العفوية الجماهيرية والتنظيم – جينفر روش

Posted: 16 مارس 2016 in مبادئ الاشتراكية, مختارات سياسية, عمال وجماهير
الوسوم:, , , ,
جينفر روش
المصدر: إنترناشونال سوشالست رفيو
ترجمة: فريق الترجمة
الناشر: مدونة ما العمل

طُرحتْ العلاقة بين العفويّة والتنظيم مجددًا من خلال الأحداث المُزلزِلة بحقّ في العام الماضي. ففي العقد الأخير أو قبلها بقليل، وحتمًا منذ ١١ سبتمبر، لم تتواجد إلّا مقاومةٌ ضئيلةٌ نسبيًا لمَوْجَةِ الهجمات المتواصلة التي شنّتها الطبقة الحاكمة. كانت هنالك أحداثٌ ملهمةٌ بشكلٍ لا يُصدّق — المظاهرات الكبيرة لحقوق المُهاجرين في ٢٠٠٦، مسيرة المساواة من قِبَل مجتمع المثليين والمثليّات وثنائيي ثنائيات الميول والأفراد الترانز* (LGBT) في عام ٢٠٠٩ – لكنّ هذه النضالات كانت معزولةً بشكلٍ كبيرٍ عن بعضها البعض، وبدا أنها تنحسر بنفس سُرعة نُهوضها.

لكن في العام الماضي، اجتاحتْ العالم موجةٌ من المقاومةِ بدا وكأنّها جاءت من العدم. أولاً مصر، دولةٌ كانت تُعاني تحت ظلّ الحكم الديكتاتوري لمدة ثلاثين عامًا، اهتزّتْ عبر مظاهراتٍ هائلةٍ حين ملأ الملايين ميدان «التحرير» ورفضوا المغادرة ثمانية عشر يومًا حتى سقط النظام. ثلاثون عامًا انقضتْ في ثمانية عشر يومًا. بعدها قام العاملون والطلاب في ماديسون، ويسكانسن باحتلال مبنى الكابيتول احتجاجًا على حربٍ شعواء ضدّ نقابات القطاع العام. وانبثقت مظاهراتٌ طلابيّة في تشيلي، وفي سبتمبر العام الماضي، قامت مجموعةٌ تعدادُها بعض المئات من الناشطين بالاستيلاء على متنزّهٍ بالقرب من «وول ستريت» وتمكّنتْ من إشعال حراكٍ ضخمٍ حَوّلَ النقاش السياسي في الدولة، وقائمة هذه الموجات تطول.

هناك صورةٌ شائعةٌ يتمّ تداولها على فيسبوك بها دزينةٌ من الصور التي تُظهرُ أمواجًا من البشر يقومون بالتظاهر في الشوارع بمدنٍ مختلفةٍ من العالم، والتّعليقُ المكتوب عليها: «يحاول العالم أن يخبرنا هذا العام أنّ كلّنا واحد». وفي ذلك شيءٌ من الصحة؛ يمكن أن يوصف عام ٢٠١١ أنّه عامٌ تميّز بانفجاراتٍ لنضالاتٍ «عفويّة». فمجيءُ هذه النضالات بعد سنينٍ من التراجع كان بمثابة السّيل المُطهّر للساحة السياسية. فبعد كثيرٍ من الركود والتثبيط، فَتحتْ هذه النضالاتُ أبوابًا جديدةً وطرقًا جديدةً للتفكير. فقد صار ممكنًا تكوينُ بديلٍ للوضع الحاليّ، وهذا أمرٌ جوهريّ من أجل البدء في تغيير هذا الوضع. فجماهير الطبقة العاملة التي شُطِبَت بوصفها ساكنة ومُقيّدة بفعل الهموم التافهة ونُعِتَت بالبلادة صارتْ فجأةً تُعتبر مادّةً تاريخيّةً قادرةً على القيام بأفعالٍ بطوليّة وتضحيات.

وفي لحظات النشوة بالتحديد – حين سقط الرئيس المصري حسني مبارك، وحين تم الاستيلاء على مبنى الكابيتول في ماديسون، وحين تمّ الدفاع عن متنزه «زوكوتي» بنجاحٍ في ساعات الصباح المبكرة – فقد كان هناك ميزةٌ هوجاء لأحداث العام الماضي. فجأةً، صار كلّ شيءٍ ممكنًا. وكلمات الشاعر وردسوورث والمكتوبة عن الثورة الفرنسية: «نعمةٌ أن تكونَ حيًّا في ذاك الفجر» تبدو بليغة التعبير.

لكن إذا أَظهرَ العام الماضي الإمكانيّات الهائلة الموجودة لدى الناس العاديين من أجل تغيير المجتمع وِفقَ مصلحتهم الخاصة، فقد أظهر أيضًا الاحتياطيّات الهائلة التي اتخذتها الضفّة الأخرى. ربّما نحن قادرون على إسقاط مبارك، لكنّ تفكيك كاملِ آليّات الثروات والمميزات والسلطة التي بُني عليها النظام أمرٌ آخر، والتحدّي الأصعبُ هو إبدال النظام بواحدٍ مبنيٍّ على وعيٍ وتديرُه الجماهير من أجل مصالح الأغلبية العظمى من الناس.

نحن لا زلنا في بداية هذه العملية؛ ففي كل مكانٍ تواجه هذه الثورات الجماعيّة تحدياتٍ حقيقيّةٍ حول المضيّ قدمًا. ففي ويسكونسن، لم ينجح المحافظ سكوت واكر في الانتخابات المُعادة فحسب، بل سحق خصمه من الحزب الديموقراطي. وفي مصر، على الرغم من تفادي انقلابٍ عسكريٍّ شاملٍ حتى الوقت الراهن، فإن القيادات العليا للقوّات المسلحة لا تزال ممسكةً بزمام الأمور؛ وحركة «احتلّوا وول ستريت» (OWS) اختفتْ على الرّغم من كون التّفاوت الاقتصادي والظّلم الذي غذّى الحركة لا يزال آخذًا في النمو.

هذه حقيقةٌ لا بدّ من مواجهتها مباشرة، يقع هذا السببُ بالتحديد وراء أهمّية طرح السؤال حول العلاقة بين النّضال العفوي والمنظّم. هناك الكثير ممن استنتجوا من أحداث العام الماضي أن أبرز وأهمّ العوامل تحديدًا كان عفويّ الطابع – بمعنى أنّ الناس لم يتمّ استدعاؤهم أو تنظيمهم من قبل نقابات العمّال أو المنظّمات اليسارية. هناك ميلٌ للاحتفاءِ بغياب الأحزاب السياسية والارتياب من أيّ قوّاتٍ منظّمة والجدال حول كون الأشكال التقليديّة للمنظّمات قد استُبدلتْ بشبكاتٍ أفقيةٍ من الناشطين الذين اجتمعوا معًا في الفضاءات العامّة لتحسين استراتيجيّاتهم وخُططهم.

