في ذكرى كوميونة باريس.. لويز ميشال: المرأة التي بنت المتاريس

Posted: 21 مارس 2016 in مختارات سياسية, خبرات نضالية, عمال وجماهير
الوسوم:, , , , ,
المقال منشور باللغة الإنجليزية في جريدة “العامل الاشتراكي” الأسبوعية البريطانية
9 أكتوبر 2004
ترجمة أشرف عمر
 الناشر وحدة الترجمة – مركز الدراسات الاشتراكية

يعد الثامن عشر من مارس عام 1871 واحدًا من أهم الأيام في تاريخنا. تبدأ القصة في مرتفعات مونمارتر في باريس، حوالي الساعة الثالثة صباحًا. هيمن على المنطقة 250 مدفعٍ كانوا يُستخدمون في الحرب بين فرنسا وألمانيا، تلك الحرب التي حوصرت فيها باريس طيلة الشتاء.

انتهت الحرب بما رآه الباريسيون خيانة كبرى. وعلى الفور بعد توقيع الهدنة، أعادت الانتخابات في باريس حكومة يمينية قاسية، بزعامة أدولف تيير الذي وصفه ماركس بـ”القزم الوحشي”. كانت أزمة تيير الأكثر إلحاحًا هي باريس. فقد كان أغلب سكان باريس عمالًا، وكانوا غاضبين بشدة من الحكومة، ومن تحصيل الإيجارات بأثر رجعي من وقت الحصار، وكذلك كانوا غير راضين عن ظروف العمل.

كان تيير قلقًا بشأن المدافع المتمركزة في مونمارتر. فقد جاءت هذه المدافع إلى المنطقة ببساطة بعدما استولى عليها العاملون والعاملات والأطفال في باريس وأخذوها إلى هناك. كانت قد صدرت الأوامر بذلك من قبل الحرس الوطني، تلك القوة التي تألفت من من متطوعين باريسيين للقتال ضد البروسيين. كانت اللجنة المركزية للحرس الوطني ديمقراطية بحق.

أرسلت الحكومة جنودها لمصادرة المدافع، وتركتهم يحرسونها هناك، بينما احتشد الناس في الشوارع حول مونمارتر للدفاع عن المدافع. وفي الطريق المؤدي لمونمارتر، ظهرت سيدة تهرول جهة المدافع، اسمها لويز ميشال. كانت في 41 من عمرها، كما كانت عضوًا في لجنة تشكلت للاعتناء بالمدافع والأسلحة. مالت لويز نحو رجلٍ مصاب، ثم سمعت واحدًا من الجنرالات يقول أن باريس الآن في قبضة الجيش الفرنسي وأن “الرعاع القذرين الذين أخذوا هذا السلاح من المكان الذي يجب أن يكون فيه، سيتلقون درسًا قاسيًا”.

أدركت لويز ميشال ما قيل وفهمته جيدًا. كان ميشال بنت لخادمة، عملت بالتدريس، لكنها فُصِلَت من عدة مدارس بسبب إصرارها على التدريس بطريقتها الخاصة. أصبحت فيما ناشطة في الحركة الراديكالية في باريس، وسرعان ما صارت خطيبة بارزة.

كان هناك عداءٌ شديد ضد أية امرأة لها أفكارها المستقلة. وكان على لويز أن تتعامل مع ما كانت تتعرض له أية امرأة من سخرية، إلا أنها رغم ذلك تمكنت من كسب مصداقية كبيرة في الحركة. التحقت ميشال بالاتحاد الأممي للرجال العاملين الذي أسسه كارل ماركس وآخرون. وكان من الصعب على أية امرأة أن تنضم إليه، كما هو واضح من الاسم. انضمت ميشال أيضًا إلى الحرس الوطني، الأمر الذي كان مهمًا وشاقًا للغاية أيضًا، فقد تألف الحرس الوطني بالكامل من الرجال.

سمعت ميشال ما قاله الجنرال، وحينها هرعت عبر التلة هاتفةً بأن الجيش غدر بهم، حيث احتل مكانهم، وصادر أسلحتهم، وبالتالي فإن عليهم إيقاف هذا الأمر ووضع حدٍ له، ثم أمرت بدق أجراس الكنيسة. كان الجنود البؤساء لا يزالون يحرسون المدافع حين التف الناس واحتشدوا، بينما كان الجنرالات يحاولون السيطرة على مجريات الأمور. وفجأة، سمع الجنود أصوات الناس المقبلة عليهم، تتزعمهم لويز ميشال التي تمكنت من حشد حوالي 200 سيدة، أغلبهن مسلحات بالبنادق في اتجاه الجنود الثلاثة آلاف المسلحين.

