كتاب (الثورة الروسية.. خبرات ودروس) 6 – الثورة ضد إمبراطورية القيصر (سارة نوب)

Posted: 6 مارس 2016 in مختارات سياسية, خبرات نضالية, عمال وجماهير
الوسوم:, , , ,
سارة نوب
ترجمة: محمود نبوي
الناشر: وحدة الترجمة بمركز الدراسات الاشتراكية

عندما أطاحت ثورة فبراير 1917 بالقيصرية الروسية، كان 43% فقط من السكان روس والباقي من جنسيات أخرى. عاشت غالبية الشعوب – في بولندا، وفنلندا، وأستونيا، ولاتفيا، وفي العصر الحديث روسيا البيضاء، وأوكرانيا، وجورجيا، وأذربيجان التركية، وآسيا الوسطى – تحت احتلال حكومة لغتها وقوانينها لم تكن خاصة بهم. وبالإضافة إلى ذلك، عانى اليهود وعانت الأقليات العرقية المنتشرة في جميع أنحاء “روسيا العظمى” من المذابح والاضطهاد. أُصدرت مئات القوانين لتقييد حقوق اليهود وجعلهم مواطنين من الدرجة الثانية.

كيف يمكن للثورة الروسية أن تؤثر على هذه الإمبراطورية العظمى؟ ينبغي على البلدان التي يضطهدها القيصر أن يكون لها الحق في تقرير مصيرها؟ وترتبط تلك الأسئلة ارتباطًا وثيقًا بمسألة ملكية الأرض – والتي تشهد تنافسًا شديدًا في أوساط الحركة الاشتراكية.

القومية والمسألة الزراعية

قدمت الثورية البولندية روزا لوكسمبورج وجهة نظرها، حيث قالت أنه يجب على الاشتراكيين أن يعارضوا القومية في بولندا وأوكرانيا والدول الأخرى التي ترزح تحت وطأة القيصر. أما بالنسبة للأمميين، قالت لوكسمبورج أن التحرر القومي فكرة متأخرة، خاصةً في وقت الحرب العالمية الأولى، وأصبحت البرجوازية – القادة التقليديين لحركات الاستقلال – في المستعمرات ضعيفة جدًا وخطرة بسبب علاقاتها بالإمبريالية والتي لن تمكنها من قيادة النضال التقدمي.

لكن الثورة في روسيا أظهرت ديناميكية أخرى، وكما كتب ليون تروتسكي في كتابه تاريخ الثورة الروسية، فإن “القومية قد قيدت المسألة الزراعية، والتي كانت كامنة في مناطق مثل أوكرانيا، وأطلقها انفجار ثورة فبراير”.

في معظم تلك الأماكن، عانى الفلاحون تحت حُكم المُلاك من الطبقات الحاكمة من الأمم الأقوى. في الفولجا والقوقاز وآسيا الوسطى، على سبيل المثال، استولى الأثرياء الروس على الأراضي من قبائل مثل باشكير والقرغيز. وهكذا؛ فإن اضطهاد الفلاحين كان مستمرًا جنبًا إلى جنب مع الاضطهاد القومي ومتداخلًا معه.

تصاعد النضال من أجل الاستقلال القومي في أوساط الطبقات الدنيا في جميع المناطق المُستعمرة، بجانب صحوة الروح البشرية التي أحدثتها الثورة. قاتل الفلاحون الفقراء من تلك المناطق تحت راية القومية، ولكن كما كتب تروتسكي “كانت قوميتهم القشرة الخارجية للبلشفية غير الناضجة فقط”.

في مارس 1917، صوّتت الجمعية التأسيسية الأوكرانية (الرادا) على تدريس اللغة الأوكرانية في المدارس، كما دعا إلى الاستقلال الذاتي الإقليمي. ولكن في العاصمة الروسية بتروجراد، ظلت الحكومة المؤقتة التي تولت السُلطة بعد ثورة فبراير ملتزمة بالدفاع عن مصالح البرجوازية والحد من اتساع رقعة الديمقراطية. حظرت كل الإجراءات التي قامت بها الرادا الأوكرانية، ومنعت مؤتمر الجنود الأوكرانيين، وفي نهاية المطاف رفضت الاعتراف بالرادا كممثل رسمي للشعب الأوكراني.

ولكن هذه لم تكن نهاية المسألة القومية، فبعد النظر إلى نموذج أوكرانيا، بدأ المسلمون في آسيا الوسطى المطالبة بحق تقرير مصيرهم. ومع ذلك، استمرت الحكومة المؤقتة في محاولات يائسة للحفاظ على إمبراطورية كانت تتهاوى. لا يكن بمقدورها تقديم الدعم بشكل حقيقي للحق في تقرير المصير بسبب خدمتها لمصالح البرجوازية واحتياجاتها، وهذا يعني أنها تريد الفحم من دونتس، والمواد الخام من كريفورج، وملايين الأفدنة من الأراضي الزراعية المنتجة التي تملكها شعوب المستعمرات.