انحسرت الفكرة المغلوطة عن كون النّاس أنانيين أو أنّهم أكثر بلادةَ من أن يُقاوموا؛ لكنّ حلّت محلّها أسطورةٌ جديدة: أنّ الطاقة الثوريّة وفعّاليّة الجموع لا تنضبان، وأنّ أيّ عوائق مُلقاة في طريقنا يُمكن تجاوزها عبر إنزال أعدادٍ كبيرةٍ للشوارع والساحات. وعلى الرّغم من أنّ تفاؤلًا ثوريًا كهذا يُدفئ القلب ويمكن تفهّمُه، لكنّه ليس رزينًا بما فيه الكفاية؛ ففي العام الماضي رأينا أيضًا حدود العفويّة. كان هناك شعارٌ أصدرته حركة «احتلّوا وول ستريت» ردًا على إخلاء متنزّه زوكوتي: «لا يمكنكم طرد فكرةٍ حان أوانها». كان شعارًا جميلًا وجريئًا، وقد كان فيه شيءٌ من الصحّة من ناحية أن المارد خرجَ من المصباح ولا تستطيع الطبقة الحاكمة إعادة الغطاء بسهولةٍ على الطبقة الغاضبة التي دخلتْ حيّز التركيز هذا العام. لكنّ القضيّة هي أن هذه الأفكار والعواطف لا بدّ أن يتمّ تحويلها نحو تنظيمٍ أقوى وأفعال ملموسة إذا ما أُريد لها الاستمرار في أن تَجِدَ تعبيرًا عنها وأن تنال أيّ مكاسب حقيقية.

عودة النّضال الجماهيريّ خلال السنة الفائتة هو تطوّرٌ مُرحّبٌ به. وفي الواقع، إنّي أجادلُ في كونه شرطًا مُسبقًا لإعادة بناء اليسار الحقيقي، لكنّها فقط بداية العمليّة. ما أريد الحديث عنه هنا هو أنّه من الخطأ وضع العفويّة والتنظيم كنقيضين. كلاهما عاملٌ مختلفٌ في العمليّة الثورية وهما يتواجدان في علاقةٍ جدليّةٍ ثابتة مع بعضهما. القدرة على إدراك هذه العلاقة والمهمّات الرئيسية في أي لحظة هو أكبر التحدّيات التي تواجه الثوريين.

لذا، وبعد قضاء كل هذا الوقت في الحديث عن دور النضالات العفويّة، أظنّ أن الأمر الأوّل الذي يجب ذكره هو أنّه لا وجود لشيءٍ كعفويّة مُطلقة. فإلى حدٍّ ما، هذه عبارةٌ تبيّن حقيقةً واضحة: لا بدّ لأحدٍ، أو لمجموعةٍ من الناس، من أن ينادوا لفعلٍ معيّن –حتى وإن كانت هذه الأفعال غير منظّمة نسبيًا أو تَبْرُز منفصلةً عن غيرها من القوى التّقليدية التي قد تكون أكبر منها. لكن هناك أمرٌ أكبر متضمّن في العبارة؛ فكما يقول الماركسي الإيطالي أنطونيو غرامشي: «كل حركةٍ فيها عناصرُ قيادة واعية، وانضباط». أي، بعبارةٍ أخرى، يمكن القول أنّه لا يوجد حراكٌ دون قيادة. وهذا يصدقُ حتى وإنْ لم يعترف «القادة» بدورهم.

فعلى سبيل المثال، حركة «احتلّوا وول ستريت» لم تقرر «عفويًا» أن تتبنى الإجماع كهيكلٍ تنظيمي. كان هناك قادةٌ، أفرادٌ بعقودٍ من الخبرة السياسيّة، جادلوا بوعيٍ وتعمّدًا لهذه العمليّة في مقابل غيرها. اقتراحاتهم تعكس مجموعةً محددةً من الأفكار السياسية. ونتيجةً لخبراتهم وخلفيّتهم، فقد كان هناك أفرادٌ أصبحوا مدرِّبين للناشطين وكان لهم وقعٌ متباين حول شكل وطبيعة التجمّعات العامّة للحراك ككل. وللوقت الراهن، فأنا لا أعلّق حول ما إذا كان هذا الإسهامُ إيجابيًا أم سلبيًا؛ أنا أعترفُ فقط به كحقيقة. ويستحضرُ ذلك للذاكرة تأكيد غرامشي أنّه «حقيقةُ أن كل حراك عفويٍّ يحتوي عناصرًا ابتدائيّة للقيادة الواعية والتنظيم تتجلّى بشكلٍ غير مباشر في حقيقة أنه يوجد ميلٌ وجماعاتٌ ممن تتغنى بالعفويّة كمنهج».

وعلى كلّ حال، حين نبتعد قليلًا عن فكرة «العفويّة المُطلقة» بمعنى النضالات غير المُخططة وغير المنظّمة واللا-قياديّة، فهناك جوانب مهمّة يتوجّب علينا منها فهم العفويّة كظاهرة حقيقية. وفي الواقع – وبنواحٍ عدّة – يمكنك القول أنّ تعليل كارل ماركس للتغييرات الاجتماعية يرتكز على وجود العفويّة. يُجادل الماركسيون أن ظروفَ الرأسمالية، وبالتحديد ميلها لأن تدخل أزمات، تضمنُ أنّه سيكون هناك مقاومةٌ لها. لكن هذا لا يحدث بطريقةٌ متوقّعة أو جارية، بل يتجسّدُ في انفجاراتٍ دوريّة للنضال – وهي النقاط التي يتحوّل فيها الصراع الطبقي الجاري لصراعٍ مفتوح.

توقّع الوقت والمكان والحدث المُعيَّن الذي سيتسبب في ثورةٍ جماعيّة هو أمرٌ نادر إن لم يكنْ مستحيلًا. وغالبًا ما يتفاجأ حتّى منظّمو الأحداث التي تؤدي لانفجاراتٍ كهذه بتسارع الأحداث. ولمْ تكنْ يومًا الحالة أن انفجارًا نَجَمَ عن قوىً متعاكسةٍ تبني قوّتها تدريجيًا حتى تصل للنقطة التي تُمكنّها من استدعاء الجماهير للشوارع خلف شعاراتِ تلك القوى. وفي الواقع، فالمُحاولاتُ التي قد تفشل في حالةٍ ما ربّما تكون ناجحةً جدًا في حالات أخرى نظرًا لعوامل خارج إطار تحكّم القوى المُنظّمة أو الأفراد المشاركين.

