كتاب (الثورة الروسية.. خبرات ودروس) 12 – تراث 1917 (آلان ماس)

Posted: 12 مارس 2016 in خبرات نضالية, عمال وجماهير
الوسوم:, , , ,
آلان ماس
ترجمة: أشرف عمر
الناشر: وحدة الترجمة بمركز الدراسات الاشتراكية

شنت اللجنة العسكرية الثورية التابعة لسوفييت بتروجراد، ليلة 24 أكتوبر، الانتفاضة التي أزاحت كافة بقايا وآثار سلطة الحكومة المؤقتة. وحينما انعقد مؤتمر سوفييتات عامة روسيا في صباح اليوم التالي، بمندوبين من كل أرجاء روسيا، كان البلاشفة يمثلون حزب الأغلبية بـ 390 مندوبًا من إجمالي 650 في افتتاح أعمال المؤتمر.

ثاني أكبر حزب كان الثوريون الاشتراكيون، بما يقرب من 200 مندوبًا أغلبيتهم من الجناح اليساري للحزب الذي أيّد الانتفاضة. أما المناشفة، الذين شاركوا في الحكومة المؤقتة بزعامة أليكساندر كرينسكي، فكان لهم 80 مندوبًا فقط. الأحزاب الأكثر اعتدالًا تحدت موقف البلاشفة بأن على السوفييتات أن تمسك بين أيديها كل السلطة في روسيا. واحدٌ من القرارات المنشفية كان ينص على أن “المؤامرة العسكرية للبلاشفة… سوف تُغرق البلاد في شقاق مدني… وتؤدي إلى انتصار الثورة المضادة”.

بعد الرد على كافة أطروحاتهم وهزيمتها، غادر المناشفة المؤتمر، جنبًا إلى جنب مع الجناح اليميني من الثوريين الاشتراكيين. هذا الزعم بأن البلاشفة كانوا قد نفذوا انقلابًا صار بعد ذلك مشتركًا في التأريخ للثورة، في حين أن أغلبية الناس في روسيا في ذلك الوقت، بما فيهم معارضي وخصوم البلاشفة، أدركوا الأمر على نحو مختلف.

على سبيل المثال، أصرَّ المنشفي نيقولاي سوخانوف، الذي أرَّخ للثورة الروسية، على أن “التحدث عن مؤامرة عسكرية بدلًا من انتفاضة على المستوى القومي اتبعت فيها الأغلبية الساحقة من الشعب البلاشفة، حينما ظفر الحزب فعليًا بكل السلطة، لهو حقًا أمر سخيف”. ما تلى أعمال مؤتمر السوفييتات، الذي قادته الأغلبية البلشفية، أكد أيضًا على الطابع الشعبي لثورة أكتوبر.

حينما ظهر لينين في اليوم التالي، بدأ حديثه ببساطة بالتصريح التالي: “سنبدأ الآن في بناء النظام الاشتراكي”. أما الأيام اللاحقة، فقد شهدت الكثير من القرارات والمراسيم التي لم تقل، بل تجاوزت وتفوَّقت على الإنجازات السياسية لأي بلد في العالم في ذلك الوقت.

صوّت المؤتمر لصالح تنسيق السيطرة العمالية عبر لجان مصنعية مُنتَخبة، كما أصدر مرسومًا بإلغاء ملكية الأرستقراطيين وتوزيعها على الفلاحين. أُمِمَت البنوك الروسية، وأُلغيَت إمبراطورية القيصر الاستعمارية لإعطاء الأمم المقهورة التي خضعت لسيطرتها الحق في تقرير المصير. تم الاعتراف أيضًا بالحق في اعتناق الأديان المختلفة، وممارسة شعائرها، أو عدم اعتناق أي دين على الإطلاق.

