كتاب (الثورة الروسية.. خبرات ودروس) 4 – لينين يُعدّ البلاشفة (تود كريتيان)

Posted: 4 مارس 2016 in مختارات سياسية, خبرات نضالية, عمال وجماهير
الوسوم:, , , , ,
تود كريتيان
ترجمة: ندى المخزنجي
الناشر: وحدة الترجمة بمركز الدراسات الاشتراكية

أطاحت ثورة فبراير في 1917 بسلالة رومانوف واستبدلتها بحكومتين متتاليتين. الحكومة المؤقتة الأولى شُكِّلت بشكل خاص من ملاك الأراضي الكبار والرأسماليين الأغنياء. صار الأمير “لفوف”، أحد الأرستقراطيين الكبار، رئيسًا للحكومة، بينما أصبح أليكساندر كرينسكي، المحام الراديكالي وعضو الحزب الثوري الاشتراكي، وزيرًا للعدل؛ مما أعار الحكومة نفحة من الراديكالية.

طالب “لفوف” بتحالف بين القادة العسكريين والطبقات الحاكمة، وقطاعات عريضة من الإنتلجنسيا والفئات الأكثر تحفظًا من الطبقة العاملة والفلاحين. على الجانب الآخر مثّلت سوفييتات العمال والجنود والفلاحين كل فئات العمال في المدن والجنود في الخنادق وقطاعات واسعة من الفلاحين. وبينما استندت الحكومة المؤقتة على السلطة القانونية لهيئة التشريع الاستشارية التابعة للقيصرية (عديمة الصلاحيات)، والتي انتخبت باقتراع محدود، انتُخب مندوبو السوفييتات مباشرةً، وكان من المُتاح استدعائهم من مناصبهم على الفور.

على الرغم من أن هذا لم يكن واضحًا لجميع المنخرطين في الأمر، إلا أن  شكلي الحكومة كانا متناقضين بطبيعتهما كنتيجة للتناقضات القصوى بين احتياجات الطبقات الحاكمة للربح والحرب، ورغبات الطبقات المقهورة في الأرض والخبز والسلام.

حوربت ثورة 1917 الروسية حول أيُّ شِق من هذه السلطة المزدوجة سيحل محل الشِّق الآخر، وكما حوربت حول مواقف الأحزاب السياسية المختلفة تجاه هذه المواجهة.

الحركة الاشتراكية الروسية

الأحزاب المحافظة والليبرالية المسيطرة على الحكومة المؤقتة أدركت أن السوفييتات كانت قوية بحيث من الصعب محوها هكذا ببساطة، بمجرد التمني. ولم يعد القمع العسكري الذي استخدمه القيصر خلال ثورة  1905 ممكنًا لتدمير السوفييتات؛ لأن الجنود أصبحوا ينظرون إلى المجالس العمالية على أنها حكومتهم الشرعية المنتخبة.

وهكذا قضوا مدتهم آملين أن تتراجع الموجة الثورية وتقدم لهم فرصة قمع السوفييتات. وفي هذه الأثناء قاموا بما في وسعهم لاستكمال مشاركة روسيا في الحرب العالمية الأولى، وللدفاع عن ملاك الأراضي واحتواء للحركة العمالية المصنعية.

كان الثوريون الاشتراكيون (وهو حزب عريض يمثل الفلاحين الأثرياء والمحترفين والطلاب والعمال وضباط الجيش ذوي الرتب الصغيرة، وخصوصًا الجزء الأكبر من الفلاحين المجندين) منقسمين انقسامًا عميقًا. من ناحية، كان كرينسكي قد انضم إلى الحكومة المؤقتة، وتبعه قادة الثوريين الاشتراكيين الآخرين. ومن ناحية أخرى حظى هؤلاء بأغلبية في السوفييتات مباشرة بعد تكوينها.

