مستقبل الرأسمالية: أربعة احتمالات – بيتر فريز

Posted: 6 يونيو 2016 in مختارات سياسية, عمال وجماهير
الوسوم:, , , ,
بيتر فريز
المصدر: مجلة جاكوبين
فريق الترجمة
الناشر: “ما العمل” مدون  يسارية تختص بالترجمة

في خطبة لسلافوي جيجيك في مخيم «احتلوا وول ستريت» في زوكاتي بارك، عبر عن أسفه قائلا: «من السهل أن نتخيل نهاية العالم، ولكننا لا نتمكن من تخيل نهاية الرأسمالية». كانت تلك الجملة إعادة صياغة لملاحظة كتبها فريدريك جيمسون قبل عدة أعوام حين بدت هيمنة النيوليبرالية أمرا مطلق. ومع ذلك فوجود حركة احتلوا وول ستريت بحد ذاته يوحي بأن تخيل نهاية الرأسمالية أصبح أمرا أسهل مؤخرا. اتّخذَ هذا التخيل في بادئ الأمر صورة كئيبة وبائسة؛ أثناء ذروة الأزمة المالية، حيث بدى الاقتصاد العالمي في انهيار كامل، بدى أن نهاية الرأسمالية ستكون على الأرجح بداية فترة عنف وفوضى وبؤس، وقد تكون كذلك فعلا، ففي وقت كتابة هذه المقال (ديسمبر، 2011) تبدو منطقة اليورو على حافة الهاوية. ولكن مؤخرا، أعطى انتشار المظاهرات عالميا اليسار، من القاهرة وحتى مدريد وماديسون ووول ستريت، سببا يجعله يرفع آماله بمستقبل أفضل بعد الرأسمالية.

الأمر الوحيد المؤكد هنا هو أن الرأسمالية ستنتهي حتمًا، لربما ليس في وقت قريب، ولكن أيضا في وقت غير بعيد. وعلى كل حال لم تتمكن البشرية مسبقا من صياغة نظام اجتماعي أبدي، والرأسمالية بالخصوص نظامٌ أكثر هشاشةً وتقلبا من أغلب سابقاتها. المسألة هي، إذًا، ما الذي سيأتي بعدها؟ استشهدت روزا لوكسمبورغ مع بدايات الحرب العالمية الأولى بجملة كتبها فريدريك إنجلز: «المجتمع البورجوازي يقف اليوم عند مفترق طرق، إما ينتقل إلى الاشتراكية أو يتراجع إلى البربرية». وبِروح ذلك النص، أعرض هنا تجربة فكرية محاولًا فهم احتمالات مستقبلية. وهذه الاحتمالات المستقبلية تمثل قلة من «الحالات الاشتراكية» التي قد نصل لها لو نجح اليسار المنبعث حاليًا، و«الحالات البربرية» التي قد نقع فيها إن فشلنا.

أغلب الكتابات المتعلقة بالاقتصادات ما بعد الرأسمالية تنشغل بمسألة إدارة العمال في غياب الرؤساء الرأسماليين، ولكني سأصرف النظر هنا عن تلك المسألة وذلك من أجل تسليط الضوء على جوانب أخرى من هذا الموضوع. يمكننا القيام بذلك ببساطة عن طريق تقدير استقرائي حول توجّه الرأسمالية نحو تزايد اطرادي للأتمتة، وهو ما يجعل الإنتاج متزايدًا في كفاءته وفي الوقت ذاته يصعب من إمكانية النظام على خلق وظائف، وبالتالي استدامة الطلب على المنتجات. نرى هذا الموضوع متناميا في الفكر البورجوازي: في سبتمبر لعام 2011، كتب فرهاد مانجو في مجلة «سليت» سلسة طويلة من المقالات حول «غزو الروبوتات»، وبعد ذلك بقليل نشر عالما اقتصاد من معهد ماساتشوستس للتقنية كتاب «السباق ضد الآلة» (Race Against the Machine) وهو كتاب إلكتروني جادلوا فيه أن الأتمتة تعمل بسرعة على الاستحواذ على العديد من القطاعات التي اتخذت حتى وقت قريب دور المحركات الكبرى لخلق الوظائف في الاقتصاد الرأسمالي: من مصانع السيارات المؤتمتة تمامًا وحتى الحواسيب القادرة على تشخيص الحالات الطبية، نرى أن «الرَوْبَتة» (robotization) تستحوذ ليس على قطاع الصناعة فحسب بل على جزء معتبر من قطاع الخدمات أيضا.