كل التيارات الاشتراكية المختلفة في روسيا، سواء تلك التي دعمت وشاركت في الحكومة المؤقتة (على رأسها الثوريون الاشتراكيون والمناشفة)، أو أولئك الذين حاولوا الإطاحة بها (البلاشفة بقيادة لينين وتروتسكي)، قالت أنها تدعم حق تقرير المصير. لكن برغم تطابق البرامج، كان المضمون مختلفًا.

ألغى أليكساندر كرينسكي، الثوري الاشتراكي، الذي كان وزيرًا للحرب ورئيسا للوزراء في ربيع وصيف عام 1917، “القوانين الاستثنائية” – التدابير التي تُدني من حقوق الدول المستعمرة والقوميات المضطهدة. كانت الحكومة المؤقتة مستعدة للتخلص من تلك القوانين الخاصة التي تستهدف الأقليات والجماعات المُضطهدة قوميًا – مثل تلك قوانين التي فُرضت على السود في جنوب الولايات المتحدة في ذلك الوقت.

ولكن في نفس الوقت، كانت الحكومة المؤقتة و”الاشتراكيين” المشاركين فيها مؤيدين للمواطنة الإجبارية في روسيا – لا يحق لأحد الانفصال. وكان منطقهم أنه في ظل الحكومة “الثورية” الجديدة، ومع إلغاء القوانين الاستثنائية، لم يعد هناك حاجة للانفصال.

في الواقع، وهذا يعني أن الجنسيات الأخرى سوف “ترعاها الحكومة، وتتعامل معها بتسامح، ثم تضطهدها”، كما كتب تروتسكي، مشيرًا إلى مصير الوحدة القومية التي تتشكل داخل الجيش الروسي. في النهاية، أيّد هؤلاء الاشتراكيون، الذين ادعوا دعم “حق تقرير المصير”، الجنسية الإجبارية تحت قيادة “الحكومة الثورية، فأصبحوا على النقيض تمامًا.

التحرر القومي والثورة الاشتراكية

في أكتوبر 1917، سقطت الحكومة المؤقتة واستُبدلت بمجالس العمال (أو السوفييتات)، وكان الأغلبية من البلاشفة. بعد الاستيلاء على السلطة مباشرةً، أصدرت الحكومة الجديدة مرسومًا بمنح الحقوق الكاملة لتقرير المصير، بما في ذلك الحق في الانفصال. أُقيمت جمهوريات الاستقلال الذاتي في كثير من المستعمرات الروسية السابقة.

كانت روزا لوكسمبورج مُحقة في أن القادة البرجوازيين في المستعمرات سيحاولون القيادة في اتجاه رجعي. كان التجار والمعلمون والموظفون وضباط الجيش الصغار في بولندا، على سبيل المثال، قد بدأوا يتحدثون عن الانفصال والاستقلال الذاتي الإقليمي عندما صار واضحًا أن العمال في موسكو وبتروجراد كانوا في طريقهم لإسقاط الحكومة المؤقتة.

الأكثر أهمية من ذلك أن فكرة التحرر الوطنية أدت إلى رفع مطالب لم يكن من الممكن أن تُنتزع من أجل أغلبية الشعب في ظل حكم البرجوازية، ألا وهي مطالب الأرض للفلاحين والديمقراطية في الاقتصاد، والتحرر من الحكم العسكري، والمساواة الاجتماعية والتشريعية.

لهذا السبب، لم يرى البلاشفة “القادة” البرجوازيين من حركات التحرر الوطنية “تقدميين”. وأعربوا عن تأييدهم للتحرر القومي لأسباب منها أنه من شأنه رفع الطموحات بأن فقط سلطة العمال والفلاحين هي من تستطيع تحقيق هذا التحرر القومي.

وعلى المستوى الأممي، اعترف البلاشفة أن الكفاح من أجل تحرير الشعوب المضطهدة يرتبط ارتباطًا وثيقًا بالكفاح ضد الرأسمالية. وأشار القائد البلشفي جريجوري زينوفييف أن أربع دول (بريطانيا وفرنسا والولايات المتحدة واليابان) تضطهد أكثر من مليار شخص في مستعمراتها. إن النضال من أجل حق تقرير المصير في المستعمرات يساعد على كسر الرأسمالية العالمية، الأمر الذي كان حاسمًا في الحفاظ على السيطرة العمالية في روسيا.

