كتاب (الثورة الروسية.. خبرات ودروس) 8 – القمع والانتفاضة (بول داماتو)

Posted: 8 مارس 2016 in مختارات سياسية, خبرات نضالية, عمال وجماهير
الوسوم:, , , , ,
بول داماتو
ترجمة: أشرف عمر
الناشر: وحدة الترجمة بمركز الدراسات الاشتراكية

مع نهاية يونيو، ضاق الكثير من العمال الروس ذرعًا بالقادة المعتدلين في السوفييت، الذين رفضوا أخذ السلطة من الحكومة المؤقتة، التي شنت من جديد هجومًا عسكريًا كارثيًا، وكانت ترفض اتخاذ خطوة جدية في قضية الأرض، ولم تكن تفعل شيئًا فيما يخص أزمة المجاعة.

يذكر ليون تروتسكي، في “تاريخ الثورة الروسية” أن حتى العمال الذين كانوا أعضاءً في الحزب البلشفي كان صبرهم قد نفذ مع الحزب، متسائلين متى يمكن للحزب أن يتحرك بحسم للتعامل مع الوضع، وبالتالي كانوا سريعي التأثر بالتحريض الفوضوي على التحرك الفوري للإطاحة بالحكومة المؤقتة. أما لينين، وغيره من القيادات البلشفية، فكانوا يصرون على أن التوقيت ليس صحيحًا. كتب لينين في صحيفة البرافدا البلشفية في 21 يونيو: “نتفهَّم مرارتكم، لكن نقول لكم: أيها الرفاق، الهجوم الفوري لن يكون مناسبًا”.

رأى لينين أن الجماهير يجب أن تشعر بفشل الهجوم العسكري قبل اتخاذ أي خطوات أكثر حسمًا. لكن دور التهدئة هذا لم يعتد عليه العمال المناضلون في الحزب، بل لقد اعتبروه فعلًا مقيتًا، وهكذا بدأ الضغط في اتجاه مظاهرة مسلحة في بداية يوليو.

أصرت اللجنة المركزية أولا على عدم تنظيم المظاهرة، ثم أصرت على ألا تكون مسلحةً، لكنها لم تسيطر على مسار الأمور في هذا الشأن. قرر قادة الحزب في نهاية المطاف أن يضعوا أنفسهم على رأس المظاهرة لتوجيهها بقدر الإمكان بغرض تحاشي مواجهة مسلحة. لكن، على صعيدٍ آخر، لم تكن لدى أولئك الذين كانوا يدفعون في اتجاه تنظيم مظاهرة مسلحة – الفوضويين وأعضاء التنظيم العسكري البلشفي على السواء – خطةٌ ملموسة بما هو مستهدف إنجازه من هذه المظاهرة.

كان الفوضوي بليخمان يجادل بأن كل ما في الأمر أن تخرج الجماهير إلى الشوارع وفي أيديها السلاح وستسقط الحكومة المؤقتة، تمامًا كما سقط القيصر في فبراير. فيما رأى الكثيرون هذه الخطوة مجرد احتجاج تهديدي لقادة السوفييت، للضغط على اللجنة التنفيذية للسوفييت وإجبارها على التحرك.

أما ميليوكوف، زعيم حزب الكاديت، فقد ذكر أن عاملًا طويل القامة لوَّح بقبضته في قصر توريد في وجه تشيرنوف، الثوري الاشتراكي والقيادي في السوفييت الذي صار وزيرًا للزراعة في حكومة كرينسكي، صارخًا “خُذ السلطة يابن العاهرة عندما تُقدَّم لك هذه السلطة”.

لكن الكثير من هؤلاء المشاركين أنفسهم كان لديهم آمال وتوقعات ضبابية حول إمكانية ذهاب هذه الاحتجاجات إلى ما هو أبعد من ذلك. كان على تروتسكي أن يَقدُم وينقذ تشيرنوف من القتل على يد مجموعة من البحارة.

