كتاب (الثورة الروسية.. خبرات ودروس) 10 – الحزب والثورة (بول داماتو)

Posted: 10 مارس 2016 in مختارات سياسية, خبرات نضالية, عمال وجماهير
الوسوم:, , , , ,
بول داماتو
ترجمة: أشرف عمر
الناشر: وحدة الترجمة بمركز الدراسات الاشتراكية

كانت روسيا أول بلدٍ، بل البلد الوحيد، الذي نجح في إنجاز ثورة اشتراكية؛ أي مجتمع يقبض فيه الناس العاديون بأيديهم مقاليد السلطة.

لهذا السبب وحده، لا يمكن أن يسمح حُكَّام العالم الرأسماليين للثورة الاشتراكية أن تنهض على هذه الأسس، وبالتالي فهم يقدمون ما لحق بالثورة فيما بعد من تدهور وتحلل إلى البيروقراطية واستبداد حكم الحزب الواحد، كدليل يثبتون به أن الفشل كان مصيرٌ محتمٌ على الثورة.

هذا ما تهدف إليه المئات من الدراسات التي أعدها “الخبراء” المتخصصين في الشئون الروسية، الذين يصوّرون لينين والحزب البلشفي كاستبداديين قساة لا يرحمون. وفقًا لأغلب هذه الدراسات، لم تنخرط الجماهير في الثورة لتقرير مصيرهم بأنفسهم، بل كان الأمر محصورًا بين يدي حفنة من الأفراد الذين عكفوا على استغلال الغضب الجماهيري وتسخيره لخدمة أغراضهم. هذا الإطار العام، في الحقيقة، يخدم غرضين اثنين؛ فهو أولا يُعلي من دور الأفراد في صناعة التاريخ، وثانيًا يقلل في نفس الوقت من دور العمال العاديين الذين يُعتبرون وفقا لهذا المنظور مغفلين وسُذَّج.

صُوِّرَ لينين كمجنون أخرق، مارس ديكتاتورية الفرد الواحد برغبة محمومة لا تُقاوم في السلطة. المؤرخ روبرت باين، على سبيل المثال، كتب عن لينين على نحو سخيف أن “رغبته الجنونية في السلطة تشبه رافعة عملاقة يحاول بها قذف العالم كله في مدار يروق له، لكن لأنه ضغط بشدة على الرافعة، لا تزال الأرض ترتعد”.

الحقيقة أن الحزب البلشفي صار حزبًا جماهيريًّا في مجرى الثورة نفسها، حيث حاز ولاء العمال الأكثر نضالية. وبعكس ما يُقال بأن الحزب لم يكن سوى ذراعًا للينين، شكَّلَ البلاشفة حزبًا حيًّا بالنقاشات والخلافات، بكُتل وقطاعات مختلفة تتجادل فيما بينها حول مسارات الثورة.

بالتأكيد كان لينين القيادي الأكثر تقديرًا في الحزب، لكنه كان تقديرًا مُكتسبًا من دوره كمُنظِّر وقيادي عملي، وليس بالتنويم المغناطيسي واقتياد الحزب. كان لينين بالفعل أحيانًا ما يجد نفسه في موضع الأقلية، وبالتالي كان عليه أن يناضل من أجل كسب الحزب. والأكثر من ذلك أن في عددٍ من الحالات، جانب الصواب بعضًا من وجهات نظر لينين في قضايا تكتيكية، وما كان من الحزب إلا أن يرفضها أو يصوّبها.

حينما عاد لينين إلى روسيا في أبريل 1917، اعتبر البلاشفة رؤيته – بأن تنتقل كل السلطة إلى أيدي السوفييتات – غير ملموسة بالمرة، بل وحتى رؤية فوضوية. لقد تطلب الأمر منه أسابيع من الجدال المرير لكسب الحزب إلى وجهة نظره. كان على لينين أيضًا أن يناضل بكل إصرار لإقناع الحزب بضرورة الإعداد للانتفاضة فور ما حاز البلاشفة الأغلبية في سوفييتيّ بتروجراد وموسكو.

على الجانب الآخر، ثَبُتَ أن لينين كان على خطأ بعد أيام يوليو حينما رأى أن السوفييتات صارت وقتها مؤسسات مفلسة. أما الحزب، فبرغم أنه صوّت لرفض شعار “كل السلطة للسوفييتات”، إلا أنه لم يرفض الشعار على المستوى المحلي على الإطلاق.