أمل الاشتراكيون أن الحكومة المؤقتة في نهاية الأمر ستضع حدًا للحرب، وهو ما كانوا سيدعمونه دعمًا نقديًا، بالإضافة إلى تفعيل الإصلاح الزراعي، وكذلك ضمان حق الاقتراع المتساوي وديمقراطية الانتخابات.

أما المناشفة (الجناح الأكثر اعتدالاً في الحركة الاشتراكية الروسية)، فقد رفضوا الانضمام للحكومة المؤقتة في البداية، وكانوا مُمثَلين بغزارة في السوفييتات، خصوصًا سوفييتات العمال. كان لديهم أيضًا آراء متفاوتة حول السلطة المزدوجة، نابعةً من الأمل أن كلتا المؤسستين يمكن أن تعملا معًا كنوع من الحكومة المتحدة من المنازل العليا والدنيا، إلى جناح راديكالي أكثر أملاً في إجبار السوفييتات الحكومة المؤقتة على إنهاء الحرب وتنفيذ إصلاحات لها معنى.

بعض المناشفة دعموا استمرار الحرب بشكل دفاعي وآخرين كانوا مع الإنهاء الفوري لها. كما دعم جميعهم إصلاحات مثل يوم عمل من 8 ساعات فقط، ولكنهم آمنوا أن البرجوازية يجب بالضرورة أن تحكم روسيا بينما تظل الطبقة العاملة معارضة راديكالية مطيعة.

على الجانب الآخر، كان البلاشفة (الجناح الراديكالي من الحركة الاشتراكية الروسية) أيضاً منقسمين. بعض القادة، مثل جوزيف ستالين وليف كامينيف والعديد من الكوادر القيادية القديمة، كان لديهم موقفًا مماثلاً من الحكومة المؤقتة كجناح أيسر للمناشفة. وهكذا لم يثقوا في الحكومة المؤقتة لإنهاء الحرب أو لتنفيذ إصلاحات، بل رأوا الأمر كتمثيل للطبقات الحاكمة وكانوا معارضين تمامًا أن يكونوا أعضاءً بها.

بالرغم من ذلك، لم يجادلوا من أجل أن تسيطر السوفييتات على السلطة. في الصحيفة البلشفية، ذهب ستالين وكايمينف إلى أبعد من ذلك، وأعلنوا أن البلاشفة سيدافعون عن روسيا في الحرب ضد ألمانيا. آخرون ضمن الـ25 ألف عضو في الحزب البلشفي رأوا هذا الرضوخ لسلطات حكومة الأمير “لفوف” كخيانة.

لينين يعود من المنفى

عاد القيادي البلشفي لينين من المنفى إلى روسيا في الثالث من أبريل، وقدّم فورًا سياسة راديكالية جديدة إلى الحزب البلشفي المنقسم. قدم لينين أطروحته إلى جمعٍ صغير من الأعضاء القياديين من كلا الحزبين البلشفي والمنشفي في 4 أبريل، والتي نُشرت بالتبعية في جريدة برفدا البلشفية. وهذه مقتطفات من النقاط الأساسية:

– ظلت الحرب في ظل حكومة “لفوف” الجديدة وشركائه، دون شك، على الجانب الروسي، حربًا إمبريالية ضارية كنتيجة للطبيعة الرأسمالية لتلك الحكومة، دون الإطاحة برأس المال، من المستحيل إنهاء الحرب بسلام ديمقراطي حقيقي، سلام  لا يُفرَض بالعنف.

– تمر البلاد من المرحلة الأولى للثورة والتي – كنتيجة للوعي الطبقى غير الكاف وغياب التنظيم بين صفوف البروليتاريا – وضعت السلطة في أيدي البرجوازية، إلى المرحلة الثانية من الثورة والتي يجب أن تضع السلطة في أيدي البروليتاريا والقطاعات الأكثر فقرًا من الفلاحين.

– لا دعم للحكومة المؤقتة، يجب أن يُفضح الزيف الكامل لكل وعود الحكومة.

