أسباب اجتماعية واقتصادية لتحول الشباب من البدائل المدنية إلى جماعات العنف المسلح

Posted: 27 مارس 2016 in كتابات سياسية
الوسوم:, , , , , , , , , , , , ,
book cover egypt2
أيمن عبد المعطي

دراسة ضمن كتابالشباب وجماعات العنف.. رؤى شبابية

أوراق مؤتمر بيروت 22-23 ديسمبر 2015

بالمشاركة مع: عمرو الشوبكي –  محمد العجاتي – محمد الصحبي الخلفاوي – سيزر أوزكان – حازم فؤاد – ياسين بزاز – جورج فهمي – آنا فليتشر – رابحة سيف علام – علي المعموري – جنى نخال – ربى الحلو – حبيبة محسن – جيروم دريفون – بلال الأمين – سميحة الحامدي – مافي ماهر – شريف محيى – سحر مندور – عمر الفصاطوي – كريستينا كازابون – لبيب شائف محمد إسماعيل – بليغ المخلافي – عمر سمير خلف – فؤاد غربالي – سارة سوجار

الناشران: منتدى البدائل العربي للدراسات ومنظمة روزا لوكسمبورغ

تداولت بعض المواقع الإلكترونية خبرا مفاده، أن من بين منفذي الهجوم على نادي القضاة بمدينة العريش المصرية في 24 نوفمبر/تشرين ثان 2015، الذي أودي بحياة قاضيين و4 من عناصر الشرطة وإصابة 10 آخرين، شخص يدعى “عمرو” والملقب من قبل تنظيم “داعش” بـ”أبي وضاح المصري”، يعمل أبوه ضابطا بالقوات المسلحة، وعرف عنه من مقربين بأنه كان من مؤيدي د. محمد البرادعي ومن معارضي الإسلاميين بشدة في السابق. [1]

هذه الرواية، وبصرف النظر عن مدى صحتها، تشير إلى أنه ثمة تحولات هامة طرأت على تفكير الشباب واختياراتهم السياسية ومن ثم انتقالهم من حالة الفعل الثوري إلى اليأس الثوري. فاختيار العنف الفردي المسلح طلبا للشهادة ودخول الجنة ليس تجليا للدين بوصفه مكونا أساسيا في تركيب الشخصية في منطقتنا العربية، بل أكثر منه تعبيرا عن “الكفر” بإمكانية التغيير عبر الفعل الجماعي، واللجوء إلى الحلول الفردية الأسرع بغض النظر عن نتائجها ومآلاتها بمعناها اللحظي والتاريخي، ناتج عن حالة من الاغتراب وانعدام التحقق والشعور بالفشل والهزيمة انتابت بعض من شباب الثورات بسبب تراجع مشروع الثورة وحراكها الجماهيري.

أولا: النشأة

في عام 1928 وفي خضم أزمة كبرى ألمت بالاقتصاد العالمي، نشأت جماعة الإخوان المسلمين، في ظل تراجع الحركة الليبرالية وفشلها في حل المسألة الوطنية وجلاء الاحتلال البريطاني لمصر، وذلك بعدما قضت عبر حكومات لممثلها حزب الوفد، على أول تجربة لحركة شيوعية -بصرف النظر عن عيوبها- كانت قد بدأت للتو في النضال لربط القضية الوطنية بالطبقية. لم تكن الأفكار التي تأسست عليها الجماعة تسير على نهج حركات الإصلاح الديني السابقة ذات النزعة الراديكالية لحل مشكلات الوطن والمواطنين، بل نضحت بالرجعية والتحالف مع أذنابها، وسرعان ما تحول قسم من الحركة في أتون الصراع الوطني والاجتماعي في الأربعينيات إلى النضال المسلح باغتيال وزير الداخلية أحمد ماهر في 24 فبراير/شباط 1945 ومن بعده عدد من الشخصيات السياسية مثل رئيس الوزراء محمود فهمي النقراشي والقاضي أحمد الخازندار، علاوة على القيام ببعض التفجيرات، لينضم الإرهاب الفردي لأفكار نخبوية أخرى كبديل عن الجماهير في التغيير.

