كتاب (الثورة الروسية.. خبرات ودروس) 7 – الثورة تتوطد (بول داماتو)

Posted: 7 مارس 2016 in مختارات سياسية, خبرات نضالية, عمال وجماهير
الوسوم:, , , ,
بول داماتو
ترجمة: محمود نبوي
الناشر: وحدة الترجمة بمركز الدراسات الاشتراكية

خلقت ثورة فبراير حكومتين في روسيا. إحداها كانت رسمية، وهي الحكومة المؤقتة التي سيطر عليها الرأسماليون الروس، والذين كانوا يهابون الثورة وعازمون على وضع حد لها في أسرع وقت ممكن. والأخرى غير رسمية، وهي سوفييتات مندوبي العمال والجنود التي مثّلت أعماق المجتمع الروسي في الثورة.

اعتقد الاشتراكيون المعتدلون – المناشفة والاشتراكيين الثوريين – أن هاتين المؤسستين يمكنهما التعايش سويًا. وبالفعل بعد ثورة فبراير، أصروا على تولي البرجوازية السلطة وليس السوفييتات. وعلى الرغم من أن السوفييتات كان أقوى من الحكومة المؤقتة بكثير، أصروا على ضرورة خضوع الأولى للأخيرة.

كان القطبان متناقضين؛ فالأول يمثل مصالح الرأسماليين وملاك الأراضي، والآخر يعبر عن مصالح الطبقة العاملة والفلاحين الفقراء. في وقت من الأوقات، كان لابد أن ينتصر أحدهما على الآخر.

الحزب البلشفي فقط هو من أبرز تلك الحقيقة بوضوح وصراحة. أعلن تروتسكي في خطابه الأول في السوفييت لدى عودته إلى روسيا في مايو بشكل واضح (على الرغم من أنه لم يكن في ذاك الوقت عضوًا في الحزب) رسالة البلاشفة للعمال والشعوب المضطهدة في روسيا: “لا تثقوا في البرجوازية، ولا بالزعماء؛ استندوا فقط إلى قوتكم”. أما جميع الأحزاب الأخرى، فقد تحفظوا على موقف البلاشفة  لينجوا بأنفسهم أمام الجماهير الروسية.

حتى نيقولاي تشخيدزه، رئيس السوفييت المنشفي، كان قد أعلن في البيان الذي يُلزم السوفييتات بدعم المجهود الحربي أن شعار الثورة هو “يسقط ويلهلم”. في ذلك الوقت، كان الجيش الروسي قد انتهى كقوة مقاتلة. كان الغرض من الترويج للحرب بالنسبة للبرجوازية الروسية وحلفائها الدوليين هو تضييق الخناق على الثورة.

الشرح بصبر

بدت خطة لينين للبلاشفة واضحة وبسيطة: “الشرح بصبر” أن على السوفييتات أن تتولى السُلطة، وأن تجربة الجماهير الكادحة من الممكن أن تجذبهم نحو اليسار. أثبت هذا النهج نجاحه بشكل مذهل، وانضم الآلاف من الأعضاء الجدد للحزب. لكن هذه الخطة أيضًا أثارت أسئلة تكتيكية جديدة أصعب تتعلق بعدم تكافؤ الصراع؛ أي كيف يمكن تجنب التحرك السريع للقطاعات الأكثر تقدمًا من الطبقة العاملة والجنود في بتروجراد عن باقي أجزاء البلاد، وبالتالي خلق حالة تجعلهم معزولين ومن السهل سحقهم من قبل الثورة المضادة؟

هذا الخطر خلقته عدة عوامل. أولًا، صارت حامية بتروجراد، ذات الـ300 ألف جندي، أكثر جذرية، حيث عارض الجنود الهجوم العسكري، خاصةً وأنهم كانوا مُعرَّضين للانتقال للجبهة في أي وقت، وشعروا أن عليهم التحرك. ثانيًا، في يونيو إن لم يكن في وقت سابق، ذهب عمال بتروجراد، وخاصة في منطقة فيبورج حيث تتواجد أكبر مصانع في روسيا، لدعم مطالب البلاشفة. والشيء نفسه كان ينطبق على بحارة كرونشتاد وأسطول بحر البلطيق. ثالثًا، كان الأناركيون يحرِّضون بشكل علني على الإطاحة الفورية بالحكومة المؤقتة، وبالفعل كسبوا مؤيدين.

