كتاب (الثورة الروسية.. خبرات ودروس) 9 – كيف هُزم كورنيلوف؟ (جين روش)

Posted: 9 مارس 2016 in مختارات سياسية, خبرات نضالية, عمال وجماهير
الوسوم:, , , ,
جين روش
ترجمة: أشرف عمر
الناشر: وحدة الترجمة بمركز الدراسات الاشتراكية

نمت شعبية الحزب البلشفي بشدة في الفترة خلال أواخر يوليو وأغسطس. حيث وصلت عضوية الحزب  في مؤتمره السادس، الذي بدأ أعماله في 26 يوليو، إلى 240 ألف عضو.

ترعرعت هذه الشعبية الكبيرة على خلفية الإحساس المتزايد لدى الجماهير بأن الحكومة الائتلافية الثانية، بزعامة أليكساندر كرينسكي، ليست مستعدة للدفاع عن الثورة في مواجهة اليمين. كان يُنظر لكرينسكي باعتباره يسعى للتوفيق والتصالح مع الجنرالات والرأسماليين، وفي نفس الوقت اعتبر الكثيرون السوفييتات ضعيفة، حيث صار كورنيلوف يسيطر على المزيد من السلطة بين يديه.

بدأت في ذلك الوقت القرارات التي يتخذها البلاشفة ويدافعون عنها تُمرَّر في السوفييتات، وتزايد استيلاء الفلاحين على الأراضي، كما استمر الجنود في الفرار من الجيش بأعداد كبيرة، وتصاعدت نضالية عمال المصانع.

أقلقت هذه التطورات السريعة كلا من الليبراليين والمحافظين في الطبقة الرأسمالية، وكذلك كبار الضباط وكبار ملاك الأراضي. علّق الكثيرون آمالهم على أن يؤدي تحالفٌ بين الأحزاب المعتدلة إلى الحد من الثورة وتوجيهها إلى تشكيل حكومة برجوازية مستقرة. لكن هذه القوى، أيضًا، نفذ صبرها وبدأت في البحث عن حلٍ عسكري. كان زعيم حزب الكاديت الليبرالي، بافل ميليوكوف، قد عبّر عن هذه الرؤية بوضوح في خطابه للجنة المركزية لحزبه، حينما قال إن “علينا ألا نلزم أنفسنا بالثورة بعد الآن، بل على العكس؛ علينا أن نعد العدة لمجابهتها”.

وجد كرينسكي نفسه آنذاك في موضع حرج، فقد خشى أن تؤدي محاولاته القمعية إلى الدفع بالجماهير إلى الشوارع مجددًا، وبالتالي تهديد حكومته بالانهيار، وفي نفس الوقت لم يكن بمقدوره توحيد الحكومة حول برنامج إصلاحي لتهدئة غضب العمال والجنود والفلاحين. لذا فقد حاول الحفاظ على نوعٍ من التوازن الصعب، لكنه وجد نفسه معزولا أكثر فأكثر. من ناحيةٍ، كان هناك البلاشفة الذين تتوطد صلتهم بجماهير العمال والجنود. أما من ناحيةٍ أخرى، فقد كان هناك الرأسماليون وكبار الضباط وكبار ملاك الأراضي الذين سرعان ما أداروا ظهورهم لحكومته.

قوى اليمين تلتف حول كورنيلوف

برزت هذه التطورات بشكل أكثر وضوحًا في مؤتمر الدولة بموسكو، المنعقد في أيام 12 – 14 أغسطس، والذي اعتبره كرينسكي جهازًا استشاريًّا من أجل جلب الدعم. وعلى الجانب الآخر، دعا البلاشفة لإضراب عام احتجاجًا على المؤتمر، وبرغم الاعتراض الذي أبداه سوفييت موسكو، كان الإضراب ناجحًا بشكل كبير. سجّل أحد أعضاء لجنة موسكو البلشفية شهادته عن الإضراب قائلا إنه “بدا مبهرًا. لم يكن هناك أي أضواء، توقفت قطارات الترام، وأُغلقت المصانع والمحال، وكذلك أفنية ومحطات السكك الحديدية، حتى نادلو المطاعم خاضوا الإضراب أيضًا”. أما ميليوكوف، فقد أكد أن “المندوبين القادمين لحضور المؤتمر لم يجدوا قطارات تقلّهم ولا مطاعم يتناولون فيها غداءهم”.