ولأخذ مثالٍ قريب جدًا من خبرتي، فيمكن أن نُعاين التصاعد الدراماتيكي لـ«احتلال وول ستريت». فقبل الحراك بثلاثة شهور، كان هناك تخييمٌ مشابه في قاعة البلديّة، وقد أُطلق عليه «بلومبرغفل» (أي، «قرية بلومبرغ»). والليالي الأولى لكلا المخيّمين كانت متشابهة: جوٌّ احتفاليّ متكامل بحلقاتٍ طبليّة؛ عددٌ يتراوح بين ١ حتى ٢٠٠ شخص؛ مزيجٌ من الاشتراكيين والأناركيين والنقابيين وطلابٍ لا-منتمين وشبابٍ يافع؛ تجمّعُ عام في الهواء الطلق لمناقشة الخطط والأهداف؛ وتخييمٌ قانونيٌ – لكنّه مفتوح ومُتّحد – على عتبات النخب السلطوية. وعلى الرغم من ذلك، فبعد أسبوعٍ من بلومبرغفل كان واضحًا أنّه على الرغم من الوعود بالدّعم، إلا أن النقابات لن تقومَ بعمليّاتٍ تعبويّة أو تنضم إلى الحراك، ولم يكن هناك منضمّون جدد. تكوّنت شبكاتٌ تواصليّة مهمة، وبدأ مركزٌ من المنظّمين بالتكوّن، وكانت الشروط المُسبقة متواجدة، لكن النضال لم ينهضْ. تم إغلاق المُخيّم بعد عدة أسابيع من بدئه وتخفيضات الميزانيّة تمّ تمريرها. وعلى النّقيض من ذلك، فبعد أسابيع من التخييم في زوكوتي، أصبحت حركة احتلال وول ستريت جماهيريّة وتجذب الآلاف من الناس للنضال وحصلتْ على اهتمامٍ وطنيّ.

الفارق بين الحراكَيْن لم يكن أن المُنظّمين تمكنوا بطريقةٍ ما من حشد بضعةِ آلافٍ عبر التخطيط الصبور، وليس كونهم اخترعوا وسائل جديدة لكسر حواجز الخوف أو الهُجُوع لدى الناس. لكن بالطّبع فإن استهداف وول ستريت كان فارقًا مهمًا ووفّر فرصةً للحراك بأن يكون وطنيًا عوضًا عن التركيزِ على أمرٍ محليّ. لكنّ الفارق الرئيسي يكمن في سلسلة من العوامل المتزامنة التي مكّنت حركة «احتلّوا وول ستريت» من أن تكون شرارةً لكلّ المرارات المُتجمّعة والتي كانت تهيجُ تحت سطح المُجتمع الأمريكي. شرحُ ماهيّة هذه المرارات خارجٌ عن نطاق هذا الحديث. المغزى هي أنّها كانتْ غير متوقّعة ولم خارج تحكّم الجميع إلى حدٍّ كبير، ووقتما بدأت الحركة فسرعان ما كانت هناكَ ديناميكيّة متنامية وعفويّة فتحتْ فرصًا جديدة وتحدّياتٍ لم يكن المنظّمون قد ترقّبوها أو تأهّبوا لها مُسبقًا. ولقد رأينا ديناميكيّةً مشابهةً – ولو أنّها كانتْ بارزةً بشكلٍ أكبر – في مصر حين نظّم ناشطون مظاهرةً مُعتادةً ليوم الشرطة مما تسبب في بدء عمليّة ثوريّة في ٢٥ يناير ٢٠١١.

كيف نُفسّر هذا؟ كيف نُفسّر أن ما بدت كنضالاتٍ غير مُثمرةٍ أو مظاهراتٍ صغيرة مكوّنة من مئاتٍ أو أنّ سنينًا من العمل الصّبور المنظّم تؤدي فجأةً لثورةٍ كالعاصفة، ولأمثلةٍ من الإبداع الجماهيري وروح المبادرة وأفعال بطوليّة لا حصر لها سواءً كانت فرديّةً أو جماهيرية؟ ذلك له علاقةٌ بالطريقة التي تعملُ بها الرأسماليّة من أجل الحفاظ على استقرارٍ نسبيٍّ، وعلاقةٌ بما أسماه الثوريّ الروسي ليون تروتسكي «سيكولوجية الجماهير». فبينما كان ماركس مُحقًا حين وصف التاريخ أنّه «تاريخ صراع الطبقات، آنًا ظاهرٌ وآنًا مختفٍ»، فالقضيّةُ أيضًا أنّ الصراع لا بدّ أن يكون بطريقةٍ ما تحت السّيطرة أو يتمّ حلّه بالتسوية. وذلك ضروري للطبقة الحاكمة من أجل أن تُحافظ على درجةٍ ما من الاستقرار الاجتماعي؛ أما بالنسبة للطبقة العاملة والمظلومين، فالعيشُ في حالةٍ من التمرّد المستمر ضد النظام السائد سيكون أمرًا مستحيلًا ولا يطاق.

وبالنسبة لغالبيّة الناس في مُعظم الأوقات، فالمُعارضة أو الاستياء مضبوطان؛ يحاول النّاس توجيه أو تحويل سخطهم عبر وسائل مُتاحةٍ لهم ضمن الظروف الراهنة. لكن تناقضات وجَور نظامنا دَمَجَتهُم ضمن نسيج اللاوعي الجمعي؛ فهي تتجمّع، وبعدها تصلُ لنقطةٍ تُصبح معها لا تُطاق. حينها يُصبح الشّق في صرح النظام صدعًا يفتح آفاقًا جديدة. وهذا هو ما يُعطي النضال ميزةً انفجاريةً دراماتيكية.

يصفُ تروتسكي الديناميكيّة الثوريّة في كتابه «تاريخ الثورة الروسية»، وأعتقدُ أنّه يستحق الاقتباس كاملًا:

ديناميكيّة الأحداث الثورية تُحدّدها مباشرةً التغيّرات المباغتة والعنيفة والانفعاليّة في سيكولوجية الطبقات، هذه الطبقات التي كوّنت نفسها قبل الثورة…

المغزى هو أن المجتمع لا يغيّر مؤسساته حينما تستدعي الحاجة، مثلما يغيّر الميكانيكي أدواته. بل على النقيض من ذلك؛ فالمجتمع يرى المؤسسات الموجودة على أنّها ستكون متواجدةً دومًا. فلعقودٍ لم يكن النّقد المعارض أكثر من صمّام أمان لفكّ الاحتقان الشعبيّ أو أكثرَ من شرطٍ لاستقرار البناء الاجتماعي. ومن أجل تحرير السّخط من قيود المُحافظة[*] واجتذاب الجموع للانتفاض، فلا بدّ من وجود شروطٍ استثنائيةٍ منفصلةٍ عن رغبة الأفراد والأحزاب.

