كتاب (الثورة الروسية.. خبرات ودروس) 5 – كيف نظم العمال قواهم؟ (إيمي مولدون)

Posted: 5 مارس 2016 in مختارات سياسية, خبرات نضالية, عمال وجماهير
الوسوم:, , , ,
إيمي مولدون
ترجمة: ندى المخزنجي
الناشر: وحدة الترجمة بمركز الدراسات الاشتراكية

ما الذى نحتاجه هو جمعية تأسيسية إلى حين تنظيم سوفييتاتنا، حيث يجتمع مندوبونا ويقررون كل شيء ويعرفون كيف يتصرفون في كل الأمور”.

الجندي الروسي الذي أطلق هذه الكلمات، كان يتحدث نيابةً عن ملايين من العمال الفقراء والفلاحين والجنود الذين حملوا على عاتقهم مشروع إنهاء استبداد القيصر وبناء مجتمع حر خالٍ من الحكام المستغلين الذين لا يُعوَّل عليهم.

آمن الاشتراكيون بالثورة الروسية، ليس فقط بسبب الإطاحة بالقيصر المستبد الكريه، بل لأن النظام القيصري ككل قد أطاحت به حركة ديمقراطية عملاقة للمُضطهَدين، لم يشهد التاريخ مثلها. أما السوفييتات، فقد مثَّلت آلية التحول في الثورة، وفرضت نفسها كنموذج لإبداع وكفاءة الحكم الذاتي للعمال.

كانت السوفييتات قد ظهرت للمرة الأولى في روسيا في ثورة  1905، وبدات بمعركة ساعات أقل ليوم العمل، لكن سرعان ما توجهت إلى الهجوم السياسي على استبداد القيصرية.

فى البداية، نبعت السوفييتات من لجان الإضراب، وتطورت سريعًا لمراكز منظمة للطبقة العاملة في العديد من المدن الروسية الكبرى، لمناقشة وتطبيق التكتيكات في الصراع. كانت السوفييتات سلاحًا لسلطة العمال ضد النظام القديم وبداية لبديل ديمقراطي.

وصف الثورى الروسى ليون تروتسكي، الذي انتُخِبَ لقيادة السوفييت في العاصمة بتروجراد في 1905 ومجددًا في 1917، مولد السوفييتات كما يلي:

“البروليتاريا التي دفعها مسار الأحداث لارتجال نشاطات ثورية لم يُسمَع بها، كان يجب، أيًا كان الثمن، أن تنتج من عمقها منظمة مناظرة لأبعاد الصراع والمهام الضخمة. هذه المنظمة كانت السوفييتات، خُلقت على أرض الواقع بالثورة الأولى ومثلت أداة الإضراب العام وصراع القوى”.

كانت السوفييتات، التي ارتكزت في عضويتها على أساس المندوبين المنتخبين، أو النواب من كل مكان عمل (فى حالة الفلاحين تبعًا للمنطقة، وفي حالة الجنود تبعًا للوحدة العسكرية) حسَّاسة للغاية للتغيرات المزاجية والمطالب الشعبية. بدون شروط مكتبية، أو مصادر تمويل حملات، كان ممثلو السوفيتات يمثلون أصوات وأماني ناخبيهم، ومن لم يؤدِ ذلك منهم كان يُستبدل سريعًا.

وبالرغم من هزيمة ثورة 1905 وانتصار القيصرية وكبحها جماح الصراع، إلا أن تجربة السوفييتات وذكراها تركت انطباعًا عميقًا في الطبقة العاملة وحزب لينين البلشفي. وحينما قادت الحرب العالمية الأولى المجتمع الروسي إلى حافة الانهيار، وأشعلت تحركات ثورية، عاودت السوفييتات الظهور مرة أخرى عبر البلاد لنظم وتوجيه نضال العمال. ولكن هذه المرة أُعيد إنتاج السوفييتات على نطاق أوسع، فظهرت بين الفلاحين والجنود وحتى الطلاب وربات البيوت واجتمعوا بأشكال تنظيمية أخرى.