كل هذه العوامل جذبت بلاشفة بتروجراد نحو اليسار وأجبرتهم على التحرك.

كانت النتيجة سلسلة من المظاهرات. واحدة في أبريل، وواحدة في يونيو، وأخرى في يوليو – في كل مرة أكبر، وأفضل تسليحًا وأكثر نضالية. كانت هذه المظاهرات تهدد بالتحول إلى قتال الشوارع كمحاولات سابقة لأوانها للاستيلاء على السلطة في بتروجراد.

كانت المظاهرات ضرورية كأسلوب من أساليب اكتشاف العدو، وحساب موازين القوى. ولكن كان هناك خطر دائم من المواجهات السابقة لأوانها. مرات عديدة، كان لينين واللجنة المركزية البلشفية يتوجهون لتهدئة بعض الأعضاء المتهورين.

دفعت أزمة أبريل زعيم حزب كاديت بول ميليوكوف، الذي صار لاحقًا وزيرًا للحرب في الحكومة المؤقتة، لإرسال مذكرة إلى الحلفاء تؤكد على التزام روسيا بدورها في الحرب. نظم العمال والجنود المسلحون مظاهرة على عجالة في 20 أبريل، شارك فيها نحو 30 ألف شخص، وانتهت باشتباكات مع القوات اليمينية. وعلى سبيل دعم الاحتجاج، أطلقت لجنة بلاشفة بتروجراد شعارات للإطاحة الفورية بالحكومة المؤقتة، بالرغم من الحجة التي قدمها لينين قبل بضعة أيام من تلك الاحتجاجات:

“شعار “تسقط الحكومة المؤقتة” غير موفق  في الوقت الراهن، لأنه  في حالة عدم دعم… الغالبية العظمى من الشعب للبروليتاريا الثورية، يصبح هذا الشعار عبارة فارغة، أو بموضوعية، يرقى إلى محاولات ذات طابع مغامر”.

انتقد لينين بعد ذلك لجنة بتروجراد على رد فعلها الذي اتجه إلى اليسار أكثر من اللازم في حين لم يكن الأمر يتطلب الدخول في معركة، بل “استطلاع سلمي لقوى العدو”. تسببت أزمة أبريل في تغيير مجلس الوزراء للمرة الأولى، مما أتى بالاشتراكيين المعتدلين بدلًا من  ميليوكوف في الحكومة المؤقتة.

لم تكن النتيجة تحول الحكومة المؤقتة نحو اليسار، بل على العكس تمامًا، سقط الاشتراكيون المعتدلون أكثر من أعين الجماهير الذين أدركوا أن حتى مع الاشتراكيين ظلت الحكومة ملتزمة بالحرب ورفض الإصلاح الزراعي.

الوقت لم يحن بعد

في يونيو، كان من الواضح أن البلاشفة حظوا على الأقل على تأييد أغلبية الطبقة العاملة في بتروجراد، بالإضافة إلى عدد كبير من الحشود العسكرية المتمركزة في المدينة. اتفق البلاشفة على أهمية كسب الجنود لصفوفهم – الذين بدون دعمهم لن تنجح الإطاحة الثورية بالحكومة – وأنشأوا تنظيمًا خاصًا (التنظيم العسكري) لإدارة العمل التنظيمي والدعاية بين الحشود.