وصف ليون تروتسكي الوضع بأنه “على الرغم من قرارات السوفييتات… اتبعت الجماهير البلاشفة. دخل 400 ألف عامل في الإضراب في موسكو وضواحيها وفقًا لدعوة حزب ظل يتعرض لضربات مستمرة لخمسة أسابيع متتالية، وظل قادته إما في المخبأ أو في السجن”.

سيطرت قوى اليمين على المؤتمر، وظهر الجنرال كورنيلوف كرمز بازغ التفّت حوله هذه القوى. كان كرينسكي نفسه هو من عيَّن كورنيلوف قائدًا للقوات المسلحة في مطلع يوليو، وقد جذب كورنيلوف أنظار اليمين حينما أعاد فرض عقوبة الإعدام في الجيش. لقد رغب أيضًا في تطبيق إجراءات قاسية حتى خارج الجيش، حيث دعا لإعلان الأحكام العرفية في المصانع والسكك الحديدية والمناجم. كانت الجماهير تعتبر كورنيلوف وجهًا للثورة المضادة.

تبنى كرينسكي الإجراءات القاسية التي فرضها كورنيلوف داخل الجيش، لكنه تهرَّب من إطلاق هجمة شاملة على السوفييتات، وهجمة كتلك كان برنامج كورنيلوف يسعى إلى شنها بالفعل. غادر كرينسكي المؤتمر معزولا ومغمومًا، فيما ترك موقفه الوسطي، وفي 17 أغسطس أعطى أوامره لتنفيذ ما يطالب به كورنيلوف من إجراءات وتدابير. وقد مهّد ذلك الطريق للمواجهة بين قوى الثورة وقوى الثورة المضادة.

بدأ كورنيلوف في حشد قواته على الطريق إلى العاصمة بتروجراد، بموافقة من كرينسكي. لكن في اللحظة الأخيرة، أدرك كرينسكي، متأخرًا، أن انتصار كورنيلوف لن يعنيَ فقط هزيمة البلاشفة، بل هزيمة حكومته هو أيضًا. وفي 27 أغسطس، صرَّح بأن كورنيلوف يزحف إلى بتروجراد بغرض فرض الديكتاتورية، كما طالب كورنيلوف بالاستقالة فورًا من منصبه.

مجابهة كورنيلوف

أما بين الجماهير، فقد كانت هناك عملية أخرى قيد الإعداد؛ الدفاع العملي عن بتروجراد من خلال الحراك الشعبي. في 27 أغسطس، عقدت اللجنة التنفيذية للسوفييتات اجتماعًا استمر طيلة الليلة لمناقشة قضيتين أساسيتين: الموقف من حكومة كرينسكي التي تواطئت مع كورنيلوف، والدفاع عن بتروجراد. ومن ثم أنشأت اللجنة التنفيذية جهازًا عسكريًّا دفاعيًّا سُمِّيَ بلجنة النضال ضد الثورة المضادة.

في كل الأحوال، فإن تشكيل البلاشفة تحالف مع الأحزاب التي كانت تطاردهم وتسجنهم، كان يمثل قضية حاسمة. أوضح المؤرخ المنشفي سوخانوف الأمر كما يلي:

“كان على اللجنة، أثناء استعداداتها الدفاعية، أن تتوجه لتحفيز جماهير العمال والجنود. لكن الجماهير، أو القطاعات المُنظَمة منها، كانت مُنظَمة بواسطة البلاشفة، بل وتتبع البلاشفة. في ذلك الوقت، كان البلاشفة يمثلون التنظيم الأكبر والأكثر تماسكًا وانضباطًا، والأكثر اتصالا بالمستويات الديمقراطية الأدنى في العاصمة. من دون هذا التنظيم، لكانت اللجنة عاجزة تمامًا.

من دون البلاشفة، لكان الوقت قد مرَّ فقط ببعض النداءات والخُطب الكسولة من أفواه خطباء فقدوا مصدر سلطتهم. أما مع البلاشفة، كانت اللجنة تحوز القوى الأكبر للعمال والجنود المنظمين تحت تصرفها”.

حينما كان لينين مختبئًا، كتب خطابًا ينصح فيه البلاشفة، قائلا: “سنحارب، سنحارب ضد كورنيلوف، تمامًا كما ستفعل قوات كرينسكي، لكننا لا نؤيد كرينسكي. بل على العكس، نحن نفضح ضعفه. هناك فرق… ينبغي أن تُشن الحرب على كورنيلوف على نحوٍ ثوري، بدفع الجماهير فيها”.