وكبداية لتأسيس القاعدة المادية لمجتمع المساواة، مُنحت المرأة كافة حقوق الطلاق، وشُرِّع الإجهاض وفق الطلب، كما أُلغيت القوانين التي تُجرِّم المثلية الجنسية. كانت تلك فقط هي البداية، فقد وقفت سلطات الدولة الجديدة وراء الجهود الرامية إلى إنشاء مغاسل ومطابخ ومطاعم جماعية، من أجل أن تشارك النساء بشكل كامل في المجتمع، ليس فقط على مستوى القوانين والتشريعات، بل في الواقع الحيّ.

كانت مشاركة روسيا في الحرب العالمية الأولى من أكثر القضايا الملحّة فور انتصار الثورة، وقد صوّت مؤتمر السوفييتات فورًا لصالح إلغاء الديبلوماسية السريّة، ودعا عمال البلدان المتحاربة الأخرى لطلب سلام عادل. وفي غضون أسابيع قليلة، فُتحت المفاوضات مع الحكومة الألمانية.

كان ثمن إنهاء الحرب باهظًا، فقد طالبت ألمانيا بتنازلات هائلة، وقد أثار ذلك نقاشات حادة حول المسار الذي يتوجب على الحكومة العمالية الجديدة أن تتخذه. وقد عمل البلاشفة على تحفيز هذه النقاشات من خلال نشر المواقف المختلفة على أوسع نطاق في كل أرجاء البلاد.

في النهاية، تسيّد موقف لينين، بأن على البلاشفة أن يقبلوا بمعاهدة سلام، مهما بلغت الشروط من إجحاف، وإلا سيفقدون الثورة والدعم المُقدَّم لها. وُقِّعت اتفاقية بريست – ليتوفسك في مارس 1918. فقدت روسيا جزء كبير من أراضيها التي تضمنت حوالي ثُلث السكان، ونصف الصناعة و90% من مناجم الفحم.

برغم ذلك، كان هذا أول نضال في التاريخ تقوده الجماهير العمالية في بلد لإيقاف الحرب التي شنها الحُكَّام. تحقق هدف لينين، وكل البلاشفة، أن تقدم روسيا نموذجًا للجرأة والتحدي لعمال البلدان الأخرى الذين يعانون ويلات الحرب، بحلول نهاية العام، حينما هبَّ العمال والجنود الألمان في وجه قيصرهم.

الثورة والثورة المضادة

على الرغم من ذلك، ما يعرفه أغلب الناس عن الثورة الروسية ليست هذه الإنجازات الهائلة، بل ان الصورة السائدة عن روسيا “الاشتراكية” تتجسّد في دولة “الأخ الأكبر” البوليسية، وعلى رأسها زعماء الحزب وبيروقراطييه. صارت روسيا هكذا بعد خنق الثورة بالحرب الأهلية والتدخل الإمبريالي العنيف والأزمات الاقتصادية المُدمِرة.

لكن هزيمة الثورة الروسية قد اتخذت شكلًا لم يتوقعه أحد، على الأقل الاشتراكيون الذين ساهموا في انتصار 1917. لم ينتج ذلك عن تدخلٍ إمبريالي أو انقلابٍ عسكري ديكتاتوري، بل لقد عاد الحكم الطبقي مفروضًا على الجماهير في ظل بيروقراطية الدولة بزعامة جوزيف ستالين، الذي استمر رغم ذلك في ترديد نغمة الثورة والاشتراكية. لقد استمرت السلطة البيروقراطية في ترديد لغة وتعابير سلطة العمال وليَّها من أجل تبرير الاضطهاد والاستغلال.

ليس ذلك مختلفًا عن بلدان مثل الولايات المتحدة التي تتخفى في عباءة “الديمقراطية” اليوم. إلا أن وحشية روسيا الستالينية تُستخدم دومًا في الجدالات ضد الاشتراكية، حيث يُقال أن كل محاولات تغيير المجتمع جذريًا مُحتمٌ عليها التمخُض عما هو أسوأ. حتى الكثير من الناس، ممن ينتمون إلى اليسار والمتعاطفين مع ثورة 1917، يؤمنون رغم ذلك أن بذور الستالينية إنما كانت كامنة فيما أقدم عليه البلاشفة في ظل لينين من إجراءات.

