كتاب (الثورة الروسية.. خبرات ودروس) 3 – ثـورة فبراير (كرستين روبرتس)

Posted: 3 مارس 2016 in مختارات سياسية, خبرات نضالية, عمال وجماهير
الوسوم:, , , ,
كرستين روبرتس
ترجمة: محمود نبوي
الناشر: وحدة الترجمة بمركز الدراسات الاشتراكية

كتبت الثورية البولندية روزا لوكسمبورج، قائلة إن البشرية تواجه خيارين، إما الهمجية المستمرة للرأسمالية أو التحول الثوري للمجتمع لخلق عالم يصلح للعيش فيه. ظهر هذا الاختيار بشكل صارخ في السنوات ما بين 1914 و1917، في شكل مذابح الحرب العالمية الأولى. كان اندلاع الحرب العالمية في عام 1914 نقطة تحول، فقد مزقت قناع “التقدم” الذي كانت ترتديه الثورة الصناعية لتكشف النقاب عن الصراع الإمبريالي ووحشيته.

كانت الحرب العالمية الأولى نتاجًا بشعًا للرأسمالية، كما ساعد التصنيع السريع في أواخر القرن التاسع عشر وأوائل القرن العشرين في انتشار الرأسمالية في جميع أنحاء العالم، وأصبحت أغنى الدول حبيسة التنافس على الموارد والأسواق في العالم.

كانت أكثر الجوانب المروعة للحرب هي عدم التوافق بين استخدام تكتيكات الحرب للقرن التاسع عشر، وأسلحة القرن العشرين، مثل المدافع الرشاشة والأسلحة الكيميائية. وساهم ذلك في خسائر بشرية هائلة، حيث قتل عشرة مليون شخص نتيجة الحرب، وفقدت روسيا وحدها ما يقرب من 2 مليون نسمة.

استُخدمت حرب الخنادق على نطاق واسع في الحرب العالمية الأولى، وكان حفر الجنود خندقًا لأنفسهم تحت الأرض لفصلهم عن العدو في “المنطقة المُحرَّمة” من أبشع المشاهد؛ لأنه غالبا ما يكون قبرًا لهم.

جرت في مدينة فيردون الألمانيةأطول معركة في الحرب، فقد أطلقت حوالي 100 قذيفة في الدقيقة لمدة خمسة أشهر، وكان مجموع القذائف 23 مليون قذيفة. قاتل ما يقربمن مليوني جندي في فيردون، وفي نهاية المعركة كان نصفهم قد قضوا نحبهم. وفي النهاية كانت خطوط المعركة تقريبًا حيث كانت في البداية.

وقفت روسيا ضد ماكينة الحرب الألمانية المتفوقة تقنيًا واقتصاديًا، وألقى القادة الروس جبلاً من الجثث البشرية أمام تلك الماكينة؛ وبالطبع كانوا من الفلاحين الفقراء الذين لم تكترث الدولة لأرواحهم. وقعت المعركة الكبرى الأولى على الجبهة الشرقية، عندما حاصرت القوات الألمانية الجيش الروسي ودمرته في معركة تانينبرج. قُتل ما يقرب من ربع مليون جندي روسي في هذه المعركة، بسبب عدم كفاءة جنرالات القيصر.

بالإضافة إلى هذه المأساة، تخلت الغالبية العظمى من الأحزاب السياسية للطبقة العاملة في جميع أنحاء أوروبا عن موقفها السابق ضد الحرب. وأدى هذا إلى إحباط وإرباك للحركة العمالية الأوروبية. بينما كان الحزب البلشفي في روسيا، بقيادة لينين، من القلائل الذين حافظوا على الموقف الأممي المُعارض للحرب.

ثورة عارمة

تسببت همجية الحرب الحمقاءفي انهيار النظام القيصري في روسيا ودخوله في أزمة عام 1917. خسرت الإمبراطورية الروسية 25% من أغنى أراضيها أمام ألمانيا، بالإضافة إلى قتل وإصابة وأسر حوالي 6 ملايين جندي روسي.