اعتبر قادة السوفييت المعتدلين، الذين ظلوا ملتزمين بالتعاون مع الرأسماليين، هذه المظاهرات تطالب بسلطة السوفييت – أي أن يأخذوا هم أنفسهم السلطة بين أيديهم – تهديدًا مريعًا لابد من وضع حدٍ له. وهكذا ذهبوا إلى اتهام البلاشفة بالتآمر ضد الثورة. دافع البلشفي المعتدل كامينيف عن الحزب في السوفييتات، قائلا: “لم نطلق نحن هذا النداء، بل لقد خرجت الجماهير بنفسها إلى الشوارع… وبمجرد أن تخرج الجماهير، فمكاننا بينهم”.

نصف ثورة

مع بدء المظاهرات، سار عشرات الآلاف من المحتجين المسلحين تجاه قصر توريد، حيث مقر السوفييت، فيما توجهت كتلٌ من العمال والجنود إلى قصر كشيسينسكايا، الذي اتخذه البلاشفة مقرًا لهم، مطالبين إياهم بإلقاء الخطب. لكن لينين أحبط المحتجين بحثِّهم على الصبر وضبط النفس.

أطلق المحرضون النار على القوزاق وبعض القوات التي كانت قد استُدعيت من الجبهة لقمع المظاهرة، مما أدى إلى تبادل لإطلاق النار بين الطرفين. وبعد سلسلة من الصدامات المسلحة عديمة الجدوى، والتي تضمنت استخدام البنادق الآلية وقنص المتظاهرين من نوافذ أحياء بتروجراد البرجوازية، أصدر البلاشفة نداءً في 5 يوليو لإنهاء المظاهرة. فتفرَّق المشاركون بعدما شعروا أن المظاهرة قد استهلكت نفسها.

لخَّص تروتسكي “التناقض” الكامن في أيام يوليو: “أراد متظاهرو يوليو نقل السلطة إلى السوفييتات، ولأجل ذلك كان على السوفييتات الموافقة على استلامها”، لكن هذا ما لم يحدث. بل على العكس، أظهر يوليو أن “المعتدلين” كانوا أقرب إلى التحالف مع البرجوازية لكسر المبادرة الثورية منهم إلى قبول السلطة. تلك المبادرة التي نادتهم بالاستيلاء على السلطة.

يذكر تروتسكي في “تاريخ الثورة الروسية” أن يوليو كان بمثابة “نصف ثورة”:

“نموذجٌ من أيام يوليو يمكن أن نجده في كل الثورات القديمة، بنتائج غير مُحبذة وأحيانًا كارثية مختلفة – لكن في نفس الإطار العام. هذه المرحلة مُتضمَّنة في الآليات الداخلية للثورة البرجوازية، حيث أن الطبقة التي تضحِّي أكثر من أجل نجاح الثورة وتتولد لديها أكبر الآمال فيها، تجني أقل القليل”.

كان القانون الطبيعي لهذه العملية واضحًا تمامًا. الطبقة المالكة التي تأتي إلى السلطة من خلال الثورة تميل إلى التفكير بأن هذه الثورة قد أنجزت مهمتها بالفعل، وبالتالي يتركز اهتمامها على أن تُظهر للقوى الرجعية أنه يمكن الوثوق بها. تُحفِّز هذه البرجوزاية “الثورية” غضب الجماهير الشعبية بنفس الوسائل التي تسعى بها لنيل رضا الطبقات التي أطاحت بها. يأتي إحباط الجماهير بعد ذلك سريعًا جدًا، حتى قبل أن تهدأ طليعتها بعد النضال الثوري.

