كتاب (الثورة الروسية.. خبرات ودروس) 11 – الفصل الأخير للثورة (ميشيل بولينجر)

Posted: 11 مارس 2016 in مختارات سياسية, خبرات نضالية, عمال وجماهير
الوسوم:, , , ,
ميشيل بولينجر
ترجمة: أشرف عمر
الناشر: وحدة الترجمة بمركز الدراسات الاشتراكية

مهّد الانتصار على محاولة انقلاب الجنرال اليميني كورنيلوف، في نهاية أغسطس، الطريق للفصل الأخير من الثورة. أما الحكومة المؤقتة، فقد صار العمال الروس يرونها متواطئة أكثر فأكثر. استكمل كرينسكي الحرب وكان متواطئًا في المقام الأول في تعيين كورنيلوف في موضع سلطة في البداية.

لكن الأحزاب الاشتراكية “المعتدلة” (المناشفة والثوريين والاشتراكيين)، برغم أن اشتراكهم وتعاونهم مع الحكومة المؤقتة كان من شأنه أن يشوّه سمعتهم وينال من مكانتهم، كانوا لا يزالوا محتفظين بتأييد قطاع واسع من العمال والجنود والفلاحين. على العكس، حظى البلاشفة بنفوذ أكبر بين الجماهير بسبب الدور الحاسم الذي اضطلع به أعضاؤهم في إلحاق الهزيمة بكورنيلوف والتزامهم الشديد بالدفاع عن السوفييتات. وبحلول سبتمبر، صاروا يمثلون الأغلبية في سوفييتات بتروجراد وموسكو وغيرها في أرجاء روسيا، وانتُخب ليون تروتسكي رئيسًا لسوفييت بتروجراد.

كتب المؤرخ أليكساندر رابينوفيتش أن “المزاج الجماهيري لم يكن على وجه التحديد بلشفيًا بمعنى أنه يعكس رغبة في حكومة بلشفية… وخلال المجريات السياسية فيما بعد هزيمة كورنيلوف، انجذب العمال والبحّارة أكثر من أي وقتٍ مضى نحو هدف تأسيس حكومة سوفييتية توحد كل القطاعات المشاركة في السوفييتات. كان البلاشفة يبزغون في أعينهم مناضلين من أجل السلطة السوفييتية، من أجل الديمقراطية السوفييتية”.

الوضع غير المستقر بطبيعته للسلطة المزدوجة، حيث السوفييتات على جانب، والحكومة المؤقتة على الجانب الآخر، كان لابد له من حل. وصف تروتسكي هذا الوضع باعتباره “قضية أن ينتفض أحد طرفيّ السلطة المزدوجة على الآخر”.

الطريق نحو الانتفاضة

صار شعار “كل السلطة للسوفييتات” بشكل واضح، إن يكن بشكل كامل تمامًا، يمثل تطلعًا للعمال والجنود والكثير من الفلاحين الروس. لكن ذلك لم يكن هدفًا للأحزاب الاشتراكية الروسية – المناشفة والثوريين الاشتراكيين، وحتى بعض البلاشفة الذين كانت لهم رؤية ضبابية حول ضرورة بناء حكومة اشتراكية ائتلافية واسعة لإنجاح حكومة كرينسكي المؤقتة.

بحلول منتصف سبتمبر، توجه البلاشفة للتأثير في مؤتمر الدولة الديمقراطي، ذلك الكيان الذي أسسه القادة المناشفة والثوريون الاشتراكيون لمنافسة مؤتمر سوفييتات عامة روسيا. كان من المفترض أن يمهِّد مؤتمر الدولة الديمقراطي الطريق أمام برلمان يمثل كل الطبقات في روسيا، وقد ترأس كرينسكي جلسته الافتتاحية.

لكن بالنسبة للينين، كان هذا التوجه خاطئًا تمامًا، فقد رأى أن البلاشفة بذلك يهدرون فرصة لن تتكرر للتجهيز للإطاحة بكرينسكي واستيلاء السوفييتات على السلطة. لقد شنَّ حملة داخل الحزب – أولًا داخل قيادة الحزب، ثم بعد ذلك على مستوى القواعد – لاتخاذ خطوات فورية لتنظيم الانتفاضة. أما الإحجام عن تبني دعوة لينين، فقد جاءت بسبب الخوف من أن يكرر البلاشفة تجربة أيام يوليو، حيث أن تحركات في ظرف لم ينضج بعد ستؤدي إلى نتائج معاكسة.