كيف نشأت السوفييتات؟

اندلعت ثورة فبراير بعد شهور من إضرابات العمال المتصاعدة، واحتجاجات سكان المدن، ومصادرة الأراضي من قبل الفلاحين، وتمرد وانشقاق الجنود عن الجيش. في المدن، واجه العمال انهيار الصناعة، لأن أرباب العمل لم يستطيعوا تأمين المواد اللازمة أو رفضوا التفاوض مع العمال المطالبين بأجورأفضل أو ساعات عمل أقل.

في العديد من المصانع رفض الموظفون منح  يوم الـ 8 ساعات عمل. تجذرت النقابات في الكثير من الصناعات التي لم يسبق لها أن شهدت نضالًا منظمًا. أسس العمال أيضًا لجانًا بالمصانع للإشراف على الإنتاج، بما أن الملاك والمديرين هم الذين أحدثوا كل هذه الفوضى.

مفتقرين إلى البيروقراطية الراسخة للحركة العمالية الحديثة، ارتجل العمال الروس فورًا وسائل للتعبير عن سخطهم على مديريهم، أشهرها على الإطلاق إلقاء المدير على عربة يدوية ودفعه خارج المصنع، أحيانًا التخلص منه في نهر قريب أو قناة.

صارت اللجان في المصنع أكثر قوة في مواقع العمل، ابتداءً بمراقبة أرباب العمل، ومن ثم الانتقال إلى الإشراف ومراقبة التعيين والتسريح من العمل، مرورًا بالإنتاج وتأمين المواد، انتهاءً بالتوزيع. أخذت اللجان على عاتقها، في مواقع العمل الأكبر، مطالبات العمال بالطعام ورعاية الأطفال.

لم يبدأ العمال والجنود الروس هذه العملية بهدف استبدال الرأسمالية بالاشتراكية، ولكن نموذج المجلس العمالي المتجسد في السوفييتات وفَّر لهم آلية للمضي قدمًا في محاولة حل الأزمة الروسية.

إذا كان الموظفون يخربون الاقتصاد، فإن سوفييتات العمال كانت وسيلة تقرير كيفية عمل وتوزيع الاحتياجات بديمقراطية. في الجيش انتخب الجنود مجالس نواب لفرض مطالبهم على الضباط، كما تمرد الفلاحون وصادروا الأراضي، في أغلب الأحيان تحت تأثير أفراد العائلة المجندين الذين اكتسبوا خبرة الفعل المباشر في الجيش من قبل.

ظهر التغير السريع في الوعي وتدفق خلال السوفييتات، مسببًا تغير متكرر في بنية السوفييتات ما بين الإطاحة بالقيصر في فبراير والإطاحة بالحكومة المؤقتة في أكتوبر.

فى البداية، سعت الأحزاب الاشتراكية المعتدلة، التي سيطرت على مؤتمر اللجنة التنفيذية لسوفييتات عامة روسيا، للإبقاء على السوفيتات كشريك أقل شأنًا للحكومة المؤقتة، التي تألفت من أحزاب ملاك الأراضي وأرباب العمل والطبقات المتوسطة. كان هذا متوافقًا مع توقعات أكثرية الشعب، الذين اعتقدوا أنه برحيل القيصر ستجلب الديمقراطية البرلمانية السلام والعدل. ولكن المشاركة المباشرة للملايين في الثورة وضعت السوفييتات في مواجهة تصادمية مع الحكومة المؤقتة، وأثارت حس أعمق بين العمال حول الاحتمالات الممكنة.