في الأيام الحاسمة، ألقى البلاشفة والطبقة العاملة في بتروجراد بأنفسهم في النضال ضد كورنيلوف. وفي ظل حالة الشلل التي سيطرت على الحكومة الرسمية، صارت لجنة النضال ضد الثورة المضادة مركزًا قياديًّا للدفاع عن بتروجراد، وقد التف حولها حراكًا جماهيريًّا هائلا من أسفل، وانتشرت اللجان الثورية كالنار في الهشيم. وبين 27 و30 أغسطس، صار هناك أكثر من 240 لجنة ثورية في كل أرجاء روسيا، وقد قادت المنظمات المحلية القتال في كل منطقة.

طالب البلاشفة بتسليح العمال، كما شكَّلوا ميليشيات عمالية. كانت هناك طوابير من العمال الراغبين في الانضمام إلى “الحرس الأحمر”، وقد تولى التنظيم العسكري البلشفي تدريبهم وتوزيعهم. أما العمال غير المسلحين، فقد عملوا على بناء المتاريس، وحفر الخنادق، ونصب أسيجة الأسلاك الشائكة على مشارف المدينة.

في مصنع بوتيلوف، عمل العمال ليل نهارٍ للانتهاء من تجهيز الأسلحة التي أُرسلت بعد ذلك لميدان المعركة دون اختبار. نقل عمال التعدين السلاح للميدان وأعادوا ضبطه هناك. كما اضطلع عمال التلغراف والسكك الحديدية بدورٍ حاسم. يصف تروتسكي الأحداث بأن:

“قام عمال السكك الحديدية خلال تلك الأيام بما ينبغي عليهم عمله. استُخدمت أساليب غامضة جعلت قطارات القطعات تغير مسارها، وتسير مبتعدة عن النقاط المُحدَّدة لها. اختلطت الأفواج بفرق لم تكن تابعة لها، وحُشرت وحدات المدفعية في ممرات لا مخرج منها، وفقدت هيئات الأركان اتصالها مع قطعاتها… عمال التلغراف أيضًا كانوا يوقفون أوامر كورنيلوف. كانت المعلومات السيئة بالنسبة للكورنيلوفيين تُطبع فورًا على عدة نسخ، وتُنقل إلى الجهات المُختصة، وتُعلق على الجدران، وتنتقل من شخص إلى آخر”.

علّق تروتسكي أيضًا على ذلك قائلا إن “الجنرالات كانوا قد اعتادوا، خلال سنوات الحرب، على التعامل مع وسائل النقل والاتصالات باعتبارها مسائل تقنية، لكنهم اكتشفوا بعد ذلك أنها مسائل سياسية”.

أُرسلت فِرَقٌ من المحرضين للتحدث علانيةً مع جنود كورنيلوف. أعدادٌ غفيرة منهم لم يُخبروا من قبل لماذا يُرسلون للزحف إلى بتروجراد، وانقبوا على ضباطهم. في واحدة من فِرَق كورنيلوف، رفع الجنود راية مكتوبًا عليها عبارة “الأرض والحرية”، وألقوا القبض على ضابطهم.

هزيمة كورنيلوف

خلال أربعة أيام، آلت مؤامرة كورنيلوف إلى الفشل. تبعثرت قواته، حيث احتل العمال والجنود قلب الثورة المركزي. أوضح تروتسكي الانهيار المدهش لمحاولة الانقلاب كالتالي:

“كان كل من يبني أحكامه على البرقيات والتهاني ومقالات الصحف، يظن أن عدد هؤلاء الأنصار والمؤيدين كبير إلى حد بعيد. لكن الغريب حقًّا هو أنه ما إن حلَّت الساعة المحددة لظهورهم حتى اختفوا.

لم يكمن السبب في أغلب الأحيان في الجُبن الفردي؛ إذ كان بين الضباط الكورنيلوفيين عددٌ كبيرٌ من الشجعان، لكن شجاعتهم لم تجد نقطة استناد. ومنذ اللحظة التي بدأت فيها الجماهير بالتحرك، لم يعد للأفراد المنعزلين أي مجال للمشاركة في الأحداث. ووجد كبار الصناعيين ورجال المصارف والأساتذة والمهندسون، بالإضافة إلى الطلاب والضباط المحنَّكين، أنفسهم مُبعدين، مُختفين، مُدفوعين إلى الخلف. كانوا يراقبون الأحداث الجارية وكأنهم ينظرون إليها من شرفة عالية”.