التغييرات السريعة لآراء ومزاج الجماهير في حقبة الثورة إذن مُستمدّة ليس من مرونة وحركيّة عقل الإنسان، بل من نقيضها؛ أي مُحافظته العميقة. في وقت الثورةِ هُناك قفزة في حركة للأفكار والانفعالات التي تبدو للعقل المحقّق أنّها نتيجة لأنشطة «الديماغوجيين»، لكنّ ما يصنُعها هو التأخّر الزمني للأفكار والعلاقات عن الظروف الموضوعيّة الجديدة حتّى اللحظة التي تنهارُ فيها هذه الظروف على النّاس على شكل كارثة. (توكيد مُضاف)

وتستنبطُ روزا لوكسمبورغ نُقطةً مشابهة في وصفها لحركة الإضراب الجماعي في روسيا. ففي وصفها لأولى اندلاعات الإضرابات كَتَبَتْ:

لكنّ هذا الفعل المُباشر العامّ تسبب في ردّة فعل باطنيّة قويّة لأنه تسبب للمرة الأولى في إيقاظ الشعور الطبقي والوعي الطبقيّ لملايينٍ فوقها ملايين كما لو أنّه صعقةٌ كهربائية. وهذا الاستيقاظ للشعور الطبقيّ عبّر عن نفسه على الفور في الظروف التي بدأت فيها ملايين الجماهير البروليتاريّة بشكلٍ مفاجئ وحاد إدراك مقدار قساوة الوجود الاجتماعي والاقتصادي الذي تحمّلته لعقودٍ في قيود الرأسماليّة وكيف أنّ العيش فيها لا تطاق. وعند ذلك، فقد بدأتْ زلزلةٌ وكسرٌ عفويّان لتلك القيود. وكل العذابات التي لا تحصى للبروليتارية الحديثة ذكّرتهم بالجروح النازفة القديمة.

لا يمكن لهذه العمليّة – كما عبّرت عنها لوكسمبورغ – أن تُحسمَ بِمُجرّد وضعها كتاريخ في التقويم. ولا يُمكن أن تحدّدها منظّمة ما. ولا يُمكن أن تُستدعى عبر تكتيكاتٍ مُعيّنة بغض النظر عن مدى العبقريّة والإبداع فيها.

ولكن ذلك لا يعني أنّه لا يمكن فعل أي شيء في ظل غياب الثورات الجماهيريّة – أي أننا نُكتّف ذراعنا وننتظر أن يثورَ الناس بعفويّة. فلو كُنا قادرين على ترجمة إيقاع النضال إلى صورة مرئيّة ثم النّظر إليها عن بُعد، فهي ستبدو كأنّها خطٌّ طويلٌ مُسطّح مع وجود انحناءاتٍ مفاجئة وحادّة للأعلى. بعبارةٍ أُخرى، سنرى التاريخ على أنّه فتراتٌ طويلةٌ من الهدوء تتخللها انفجاراتٌ هائلة للنضال. لكن إذا ما اقْتَرَبْت، ستجد أن هناك عمليّةً مُستمرّةً حاضرة: فهناك نضالاتٌ صغيرة غالبًا ما تنتهي بالهزيمة، لكنّها تنتهي أيضًا بانتصاراتٍ صغيرة؛ ويبدأ الحوار بالتطوّر بين شبكات الناشطين والمُنظّمين؛ وتتكوّن المُنظّمات وتنهار وتُنشَأ مُنظّماتٍ جديدة. ففي مفهومٍ مُعيّن، هُناك نشاطٌ لا يتوقف.

حين تكون في وسط هذا النشاط يكونُ من الصعب إدراك كل ما يعنيه. وهذا ليس قُصورًا سياسيًا أو عقليًا من قِبَل المُشاركين. بل هو تأمّلٌ لحقيقة أنّ كل هذه العوامل التي تتكوّن في نشاطٍ مُعيّن لا تتجمّع وتتخذ شكلًا مُحددًا حتى يبرز النّضال على مراحل أعلى. لكن على الرّغم من ذلك، فالتنظيمُ الحاصل في فترات الهدوء ضروريّ؛ فسواءً بشكلٍ كبيرٍ أو صغير، فطبيعةُ النضال الجماهيريّ الذي يبرز يتشكّل غالبًا عن طريق ما يسبقه.

ومن خلال سلسلةٍ من المعارك الصغيرة، فإن عناصر القيادة تبدأ بالتشكّل، والسياسات المُختلفة تبدأ بالبروز، وتبدأ تكتيكاتٌ ورموزٌ ومحاور مُعيّنة بالتطوّر مُتخذةً أصداء. تتشكّل شبكات التواصل، وأحيانًا تندثر ثمّ تظهر مجددًا حين يتطوّر الصراع لمراحل حادّة. ففي المرحلة الأبسط، هناك أفرادٌ يُطوّرون خبرةً وسياساتٍ ويتعلّمون دروسًا منها ويتمكّنون من إعطاء هذه الدروس لمن حولهم.

في مقالٍ بعنوان «النظريّة اللينينيّة في التنظيم»، يُعبّر الاشتراكي إيرنست ماندل عن هذه النقطة بوضوح:

اكشطْ سطح أي «حراكٍ عفويٍ» ظاهريًا وستجدْ بقايا قشورٍ حمراء باهرة. هنا فردٌ من جماعة «الطليعة» يُشعل إضرابًا «عفويًّا». هناك عضوٌ سابقٌ ذو انتماءاتٍ «يساريّة منحرفة»، وعلى الرّغم من أنهُ ترك يساريّته إلا أنّه امتلكَ عتادًا عقليًّا يُمكّنه من التصرّف بسرعة البرق في أي وضعٍ انفجاريّ بينما الجموع المجهولة لا تزالُ مترددة.

ففي حالةٍ ما، سنتمكّن في الفعل «العفويَ» من رصد «النشاط السرّي» من قِبَل نقابات عمّالٍ مُعارضة أو مجموعةٍ من المناضلين؛ وفي حالةٍ أخرى، فإنّ التواصل الذي غُذّيَ بصبرٍ على فترةٍ طويلة من قبل الرفاق في مدينةٍ مجاورة (أو مصنعٍ مجاور) حيثما كان «اليساريّون» أقوياء. ففي صراع الطبقات، لا يوجدُ هناكَ شيءٌ كإوزّة تسقطُ «عفويًّا» من السماءِ مطبوخةً بشكلٍ كامل.

نستطيعُ أن نفحصَ أيّ مثالٍ ذكرته أعلاه لحراكٍ جماهيريّ عفويّ وأن نُميّزَ عناصر القيادة والنضالات الصّغيرة التي ساعدت في إعداد الساحة وتشكيل الانفجارات. ففي مصر، الثّورة التي بدا أنها جاءت من العدم كانت في الواقع مسبوقةً بست سنواتٍ من النمو الملحوظ في النضال. كلا الحراكين الدّيموقراطي من جهة وازدياد حركة الإضرابات من جهةٍ أخرى ساعدا في جذب الناشطين معًا واختراق التابوهات السّياسية السابقة وإعداد السّاحة لتنظيمٍ أكبر.

وفي قلب الإضراب الطلابيّ المذهل في كيبيك فإنّ المنظّمات كانت تتهيأ لهذه اللحظة منذ أربعين سنة. وفي مركز التخطيط لحركة «احتلّوا وول ستريت» فقد كان هناك ناشطون يساريّون وعمّاليون واجتماعيّون عملوا معًا للقتال ضد التخفيضات في الميزانية منذ ٢٠٠٨.