لذا، فمن المهم لكل من ينظر إلى الثورة الروسية كمثال يستلهم منه الدروس والخبرات أن يصير قادرًا على توضيح كيف انتصرت هذه الثورة المضادة، التي صعدت باسم “الاشتراكية” ثم باسم “الشيوعية”.

الإجابة الرئيسية تكمن في حقيقة أن الاشتراكية ممكنة فقط في ظل الوفرة، أي حينما يكون هناك ما يكفي لتلبية احتياجات الجميع، ويمكن تسخير موارد المجتمع في سبيل تحفيز الحرية والديمقراطية. أما دولة العمال الروسية، فقد تأسست منذ البداية، على النقيض، في ظل حصار لم يكن بمقدورها تجنبه.

خلال أيام الانتفاضة، كان عمال بتروجراد ينظمون عملية الدفاع في مواجهة جيشٌ من الثورة المضادة بقيادة الجنرال بيوتر كراسنوف، الذي كان يسعى لاستعادة كرينسكي مرة أخرى على رأس السلطة. وعلى مدار خمسة أعوام، كانت هناك “جيوش بيضاء” أخرى، بقيادة جنرالات ينتمون للنظام القيصري، تهدد الدولة العمالية. كانت الجيش الأبيض مدعومًا بحكومات 14 دولة إمبريالية ترسل السلاح والعتاد والقوات – حوالي 200 ألف جندي في المجمل – مسانَدةً للثورة المضادة.

لقد كانت روسيا أفقر بلدان أوروبا، بنظامٍ اقتصادي بعثرته الحرب وعبثت به. أغلبية السكان كانوا لا يزالون فلاحين، مربوطين بالأرض، يعيشون حياةً لا تختلف كثيرًا عما عاشه أسلافهم منذ قرون مضت. كان بإمكان العمال الروس الإطاحة بالحكومة المؤقتة، لكن الثورة لم يكن بوسعها الاستمرار حية بمفردها لوقت طويل. كان البلاشفة على قناعة تامة بأن روسيا ستحتاج مساندة ثورة اشتراكية أممية.

كتب لينين: “إننا بعيدين تمامًا حتى عن المرحلة الانتقالية من الرأسمالية إلى الاشتراكية. لم نأمل يومًا في إنجاز الاشتراكية دون دعم البروليتاريا الأممية”. لم يكن ذلك وهمًا أو خيالًا، بل أن الثورة الروسية كانت قد جاءت في ذروة موجة من الانتفاضات التي اجتاحت أوروبا وما وراءها.

في ألمانيا، سقط القيصر في نهاية العام 1918، مما فتح الباب أمام خمس سنوات من الانتفاض كانت السلطة العمالية فيهم احتمالًا وشيكًا. قامت جمهوريات سوفييتية في المجر وبلغاريا، لم تعش طويلًا. كان احتلال المصانع يهز أركان إيطاليا. وحتى في الولايات المتحدة، وقعت مدينة سياتل بين أيدي العمال خلال إضراب 1919 العام.

كان فيكتور سيرج قد كتب في كتابه “العام الأول من الثورة الروسية” أن:

“كانت الصحف مذهلة في تلك الفترة. كل يوم كانت تنشر آخر البرقيات وأحدثها، كانت الإشاعات الغامضة تلتقطها الآذان وتتناقلها الأفواه: تمرد في باريس، تمرد في ليون، ثورة في بلجيكا، ثورة في القسطنطينية، انتصار السوفييتات في بلغاريا، تمردات كبيرة في كوبنهاجن. في الحقيقة، كانت أوروبا برمتها تزلزلها الحركات الجماهيرية، كانت السوفييتات تظهر في كل مكان، حتى في جيوش الحلفاء. كان كل شيء ممكنًا، كل شيء”.