واكب الدمار الذي أحدثته الحرب، انهيار كبير في الاقتصاد الروسي. وارتفعت الأسعار وأصبحت أعلى بكثير من الأجور، وتناقصت المواد الغذائية والوقود. وفي أوائل عام 1917، كانت تقضي المرأة العاملة من بتروجراد 40 ساعة في الأسبوع في طابور الخبز.

وصل فساد النظام القيصري وانعدام كفاءته إلى أعلى مستوياته داخل المجتمع الروسي، حتى أن هذا دفع بعض الموالين للقيصر “نيقولا” الثاني للتحرك ضد نظامه. انتشرت الإضرابات والمظاهرات المطالبة بتحسين الأجور والتحكم في الأسعار ومعارضة التربح من الحرب، وازدادت في الأعداد والنضالية خلال عامي 1915 و1916.

ذكر تقرير للشرطة في أوائل عام 1917 إن الطبقة العاملة في روسيا كانت:

“على حافة اليأس، أي انفجار بسيط، ومهما كانت الذريعة تافهة، سيؤدي إلى أعمال شغب لا يمكن السيطرة عليها، عدم القدرة على شراء السلع، والإحباط من الانتظار في الطوابير، وارتفاع معدل الوفيات نظرا للظروف المعيشية السيئة، والبرد بسبب نقص الفحم. كل هذا خلق حالة استعداد عند معظم العمال للشروع في تجاوزات وحشية وأعمال شغب بسبب نقص الغذاء”.

تحول هذا اليأس في 23 فبراير 1917 (8 مارس)إلى ثورة. كان هذا هو يوم المرأة العالمي، احتفل الاشتراكيون والطبقة العاملة بنضالات النساء العاملات لتحرير أنفسهن وطبقتهن. كما كتب ليون تروتسكي، أحد قادة الثورة الروسية، بعد ذلك:

“الحلقات الاشتراكية الديمقراطية كانت تنوي تنظيم الاجتماعات وإلقاء الخطب وتوزيع المنشورات. لم يتخيل أحد أنه قد يصبح اليوم الأول للثورة. لم تدع أية منظمة للإضراب في ذلك اليوم”.

ولكن عاملات النسيج في بتروجراد بدأن الإضراب، وجررن خلفهن الحزب البلشفي الذي كان يقود عمال المعادن في مقاطعة فيبورج. بادر الحزب البلشفي – حزب العمال الأكثر ثورية في روسيا – بحثّ عضويته على عدم المشاركة في الإضرابات، خوفاً من عدم استعداد الحركة العمالية حتى الآن للدفاع عن نفسها ضد القمع الذي لا مفر منه من قبل الحكومة.

ولكن البلشفية اتجهت إلى تطوير التمرد، بنشطاء أكثر من الحزب لهم خبرة على أرض الواقع ليأخذوا زمام المبادرة، كما أن الجماهير اتخذت إجراءات أكثر حسماً. وفي نهاية اليوم العالمي للمرأة، كان حوالي 90 ألف عامل قد شاركوا في الإضراب. وفي اليوم التالي، انضم حوالي نصف عمال بتروجراد للإضراب، وخرجت أعداد كبيرة للتظاهر في الشوارع. كتب تروتسكي أن “شعار “الخبز” سرعان ما استُبدِلَ بشعارات أخرى: يسقط الاستبداد، تسقط الحرب”.

في اليوم الثالث، انضم عدد كبير من الجنود الذين حُشِدوا لسحق المظاهرات إلى الثورة، وأطلقوا النار على مراكز الشرطة لتحرير السجناء السياسيين. ومنذ رفض سلاح المشاة إطلاق النار على الشعب، اعتمدت الحكومة على نخبة قواتها وأكثرها موثوقية “القوزاق”. ولكنهم أيضاً رفضوا إطلاق النار على العمال.

بدلاً من ذلك، وفقاً لشهود عيان كانوا في المظاهرة، تآخى القوزاق مع المتظاهرين. وكان القادة يراقبون الجنود وهم يسمحون للمتظاهرين بالمرور بلا حول ولا قوة، وكانوا يتظاهرون بأنهم لا يلاحظون زحف العمال تحت خيولهم وفي الشوارع.