كتبت ميشال لاحقًا: “جرينا بأسرع ما يمكننا، عالمين أن الجيش ينتظرنا هناك. من أجل الحرية، كنا نتوقع الموت. كل الناس كانوا هناك، لا أعلم كيف”. أمر الجنرال جنوده ثلاث مرات، لكنهم رفضوا ذلك. وفجأة، هتف رقيبٌ “لابد أن نتمرد”. كان المشهد مهيبًا حيث احتضن الناس الجنود وتشاركوا زجاجات النبيذ.

لكن أدولف تيير لم يكن سعيدًا على الإطلاق، وقد نقل الأجهزة الحكومية بالكامل إلى فرساي، التي تبعد حوالي 40 أو 50 ميل. أقسم تيير على الانتقام لما حدث في باريس. وفي ليلة 18 مارس، أعلنت اللجنة المركزية للحرس الوطني نفسها حكومةً لباريس.

بدأ على الفور الجدال داخل اللجنة المركزية، فبعضهم رأى الأنسب أن يسيروا فورًا إلى فرساي، وقالوا “لو سرنا إلى فرساي لنحطم الحكومة، يمكننا بذلك أن نوقظ العمال في كل المدن الفرنسية. أما لويز ميشال، التي لم تكن عضوًا باللجنة المركزية، كانت تناقش كل من تعرفه بإصرار بالغ: “لابد أن نسير إلى فرساي. هذا هو الوقت المناسب”.

لكن أغلبية اللجنة المركزية كانوا يؤيدون الخيار الشرعي، حيث قرروا تسليم السلطة إلى كيان مُنتخب يمكنه أن يضطلع بدور الحكومة بشكل صحيح. ومن ثم عُقدت الانتخابات في 26 مارس، وقد أصدر الحرس الوطني النداء التالي: “لا تدعوا هذه الحقيقة تغيب عن بالكم.. حقيقة أن الرجال الذين سيخدمونكم بشكل أفضل هم أولئك الذين تختارونهم من أنفسكم، يعيشون معيشتكم نفسها، ويعانون آلامكم نفسها. لا تثقوا في الطموحين مثلما لا تثقوا في المدعين. لا تثقوا أيضًا في الخطباء غير القادرين على ترجمة الأقوال إلى أفعال. تجنبوا أصحاب الثروة، فنادرًا للغاية ما يرى صاحب ثروة الرجل العامل أخًا له”.

قوبلت الانتخابات بحماس شديد. وانتخب الناس من أطلق عليهم أحد الكُتَّاب “الجمهوريين الحمر”. اختلفت هذه الانتخابات عن أية انتخابات أخرى. لم يكن صانعو القرار هم فقط العمال في الحكومة، بل كان العمال هم من ينفذون قرارات الحكومة. متى كان لدينا عمالٌ على رأس قوات الشرطة، ومتى كان لدينا قضاة عمال، أو عمال يديرون الصحف؟ ذلك ما حققته كوميونة باريس.

استمرت كوميونة باريس لمدة لم تزد على الشهرين، عاشت أغلبهما في ظل الحصار الذي فرضه جيش فرساي عليها. هذه المدة تكفي اليوم فقط لاطلاع البرلمان على مشروع قانون، بين قرائته للمرة الأولى والثانية. لكن الكوميونة تمكنت من إلغاء الإيجارات التي كان من المفترض دفعها بأثر رجعي، وأوقفت عمليات الإخلاء تمامًا. أُجبرت محلات الرهن على إعادة كل البضائع التي استولت عليها من العمال، وحُظِرَ العمل في المخابز ليلًا. وبدأت الكوميونة في تأمين العمال من الحوادث، وكانت تلك هي المرة الأولى التي يُطبق فيها ذلك في فرنسا.

نقلت الكوميونة التعليم من أيدي الراهبات والرهبان لتضعه بين أيدي الناس الذين أوعزت لهم، بموجب مرسوم رائع أصدرته، التركيز على الحقائق لا الأوهام، وأن يضعوا نصب أعينهم أن يقضوا على “الداء الأكبر للأطفال – الملل”. كان المناخ الثقافي مذهلًا، وقد فتحت الكنائس أبوابها لإجراء النقاشات بين الناس.