في النهاية، انحسرت الموجة الثورية بدون انتصارات ممتدة مثلما حدث في روسيا. كانت العواقب مُدمِرة، ليس فقط للعمال الألمان، لكن أيضًا لمصير روسيا نفسها.

صعوبات خطيرة

كانت الثورة على وشك الانهيار أثناء الحرب الأهلية. في إحدى مراحل الحرب، أدت هجمات الجيش الأبيض المُعادي للثورة إلى تقليص المساحات تحت سيطرة الدولة العمالية فقط إلى موسكو وما حولها (كانت العاصمة قد انتقلت إلى موسكو في ذلك الحين). لكن انتصر الجيش الأحمر في النهاية بفضل الإخلاص والتضحيات الجمَّة التي قدمها العمال الروس للثورة. انتصر الجيش الأحمر، لكن بعد أن دفع ثمنًا باهظًا، حيث انخفض إنتاج كل شيء في روسيا، من غذاء ومواد أوَّلية وسلع صناعية، إلخ.

تقول بعض التقديرات أن روسيا عانت خلال سنوات الحرب الأهلية تقليص رهيب في وسائل الإنتاج بشكل أكبر كارثية مما شهدته أي بلد أخرى في التاريخ الحديث. أُهلكت الطبقة العاملة الروسية – الطبقة التي صنعت الثورة وقادتها – وتقلّصت أعدادها حرفيًا إلى النصف بعد الخسائر الضخمة التي تكبدتها البلاد في الحرب، وإثر النزوح الجماعي من المدن هربًا من المجاعة.

إلا أن هذه الإحصائية ليست دقيقة في تبيان الاختفاء الرهيب للعمال الواعين طبقيًا والأكثر تقدمًا، فلقد تطوَّع هؤلاء في الجبهة أثناء الحرب الأهلية، أو حُشروا في أجهزة الدولة ليحاولوا يائسين جمع شتات المجتمع الروسي والحفاظ عليه سويًا. لم يكن أي بلشفي يتوقع أن يحل كل هذا، أن يكون ثمن الدفاع الناجح عن الثورة هو تدمير الطبقة التي أخرجتها إلى الحياة.

في ظل كل هذه الضغوط الهائلة، بدأت أواصر ديمقراطية الطبقة العاملة في التمزق. لمدة 18 شهرًا، لم تجرِ أي انتخابات في سوفييت موسكو. في 1919، انقلبت النسبة بين وزنيّ عمال المصانع وموظفي جهاز الدولة، حيث صار العاملين بالدولة أكبر خمس مرات في العدد من العمال الصناعيين. في ظل هذه الظروف، بذل البلاشفة جهودًا كبيرة ومتميزة في إثراء النقاش حول قضايا جوهرية، مثل معاهدة بريست – ليتوفسك، ودور النقابات كما طرحته المعارضة العمالية بزعامة أليكساندرا كولونتاي.

لكن الظروف الموضوعية للحرب والفوضى الاقتصادية دفعت قيادات الثورة في اتجاه مختلف ناتجٍ عن خوفهم الحقيقي من الانتقام البربري للجيش الأبيض إذا استولى على السلطة. وكما كتب المراسل الأمريكي من روسيا آنذاك، ويليام هنري تشامبرلين، فإن:

“تشيرنوف لن يأتي بديلًا عن البلاشفة، إن لم ينجوا من الحرب الأهلية، ليفتتح الجمعية التأسيسية المُنتخبة وقفًا للقواعد الأكثر حداثة للمساواة في حق الاقتراع والتمثيل النسبي، بل سيأتي ديكتاتور عسكري – كولتشاك أو دينيكين – زاحفًا إلى موسكو على حصانٍ أبيض يزفّه رنين أجراس مئات من كنائس العاصمة”.

أو، مثلًا، كما وصف تروتسكي، بأن الجيش الأبيض إذا انتصر، لكان مصطلح “فاشية” ليُقدَّم إلى العالم باللغة الروسية وليس الإيطالية.