وفي نفس الوقت، وفي سياقٍ أكبر، يجب أن نفهم أن الثورات التي نشهدها اليوم تتشكّل خلال سياق الخمس وثلاثين سنة الأخيرة. فهذه هي السنين التي كانت فيها الطبقة العاملة في تراجُع، وكانت مرحلةُ الصراع الطبقيّ مُنخفضة، وهي مرحلةٌ رأينا فيها هزائم أكثر من الانتصارات. وهي أيضًا الفترة التي لاحظنا فيها صعودًا للنيوليبرالية؛ وهي منظومةٌ اقتصاديّة صعّدت إيديولوجيا الرّوح الفردانيّة ضدّ العمل الجمعي.

وبشكلٍ مهم، فإن سقوط الستالينيّة – بينما كانتْ تمهّد الطريق لإعادة اكتشاف تقاليد اشتراكيّة حقيقيّة من الأسفل – يعني أنّ اليسار الثوريّ ضعيفٌ جدًّا. كل ذلك يساعد في شرح سيطرة الأفكار الأناركيّة وسيطرة الشكوك حول المنظّمات والأحزاب السياسية في هذه المرحلة من الحراك.

على كل حال، فإن أحد ميزات الثورة الجماهيرية أنّها تستقطب العناصر المذكورة سابقًا مع قوى جديدة. وهي تطرح في نفس الوقت أسئلةً جديدة – أسئلة لم يمكن طرحُها سابقًا – فاتحةً بذلك إمكانيّاتٍ جديدة. التنظيماتُ وشبكاتُ المناضلين والمناضلات التي بُنيت خلال تلك الثورات مُسبقًا لها أهميّةٌ حاسمة، لكن يستوجب عليها أن ترتقيَ للإمكانيّات الجديدة وتُحاول قيادتها.

هذه الثورات الجماهيرية تُمثّل مرحلة جديدةً مصيريّة في الصراع؛ فهنا أناسٌ غيرُ واعين (unconscious) يبدؤون بالنشاط. وكما تقول لوكسمبورغ بوصفٍ جميل: «غير الواعي يأتي قِبال الواعي. منطقُ العمليّة التاريخيّة يأتي قِبال المنطق الشخصيّ للأفراد المشاركين في العمليّة التاريخية». وهذا النضالات العفويّة أبعد ما تكون عن جعل المنظّمات من غير مغزى، فهي تجعلها أكثرَ أهميّة: فهي تُشكّل بداية عمليّةٍ حيثُ يُمكن لغالبيّة الطبقة العاملة أن تكونَ واعيةً بظروفها ووضعها، وأن تكونَ واعيةً بكلّ القوى المصطفّة ضدّها، وتكون واعيةً بقوّتها الجماعيّة، وتستطيعُ أن تحقق وحدةً قتاليّة في صفوفها وانتظامًا جماعيًّا يجعلُ استيلاءها على السلطة ممكنًا. هذه هي العمليّة التي تُحوّل فيها طبقةٌ ما نفسها، كما يقول ماركس، من طبقةٍ بحدّ ذاتها لطبقةٍ من أجل ذاتها. وكما يقول لينين، فالعفويّة «بشكلٍ أساسي ليست أكثر من تمظهر الوعي في مراحل نموّه الأولى».

توجدُ بين العفويّة والتنظيم وهذا الوعي المتطوّر علاقةٌ ديالكتيكية ومُتبادلة؛ جميع جوانب هذه العلاقة لا بُدّ أن تُدرك بالكامل.

حين تندلعُ النضالات العفويّة فإنها تفتح آفاقًا غير مرئية سابقًا وتُبرز الطاقات والإبداعات والمواهب المكنونة للناس العاديين. وقد تَمَكّنا من مشاهدة هذه العملية في الثورة المصريّة، حيث بدأ المئاتُ والآلاف من الناس حرفيًّا بمواجهة التحدّيات السياسيّة الكبرى بالإضافة للمشاركة في الحياة السياسية. وحين حاول النظام قمع الثورة في «موقعة الجمل» فإن النّاس ردّت بقوّة مُذهلة عن طريق صنع حواجز وعيادات ونقاط تفتيش مؤقتة بل وأكثر من ذلك، فالاسترجال كان سيّد الموقف.

وقد جرّبتُ ذلك شخصيًّا في النهوض الدراماتيكي لحركة «احتلّوا وول ستريت». ففي وقتٍ بسيط نَمَا هذا الحراك بشكلٍ أكبر ممن بدأوه؛ فالجماعات النشطة انتشرت كل يوم، والجماعات المُختلفة من الأفراد نظّمت نفسها للضغط بمطالباتها، وقد أخذ الناس فكرة «الاحتلال» وطبّقوها بسُبُلٍ متنوّعة وإبداعيّة. ولن أنسى عمل يوم ١٥ أكتوبر في التايم سكوير – كانت مظاهرةً لم يدعُ لها أي منشورٍ من أجل الدعاية لها، ومع ذلك فإن ١٠٠ ألف من الناس انسابت للشوارع متحدّيةً كل التوقعات.

هذه الانتفاضات العناصريّة لطبقةٍ اجتماعيّة بدأت بالتحرّك. هذا شريان حياة أي رؤيةٍ للتغيير الثوري، فبدونِه تصبح النظريّة الثورية عقيمة أو مشلولة. ولهذا السبب فخوف واشتباه الثوريّين المنظّمين من انبثاق الصراعات العفويّة أمرٌ يدعو للضحك؛ هذا ما نعيشُ من أجله. ما يفعله الصراع العفويّ هو أنّه يطرح سؤال تنظيم لمستوى أعلى؛ فهو يزيد الحاجة للسياسات والتنظيم. وهذا شيءٌ يفهمه الناسُ غريزيًّا. ففي كتابها «الإضراب الجماعي»، تصفُ روزا لوكسمبورغ كيف مهّدت النضالات طريقًا لمبادراتٍ تنظيميّة: «فالإضراباتُ “الفوضويّة” ظاهريًّا والأعمال الثوريّة “غير المنظّمة” بعد الإضراب العام في يناير بدأت تُصبح نقطة بدايةٍ لعمل محمومٍ من التنظيم».

تُطرح الأفكار الجديدة — أفكار لا بدّ من تطويرها وتوضيحها وبلورتها في شكلٍ تنظيمي. مجددًا، فإن روزا لوكسمبورغ تصوغُ نُقطة أنّ «أغلى الأمور وأكثرها رسوخًا في المدّ والجزر الحثيث للمَوْجَة هو ترسّباته العقليّة؛ أي النمو العقليّ والثقافيّ للطبقة الكادحة والذي يتقدّم بشكلٍ غير منتظم». وكما يستبطن هذا الاقتباس، فليس هناك أي شيءٍ تلقائيٍّ أو خطّي في هذه العمليّة. فحين يبدأ الناس بالاتجاه نحو صراعٍ مفتوحٍ مع النظام الراهن، تُطرحُ أسئلةٌ جديدة. ووظيفة الثوريين هي ألّا يتخلّفوا عن الأحداث. تصفُ لوكسمبورغ كيف أن الثوريين المُنظّمين يجب أن يحاولوا باستمرار رفع النضال نحو مرحلةٍ أعلى:

في كل مرحلة وكل جانب من النضال، فإن مجموع القوّة المتوفّرة للطبقة الكادحة الذي تمّ إطلاق العنان له يجبُ تحريكه والتعبير عنه في الموقف القتالي للحزب. تكتيكات الديموقراطيّة الاشتراكيّة لا بدّ أن تكون دائمًا أكثر حزمًا ونشاطًا مما تطلبُه علاقات القوّة الراهنة، وألّا تكونَ أقل من ذلك أبدًا.