استمرت الجماعة في التحرك وكسب مؤيدين، تماما كما فعلت فصائل الحركتين الليبرالية والشيوعية، وبالرغم من أن أربعينيات القرن العشرين شهدت صعودا ملحوظا للحركتين الإسلامية والشيوعية والتنافس فيما بينهما على الجمهور وسط الشرائح الاجتماعية الحضرية بالأساس، إلا أن السلطة في مصر آلت في النهاية لتنظيم صغير من الضباط المصريين في الجيش لا جماهيرية له. هذه المفارقة التي أنهت تماما، حتى هزيمة نظامها الأول في نهاية الستينيات، على أي فرص للتغيير أو الفعل السياسي بسبب القمع الذي لاقته تلك الحركات وتأميم المجال السياسي، لم يكن تكرارها مرة أخرى مجرد صدفة بعد ستين عاما بعودة السلطة مرة أخرى إلى أحضان المؤسسة العسكرية بعد ابتعادها قليلا عنها لمدة عام واحد، بل نتيجة لاستراتيجيات تلك الحركات مجتمعة بما فيها اليسار الذي تخلى هو الآخر عن مركزية دور الجماهير وحركتها وتنظيماتها القاعدية في التغيير الجذري، هذا لو نحينا الرطان الأجوف عن أهمية الناس والدفاع عن قضاياهم جانبا.

من المؤكد أنه لا يمكن فصل السياسة بمعناها الإيديولوجي عن معنييها الاجتماعي والاقتصادي، وبالطبع لا يمكن التعامل مع الدين كمحلق منفرد في الفضاء دون ربطه بمصالح اجتماعية وسياسية على أرض الصراع في الواقع. هكذا يمكننا فهم ظهور الإخوان المسلمين ومن بعدهم جماعات الإسلام الراديكالي كتعبير عن مصالح اجتماعية وليس كخلاف فقهي حول معنى الدين وعلاقته بالحكم. ظهر الإخوان بوصفهم تعبيرا عن أزمة قطاعات محافظة من شرائح الطبقة الوسطى في المجتمع وبالذات في أقسامها الريفية، لا يمكنها بحكم المصالح والثقافة السائدة الانتماء لأفكار ليبرالية أو يسارية. هكذا وجدت الجماعات الإسلامية أيضا ضالتها في فقراء ومعدمي الريف وبالذات صعيد مصر والمحبطين والمتعطلين من سكان عشوائيات المدن ومناطقها الفقيرة وحتى من الطبقة الوسطى التي تدهورت شرائح منها بفعل تراجع سياسات التشغيل وتدهور الاقتصاد المحلي. لقد تغذت تلك الحركات، التي لا تملك سوى الشعارات العامة الجوفاء والهيمنة الروحية المستمدة من قدسية الدين، والتي تخفي مصالح لا يمكن كتابتها في برامج سياسية لشدة بعدها عن مصالح من تجتذبهم، تغذت على ضحايا تدهور المجتمع وانهيار قيم وأشكال اجتماعية بسبب الأزمات وسياسات الإفقار التي خلفتها الطبقات الحاكمة بنهمها للربح ورجعيتها الشديدة، في ظل انعدام القدرة على طرح بدائل سياسية أخرى مغايرة.