لذلك، اضطر البلاشفة لوضع الأولوية القصوى للتصدي للتهديدات العسكرية، على أمل أن تساندهم الثورة في ألمانيا أو في أي مكانٍ آخر. لم يكن هناك متسع لوضع الاقتصاد الاشتراكي قيد التنفيذ، خاصةً وأن الصناعة الروسية كانت في حالة يُرثى لها، مُدمَّرةً بالأزمة التي أعقبت الثورة. بسبب الحرب الأهلية، صارت مركزة الصناعة مسألة حياة أو موت، وقد أدركت لجان المصانع وتقبَّلت الكثير من الإجراءات من أجل ذلك.

المثل بالمثل داخل الجيش الأحمر، كان لابد من ضمان التزام حديدي. خارج الجيش، استنتج البلاشفة أن حتى المظاهر العادية للمعارضة السياسية قد تشكل تهديدًا على حياة الدولة العمالية. وكما كتب المؤرخ إي. إتش. كار، فـ”إذا كان صحيحًا أن النظام البلشفي لم يكن جاهزًا، فيما بعد الشهور القليلة الأولى، لتقبُّل معارضة منظمة، فبالمثل كان صحيحًا أيضًا أن لم تكن هناك أي معارضة جاهزة للظهور في إطار واضح”.

لم يكن هذا ما أراده أيٌ من البلاشفة في تنظيم المجتمع الاشتراكي، ففي كل خطوة كان البلاشفة يتعاملون مع سلسلة لا نهائية من الأحداث الطارئة، فقد كانوا يضطرون بشكل متزايد لخرق الديمقراطية العمالية. كانت هذه هي الظروف التي دفعت لينين ليصف روسيا بأنها “دولة عمالية، لكن مع تشوُّهات بيروقراطية”.

كان لذلك تأثيرٌ لا يمكن تجاهله على قادة الثورة أنفسهم، خاصةً بيروقراطيي الدولة المتحولقين حول جوزيف ستالين، ذلك البلشفي القديم الذي لعب دورًا أقل أهمية في 1917 من أيٍ من قادة الحزب الآخرين. وصف تروتسكي لاحقًا الدور السلبي لأولئك الذين سيطروا على سلطة اتخاذ القرارات للإبقاء على الدولة العمالية، مع اقتران مستقبل الثورة بسلطتهم التي بدت لا تقبل أي تحدٍ:

“لقد أضفت الحرب الأهلية طابعًا لا يزول على الحكومة السوفييتية نفسها، حيث اعتاد الكثير جدًا من المديرين، شريحة كبيرة منهم، على الخضوع غير المشروط لأوامرهم… ليس هناك من شك أن ستالين، مثل آخرين كُثُر، قد تشكَّل وتطبَّع على ظروف وبيئة الحرب الأهلية”.

كل ذلك تولَّد من الظروف الموضوعية للحرب والمجاعة والأزمة الاقتصادية، وليس من أية مؤامرة من البلاشفة “المتعطشين للسلطة” ليحكموا المجتمع. كان ستالين وأعوانه يستخدمون سلطاتهم ويتصرفون، دون وضع ديمقراطية السوفييتات في الاعتبار، لأن السوفييتات نفسها صارت ضعيفة بشكل قاتل. كانت تصرفاتهم تُبرَّر باعتبارها طوارئ مؤقتة، لكن ماذا يحدث حينما تصبح الطوارئ المؤقتة دائمة؟ في النهاية، صار البيروقراطيون حول ستالين يطابقون بين مستقبل الثورة ومستقبلهم هم واستمرارهم هم في السلطة.