ويُعبّر لينين عن فكرةٍ مشابهة في منشوره «ما العمل؟»:

الأمر الملتبس هو: كيف يفهمُ الفرد عبارة أن الطبقة العاملة الجماهيرية «ستحدد مهمّاتها»؟ يُمكن تفسيرها بطريقةٍ من اثنتين: فهي إما تعني الخضوع لعفويّة الحراك، أو أنها تعني أن الحراك الجماهيريّ يضعُ نصب عيوننا مهمّاتٍ نظريّة وسياسية وتنظيمية أكثر تعقيدًا مما كان يُرضينا مُسبقًا في الفترة قبل نهوض الحركة الجماهيرية.

ويبدو غنيًّا عن القول أنّ لينين سيُجادل من أجل التفسير الثاني. لكن لِمَ ليس من الكافي أن نقول أنّ الحركة الجماهيرية ستقرر وتحلّ بنفسها تلك المهمّات؟ لم لا بدّ من وجود تدخّل واعٍ؟ هذا الأمر يتعلّق بديناميكيّة الثورة، والتي يجبُ أن يُنظر إليها لا باعتبارها حدثًا واحدًا بل باعتبارها عمليّة. يصفُ تروتسكي هذه الديناميكيّة بروعة:

تذهبُ الجماهير لثورةٍ ليس بخطّة مسبقة التحضير لإعادة بناء المجتمع، بل بشعورٍ حادٍّ أنّهم لا يتحمّلون النظام القديم. وحدها الشرائح المُرشِدة للطبقة تمتلكُ برنامجًا سياسيًّا، وحتى هذا يتطلّب امتحان الأحداث وموافقة الجماهير. فالعمليّة السياسيّة الأساسيّة للثورة تتكوّن إذن في الفهم التدريجي من قِبَل الطبقة للمشاكل المُنبثقة من الأزمة الاجتماعية – أي التوجيه الفعّال للجماهير عبر أسلوب التّقديرات المُتعاقبة.

حين تبدأ أعدادٌ كبيرةٌ من الناس بالنشاط، فإنّ أوّل المتفاجئين ليسوا أولئك الذي ناضلوا زمنًا طويلًا، بل همُ الحكّام الغافلون؛ فالطبقة الحاكمةُ أقنعتْ نفسها بكونِ المقاومة مستحيلة، بعكس الثوريين المُتنبئين بالثّورات ومتأهّبين لها بشكلٍ كامل. في هذه الحالة يمكن أن تهتزّ الطبقة الحاكمة وتفقدُ استقرارها وأن تُوضعَ في موقفٍ دفاعيّ. وفي نفس الوقت وفي علاقةٍ مُتبادلة، فالجماهير المُعبّأة تستمدّ قوّتها وثقتها فجأةً وتتمكّن من التقدّم بسرعة. ويكونُ هنالك حسٌّ من الوحدة وقوّة عزمٍ يستطيعان ولو بشكلٍ مؤقت أن يُغطّيان التناقضات المبطّنة في الحراك.

هذا غالبًا ما يُميّز ما يسمّيه ماركس «الثورة الجميلة» – أي اللحظات الأولية للثورة والتي يبدو أنها توحّد غالبيّة المجتمع في النضال ضد النظام القديم. وهذا هو ما رأيناه بشكلٍ دراماتيكيّ حين سقط حسني مبارك – فلوهلةٍ بدا أنّ المجتمع بالكامل كان مُتحدًا وراء شعارٍ بسيط: «الشعب يريد إسقاط النظام». حسّ الوحدة تمّ التعبير عنه في شعارات غالِبة أخرى في تلك المرحلة من الثورة: «الشعب والجيش إيد واحدة». لكن كما رأينا، فإن النظام القديم لم يستسلم ببساطة؛ فحالما استعاد ثقته بدأ بالمناورة ومحاولة اكتشاف كيفيّة التأقلم، بل وربما توظيف «الإصلاح من الأعلى» من أجل درء أي تهديداتٍ أخرى لمكانة النظام. فالنظام يستجدي التحالف مع أولئك الذين لديهم مصداقيّة بين الجماهير. والرغبة بإلغاء جميع المُكتسبات التي أحرزها النضال دائمًا موجودة وتنتظر بخفّة حتى تجد الطبقات الحاكمة الفرصة المناسبة للقيام بذلك.

في الوقت ذاته، فعمليّة التفريق لا بد أن تجد لنفسها مكانًا في المعارضة. فوقتما تبدأ الموجة الأولية للثورة بالانحسار، فإن بعض الأفراد يتراجعون لعادات وروتينيات الماضي؛ يُصبح الآخرون ناشطين، لكنّهم يتوجهون للمنظّمات الإصلاحية كالنقابات والأحزاب الإصلاحيّة أو قوى المعارضة السابقة؛ لكن البعض الآخر يقتنعون بالحاجة إلى تحوّل ثوريٍّ شامل. القول بأنّ الطبقة العاملة تنجذبُ بعفويّة نحو السياسة الثوريّة الاشتراكيّة غير صحيحٍ إلا في سياقٍ عامٍّ جدًا. فكما يقول لينين: «النظرية الاشتراكيّة تكشف أسباب بؤس الطبقة العاملة بشكلٍ أبلغَ وأصحّ من أي نظريةٍ أخرى، ولهذا السبب يتمكّن العمّال من الانخراط فيها بسهولة».

لكن على كل حال، فأفكار الناس لا تتطور في الفراغ؛ فهي تتشكل وتتأثر بالظروف الراهنة والبدائل المعروضة. هناك قصّة رائعة في تقرير جون ريد الرائع عن الثورة الروسيّة والمُعنون بـ«عشرة أيام هزّت العالم»، حيث يصف مواجهةً بين جنديّ بلشفي وطالب يدّعي أنه ماركسيّ معارض للثورة. ولأنّ القصّة رائعة فسأقتبسُ الفقرة كاملة:

«أنت تُدركُ، كما أفترض» قال بعجرفة، «أنّكم بحمل السّلاح في وجوه أشقّائكم إنما تجعلون أنفُسكم أدواتٍ بأيدي القتلة والخونة؟»

«اسمعني يا أخي»، ردّ الجندي بودّ، «أنت لا تفهم. ألا ترى أنّ هناك طبقتان، البروليتاريا والبرجوازيّة. نحن….»