ثانيا: ظهور واسع لجماعات لإسلام المسلح

قضى معظم قيادات وكوادر الإخوان سنوات طوال في سجون نظام عبد الناصر، وبالرغم من الهجرة المؤقتة للخليج في السبعينيات ما بعد الإفراج عنهم، إلا أن بذور الجهاد المسلح قد ألقيت وبدأت تنضج ثمارها، ولا غرابة في أن أحدا ممن أسسوا لهذا المنحى هو المفكر والأديب سيد قطب الذي تبنى أفكار الجماعة وانضم لها ليدفع حياته ثمنا لذلك بإعدامه على يد نظام عبد الناصر. صحيح أن الأمور سارت بطريقة مختلفة فيما بعد في تأسيس الجماعات الجديدة فجاءت من خارج عباءة الإخوان بنسبة كبيرة جدا، إلا أن اعتماد الحل الفردي للنضال لم يكن إلا تنويعة أخرى على معزوفة احتقار الجماهير وحركتها، تماما كما فعلت في أوقات تنظيمات وحركات يسارية مسلحة في بلدان عربية وأخرى في النصف الجنوبي من العالم.

كانت البداية الجديدة للموجة الثانية في 18 أبريل/نيسان 1974 عندما اقتحم 100 من أعضاء “منظمة التحرير الإسلامي” مقر الكلية الفنية العسكرية بالقاهرة، واستولوا على أسلحة وسيارات بقيادة صالح سريه، وكان أملهم قتل الرئيس السادات وغيره من كبار المسئولين، خلال تواجدهم بمبنى الاتحاد العربي الاشتراكي المجاور. وتوالت العمليات التي وصلت إلى حد النيل من السادات نفسه وسط بطانته العسكرية وفي يوم ذكرى احتفاله بـ”انتصاره” العسكري على إسرائيل. وبالرغم من أن النظام استطاع السيطرة بنسبة كبيرة في الثمانينيات على العمليات المسلحة إلا أنها انفجرت في وجهه وبقوة في عقد التسعينيات بفضل التمادي في سياسات الإفقار والتهميش وانضمام شباب جدد لتلك الحركات التي عادت للانتعاش بعد عودة أجيال منها حاربوا في أفغانستان أو كانوا في منافي اختيارية بسبب التضييق عليهم. ومن ثم بدأت موجة جديدة بمحاولة جماعة الجهاد الإسلامي اغتيال وزير الداخلية عبد الحليم موسى، لكنهم اغتالوا رئيس مجلس الشعب المصري رفعت المحجوب في 12 أكتوبر/تشرين أول 1990، لاختلاط المواكب في نفس الوقت، حتى تم تقويضها بعد مذبحة نفذتها الجماعة الإسلامية والتي قتل فيها 58 شخصا معظمهم سياح سويسريين وألمان بالدير البحري بالأقصر في 17 نوفمبر/تشرين ثان 1997.

لعبت بالتأكيد الأزمة الاقتصادية في السبعينيات وانهيار الحلم الناصري في التنمية المستقلة والاستقلال الوطني دورا هاما في الدفع بنسبة من الشباب لاختيار الحلول الأسرع كنوع من نفاد الصبر تجاه الحلول طويلة الأجل، خصوصا أن التنظيمات اليسارية وقتذاك اتسمت بالنخبوية واللا جماهيرية، علاوة على طبيعتها الحلقية والسرية بسبب العزلة التي فرضتها على نفسها بجانب الحصار الأمني المشدد عليها. تعاملت الدولة مع الأزمة برعونة شديدة وهجوم على مكتسبات الفقراء فبدأت بسياسة الانفتاح الاقتصادي وإغراق الأسواق بفتح باب الاستيراد على مصراعيه، ومن ثم انخفضت معدلات النمو في الناتج المحلي الإجمالي من 6% كمتوسط عام في الستينيات إلى 3% في السبعينيات. [2] علاوة على انهيار الصناعة المحلية أمام الوافد الأجنبي، وارتفاع البطالة بين صفوف الشباب من 2.5% عام 1960 إلى 7.7% في التعداد السكاني لعام 1976 ثم إلى 14.7% في 1986، وانخفض في 1996 إلى 8.8، وفي 2002 ارتفع ثانية حتى وصل إلى 9.1%. وأصبح نظام مبارك الذي استمر ثلاثة أضعاف مدة سابقه أكثر دموية وتخريبا للاقتصاد المحلي وتهميشا للفقراء، علاوة على انتشار مريع للفساد والمحسوبية للدرجة التي باتت الدولة عبارة عن عصابة مسلحة تقود الجماهير بقوة القمع.