البلشفية والستالينية

كان هناك بالطبع اختلافًا نوعيًا بين قيادة الستالينيين الفاسدة على رأس “دولة العمال التي تشوبها التشوهات البيروقراطية”، والنظام الجديد المقبل للحكم الطبقي. فبالنسبة للبيروقراطية الستالينية، فلم يكن هناك من بُد غير الانقلاب على كل إنجازات 1917، لتوطيد سلطتها والظهور بمظهر حُكَّام روسيا المُنزهين عن الأخطاء.

لم يكن صعود ستالين إلى السلطة مفروشًا بالورود، أو أنه قد حدث دون مقاومة. ففي 1922، كان لينين، أثناء المعاناة التي عاشها من السكتات الدماغية التي شلَّته وأدت إلى وفاته لاحقًا، قد كتب خطابًا يوصل فيه بأن يُزاح ستالين من منصب الأمين العام للحزب الشيوعي بسبب أسلوبه المتعالي والاستبدادي، خاصةً فيما يتعلق بالمسألة القومية.

نظم ليون تروتسكي المعارضة اليسارية داخل الحزب للترويج لسياسات اقتصادية تؤكد وتشدد على التطوير الصناعي والمزيد من الديمقراطية وتجديد الالتزام بالأممية الثورية. حظت المعارضة اليسارية بتأييد الكثير من الرفاق المخضرمين الذين خاضوا الثورة والحرب الأهلية، لكن كان انتصار تروتسكي على ستالين والبيروقراطية يتطلب نضالًا حيًا لأغلبية الطبقة العاملة الروسية، في وقت كانت فيه الطبقة مُنهكة من الحرب والانهيار الاقتصادي.

أتت المرحلة الفاصلة الأخيرة في أواخر العشرينات، حينما هزم الستالينيون آخر أكبر أندادهم، وشنوا برنامجًا للتجميع الزراعي وتكثيف الصناعة. يمكن ملاحظة التحوُّل الذي جرى للمجتمع الروسي في هذه المرحلة على وجه التحديد، على كل المقاييس الاقتصادية والسياسية؛ حيث تحوَّل الإنتاج من السلع الاستهلاجية إلى السلع الصناعية، انخفضت الأجور إلى النصف في غضون سبع سنوات، بعد أن كانت قد ارتفعت بنسبة بسيطة رغم الأزمة في العشرينات، انقلبت القواعد التي من المفترض أن تقيّد إيرادات البيروقراطيين، وزادت أعداد العاملين في معسكرات العمل 22 ضعف بين 1928 و1930، كما انقضت البيروقراطية على المراسيم والقرارات التي ظفرت بها ثورة 1917 في تشريع المساواة بين النساء والرجال وحقوق الأقليات القومية.

منذ هذه المرحلة، من المستحيل القول بأن عمال روسيا يديرون ويتحكمون في المجتمع بأي شكلٍ كان، أو أنهم مثلًا يمكن أن يسيطروا على مقاليد الأمور في المستقبل ببعض الإصلاحات السياسية. استمرت ملكية الدولة كما هي. لكن من كان “يملك” الدولة نفسها؟ الإجابة بالتأكيد ليست العمال الروس.

ومن أجل ضمان الانتصار بشكل نهائي، اتُهم تقريبًا كافة قيادات الثورة بمعاداة “الاشتراكية”، وكان مصيرهم بين السجن والإعدام أو الاغتيال. وكما كتب تروتسكي في الثلاثينات، فإن “المحاكمات الصورية” للقيادات البلشفية السابقة قد:

“رسمت بين البلشفية والستالينية، ليس فقط خطًا داميًا، بل نهارًا كاملًا من الدماء. إن الإبادة التي حصلت للجيل الأقدم من البلاشفة، وجزءٍ كبير من الجيل الأوسط الذي شارك في الحرب الأهلية، والقطاع من الشباب الذي حمل التراث والتقاليد البلشفية بكل جدية، تُظهِر التعارض بين البلشفية والستالينية، ليس فقط على المستوى السياسي، بل تمامًا على المستوى المادي”.