يظن الناس أن بضربة جديدة يمكنهم تحقيق، أو تصحيح، ما لم ينجزوه من قبل بما يكفي من حسم، وبالتالي تتصاعد الرغبة في دفعة جديدة تجاه ثورة جديدة، ثورة من دون ترتيب وتجهيز، ومن دون برنامج، ومن دون تقديرٍ للقوى في الواقع، ومن دون حساب العواقب. على الجانب الآخر، تنتظر الشرائح البرجوازية التي أتت إلى السلطة هَبَّة عاصفة من أسفل لتحاول من جديد تصفية الحسابات مع الشعب. هذه هي القاعدة الاجتماعية والنفسية لهذه النصف ثورة المكمِّلة، التي تتحوَّل، في مرات عديدة في التاريخ، إلى نقطة انطلاق لثورة مضادة منتصرة.

السوفييتات والبلاشفة والحملة الرجعية

بدا أن الرجعية قد انتصرت في الأسابيع القليلة التي تلت مظاهرات يوليو، حيث انتشرت حالة من الركود والموات في أوساط العمال والجنود. شُنَّت الكثير من الهجمات السياسية، وحتى بالاعتداءات الجسدية، على الحزب البلشفي وأعضائه، لكنها كانت حملة رجعية شاملة استهدفت اليسار كله. اعتُقل المئات، منهم كامينيف والقيادي البلشفي راسكولنيكوف من كرونشتاد، وغيرهما من القيادات البلشفية.

اختبأ لينين حفاظًا على حياته، وهكذا فعل زينوفيف، فيما اعتُقل تروتسكي أيضًا، وقُتِلَ ناشطًا بلشفيًا بالسيف بعد القبض عليه أثناء توزيعه بعض المنشورات. أُغلِقَ مقر الحزب في قصر كشيسينسكايا، وكذلك أُغلقت مطابعه. كما هوجمت الكثير من مكاتب الحزب المحلية ودُمِرَ ما فيها.

أصدرت اللجنة التنفيذية للسوفييت في الثّامن من يوليو بيانًا تطالب فيه الحكومة بمواجهة كافة التحركات الفوضوية، مُنعت التجمعات في الشوارع، وأُعيدت عقوبة الإعدام داخل الجيش في منطقة الحرب. ومن ثم بدأت قوى اليمين في العمل بشكل مفتوح وبثقة أكبر. والأكثر أهمية من ذلك أن الحكومة قد أصدرت أمرًا لكل المواطنين بتسليم أسلحتهم.

اتُهم لينين بالعمالة لألمانيا، وكانت لهذه الحملة الشعواء تأثيرًا بالأخص بين العمال والجنود الأقل وعيًا. توقف تجنيد الأعضاء للحزب، ولفترة من الوقت استُبعِدَ البلاشفة من ثكنات الجيش. لكن في النهاية، لم تستمر الحملة الرجعية إلا فترة قصيرة، وفي غضون شهر، استعادت الحركة عافيتها بشكل أقوى وأعمق وأوسع. ولأن العمال الروس كانوا مازالوا غير واثقين في الحكومة، وفي نفس الوقت متأهبين لمواجهة وحش الثورة المضادة، رفضوا تسليم أسلحتهم.

كلما زاد خطر الرجعية وتهديدها، زاد ترحيب الجماهير بالبلاشفة باعتبارهم حرَّاس الثورة وجناحها اليساري. وبينما توقف التجنيد إلى الحزب بعض الوقت، فقد الحزب أعدادًا قليلة للغاية من الأعضاء، وعبرت منظمة الحزب هذه الفترة كما هي دون مساس.

أما السوفييتات المحلية، والتي كانت على صلة مباشرة بمزاج وميول القواعد الجماهيرية، فلم تكن مهتمة بمهاجمة البلاشفة، بل ما كان يشغل بالها هو منع الحكومة من نزع سلاح العمال، وإيقاف إرسال الجنود اليساريين إلى الجبهة، ومقاومة إعادة العمل بعقوبة الإعدام في الجبهة، ومواجهة تغلغل اليمين المتطرف. كل هذه الأهداف أدت مرة أخرى، وبشكل مباشر، إلى عودة البلاشفة إلى المشهد، وتقليص مساحات قادة السوفييت المعتدلين، الذين اصطفوا إلى جانب الحكومة المؤقتة بشكل أكثر قوة مما كانوا عليه قبل أيام يوليو.