وصف المؤرخ أليكساندر رابينوفيتش الدفاع عن بتروجراد في مواجهة كورنيلوف بأنه كان انتفاضة جماهيرية عفوية، فكتب أن “من الصعب إيجاد نهوض سياسي موحَّد وعفوي بشكل كبير ومؤثر وأكثر قوة في التاريخ الحديث”. تروتسكي أيضًا وصف الأحداث بأن الطابع الجماهيري والديمقراطي فيها قد تولَّد من جديد:

” ولم تنتظر التنظيمات السوفييتية القاعدية بدورها صدور الأوامر من الأعلى. وتركز العمل الرئيسي في الأحياء. في ساعات الترددات الكبيرة التي عاشتها الحكومة، والمباحثات العقيمة التي قامت بها اللجنة التنفيذية مع كرنسكي، ضمت سوفييتات الأحياء صفوفها وتعاونت فيما بينها، وقررت إعلان عقد اجتماع المناطق بصورة دائمة، وإدخال ممثليه في هيئة الأركان التي شكلتها اللجنة التنفيذية، وخلق مليشيا عمالية، وقيام سوفييتات الأحياء بمراقبة مفوضي الحكومة، وتشكيل مجموعات متحركة مهمتها اعتقال المحرضين المضادين للثورة.

ولم تكن هذه التدابير بمجملها تعني أن سوفييتات الأحياء قررت القيام بجزء كبير من الوظائف الحكومية فحسب، بل القيام بوظائف سوفييت بتروغراد أيضًا. وكان منطق الموقف يفرض على أعلى الأجهزة السوفييتية أن تضغط نفسها لتترك المكان لأجهزة القاعدة. وما أن دخلت أحياء بتروغراد حلبة الصراع، حتى تبدل اتجاه هذا الصراع وحجمه بصورة مفاجئة.

وكشفت التجربة من جديد حيوية التنظيم السوفييتي التي لا تنضب؛ لقد شلت قيادة التوفيقيين هذا التنظيم من الأعلى، فتحرك في اللحظة الحاسمة من الأسفل، بدفع من الجماهير”.

لكن، في خضم هذه الانتفاضة العفوية، كان واضحًا أن المُنظمين البلاشفة جاهزون جيدًا لأخذ المبادرة للدفاع عن الثورة. وكقيادات للطبقة العاملة، فقد اضطلعوا بدورٍ مركزيٍ في توحيد العمال والجنود في الدفاع عن المدينة. ذكر تروتسكي أن “في كل مكان كانت تنشأ اللجان وتُنظَّم من أجل الدفاع الثوري، ولم يكن البلاشفة يمثلون سوى أقلية لدى دخولهم هذه اللجان. لم يواجهوا عراقيل في سعيهم للاضطلاع بدور قيادي فيها… لقد حطموا كافة الحواجز التي تحول بينهم للوصول إلى العمال المناشفة، بالأخص الجنود الثوريين الاشتراكيين”.

حينما زارت مجموعة من البحارى تروتسكي وغيره من الثوريين في السجن، سألوهم ما إذا كان الوقت مناسبًا لاعتقال كرينسكي. جاء الرد: “كلا، لم يحن بعد… ضعوا البندقية على كتف كرينسكي، وأطلقوا النار على كورنيلوف. وسنسوّي الحسابات مع كرينسكي فيما بعد”.

مع هزيمة كورنيلوف، واجهت الطبقة العاملة الحية والمنظمة، والتي تضاعفت راديكاليتها، قضية اتجاه وأهداف الثورة. خلال الأزمة، لم ينفك البلاشفة عن الإشارة إلى أن كرينسكي هو من رصف الطريق أمام كورنيلوف. الكثير من العمال والجنود رأوا بأم أعينهم أن البلاشفة هم من دافعوا عن المدينة بكل حيوية وحزم.

في الأوّلِ من سبتمبر، اليوم الذي اعتُقل فيه كرينسكي، أصدر سوفييت بتروجراد لمندوبي العمال الجنود قرارًا يدعو فيه لانتقال السلطة إلى البروليتاريا الثورية والفلاحين ولإعلان جمهورية ديمقراطية. صار الطريق الآن مفتوحًا أمام المرحلة الأخيرة والنهائية للثورة.

تسعدني تعليقاتكم

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s