اللافت للنظر في النظام الذي قبع ستالين على رأسه هو أوجه التشابه مع الرأسمالية على الطراز الغربي، في المضمون إن لم يكن في الشكل أيضًا. صارت بيروقراطية الدولة تحدد وحدها كيف تُوظَّف موارد روسيا. والأكثر من ذلك أن كان هناك تركيز كبير على التصنيع الثقيل، لا سيما الدبابات والطائرات وكل ما يتعلق بالجيش.

ومثل الرأسمالية، كان القوة الدافعة للإنتاج في ظل حكم ستالين لروسيا هي خدمة أغراض المنافسة. الفرق الوحيد أن المنافسة لم تكن بين شركات  على نصيب أكبر في السوق، بل بين الدول المتبارية على السيطرة العسكرية على العالم. وصلت هذه العملية إلى ذروتها بعد الحرب العالمية الثانية، مع نشوب الحرب الباردة بين القوتين الأكبر في العالم – الولايات المتحدة الأمريكية والاتحاد السوفييتي.

لقد عكس إصرار ستالين على أن الاتحاد السوفييتي أمام مسارين؛ إما اللحاق بالغرب اقتصاديًا، بل وتجاوزه، أو الهزيمة، كيف جرت الأمور في روسيا وفق قوانين الرأسمالية من خلال ضرورة التنافس العسكري. كان الحكم الطبقي الجديد المفروض على روسيا بعد هزيمة الثورة هو رأسمالية الدولة.

أما الانهيار النهائي الذي شهده النظام الستاليني، فقد كان مثلما في 1917، بيد جماهير الشعوب التي هبت ضد الاستبداد، حينما انتفض العمال ضد دول الاتحاد السوفييتي في الكتلة الشرقية في 1989، لتمهِّد الطريق لتفكك الاتحاد نفسه بعد سنوات قليلة لاحقة.

تغيير المجتمع

على الرغم من كل ما فعلته الستالينية في تشويه الاشتراكية، لم يتوقف المدافعون عن الأوضاع الراهنة والراضون عنها عن الافتراء على الثورة الروسية. فحتى باعتبارها ذكرى نضالية منذ زمن بعيد ولى في ظل ظروف مختلفة تمامًا، تظل تمثل تهديدًا.

وبصرف النظر عن أي شيء، فإن التراث الأكثر استمرارية وإلهامًا للثورة كان المثال الذي قدمته لمجتمع يمكن أن يُبنى ويظهر في الوجود من خلال النضال من أجل عالمٍ أفضل. وكما طرح تروتسكي، فإن:

“إن العلامة المميزة للثورة هي مدى المشاركة المباشرة في الأحداث التاريخية. وسواء كانت الدولة ملكية أم ديمقراطية، فإنها تسيطر عادة على الأمة، ويصنع التاريخ أولئك الذين امتهنوا هذه المهنة: كالملوك، والوزراء، والبيروقراطيين، والنواب، والصحفيين. وفي المنعطفات الحاسمة، وعندما يصبح النظام القديم غير محتمل من قبل الجماهير، تحطم هذه الجماهير الحواجز التي تفصلها عن المسرح السياسي، وتقلب ممثليها التقليديين، وتخلق بذلك وضع انطلاق لنظام جديد… تاريخ الثورة بالنسبة لنا هو قبل كل شيء تدخُّل عنيف تقوم به الجماهير في المجال الذي تتقرر فيه مصائرها”.

الآفاق التي انفتحت بأيدي الجماهير، أمامها، هيمنت على ذكريات الاشتراكيين الذين عاشوا الثورة ولعبوا دورًا فيها. تتذكر كروبسكايا، زوجة لينين والتي كانت واحدة من الرواد البلاشفة القدامى، أن “كان مشهد الشوارع في تلك الأيام مثيرًا للفضول؛ في كل مكان كان الناس يتجمعون في كتل بشرية، يتجادلون بحماس، ويناقشون الأحداث الأخيرة… كان المنزل الذي عشنا فيه يطل على فناء، وحتى في هذا الفناء كنا، فور أن نفتح النافذة، نسمع جدالًا ساخنًا… ليالي بتروجراد مرتبطة في ذهني دائمًا الآن بتلك النقاشات السياسية التي كانت تستمر طوال الليل”.

