاءت حرب إمبريالية أخرى، هي الحرب العالمية الأولى هذه المرة – استقبلت في البداية بحماس وطني، ولكن سرعان ما تحول الحماس إلى إحباط بسبب الظروف التي جلبتها تلك الحرب.

ومرة أخرى، تولى عمال بتروجراد زمام المبادرة. حيث تركوا في اليوم العالمي للمرأة عام 1917 وظائفهم للمشاركة في مظاهرات عفوية ضد الحرب ونقص المواد الغذائية -فيما أصبح اليوم الأول للثورة.

تسعدني تعليقاتكم

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s