لم تنته الحركة بالقبض على بعض كوادرها وتصفية البعض الأخر، حتى بعد إعلان المراجعات ووقف العنف في 2002 تمهيدا لخروج المعتقلين على دفعات، بل بدأت حروبا جديدة لاحت في الأفق خصوصا بعد الاحتلال الأمريكي للعراقي في 2003، وانضمام شباب من دول مختلفة لتنظيمات الثوار التي سرعان ما تحول معظمها لتبني الاقتتال الطائفي وانتهاج بعضها لطرق تنظيم القاعدة في إدارة الصراع والحرب.

لم تكن مصر وحدها هي من أنجبت سياسات حكامها جماعات العنف المسلح، بل شاركتها الجزائر بنسبة أكبر حيث أدى إلغاء نتائج الانتخابات البرلمانية هناك عام 1990 والتي فازت بها باكتساح الجبهة الإسلامية للإنقاذ إلى فاصل دموي كبير أودى بحياة الآلاف، وذلك بعد حركة اجتماعية احتجاجية واسعة قوبلت بالقمع الشديد في أكتوبر/تشرين أول 1988. هكذا شهدت دول أخرى كالأردن -بنسب أقل بكثير- عمليات مشابهة بسبب طرق وأساليب الحكم القمعية.

ثالثا: “داعش”… الجهاد بنكهة هزيمة الثورة

عبر المجتمع العراقي عن حالة من التفسخ بعد سقوط نظام صدام حسين واحتلال البلاد في 9 أبريل/نيسان 2003، وخلال ثمان سنوات شهد المجتمع حروبا بدأت بمقاومة المحتل وصولا لاقتتالات طائفية بمباركة المحتل نفسه، وفي ظل غياب رؤية واضحة ذات طابع جماهيري تقضي على الاحتلال والطائفية وتطرح حلولا لمشاكل المواطنين، ظهرت مجموعات أدانت بالولاء لتنظيم القاعدة العالمي واتبعت طريقا آخر لإدارة الصراع بعيدة تمام البعد عن مصالح ومستقبل حياة الناس بالمعنى المباشر والاستراتيجي.

في 9 أبريل/نيسان 2011، أي بعد بداية ما عرف بالربيع العربي، أعلن أبو بكر البغدادي زعيم الدولة الإسلامية في العراق (وريثة جماعة “التوحيد والجهاد” التي أسسها أبو مصعب الزرقاوي في 2003) ضم الشام إلى مشروعه في الخلافة الإسلامية ومن ثم تأسيس “داعش”، وفي 11 يونية/حزيران 2014 سقطت الموصل ثاني أكبر مدن العراق في يد التنظيم. وفي مصر تحديدا في 5 أغسطس/آب 2012 قامت مجموعة من المسلحين بمهاجمة قاعدة عسكرية مصرية فقتلت 16 جنديا وقاموا بالاستيلاء على مدرعتين. ومن وقتها توالت الأحداث للدرجة التي باتت سيناء مسرحا لعمليات دموية يومية بردة فعل أكثر وحشية تنفذها القوات المسلحة والشرطة ضد المواطنين بوصفهم مسئولين عن إيواء “الإرهابيين”، علاوة على تفجيرات كبرى طالت أبنية عسكرية وشرطية في محافظات أخرى، بالإضافة إلى اغتيال عدد من القيادات الأمنية والنائب العام شخصيا، معلنا تنظيم “ولاية سيناء” أو ما كان يعرف بـ”جماعة أنصار بيت المقدس” مسئوليته عن معظم تلك الأحداث وهو الذي يدين بالولاء لداعش.