لكن لينين أصر على أن الموقف قد اختلف بالفعل، وكتب في نداء عام:

“أيها الرفاق، انظروا حولكم، انظروا ماذا يحدث في الريف، انظروا ماذا يحدث في الجيش، وستجدون أن الفلاحين والجنود لا يطيقون الأوضاع أكثر من ذلك… اذهبوا إلى الثكنات، اذهبوا إلى وحدات القوزاق، اذهبوا إلى العمال واشرحوا لهم الحقيقة. إذا آلت السلطة إلى أيدي السوفييتات، فستكون هناك حكومة عمال وفلاحين في روسيا، ستعرض على الفور، دون تأخير ولو يوم واحد، سلامًا عادلًا لكل الشعوب المتحاربة… إذا آلت السلطة إلى أيدي السوفييتات، ستُعلن أراضي كبار المُلاك ملكية جماعية للشعب… كلا، لن يعاني الناس التأخير والتأجيل ولو ليوم إضافي واحد”.

اجتمعت اللجنة المركزية للحزب البلشفي في 10 أكتوبر، وكانت تلك المرة الأولى التي ناقش فيها لينين رفاقه وجهًا لوجه في الوضع الجديد. أصر لينين على أن “الوضع السياسي ناضجًا تمامًا لنقل السلطة”، وحظى طرحه بأن الاستيلاء على السلطة هي “قضية اليوم” بعشرة أصوات مقابل اثنين. لكن النقاشات استمرت مع اثنين من الرفاق كانا أكثر من عاوناه لفترة طويلة، جريجوري زينوفيف وليف كامينيف، اللذين عارضا قرار الانتفاضة. كان الرجلين متشككَين في قوة البلاشفة من ناحية، وضعف الحكومة المؤقتة من ناحية أخرى.

رأى زينوفيف وكامينيف أن على الحزب أن يحافظ على “موقفٍ دفاعي” ويستكمل خططه في العمل داخل جمعية تأسيسية كان كرينسكي قد وعد بانعقادها. كان منظورهم لسلطة الطبقة العاملة أن على “السوفييتات أن تكون مسدسًا موجهًا إلى رأس الحكومة، بمطلب عقد الجمعية التأسيسية، وأن تتصدى للمؤامرات الكورنيلوفية”.

أجاب لينين: “هل ثمة مسدس يعمل من دون طلقات؟ إذا كان المسدس يضرب الطلقات، فهذا لا يعني، من زاوية الإعداد التقني للانتفاضة، إلا شراء الطلقات وتجهيزها، وحشوها في المسدس – الطلقات وحدها لن تكون كافية”.

أثبت لينين صحة طرحه بضرورة الإعداد للانتفاضة، لكنه كان مخطئًا في تصور كيفية حدوثها، سواء في جداله بأنها يجب أن تنطلق باسم البلاشفة نيابةً عن السوفييتات، أو في اقتراحه أن تبدأ من موسكو. أما تروتسكي وبعض القادة البلاشفة، فقد مكّنهم وضعهم بشكل أفضل من إدراك أن تأييد البلاشفة إنما هو ناتجٌ عن إخلاصهم للسوفييتات وللسلطة السوفييتية. لقد بدأوا في تطوير استراتيجية للإعداد للانتفاضة تستفيد من قوة السوفييتات نفسها.

أنشأ سوفييت بتروجراد لجنة ثورية عسكرية لتنظيم الدفاع عن الثورة. وفي ظل قيادة تروتسكي، بدأت اللجنة في التصدي لكل محاولة قمع تشنها الحكومة المؤقتة، ليس فقط للدفاع بل لتوسيع نطاق السلطة السوفييتية.

السوفييتات تنتزع السلطة

جاءت اللحظة الحاسمة في أكتوبر، حينما أعلنت حكومة كرينسكي فجأة عن خطتها لنقل حامية بتروجراد، التي كانت مركزًا هامًا للثورة مثلها مثل مصانع المدينة، إلى الجبهة. كتب رابينوفيتش عن رد فعل الحامية على ذلك أن “القوات ببساطة أعلنت عدم ثقتها في الحكومة المؤقتة، وطالبت بنقل السلطة للسوفييتات”.