كان لينين أيضًا على خطأ عندما رأى أن الانتفاضة لابد أن تبدأ من موسكو، في حين كان بتروجراد القلعة الثورية الأكبر في روسيا، وكذلك في إصراره على ضرورة أن تُنظَّم الانتفاضة بواسطة الحزب البلشفي في استقلال عن السوفييتات. استطاع قادة آخرون، مثل ليون تروتسكي، أن يرسموا مسارات أفضل في هذه القضايا.

حزب ديمقراطي

تتغافل الحجة القائلة أن البلاشفة “عرقلوا” الثورة عن حقيقة أن الحزب البلشفي كان فقط واحدًا من ضمن أحزاب سياسية كثيرة تتنافس على تأييد الشعب الروسي لها. تمكن البلاشفة من كسب التأييد الجماهيري من الثوريين الاشتراكيين والمناشفة، لكن ذلك لم يكن بسبب قواهم الخارقة في الإقناع أو امتثالهم الأعمى للأوامر، لكن بسبب برنامجهم. كان الحزب البلشفي هو الحزب الوحيد الذي طالب بالأرض للفلاحين والمصانع للعمال وكل السلطة للسوفييتات وبإنهاء الحرب.

كتب المؤرخ أليكساندر رابينوفيتش ذات مرة أن “كل المجموعات السياسية الكبرى فقدت مصداقيتها بسبب تعاونها مع الحكومة وإصرارها على التضحية بصبر لصالح المجهود الحربي”. باختصار، بينما لعبت الأحزاب الأخرى دور كوابح الثورة، أراد البلاشفة استكمالها حتى النهاية.

في نفس الوقت، لم يكن الحزب يهدف إلى شكل من أشكال انقلاب الأقلية على الحكومة المؤقتة بزعامة كرينسكي. عمل لينين وقادة الحزب الآخرين على كبح جماح الحركة حينما رأوا أن تمردًا غير ناضج كان يهدد الحركة كلها بالهزيمة. حريٌ بنا أن نتذكر أن موقف لينين كان أن على الحزب أن “يشرح بصبر” مطالبه ويكسف أغلبية الطبقة العاملة قبل المضي قدمًا في أي خطوة حاسمة ضد الحكومة المؤقتة.

كانت قيادة لينين الجريئة والحازمة، وكذلك وحدة وانضباط الحزب البلشفي مقارنةً بالأحزاب السياسية الأخرى، عوامل هامة في نجاح الثورة. لكن هذه الوحدة وهذا الانضباط لم يكونا بيروقراطيَين، بل عضويَين وسياسيَين. كان الحزب يتناقش ويصوّت على كل القضايا الرئيسية التي تواجهه، فيما كان للمنظمات المحلية قدر كبير من حرية التصرف في المبادرات المستقلة.

يُعزي رابينوفيتش قدرًا كبيرًا من نجاح الحزب البلشفي في التحول من حزب ذي 25 ألف عضو في ذروة ثورة فبراير إلى حزب جماهيري قادر على قيادة النضال بنجاح إلى السلطة بعضوية تصل إلى ربع مليون، إلى “الهيكل الداخلي الديمقراطي والقادر على التحمل للحزب، وأسلوب العمل، وكذلك الطابع المنفتح والجماهيري بشكل أساسي له”.

فُرضَت الأشكال التآمرية السرية للمنظمات البلشفية التي سبقت الفترة الثورية كضرورة على كافة الأحزاب غير الشرعية كنتيجة لظروف القمع القيصري. كان البلاشفة بالفعل على استعداد دائم للتحول إلى أساليب تنظيمية ديمقراطية ومنفتحة، حين تسنح الظروف بذلك. هذه الحقيقة البسيطة يتجاهلها عملياً الكثير من المؤرخين.

أما “المركزية الديمقراطية” التي كان يعمل الحزب البلشفي وفقها، فكانت تُطبَّق بالضبط كما يعني المصطلح: حرية النقاش، ممزوجة بالالتزام التام بالقرارات فور اتخاذها. هذا ما منح الحزب قدرته على “قراءة” ما يجري في المسارات المختلفة للنضال، وتعميم الخبرات عليها وإرشادها. الديمقراطية من دون مركزية ليست إلا منتدى للنقاش، والمركزية من دون ديمقراطية ليست إلا بيروقراطية تعزل القيادات عن القواعد. وكما كتب تروتسكي، فإن:

“كيف لمنظمة ثورية حقيقية، تضع نصب عينيها مهمة الإطاحة بالعالم، وتوحيد الثوار والمناضلين والمتمردين تحت رايتها، أن تحيا وتتطور دون صراعات فكرية، دون مجموعات وتشكيلات مؤقتة لكتل داخلية؟

تستند اللجنة المركزية إلى هذا التأييد الديمقراطي العارم. تشتق من هذا التأييد الجرأة على اتخاذ القرار وإعطاء الأوامر. دقة وصواب القيادة في كل المراحل الحرجة هما ما يمنحا هذه القيادة السلطة الأعلى وهي رأس مال المركزية الذي لا يُقدَّر بثمن”.