ومع بداية أغسطس، لاحظ المناشفة والثوريون الاشتراكيون انتقالا جماعيًا لكتلٍ من أعضاء حزبيهما إلى الحزب البلشفي، وفي نفس الوقت مرر عمال السوفييت بأغلبية ساحقة قرارًا ينددون فيه بملاحقة البلاشفة والقبض عليهم. ومرة أخرى، كان نفوذ البلاشفة يتوسع بشكل كبير في حامية بتروجراد العسكرية.

كان لينين نفسه يبالغ في عمق الحملة الرجعية، حيث رأى أن السوفييتات قد استهلكت نفسها كأجهزة ثورية للسلطة، وأن هذه السلطة لا يمكن انتزاعها سلميًّا كما ظن سابقًا. كما طرح أن على الحزب الآن أن يتخلى عن شعار “كل السلطة للسوفييتات”، مجادلا بأن نداء الانتفاضة المقبلة يجب أن يُطلق من خلال الحزب ولجان المصانع.

لم يتفق الكثير من الأعضاء البلاشفة، الأكثر احتكاكًا مع التطورات في بتروجراد، مع طرح لينين هذا. وفي المؤتمر السادس للحزب، في 26 يوليو، طرح إيرينيف، أحد معاوني تروتسكي (كان لا يزال في السجن في ذلك الوقت)، أن شعار “كل السلطة للسوفييتات” كان مناسبًا حتى وإن كانت الانتفاضة ضرورية لتحقيقه، كما أن العمل من خارج السوفييتات، وضدها، سيؤدي إلى الانشقاق بين العمال الثوريين والفلاحين الفقراء الذين يدينون بالولاء للسوفييت.

أما فولودارسكي، أكثر خطباء الحزب شعبية، فقد قال:

“هل نحن بحاجة إلى الحفاظ على شعار “كل السلطة للسوفييتات” بنفس الشكل الذي كان عليه قبل أيام 3 إلى 5 يوليو؟ كلا بالتأكيد… علينا فقط أن نعدِّل في الشعار الذي يؤيده الفلاحون الفقراء والديمقراطية الثورية المنظمة في سوفييتات مندوبي العمال والجنود والفلاحين”.

رأى البلشفي دجاباريدزه، من باكو، الذي انتُخِبَ عضوًا مُرشحًا في اللجنة المركزية، أن على الحزب ألا يساوي بين السوفييتات المحلية في المقاطعات واللجنة التنفيذية للسوفييت. لقد كان صائبًا في طرحه، كما ستثبت الفترة اللاحقة، أن على الحزب ألا يعطي ظهره للسوفييتات، بل أن يحشد الجماهير حول سلطة السوفييت وأن يكسب أغلبية بلشفية فيه.

إلا أن لينين كان، في نفس الوقت، محقًا في إصراره داخل الحزب من أجل إدراك أن السلطة يمكن انتزاعها فقط عن طريق الانتفاضة. وبرغم أن المؤتمر السادس للحزب رفض رسميًا شعار “كل السلطة للسوفييتات” طوال شهر أغسطس (وما يثير السخرية هنا أن هذا القرار قد اتُخِذَ في وقت كان وضع البلاشفة يشهد حالة من الازدهار داخل سوفييتات كثيرة)، إلا أن الشعار قد انبعث من جديد بعد محاولات انقلاب كورنيلوف في نهاية الشهر. كان الجزء المتبقي من مجادلة لينين هو التشديد على أهمية وضرورة إعداد الحزب والطبقة العاملة من أجل الانتفاضة ضد الحكومة المؤقتة، حيث بدا واضحًا أن الحزب يحظى بأغلبية كبيرة بين العمال والجنود والبحارة في بتروجراد وموسكو وغيرها من المدن.

تسعدني تعليقاتكم

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s