أرسلت اللجنة العسكرية الثورية مفوضيها للإحلال محل ممثلي الحكومة في كل وحدات الحاميات، كما أصدرت قرارًا بأن “أي توجيهات للحامية ليس مُوَّقعة باسم اللجنة العسكرية الثورية لا تُعتبر سارية”. تمكن السوفييت من السيطرة الفعلية على القوات المسلحة في بتروجراد بعيدًا عن كرينسكي. وفي هذا الصدد، كتب رابينوفيتش أن ذلك كان بمثابة “نزع سلاح الحكومة المؤقتة دون إطلاق رصاصة واحدة”.

في تلك الأثناء، كان المؤتمر الثاني لسوفييتات عامة روسيا قيد التجهيز، وقد كان البلاشفة واثقين أنهم سيحوزون أغلبية المندوبين. في ذروة المؤتمر، أخرجت الحكومة المؤقتة آخر ما في جعبتها للهجوم؛ فعلى سبيل المثال أمر كرينسكي بأن تُرفع الجسور في وسط العاصمة لتعطيل الحركة – تمامًا كما فعل القيصر أثناء ثورة فبراير.

كان اللجنة العسكرية الثورية تتخذ من معهد سمولني مقرًا لها لتنسيق أعمالها. كان المعهد في الأصل مدرسة داخلية للطالبات، واتُخذ بعد قيام الثورة مقرًا مركزيًا لسوفييت بتروجراد، وكان يتجمع فيه قادة البلاشفة والمجموعات الثورية الأخرى. كتب عنه تروتسكي أنه كان موضع التقاء “المحرضين والمنظمين وقيادات المصانع والمفارز والسرايا والمقاطعات… يتلقون الأخبار عما يحدث ويشرفون على الأنشطة المختلفة ثم يعودون إلى مواقعهم”.

في النهاية، استولى العمال المسلحون والجنود على السلطة ببساطة تثير الدهشة. كتب تروتسكي أن مجموعة من الجنود “كانت قد تولت مهمة السيطرة على محطة قطارات نيقولاييفسكي، في خلال ربع ساعة احتلوا المحطة دون طلقة واحدة”. كافة المباني الحكومية والمحطات والجسور ومراكز الاتصالات احتلتها هي الأخرى كتائب وسرايا ومفارز مشابهة. وبسهولة بالغة، سيطرت مجموعة من 40 بحّار على مبنى بنك الدولة المطل على قناة إيكاترينينسكي.

علّق تروتسكي قائلًا: “أُنجزَت المهمة، لم يكن من الضرورة استخدام القوة، فلم تكن هناك ثمة مقاومة. رفعت الجماهير المنتفضة أذرعها لتزيح سادة الأمس جانبًا”.

في 25 أكتوبر، استولت فِرَقٌ من العمال المسلحين على قصر الشتاء، حيث كان يتحصّن كرينسكي ومسئولون مرموقون آخرون في الحكومة المؤقتة. كان كرينسكي نفسه قد لاذ بالفرار قبل ذلك بعدة ساعات، بينما أُلقيَ القبض على الوزراء المتبقين دون قتال.

وأثناء نقله إلى زنزانته في قلعة تروبيستسكوي، اكتشف أليكساندر كونوفالوف، وزير التجارة والصناعة في حكومة كرينسكي، “فجأة أن ما من سجائر معه، فطلب من البحّار المرافق له، بخجل وحذر، سيجارة. لم يعط البحّار له ورقًا وتبغًا فقط، بل حين رأى ما بدا عليه من ارتباك، لف له السيجارة جاهزة للتدخين”.

مع كل خطوة خطتها الجماهير الروسية في طريق تحررها، كانت تفضح التهديدات الفارغة التي أطلقتها البرجوازية، والاشتراكيون المعتدلون أيضًا مثل المناشفة، حيث حذروا من الفوضى التي ستعم البلاد. حتى تقارير الشرطة تلك الليلة أشارت إلى غياب تام لأي شكل من أشكال الفوضى.

في صباح اليوم التالي، انعقد المؤتمر الثاني لسوفييتات عامة روسيا، وأصدر مرسومًا بنقل السلطة للسوفييتات. أُسقطت الحكومة المؤقتة، وصار شعار “كل السلطة للسوفييتات” – التجسيد العملي لحكم الطبقة العاملة الديمقراطي – واقعًا حقيقيًا.

تسعدني تعليقاتكم

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s