«أوه، أعرفُ هذا الكلام السخيف!» تدخّل الطالبُ بوقاحة. «جمعٌ من الفلّاحين الجهلة أمثالك يسمعون شخصًا ما يصيحُ ببضع كلماتٍ جذّابة. أنت لا تفهم ما تعنيه الكلمات. أنت تُرددها فقط كالكثير من الببغاوات». ضحك الحشد. «أنا طالب ماركسي. وأقول لك أنّ هذه ليست هي الاشتراكية التي نُقاتل من أجلها. فهي مجرد أناركية مُساندة للألمان!»

«أوه نعم، أعلم ذلك،» ردّ الجندي والعرق يتصبب من حاجبه. «أنت رجلُ متعلّم، ومن السهل ملاحظة ذلك، وأنا مُجرّد رجل بسيط. لكن يبدو لي…»

«أفترضُ» قاطَعَ الآخر بازدراء، «أنّك تعتقد أن لينين صديقٌ حقيقي للبروليتاريا؟»

«نعم، أعتقدُ ذلك»، ردّ الجندي بحرقة.

«إذن يا صديقي، هل تعلمُ أن لينين أتى عبر ألمانيا في قطارٍ مُغلق؟ هل تعلمُ أن لينين تسلّمَ أموالًا من الألمانيين؟»

«في الواقع لا أعرف الكثير عن ذلك»، ردّ الجندي بعناد، «لكن يبدو لي أن ما يقولهُ هو ما أودّ سماعه أنا وغيري من البسطاء. هناك طبقتان، البرجوازية والبروليتاريا…»

«أنت أحمق! يا صديقي، قضيتُ عامين في شليسلبورغ لأجل النشاط الثوري بينما كُنتَ أنت تقتنصُ الثوّار مُغنّيًا (حفظ الله القيصر)! اسمي فاسيلي جورجيفيتش بانيين. ألم تسمع بي؟»

«أأسف للقول أنّي لم أسمع بك»، ردّ الجندي بخضوع. «لكن مُجددًا، أنا غير متعلّم. ربما أنت بطل عظيم».

«أنا كذلك»، ردّ الطالب عن قناعة. «وأنا مُعارض للبلاشفة الذين يُدمّرون روسيا وثورتنا الحرة. كيف تبرّر ذلك؟»

حكّ الجندي رأسه. «لا أستطيع التبرير لكلّ شيء»، قال وهو عابسٌ بسبب آلام نشاطه الفكريّ. «بالنسبة لي يبدو الأمر بسيطًا – لكن مُجددًا، أنا لست مُتعلمًا جيّدًا. يبدو لي أنّ هناك طبقتان؛ البروليتاريا والبرجوازيّة…»

«ها هو يُعاود مجددًا هذه الصّيغة السخيفة!» صرخ الطالب.

«…. طبقتان فقط»، واصل الجندي بإصرار. «وكلّ من لا ينتمي لجانب، فهو ينتمي للآخر…»

لطالما أحببتُ هذه القصة لأنها تُعبّر عن حقيقة بسيطةٍ وتوضيحية: هناك طبقتان ضخمتان، وإذا لم تكُن في إحداهما فستكون في الأخرى. ولكن نادرًا ما يُنظّم الصراع الطبقي نفسه بطريقةٍ يكون فيها الحكّام الحاليّون والمُتطفّلون عليهم مصطفّين في جهة والطبقة الكادحة والمظلومون مصطفّون في الجهة الأخرى بانقسامٍ واضح. ولو نظّم الصراع الطبقيّ نفسه كذلك، فلربّما يكون الصراع العفويّ كافيًا وتكون الثورةُ أمرًا سهلًا نسبيًّا. وفي الواقع، فإيديولوجيا البرجوازيّة – أو الطبقة الحاكمة – تفرضُ نفسها بطرقٍ متعددة، ويتم إيصالُها عبر امتدادٍ من المؤسسات، والعديد من تلك المؤسسات ينمو عبر الصّراع نفسه؛ سوى أنّها مُلتزمة بالعمل ضمن إطار النظام القائم. ومن الأمثلة على هذه المؤسسات: النقابات الحرفيّة وأحزاب الإصلاح وغيرها من الأحزاب المُعارضة.

قدرة الإيديولوجيا البرجوازية على ألّا تظهر كقوّةٍ مُعادية ومُعارضة للطبقة العاملة (بل على الظّهور كأنها إحدى تنظيمات الطبقة العاملة) هو ما دفع لينين للقول بأن «الطبقة العاملة تنجذبُ عفويًا للاشتراكية؛ ومع ذلك فإن الإيديولوجيا البرجوازيّة الأكثر انتشارًا (والتي يتم إحياؤها باستمرار وبتنوّع) تفرضُ نفسها عفويًا على الطبقة العاملة بدرجةٍ أكبر». والانتفاضاتُ الثورية أبعد ما تكون عن إلغاء هذه المؤسسات، بل هي تميل إلى جلب شرائح جديدة لصفوفها. كانت هذه نقطة ضعف روزا لوكسمبورغ. فكعضوٍة في المثال الرئيسي لمثل هذا التنظيم، ألا وهو الحزب الاشتراكي الديموقراطي الألماني، رأتْ النّضال العفويّ كأمرٍ يتجاوز مُحافظة النقابات العمّالية والأحزاب الإصلاحية. وقد كتبتْ: «القادة الذين يتخلّفون سيتمّ سيُستبعدون من قبل الجماهير العاصفة».

وللأسف، فقد أثبتت التجارب المؤلمة أنّ هذا المنظور خاطئ؛ وفي الواقع، إن هذه التنظيمات غالبًا ما تكون المستفيد الأوّل من الصراع. والسبب يرجعُ لنقطة تروتسكي القائلة أنّه في الصراع تتخطّى أفعال الناس أفكارَهم. وللوهلة الأولى، فإن السواد الأكبر من الناس سيتطلّع لهذه المنظّمات والمؤسسات التي لعبتْ أو بدا أنها تلعبُ دورًا مُعارضًا من داخل النظام. سينجذبون نحو من يعرضُ ما يبدو أنّه أكثر الوسائل سلميّةً وسُرعةً لإرضاء حاجاتهم العاجلة. فعلى سبيل المثال، كان الإخوان المسلمون المستفيد الأساسي في مصر من الانتفاضة الثوريّة لأنّهم أرسوا جذورًا وتأثيرًا عبر عقودٍ من الزمان على أنّهم جماعةٌ معارضة من داخل النظام الموجود. وقد استفادوا من الانتفاضة بغضّ النظر عن كونهم لم يبدؤوها ولم يكونوا قادتها، وبغضّ النظر أيضًا عن أنّ سياساتهم لا تعكسُ التطلّعات أو المصالح الطبقية لغالبيّة المصريين، بل إنّ سياساتهم في الوقع معارضة لتلك التطلعات والمصالح.