كانت روسيا، في بداية العام 1917، البلد الأكثر تأخرًا في أوروبا كلها، إلا أن الفن والثقافة قد شهدا انفتاحًا وازدهارًا كبيرًا على يد الثورة. لوناتشارسكي، الذي تتفق الكثير من الروايات على أنه كان أكبر الخطباء البلاشفة، يُقال أن حشودًا من الناس كانوا يتجمعون مسحورين بمحاضراته عن شكسبير. حركات جديدة في الفن والأدب والموسيقى بدأت في الصعود وكان لها تأثيرًا ملحوظًا على المستوى الدولي.

المسارح الروسية صارت منارة ثقافية للعالم، وحتى في الثلاثينات، حين كان ستالين يُحكِم السيطرة على مقاليد السلطة، انبهر فنانون أمريكيون بالمظاهر الفنية التي شهدوها. آرثر رانسوم، مؤلف كتب الأطفال البريطاني، وصف المسرح الروسي – الذي كان من قبل حصريًا على النخبة القيصرية – في زيارته لروسيا كما يلي:

“تفقّدت بعناية نوعية الناس الذي يملئون المكان في ظل الحكم الجديد، واستقريت على أن هناك بالفعل تغيير كبير قد حصل في العقول… خلال تلك الليلة، انتقلت عينيّ من وجهٍ إلى آخر، وتصورت أن هناك عدد قليل من الناس في ذلك المسرح يمكنهم أن يحظوا بوجبة عشاء جيدة. لكن، من فرط حرصهم، أتخيل، من وجهة نظر الممثلين، أن عرضًا أفضل على المسرح سيكون جيدًا لو الجمهور أقل”.

هناك الكثير مما كُتِبَ عن أن الثورة قد غيّرت بالفعل كل ما وصلت إليه من مساحات الثقافة والمجتمع، وفي كل ركن من روسيا. في الجزء الثاني من عمله الرائع “تاريخ الثورة الروسية”، يقتبس تروتسكي من جنرال قيصري سابق، تلخِّص كلماته الكراهية الشديدة التي ضمرتها الطبقة الحاكمة الروسية للثورة:

“من يصدق أن صبيًا من غلمان البلاط، أو حارسًا في قصر العدل، وصل فجأة إلى منصب الرئاسة في مجلس قضاة الصلح؟ أو أن ممرضًا غدا رئيسًا لوحدة إسعاف؟ وأن حلاقًا ارتقى حتى أصبح موظًفًا كبيرًا، وأن حاجبًا أو عاملًا مأجورًا غدا حاكم منطقة بأسرها! إن من كان بالأمس يشحم عجلات القاطرات أصبح اليوم رئيس قسم من شبكة المواصلات أو مدير محطة… ويعمل صانعًا لأقفال الآن رئيس ورشة!”.

من بالفعل يمكن أن يصدق هذا؟ كان هذا وعد الثورة الروسية، ومأساة هزيمتها بعد سنوات قليلة لاحقة؛ أن المجتمع يمكن إعادة بناءه دون امتيازات أو سلطة لقلة منه، أن يُعاد بناءه دون أن تولد أقلية لتحكم الآخرين؛ أن يُعاد بناءه دون اضطهاد واستغلال، دون اغتراب يصيب الجميع تقريبًا في ظل الرأسمالية.

يبقى هذا الوعد منتظرًا حتى يتحقق في الواقع، ولذلك فإن تاريخ الثورة الروسية يجب أن يفهمه جيلٌ جديدٌ من الثوريين، للاستفادة من دروسه في النضال الجاري من أجل مجتمع اشتراكي.

تسعدني تعليقاتكم

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s