في 27 فبراير، بدأت ثكنات الجنود الفلاحين في المدن، والذين تدربوا على اتخاذ دورهم في الخنادق على الجبهة، في التمرد علناً، ووقف الجنود إلى جانب الثورة. حُشدت أعدادٌ كبيرة من هؤلاء الجنود من قبل العمال الأكثر نضالية للاستيلاء على مراكز الشرطة واعتقال المسئولين الحكوميين وضباط الجيش الموالين للقيصر، وطرد القوات الموالية للحكومة خارج المدن.

هرب بعض وزراء القيصر وأُلقيَ القبض على البعض الآخر. وأخيراً، في 2 مارس، انتهت ثلاثة قرون من حكم رومانوف، عندما تنازل القيصر عن الحكم.

الحزب البلشفي والثورة

الكثير من التحركات الأكثر حسماً للثورة والتي أسقطت القيصر كانت عفوية ولم يكن مُخطط لها. ولكن من الخطأ أن نتجاهل الدور الحاسم للثوار ذوي الخبرة في أماكن العمل وداخل الجيش خلال انتفاضة فبراير، خاصةً أعضاء الحزب البلشفي الذين لعبوا دوراً رئيسياً في الإضرابات، والمعارك في الشوارع والمظاهرات.

لم يتنبأ أي حزب يساري بالتاريخ أو المسار الدقيق الذي ستتخذه الثورة، وكان واضحاً للجميع – باستثناء القيصر الأحمق – أن المجتمع الروسي يواجه أزمة شديدة أدت إلى تداعيات الثورة.

برز الحزب البلشفي، ولكن ليس لقدرته على التنبؤ بانفجار الثورة، بل لتفانيه في توجيه قوة العمال في تغيير المجتمع منذ الثورة الروسية الأولى عام 1905. وتأثير هذه الأفكار – التي ناد بها عدد من نشطاء الحزب ذوي الخبرة في أماكن العمل في روسيا – كان له أهمية حاسمة في قيادة الثورة إلى النصر.

مرة أخرى، شرح تروتسكي الديناميكية:

“المذهب الغامض للعفوية لا يشرح شيئاً… داخل الطبقة العاملة، كانت تجري عملية مستقلة وعميقة للنمو، ليس فقط لكراهية حكامهم، ولكن للفهم النقدي لعجزهم، ولتراكم الخبرات والوعي الخلّاق الذي يكمل تمردهم الثوري ويؤدي لانتصارهم.

ورداً على سؤال، “من الذي قاد ثورة فبراير؟”: بشكل قاطع هم العمال ذوو الوعي الذين تدرب الجزء الأكبر منهم في مدرسة حزب لينين”.

كانت ثورة فبراير منارة لإلهام العمال والمظلومين في جميع أنحاء العالم. وقد كان بديل الرعب من الحرب العالمية الأولى هو الإطاحة بمن قادوا البلاد للحرب.

كتب الصحفي الإنجليزي مورجان فيليبس برايس، الذي كان في روسيا في ذلك الوقت، من روح هذه الأيام الدامية:

“كنت أعرف أن هذا سيحدث عاجلا أم آجلا، ولكن لم أعتقد أنه سيحدث بهذه السرعة. كل البلد كانت في سعادة عارمة، ويلوحون بالأعلام الحمراء ويغنون (النشيد الثوري الفرنسي). لقد تجاوزت الأحداث أحلامي، وبالكاد أصدق أن هذا حقيقي. عاشت روسيا العظمى، التي أنارت للعالم الطريق إلى الحرية. فقد تحزو ألمانيا وإنجلترا خطواتها”.

خطت الطبقة العاملة الروسية والفلاحون الخطوات الأولى نحو تحررهم. بدأ العمال والجنود بتشكيل مجالس عبر روسيا، مباشرةً بعد تنحي القيصر، كما كان الحال في عام 1905.

ولكن في حين أثبتت الطبقة العاملة في فبراير أنها قادرة على إسقاط ذلك النظام المكروه والفاسد، أثبتت أيضاً أنها غير قادرة على تولي السلطة. وبدلاً من أن تبقي السلطة في قبضتها، كانت مازالت في أيدي الطبقة الرأسمالية في روسيا.

وسوف تُثبت المقالات القادمة أن هذا التناقض الظاهري لن يستمر طويلاً.

تسعدني تعليقاتكم

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s