ستُحاول الطبقة الحاكمة أن تستخدم منظّماتٍ ومؤسساتٍ كهذه لإعادة فرض سيطرتها وإعادة توجيه حالة السخط للنظام القائم. وقد رأينا ذلك بشكلٍ مُصغّر في النضال ضدّ المُحافظ سكوت ووكر في وسكونسون. فقد تحرّك الناس للنضال سريعًا، وكانت مرحلةُ التنظيم الذاتي والمُبادرة مُلهمةً بحق. لكن النقابات كانت القوّة الأكثر تنظيمًا وقدرةً على قيادة النضال، وقد قادوه بعيدًا عن المواجهة المُباشرة ونحو إعادة الانتخابات. أي أنّ النقابات قامت بصرف النّاس ووضع الصراع مجددًا في المناطق التي تُعطي الأفضليّة للطبقة الحاكمة، وقادته بعيدًا عن المناطق التي تستمدّ منها الطبقة العاملة قوّتها. والقوى اليسارية لم تكن قويّةً أو متطوّرةً بالشكل الكافي الذي يُمكّنها من فرض قيادةٍ بديلةٍ فعّالة.

في مصر، لم تكن الثورةُ موجهةً بكُره الديكتاتورية وحسب، بل بسبب الضغائن الطبقيّة المتطرفة التي صنعتها الدكتاتورية أيضًا؛ ومع ذلك، فإن المجلس العسكري والبرلمان ذو السيطرة الإخوانية نجحا في المناداة بوحدةٍ وطنيّة والدفاع عن الثورة بحجّة أن مطالب الطبقة العاملة كانت «ضيقة الأفق» و «مقطعيّة». ولهذا فبينما يمكننا الحديث عن الانفجارات الجماهيرية العفويّة والترحيب بها، فإن الحديث عن العفويّة كمنهجية أو استراتيجية أمرٌ غير معقول. في المجال التطبيقي، هذا يعني التنازل عن القيادة السياسية لصالح القوى الطبقية المُعارضة. يمثّل النضال العفوي في الواقع نقطة انطلاقٍ يُمكن للجماهير أن تبدأ منها عمليّة التوعية بمصالحها وقوّتها. لكنّ هذه ليست عمليّةً خطّيّة، بل هي عمليةٌ تُحاول الطبقة الحاكمة التدخّل فيها ومواجهتها من أجل الدفاع عن مصالحها، وتقوم بذلك عبر توظيف كل الوسائل المُتاحة لها.

وهي أيضًا ليست عمليّة ثابتة. المنظّمات القائمة تمّ اختبارُها، والصراع يكون سلسًا حين يُجرّب الناس استراتيجياتٍ مُختلفة ويتعلمون دروسًا ويتراجعون ثم يمضون قُدُمًا مُجددًا باحثين عن منظّمات وبدائل تعكس تطلّعاتها العميقة. لكن أيًا من ذلك لا يحصل بشكل تلقائي. ربّما تكونُ المنظّمات القائمة قد تمّ اختبارُها واكتُشف عدم كفئها، لكنّ ذلك لا يعني أن الناس ستتبنى وقتها شعاراتٍ ومناهج ومنظّمات جديدة وثوريةً بشكل أكبر. وإذا لم يُوجد أي بديلٍ موثوق به، فمن الممكن للناس أن تتراجع نحو اليأس أو الفتور. وظيفة المنظّمات الثورية هي أن تخلق أساسها على الانتفاضات الجماهيرية العفويّة، وأن تندمج معها، وأن تطوّر أفضل جوانبها، بحيث ينتجُ عن ذلك أنها تطوّر فهمًا واعيًا للتطلعات المُستترة في تلك الأفعال وتبلورها في المنظّمات التي تستطيع توفير بدائل متينة حين يبدأ الناس بفهم العالم من حولهم وموقعهم فيه.

هذا هو المعنى الحقيقي لعبارة لينين أن «حقيقة أنّ الجماهير تدخل الحراك عفويًّا لا يجعل تنظيم الصراع أقل ضرورة. بل على العكس، فهي تجعله أكثر أهمّية».

ولذا، أودّ العودة لجندينا البلشفي: ما يبدو أنّه عبارة بسيطة «أن هناك طبقتان إن لم تكن في إحداها كنت في الأخرى» هي في الواقع إنجازٌ تنظيري وتنظيمي أساسي. ثقة الجندي ووضوحه التي عبّر عنها بعد ثلاثة أيام من ثورة أكتوبر، تمثّل قدرة الحزب البلشفي عبر فترةٍ من الصراع والجدل الصبور للتصدّي لكل المحاولات التي تهدف لإعادة النبضات الثوريّة للجماهير الروسيّة لإطار النظام القائم. فقد تمكّن الحزب من عرض إطار بديل بناءً على نشاط الطبقة العاملة الذاتي وكسب غالبية الطبقة العاملة إلى فهمٍ واعٍ لذاتها كقائدةٍ لكل المُستغَلّين والمُضطهَدين والمحرومين.

هذا الفهم تم الفوز به بصعوبة بناءً على الحقائق التي تمّ تعلّمُها بناءً على تجارب ذاتية مريرة؛ لكنّ ذلك لم يكن ممكنًا بدون حزبٍ أسس نفسهُ على الصراع العفوي للعمّال بينما يُحاول بشكلٍ متزامن في كل منعطف إعطاء تعبير واعٍ للتطلعات العميقة المستترة في كل نضالٍ مُشابه. وقد قالها الاشتراكي الهنغاري جورج لوكاكس بشكلٍ مُختصرٍ وبليغ: «لا بدّ على الحزب أن يغوص بنفسه في الحراك الجماهيري العفويّ ورفعه من أعماق الضرورة الاقتصادية، حيث تَكوّن، لأعلى درجات العمل الحرّ والواعي. وفي القيام بذلك، سيحوّل الحزب نفسه في لحظة انفجار الثورة من حزبٍ يضع المطالب، إلى حزبٍ يفرض واقعًا فعليًا».

وهذا هو السؤال حقًا. سواء كان الناس قادرون على المقاومة، سواء كانوا سيناضلون بعفوية، أو ما إذا كانوا قادرين على الإقدام بأفعال بطولية والتضحية والابتكار، هي أمورٌ خارج التساؤل. حتى إذا ما فقد جيلٌ التبصّر بهذه الإمكانيات، فأحداث العام الماضي أحضرتها لمقدّمة اهتمامنا. السؤال هو ما إذا كنّا قادرين على فرض واقع فعّال – فيما إذا كان تنظيم الطبقة العاملة الضروري متغلغلًا في هذه النضالات وواعيًا بأهدافه وفاهمًا للقوى المصطفّة ضده، قادرًا على الكفاح من أجل السلطة بنجاح. طرحت النضالات التي شهدناها السؤال حول هذه السلطة، لكنّه يبقى بلا جواب. ولهؤلاء منا الذين يريدون الذهاب أبعد من تحدّي النظام الغاشم والهمجيّ واستبداله بنظامٍ مبني على التضامن والإبداع، نظامٍ مبنيٍّ على كل الطاقات الإنسانية الكامنة التي شهدناها خلال العام الماضي، فهذه هي المهمة. وهي بلا شكّ ليست سهلة أو مضمونة، لكنّها الطريق الأوحد للمضيّ قُدُمًا.

تسعدني تعليقاتكم

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s