أوضح رابينوفيتش ذلك في كتابه “البلاشفة يصلون إلى السلطة”، بالتفصيل، قائلا إن “كانت النقاشات المستمرة والحرة الحية تسود منظمة الحزب البلشفي في بتروجراد، في كل مستوياتها عام 1917، حول القضايا النظرية والتكتيكية الأساسية”، وأن الحزب قد تمكن من جذب التيارات الوسطية والمعتدلة داخله إلى اليسار. “القادة الذين كانوا يختلفون مع الأغلبية، كانت لديهم الحرية في النضال من أجل كسب الآخرين لوجهة نظرهم، وفي كثير من الحالات كان لينين ينهزم في هذه الصراعات”.

حزب جماهيري

مما يثير العجب لدى أغلب المعلقين البرجوازيين أو الفوضويين أن الطابع المنفتح والديمقراطي للحزب البلشفي كان ناتجًا عن التزامه بالتحرر الذاتي للطبقة العاملة.

عادةً ما تُقدَّم فكرة لينين وإصراره على بناء حزب منضبط من الثوريين وكأنها ناتجة عن “عدم الثقة” في الإمكانيات الثورية للطبقة العاملة. بينما، في الحقيقة، بنى لينين حياته السياسية بأكملها على أساس الافتراض الذي أُطَق في السنوات الأولى للحركة الماركسية الروسية، والذي يقول إن “الحركة الثورية في روسيا لا يمكنها إحراز النصر إلا كحركة ثورية للعمال”.

لم يكن المؤرخ المنشفي، نيقولاي سوخانوف، بالطبع مؤيدًا للبلاشفة في 1917، لكنه شهد الحزب وراقبه عن كثب يقود وهو يمهِّد الطريق لثورة أكتوبر، وقال واصفًا الترابط الوثيق بين الحزب والطبقة العاملة إن:

“كان البلاشفة يعملون بعزم وعناد دون توقف. كانوا بين الجماهير، على الطاولات في المصانع، كل يوم دون توقف. عشرات المتحدثين، كبارًا وصغارًا، كانوا يلقون الخطب في سان بطرسبورج، في المصانع والثكنات، كل يوم.

كانت الجماهير تعتبر البلاشفة منهم بالفعل، لأنهم كانوا معهم دائمًا، يأخذون زمام المبادرة دومًا، سواء في التفاصيل أو في الأمور الهامة في المصانع والثكنات. لقد صاروا يمثلون الأمل الوحيد… لقد عاشت الجماهير وتنفست مع البلاشفة”.

يبدو أن سوخانوف لم يفهم أن البلاشفة أنفسهم كانوا عمالا؛ عمالا قياديين على الأرض في النضالات اليومية. لم يهبط البلاشفة على العمال بالمظلات والمناطيد، بل كانوا بينهم بالفعل.

في وقت مبكر، وتحديدًا في يونيو 1917، هيمن المندوبون البلاشفة على لجان المصانع. لم تكن الطليعة البلشفية نخبة معزولة، بل كانوا عمالا مناضلين منظمين صُقِلوا بالخبرات والسياسات المشتركة، وتطوروا خلال تفاعلهم مع زملائهم العمال.

إنّ أحد الدروس التي تقدمها لنا الثورة الروسية أن العمال يمكنهم السيطرة على مقاليد المجتمع وأن الثورات يمكن أن تنتصر. بالطبع هناك درسٌ آخر تقدمه لنا ثورات أخرى هُزمت من قبل (1905 في روسيا، أو 1919 – 1923 في ألمانيا، على سبيل المثال)، وهو أن الانتصار ليس مضمونًا. درسٌ آخر لا يقل أهمية هو أن الثورات يمكن أن تنتصر، كما حدث في روسيا، فقط حينما يكون للطبقة العاملة حزبها الثوري الذي يرشد طريقها إلى السلطة.

Advertisements

تسعدني تعليقاتكم

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s