– إدراك حقيقة أن في معظم سوفييتات نواب العمال، كان حزبنا أقلية، يجب فتح عيون الحشود أن سوفييتات العمال هي  الشكل الوحيد الممكن من الحكومة الثورية، وهكذا هذه هي مهمتنا لنقدم تفسيرًا وشرحًا صبورًا منظمًا ومثابرًا لأخطاء تكتيكاتهم، تفسيرًا ملائمًا بالخصوص لاحتياجات الحشود العملية الحقيقة.

هوجمت أطروحات أبريل اللينينية من قبل كل الأحزاب الليبرالية المحافظة. ولكن العداء الذي تلقتها من قادة الاشتراكيين والمناشفة كشف الهوة الواسعة بين رؤية لينين للثورة الاشتراكية والمبنية على التحرر الذاتي للعمال والفلاحين المُعدَمين ورؤية الأحزاب الاشتراكية الأخرى للديمقراطية الرأسمالية المبنية على السلطة المتشاركة بين ملاك الأراضي والفلاحين، بين الضباط والجنود، ورؤساء العمل والعمال.

حتى معظم قادة الحزب البلشفي ترددوا في قبول أفكار لينين. لكن، في غضون أسابيع قليلة، حظت سياسات لينين بتأييد البلاشفة من أعلى إلى أسفل.

أرجع  أغلب المؤرخين هذا التحول السريع في المسار إلى سيطرة لينين الديكتاتورية على الحزب. والحقيقة أن لينين وضع أفكاره في صحافة الحزب، ومن ثم دافع عنها في سلسلة من الاجتماعات، وأخيرًا في مؤتمر مندوبي الحزب في أواخر أبريل.

يرجع الفضل الأكبر في تغيير الحزب البلشفي لخطة السياسي، ليس لهيبة وتأثير لينين، بقدر ما هو بسبب السياسات الغادرة للحكومة المؤقتة، وأيضًا االمعتقدات الثورية الأصيلة للغالبية العظمى من أعضاء وقادة البلاشفة

أظهرت الحماسة تجاه تكتيكات لينين الجديدة أيضًا عمق الجذور البلشفية في أوساط الجنود والعمال. من المحتمل أن بعض القادة الحزبيين تخيلوا أن الأمور يمكن حلها سلميًا بين الحكومة المؤقتة والسوفييتات، ولكن بالنسبة للجنود، فإن إنهاء الحرب كان حرفيًا مسألة حياة أو موت. وبالنسبة للعمال، لم يكن من الممكن ترك الانخفاض الهائل في الأجور، والقبضة العسكرية في المصانع، والغياب التام للحقوق النقابية، لتنفيذها في وقتٍ ما في المستقبل غير معلومٍ بالنسبة لهم.

وهكذا وبحلول أواخر أبريل أنهى البلاشفة ترددهم الأوّلي، وأعلنوا عن أنفسهم بوضوح كالحزب السياسي الجدي الوحيد الذى لديه خطة للمطالب الأساسية التي أشعلت ثورة فبراير – الأرض والخبز والسلام.

وكما توقع لينين، هذا التحول الراديكالى أكسب البلاشفة أعداءً كُثر بين الأحزاب الراديكالية الأخرى، وجعلهم عُرضة لاتهامات التهور والاستهتار في عقول العديد من العمال والجنود الذين استيقظوا لتوهم على الحياة السياسية. وهكذا، ومع استمرار الحرب، تدهور الاقتصاد، وتصاعدت الأزمة في الريف، وأصبحت الإطاحة بالطبقة الحاكمة المسئولة عن كل هذه الفوضى حلاً جدير بالتصديق.

بدأ “الشرح الصبور” لخطط الحزب الثورية المُعلنة في جذب العمال والجنود أكثر فأكثر، وبحلول مايو كانت عضوية البلشفى قد نمت إلى أكثر من 100 ألف عضو، بينما خملت الأحزاب الراديكالية الأخرى أو بدأت في التحلل والانقسام على نفسها.

Advertisements

تسعدني تعليقاتكم

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s