وفي الحرب السورية، وبشكل أكثر اتساعا من نظيرتها العراقية، توجد جماعات مسلحة تقاتل بعضها قوات النظام ويقاتل بعضها البعض كتعبير عن مدى التفسخ الذي أصاب الثورة السورية التي دفعت في اتجاه تسليحها بسبب وحشية قوات الأسد في التعامل معها، أيضا عن انعدام الرؤية فيما ستؤول إليه هذه الصراعات والحروب فيما بعد، خصوصا أن الشعب السوري الذي قام بثورته يعاني الآن الأمرين من قتل وتهجير وإفقار غير مسبوقين.

يقدر عدد المقاتلين الأجانب في داعش وحدها بسوريا بـ12 ألف انضموا له على مدار ثلاثة أعوام –وهو عدد أكبر من الذين التحقوا بالقاعدة في أفغانستان على مدار 10 أعوام– 25% منهم من تونس وحدها (وهي الدولة الوحيدة في بلدان الربيع العربي، باستثناء تجربة الثورة البحرينية غير المكتملة، التي لم تشهد صراعات مسلحة تذكر)، وأتى هؤلاء المقاتلون مما يقرب من 81 دولة حول العالم، ويقدر عدد الأجانب من دول غربية بـ3000 مقاتل. [3]

تظهر مشكلة الإفقار وانعدام العدالة في توزيع الثروة في العالم كمؤشر واضح على التردي واختيار حلولا فردية ناتجة عن سياسات تسبب فيها جنون نمط الإنتاج الرأسمالي والتفاوت الطبقي الرهيب الذي خلفه بالمجتمعات. فبالرغم من ارتفاع الناتج الإجمالي العالمي من ثلاثة آلاف بليون دولار عام 1960 إلى 92.889 بليون دولار عام 2012، إلا أن عدد الفقراء زاد من 400 مليون عام 1970 إلى ضعف هذا العدد عام 1980، وتجاوز عام 2000 الـ1.2 مليار فقير في الدول النامية وحدها، ويشير تقرير التنمية البشرية لعام 2014 إلى أن الفقر لا يزال مشكلة كبيرة على الصعيد العالمي، حيث يستأثر أثرياء العالم، أي 1%، بحوالي نصف ثروته، وتعادل ثروة 85 شخصا منهم ما يملكه نصف سكان العالم الأشد فقرا.

وأشار التقرير ذاته لعام 2006 إلى اتساع الفجوة بين الـ10 في المئة الأفقر والـ10 في المئة الأغنى، حيث ارتفعت من 2.3 إلى 31.5 في تونس، ومن 2.7 إلى 30.6 في الأردن، ومن 2.8 إلى 26.8 في الجزائر، ومن 3.7 إلى 29.5 في مصر، ومن 2.6 إلى 30.9 في المغرب، ومن 3 إلى 25.8 في اليمن. [4]

أما عن البطالة فيصل عدد العاطلين عن العمل في العالم العربي إلى 22 مليون عاطل من إجمالي قوى عاملة يبلغ نحو 120 مليون عامل، يضاف إليهم ما لا يقل عن 3 ملايين عامل سنويا. [5]

وقد دلت دراسة أجراها مركز دراسات الوحدة العربية أن إخفاق خطط التنمية الاقتصادية في البلدان العربية على مدار العقود الثلاثة الماضية، وخاصة بعد الوفرة النفطية التي شهدتها فترة مطلع السبعينيات، ووقـوع أغلب الدول العربيـة في مأزق المديونية الخارجية التي وصلت سنة 1995 إلى نحو 220 مليار دولار، وفي المقابل هروب رؤوس الأمــوال العربية إلى الخارج والتي تقدرها بعض المصادر بأكثر من 800 مليار دولار أمريكي، أدوا إلى تراجع حقوق أساسية كالطعام والتعليم والصحة، فهناك أكثر من 60 مليون أمـي عربي و9 ملايين طفل لا يتلقون التعليم الابتدائي، وأكثر من 10 ملايين لا يحصلون على طعـام كـاف. [6] ووفقا لتقرير التنمية البشرية العربي الصادر في 2009، فإن نحو 65 مليون مواطن عربي يعيشون في حالة فقر بما يوازي 39 9% من عدد السكان، مشيرا إلى أن 20.3% من المواطنين العرب كانوا يعيشون في عام 2005 في فقر مدقع بالمعايير الدولية، وبحسب بيانات منظمة العمل العربية، الصادرة في 2009، كان المعدل الإجمالي لنسبة البطالة في البلدان العربية 14.4% من القوى العاملة، مقارنة بـ6.3% على الصعيد العالمي. [7]