وتيسيرًا لذلك، استضافت الأممية الشيوعية – ائتلاف الأحزاب الاشتراكية الثورية في العديد من البلدان، التي تشكلت بمبادرة من البلاشفة – مؤتمر شعوب الشرق في باكو بأذربيجان، في سبتمبر 1920. ضم المؤتمر الشيوعيين وغير الشيوعيين من الهند، والصين، وبلاد فارس، وتركيا، والشرق الأوسط، والمستعمرات الروسية السابقة، والإمبراطورية العثمانية، فضلًا عن ممثلين من الدول المُستبدة. كان الهدف من المؤتمر هو المُضي قدمًا في النضال من أجل حق تقرير المصير. كتب لينين في عام 1920:

“يجب على جميع الأحزاب الشيوعية تقديم المساعدات المباشرة للحركات الثورية في الدول التابعة والمحرومة (على سبيل المثال، أيرلندا والزنوج في أمريكا، إلخ) وفي المستعمرات.

بدون هذا الشرط الأخير، سيكون النضال ضد الاضطهاد من الدول التابعة والمستعمرات، وكذلك حقهم في الانفصال، مجرد لافتة كاذبة”.

وفي حين كان المؤتمر في باكو يشجع فكرة التحرر القومي، أكد أن النضال كان ضد جميع الأثرياء. وقال زينوفييف، في المؤتمر:

“الأهمية الكبرى للثورة التي تبدأ في الشرق لا تكمن في طلب السادة البريطانيين أن يزيحوا أقدامهم من على الطاولة، ومن ثم السماح للسادة الأتراك بأن يضعوا أقدامهم هم مكانهم. لا، نحن نريد أن نطلب من جميع الأثرياء، ولو بطريقة مهذبة، أن يزيحوا أحذيتهم القذرة جميعًا من على الطاولة”.

الحق في تقرير المصير” بعد هزيمة الثورة

هُزمت الثورة الروسية بعد بضع سنوات فقط. كان صعود جوزيف ستالين رمزًا للثورة المضادة، حيث ترأس نظامًا جديدًا من الاستغلال والقمع. كانت أهم الخطوات التي اتبعها ستالين للوصول إلى السلطة هي إعادة فرض الاضطهاد القومي.

بدأ الالتزام بحق تقرير المصير للشعوب في التراجع حتى قبل وصول ستالين إلى السُلطة، ولم يكن ذلك إلا تحت ضغط دولي على الدولة العمالية الجديدة، والحرب الأهلية الناتجة عنها، وهلاك الطبقة العاملة الروسية. أنشأ الجيش الأبيض التابع للنظام القيصري السابق، والمدعوم من الدول الإمبريالية، قواعدًا في المستعمرات الروسية السابقة لشن هجمات على الدولة العمالية. وهكذا كانت بولندا تُستخدم كقاعدة لتنظيم قوى الثورة المضادة.

وبناءًا على قرار عسكري خاطئ في 1920، لاحق الجيش الأحمر التابع للحكومة العمالية الروسية الجيش الأبيض في بولندا في محاولة لهزيمته وبناء جسر للعمال الثوريين في ألمانيا. وحتى لو كان البولنديين ضد الثورة المضادة التي يقودها الجيش الأبيض، فقد اعتبروا مسيرة الجيش الأحمر إلى وارسو بمثابة غزو لبلادهم، في تناقض تام مع الالتزام المعلن بالاعتراف بالحق في تقرير المصير.

من خلال هذه النقطة، ظهر اتجاهين متناقضين. من ناحية، حاول المؤتمر الذي عُقد في باكو تنظيم ومواصلة النضال من أجل التحرر القومي، ومن جهة أخرى، خلق توتر الحرب الأهلية ضغطًا على القادة الثوريين وجعلهم ينتهكون بعضًا من مبادئ ثورة أكتوبر – من بينها حق تقرير المصير.

بحلول عام 1922، جرد ستالين – الذي وصل إلى مناصب قيادية، خاصة بعد إصابة لينين بسلسلة من الجلطات – العديد من الجمهوريات المستقلة حديثًا، مثل جورجيا، من استقلالها الحقيقي. أعاق المرض لينين في معركتة السياسية الأخيرة ضد انحطاط البلاشفة في عدم التزامهم بحق تقرير المصير.

واصل ستالين الحديث عن التحالفات مع “البرجوازية الثورية” للدول المستعمرة (مثل الصين في ذلك الوقت). لكن هدفه في هذه الحالات هو إخضاع مصالح العمال في البلدان الفقيرة للبرجوازية المحلية. في الصين، دفع عشرات الآلاف من أعضاء الحزب الشيوعي من أجل هذا حياتهم عندما انقلب القادة القوميون على حلفائهم الشيوعيين، وحطموا تنظيم العمال.

وفي غضون ذلك، أعاد ستالين ونظامه تجميع القطع القديمة من الإمبراطورية القيصرية وفرض – بتكلفة بشرية هائلة – سيطرة “روسيا العظمى” على عدد كبير من الشعوب المضطهدة. ومع ذلك، تؤكد مبادىء الثوريين الروس على أهمية المسألة القومية في النضال من أجل الاشتراكية – والتزامنا بالنضال ضد كل أشكال القمع.

تسعدني تعليقاتكم

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s