بمبادرة من التنظيم العسكري، دعا الحزب إلى مظاهرة في 10 يونيو. وعلى الرغم من أن قادة الحزب، مثل لينين، نظروا إلى تلك المظاهرة على أنها فرصة لاستعراض القوى، كان يأمل قادة التنظيم العسكري أن تكون إشارة البدء لمواجهة مسلحة مع الحكومة المؤقتة. ومع ذلك، ألغت اللجنة المركزية المظاهرة حين تقدمت اللجنة التنفيذية للسوفييت بطلب شديد اللهجة لإلغائها – وهي الخطوة التي خلقت الكثير من الغضب في صفوف الحزب.

بعد ذلك، قررت اللجنة التنفيذية للسوفييت الدعوة لمظاهرة خاصة بها يوم 18 يونيو للإعلان عن قوتها أمام الجماهير. كان الاحتجاج ضخم، وقد شارك فيه ما يقرب من نصف مليون متظاهر. ولكن ما حدث هو أن سار قادة السوفييت ومعظم عمال المصانع وأغلبية الحشود العسكرية تحت الشعارات البلشفية – “كل السلطة للسوفييتات”، “فليسقط الوزراء الرأسماليين العشرة”.

أقنعت مظاهرة يونيو قادة التنظيم العسكري أن الوقت قد حان للاستيلاء على السُلطة.

السؤال في ذلك الوقت لم يكن هل من الممكن الاستيلاء على السُلطة في بتروجراد؟ بل كان هل هذا الاستيلاء من شأنه أن يخلق وضع “كوميونة باريس”، في العاصمة التي أصبحت معزولة عن بقية البلاد؟

في مؤتمر التنظيم العسكري يوم 19 يونيو، قال لينين: “إذا كنا الآن قادرين على الاستيلاء على السلطة، فمن السذاجة أن نعتقد أننا سنكون قادرين على الاحتفاظ بها”. وأشار أن الحزب لم يحصل حتى ذلك الوقت على أغلبية ممثلي السوفييتات في بتروجراد وموسكو، ناهيك عن باقي البلاد.

كان الضغط من أجل مظاهرة أخرى عظيما. فقد مُهد الطريق الآن لصدام أكبر بكثير مما كان عليه في أبريل.

وسط صخب كبير من الأحزاب اليمينية والبرجوازية والليبراليين والاشتراكيين المعتدلين، أعلن وزير الحرب أليكساندر كرينسكي عن هجوم عسكري يوم 18 يونيو (سرعان ما انهزم، ولم يمض وقت طويل حتى بدأت القوات الألمانية في الهجوم المضاد).

تحت ضغط شديد من الجنود الذين لا يريدون الذهاب إلى الجبهة، دعا التنظيم العسكري لمظاهرة مسلحة في 3 يوليو. حاولت اللجنة المركزية للحزب البلشفي في البداية وقف الاحتجاجات، ولكن عندما أيقنت أنه سيحدث في كل الأحوال، قررت الانضمام ومحاولة إضفاء طابع سلمي على الاحتجاجات بقدر الإمكان.

كان الارتباك في تحديد هدف المظاهرة واضحًا، ففي الحقيقة لم يكن المشاركون في المظاهرة يمكنهم أن يقرروا ما إذا كانت تلك المظاهرة تهدف إلى الضغط على السوفييتات للاستيلاء على السلطة (موقف اللجنة المركزية)، أو العصيان المسلح للإطاحة بالحكومة المؤقتة (موقف التنظيم العسكري وبحارة كرونشتاد).

في النهاية، أسفرت الاحتجاجات المسلحة الفاشلة عن مقتل المئات. كانت بروفة لثورة أكتوبر، وسمحت للثوار بقياس قدرة العدو وكذلك قدرتهم، لكن النتائج الأوَّلية لشهر يوليو كانت أن بزغت الرجعية وإطلاق موجة من الهجمات على الحزب البلشفي.

تسعدني تعليقاتكم

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s