هكذا كانت الصورة قبل اندلاع ثورات الربيع العربي، أو بالأحرى التي أدت لاندلاعها، ولكن الأوضاع ساءت أكثر بعدها، فالاستقرار أصبح بعيد المنال ومحاولة تلمس طرق للتنمية تعتمد على اقتصاد يفي باحتياجات الناس وبمشاركة سياسية في إدارة شئون البلاد مسألة باتت مستبعدة خصوصا في ظل الصراعات الدموية الحاصلة من جانب بين المتصارعين على السلطة، ومن جانب آخر في ظل سيطرة نفس الأنظمة –وإن تغيرت الوجوه- على مقدرات الأمور والسلطة.

فقد أظهر تقرير أن عائدات السياحة والإنتاج الصناعي انخفضت في تونس على ضوء انخفاض معدل التنمية الاقتصادية في السنوات الثلاث الماضية. وتعتمد البلاد حاليا على المنح والقروض، بشكل أساسي من صندوق النقد الدولي. وتضررت السياحة في مصر أيضا فقد انخفضت بنسبة 70%، وهرب الكثير من الاستثمارات الأجنبية وأصبحت البلاد تعتمد بشكل متزايد على المنح والمساعدات المقدمة من دول الخليج الغنية. وفي ليبيا، من المفترض ألا تكون الحالة أقل من شلل اقتصادي تام بسبب الفوضى التي تعيشها البلاد، ولكن استمرار استخراج النفط ووجود احتياطات مالية ينجحان في منع الانهيار الاقتصادي التام. أما اليمن، فتقدر الأضرار الاقتصادية التي أدت إليها الاضطرابات في البلاد منذ العام 2011 بنحو 10.5 مليار دولار، أي نحو ثلث الناتج المحلي. وقد زادت معدلات الفقر بشكل كبير. وفي سوريا فقد الاقتصاد في السنوات الثلاثة الأخيرة نحو نصف الناتج المحلي الإجمالي، والذي بلغ نطاقه السنوي نحو 60 مليار دولار قبل اندلاع الأزمة، واضطر نحو نصف عدد السكان إلى ترك منازلهم وتعاني البلاد من حالة صحية صعبة. ووفقا لبيانات البنك الدولي، فقد وصل معدل الفقر في البلاد إلى نحو 75%، حيث إن أكثر من نصف عدد السكان يعيش في “فقر مدقع”. وأدى التدهور الاقتصادي عموما في بلدان “الربيع العربي” إلى اعتماد متزايد على الواردات وإلى ارتفاع في الأسعار بنسبة 25% على الأقل. [8]

خاتمة:

يمكننا القول مما تقدم أن ظهور جماعات العنف المسلح ذات الرداء الديني في التاريخ الحديث للمنطقة العربية وجذبها لشباب يحتاج للتعبير عن رفضه الممزوج بالغضب للأوضاع المجتمعية التي تنضح بالفقر والقمع والتهميش، ما هو إلا تعبيرا عن حالة من الإفلاس والأزمة في آن واحد على مستوى الأنظمة الحاكمة والقوى السياسية المعارضة معا. فالدول التي نالت استقلالها منذ مطلع الخمسينيات اتبعت نهجا ديكتاتوريا في معظم الحالات اعتمد على الاستبداد والقمع ومصادرة المجال السياسي، علاوة على تكثيف لمعدلات الاستغلال لبناء اقتصاديات تنموية مستقلة في بعضها أو لتثبيط الأوضاع بسبب تبعيتها لأشكال استعمارية جديدة تحكمت في منتوجاتها النفطية وفي قدراتها العسكرية في البعض الأخر، ومن ثم كان وأد المعارضة وأي تحركات ذات طابع اجتماعي أو سياسي كان السمة البارزة لاستمرار حكم تلك الأنظمة. هذا من جانب أما عن الجانب الأخر فقد عبرت الخيارات الأخرى في القوى المدنية المطروحة بالنسبة للشباب الغاضبين عن ضعف شديد في قدراتها على جذبهم وحشدهم في معركة تغيير ضد كل ما هو سلطوي، وذلك لأسباب مختلفة، منها:

  • محدودية تأثير ونفوذ تلك القوى وضعف قدرتها في خلق ظهير جماهيري قوي، ومن ثم قدرتها على حشد وتعبئة الطاقة الشبابية التي جاءت من احتجاجات ما قبل الثورات أو التي شاركت بنسب أكبر في الثورات ومحطاتها فيما بعد.
  • الأسقف الإصلاحية لتلك القوى والتي لا تطرح أي إمكانيات لتغيير جوهر السياسات المعادية للناس القائم عليها النظام والتي يحتاج القمع لتنفيذها، بل السعي فقط لتحسين الأوضاع في حدودها الشكلية.
  • عدم امتلاك تلك القوى لبدائل واقعية سياسية واجتماعية لأنظمة الحكم الشمولي، قادرة على إقناع قطاعات جماهيرية بالانضمام إليها وتبنيها والعمل على تحقيقها.
  • احتقار معظمها للفعل الجماهيري الجماعي العفوي والمنظم، وفي أفضل الأحوال الاكتفاء بالاستفادة منه بوصفه رصيد للتفاوض وزعزعة أسس النظام الحاكم دون تغيير في جوهر سياساته، أو كأصوات في الاقتراعات البرلمانية مثلما تعامل الليبراليون والإسلاميون الإصلاحيون والأصوليين منهم في انتخابات ما بعد الثورات.
  • انجرار تلك القوى وراء استقطابات وهمية، مثل الاستقطاب العلماني-الديني، ما أدى في النهاية لخسارة جميع الأطراف لصالح النظام الحاكم والثورة المضادة.

_____________________________

[1] مفاجأة بشأن منفذ هجوم فندق العريش، مفكرة الإسلام، 26 نوفمبر/تشرين ثان 2015، http://is. gd/QZDV3C

[2] البنك الدولي: مصر – التقرير الاقتصادي http://is. gd/FwJccQ

[3] أماني بهجت، من أين يأتي مقاتلو داعش، وكيف يسافر كل منهم من دولته لداعش؟، ساسة بوست، 11 أبريل/نيسان 2015، http://is. gd/HZOQEX

[4] كرم الحلو، في الفقر والتطرف الراهن في العالم العربي، الحياة، أول مارس/آذار 2015، http://is. gd/739wE2

[5] البطالة في العالم العربي، اتحاد المصارف العربية، http://is. gd/Or2Jjq

[6] الوافي الطيب، بهلول لطيفة، البطالة في الوطن العربي…أسباب وتحديات، كنانة أون لاين، http://is. gd/F4ghnN

[7] 2009 نهاية عقد: ترحيل مشكلات الأمية والفقر والبطالة في العالم العربي إلى 2010، الشرق الأوسط، 28 ديسمبر/كانون أول 2009، http://is. gd/ReXin8

[8]تحليل اقتصادي: “ربيع العرب” يؤجج نار الفقر والبطالة، الموقع الإخباري الألماني DW، 11 أكتوبر/تشرين أول 2014، http://is. gd/QQuLrF

تسعدني تعليقاتكم

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s