كمثالعلى ذلك، كانت لجنة متاجر قطاع نارفا بيترهوف لأكبر مصانع روسيا (مصنع بتيلوف) قد نشرت بيانًا حول إنشاء لجان المصانع في أبريل 1917:

“بعد اعتيادهم على الإدارة الذاتية، يُحضِّر العمال أنفسهم للوقت الذي ستختفي فيه الملكية الخاصة للمصانع. ووسائل الإنتاج، إلى جانب جانب المباني التي بُنيت بأيدي العمال، ستنتقل ملكيتها إلى الطبقة العاملة ككل. وبالتالي، وبينما نحن مشغولون بالأشياء الصغيرة، علينا أن نحمل دومًا في أذهاننا الهدف العظيم الذي يسعى إليه العمال”.

أظهرت أحداث الثورة ككل قدرة السوفييتات الفورية على العمل كمركز سياسي واقتصادي، وحتى كمركز عسكري، وفشل الانقلاب العسكري بقيادة الجنرال لافر كورنيلوف لهو أبرز دليل على ذلك.

مع انتشار التهديد الذي يمثله كورنيلوف، شكلت السوفييتات المحلية لجانًا للنضال جمعت العمال والجنود من الأحزاب السياسية المختلفة كميليشيات تسلمت أسلحة من اللجان المصنعية، ومركبات من السائقين ومن نقابات النقل، والطعام من المطاحن وعمال المطاعم.

رفضت نقابة العاملين بالمطابع طبع الصحف المعادية للثورة، كما خرَّب عمال السكك الحديد خطوط السكك الحديدية، أحيانًا بتحطيم القضبان لمنع قوات اليمين من دخول بتروجراد.

عندما أُخبر الجنود، الذين حسبهم كورنيلوف أوفياء، بماهية مهمتهم، من خلال العمال والجنود الذين أحاطوا قطارهم وخاطبوهم، رفعوا علمًا أحمرًا مكتوبًا عليه “الأرض والحرية” في مقر قيادتهم، وألقوا القبض على قائدهم عندما أبدى اعتراضه.

ذهب هؤلاء الجنود إلى أبعد من وقف الانقلاب، فشكلوا لجنة ثورية خاصة لمنع أي محاولة للاعتداء على بتروجراد، إذ كان التكافل والتضامن يمثلان قلب المزاج الثوري، لنشر الخبر للوحدات الأخرى كي ترفض المهمة.

صحوة المُضطهَدين

في اليوم التالي لانتفاضة أكتوبر (الحدث الأخير في ثورة 1917)، كتبت جريدة نوفو فورميا، اليومية المحافِظة، ما يلي:

“دعونا نفترض للحظة أن للبلاشفة بالفعل اليد العليا، من سيحكمنا حينها؟ ربما الطباخون، هؤلاء الخبراء بشرائح اللحم البقري وتقطيعها؟ أو ربما رجال الإطفاء؟ سائسو الخيول أو السائقون؟ أو ربما ستهرع الممرضات لاجتماع مجلس الدولة بين جلسات غسيل الحفاضات؟ من إذن؟ أين رجال الدولة؟ ربما سيدير الميكانيكيون المسارح، والسباكون الشئون الخارجية والنجارون مكتب البريد”.

كانت رد ثورة أكتوبر بمثابة “نعم” حاسمة في وجه هذه الأسئلة. عندما انتزع عمال روسيا ومظلوموها السيطرة على الجوانب المختلفة من إدارة المجتمع، توقفوا حينها عن كونهم مجرد طباخين ونجارين.

وكما كتب تروتسكي، فإن الثورة “أعطت الأرض للفلاحين، أعطت السلطة للعمال والفلاحين: كانت هذه إنجازات عظيمة، ولكن لا يوجد إنجاز أهم للثورة من صحوة الشخصية الإنسانية في كل فرد مظلوم ومذلول”.

أعطتنا روسيا في 1917 لمحة لنوع الديمقراطية التي يستطيع المُضطهَدون والمستغلون خلقها – نظام المجالس العمالية الذي استطاع أن يكون منبرًا للتفتح الكامل للتحرر الإنساني.

Advertisements

تسعدني تعليقاتكم

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s