لكن الكوميونة لم تكن مثالية. فعلى العكس من الحرس الوطني، انتُخبت الكوميونة بحسب الموقع الجغرافي. وقد كان المُنتخَبون يميلون إلى الانعزال عمن انتخبوهم. ويمكن ملاحظة إحدى نتائج نقطة الضعف هذه في أداء الكوميونة أثناء الحرب. فحينما شن تيير هجومه المضاد من فرساي، أخذ يقصف بوابات باريس مرة تلو الأخرى، لكن إدارة الحرب انتقلت إلى أيدي ضباط جيش سابقين لم يكن لديهم أية فكرة عن كيفية الاستفادة من الديمقراطية التي كانت الكوميونة تمثلها. وحينما اقتحم جيش فرساي المدينة، لم يجدوا أحدًا يحرس البوابات. أما المدافع المتمركزة في مونمارتر، فقد ظلت متروكة كما هي، ولم تُستخدم في اللحظة الحاسمة.

كتب ماركس أن الكوميونة قد انتُخبت بالاقتراع العام، لكن النساء لم يشاركن في التصويت. وبرغم ذلك، كان الدور الذي اضطلعت به النساء في الكوميونة مذهلًا. قاتلت النساء من أجل الكوميونة من منطلق أن طبقتهن قد استولت على السلطة، ولابد من الدفاع عنها. وقد قادت لويز ميشال كتيبة تألّفت من 120 امرأة للدفاع عن الكوميونة.

نصل الآن إلى نهاية هذه القصة. خلال فترة الحرب، من 2 أبريل إلى 25 مايو، قُتِلَ 887 رجلًا من جيش فرساي في القتال. لكن في الأيام العشرة بعد 25 مايو، بعدما أحكم جيش فرساي من السيطرة الكاملة على باريس، أُعدِمَ 25 ألف شخص من الكوميونة خارج المدينة (**).

حُكم على كل من كان له صلة بالحرس الوطني بالموت، رجالًا ونساءً وأطفالًا. تمكنت لويز ميشال من الفرار من الموت، لكنها لم تكن محظوظة بما فيه الكفاية للهرب من القمع. فقد نُقلت للعمل في المستعمرات، ثم سُجنت بعد ذلك عند عودتها إلى فرنسا. لكنها لم تفقد روح التحدي يومًا. حين كانت على فراش الموت، جاءها خبر الثورة الروسية عام 1905، انتفضت من الفراش ورقصت في أرجاء الغرفة، ثم استلقت مرة أخرى وقالت “حسنًا، أنا الآن جاهزة للموت”.

هوامش:
(*) هذا المقال هو في الأصل نسخة معدلة من خطبة ألقاها الكاتب الاشتراكي الثوري البريطاني (فلسطيني المنشأ) الراحل بول فوت عن لويز ميشال وكوميونة باريس عام 1979. وُلِدَ بول فوت عام 1937، وتوفى عام 2004.

(**) أوضحت روزا لكسمبورج بشكل عابر في كتابها “الاقتصاد السلعي والعمل المأجور” هول المجازر التي ارتكبها جيش فرساي في حق العمال الباريسيين كما يلي: “كانت المجازر التي تعرض لها العمال الباريسيون، تبعًا للشرائع وخارجها أيضًا، من الضخامة بحيث أنها أدت إلى مقتل عشرات ألوف البروليتاريين، الذين كان معظمهم من خيرة العمال وأنشطهم ومن نخبة الطبقة العاملة، أمام مقتل كل هذه الأعداد من العمال، شعر أصحاب العمل، بعد أن استجابوا لظمأهم للثأر، بالقلق أمام فكرة نقصان “اليد العاملة” الاحتياطية، الذي قد تكون له آثاره على رأس المال، خاصة وأن الصناعة كانت في طريقها، آنذاك وبعد نهاية الحرب، لتعرف ازدهارًا كبيرًا في أعمالها. ولهذا عمد عدد كبير من المقاولين الباريسيين للقيام بمساعٍ أمام المحاكم من أجل تخفيف ملاحقة أعضاء الكومونة، وإنقاذ أصحاب الأيدي العاملة من السلطات المدنية، لإعادتهم إلى أحضان الرأسمال” – المترجم.

Advertisements

تسعدني تعليقاتكم

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s