وحين ندفع هذه الدينامية إلى تأويلها الأقصى، ستقودنا إلى وضع لا يتطلب فيه الاقتصاد عمل الإنسان بتاتا. ولكن ذلك لا يؤدي تلقائيا إلى نهاية العمل أو نهاية العمل المأجور كما أشارت بعض التكهنات الخاطئة مرارا وتكرارا أعقاب طفراتٍ تقنية جديدة. ولكنه يعني فعلا أن المجتمعات الإنسانية ستواجه بتزايد إمكانية تحرير الناس من العمل الاضطراري. سيعتمد استغلالنا هذه الفرصة وكيفية استغلالنا إياها على عاملين رئيسيين، أحدمها مادي والآخر اجتماعي. المسألة الأولى هي مسألة ندرة الموارد: القدرة على إيجاد مصادر رخيصة للطاقة واستخراج المواد الخام وإعادة تدويرها وبشكلٍ أعمل الاتكال على قدرة الأرض على توفير مستوى معيشي مادي عالي لكل الناس. بإمكان مجتمع يملك تقنيات تستبدل عمل الأشخاص ووفرة من الموارد أن يتغلب على الندرة بصورة تامة، وهو ما لا يمكن لمجتمع لا يملك إلا التقنيات البديلة القيام بها. وأما المسألة الثانية فهي مسألة سياسية: ما هو نوع المجتمع الذي سنكوّنه؟ أهو مجتمع سيُعامَل فيه كل الناس ككائنات حرة ومتساوية تملك حقًا متساويا في مشاركة ثروة المجتمع؟ أم سيكون نظاما هرميا تهيمن فيه نخبة وتتحكم بالشعوب وبوصولهم لهذه الموارد الاجتماعية وحصولهم عليها؟

هنالك بالتالي مركباتٌ منطقية أربعة لهذين التناقضين: وفرة الموارد مقابل ندرة الموارد، والمساواة مقابل الهرمية. ولو أردنا صياغة الأمر بمصطلحاتٍ ماركسية مبتذلة نوعًا ما: المحور الأول يحدد القاعدة الاقتصادية لمستقبل ما بعد الرأسمالية، بينما المحول الثاني متعلق بالبنية الفوقية الاجتماعية السياسية. بالإمكان وصف اثنين من هذه الأربعة الاحتمالات المستقبلية بالاشتراكية (وإن كنت لن أسمي إلا إحداهما بذلك الاسم) بينما الاثنان الآخر يمثلان نكهتين متباينتين من البربرية.

المساواة والوفرة: الشيوعية

هنالك فقرة شهيرة في المجلد الثالث من «رأس المال» يفرق ماركس فيها بين «مملكة الضرورة» و«مملكة الحرية». في مملكة الضرورة علينا أن «نصارع الطبيعة كيما نُشبِع حاجاتنا ونصون حياتنا ونعيد إنتاجها»[*] بتوظيف العمل الجسدي في مجال الإنتاج، ومملكة الضرورة هذه، كما يشير ماركس، تتواجد «في سائر أشكال المجتمع وفي ظل سائر أنماط الإنتاج الممكنة» ومن المفترض أن ذلك يشمل الاشتراكية. ما يميز الاشتراكية إذًا هو أن الإنتاج يُخطط له عقلانيًا ويُنظّم ديموقراطيًا، عوضا عن سَيره وفق نزوات الرأسماليين أو السوق، ولكن هذا المستوى من التطور الاجتماعي ليس هدف الثورة بالنسبة لماركس، بل هو مجرد شرط مسبق لـ«ازدهار القوى البشرية، وهذا ذاتُه غايةٌ لذاتِه، أي تبدأ مملكة الحرية الحقّ، ولكن هذه المملكة لا تزدهر إلا استنادًا إلى مملكة الضرورة».

وفي كتاباتٍ أخرى يشير ماركس لكوننا، يوما ما، قد نتمكن من تحرير أنفسنا من مملكة الضرورة كليًا. وفي «نقد برنامج غوثا»، يتخيل:

في الطور الأعلى من المجتمع الشيوعي، بعد أن يزول خضوع الأفراد المُذل لتقسيم العمل ويزول معه التضاد بين العمل الفكري والعمل الجسدي؛ وحين يصبح العمل لا وسيلة للعيش وحسب، بل الرغبة الأولى للحياة أيضًا، وحين تتنامى القوى المنتجة مع تطور الأفراد في جميع النواحي، وحين تتدفق جميع ينابيع الثروة العامة بفيض وغزارة، حينذاك فقط يصبح بالإمكان تجاوز الأفق الضيق للحق البرجوازي تجاوزًا تامًا، ويصبح بإمكان المجتمع إن يسجل على رايته: من كلٍّ حسب كفاءاته، ولكلٍّ حسب حاجاته!

كثيرًا ما قلَبَ نقّاد ماركس هذه الفقرة ضده، مصوّريها كيوتوبيا مستبعدة، فهل يمكن وجود مجتمع تصل إنتاجيته لمستوى يتحرر فيه البشر تماما من الاضطرار لممارسة أنواع العمل الاضطرارية وغير المحققة للذات؟ ومع ذلك فبُشرى الأتمتة المنتشرة تكمن في تفعيلها لمثل هذا التحرر، أو على الأقل الاقتراب إليه، وذلك إن تمكنا من استنتاج طريقة للتعامل مع الحاجة لإنتاج الطاقة وتأمين الموارد. ولكن التطورات التقنية الحديثة لم تحصل فقط في نطاق إنتاج السلع وإنما في نطاق توليد الطاقة اللازمة لتشغيل المصانع المؤتمتة والطابعات ثلاثية الأبعاد المستقبليَين. وبالتالي فأحد احتمالات مستقبل ما بعد الندرة يمزج تقنيات مُوفِّرة للعمالة وبديلا لمنظومة الطاقة الحالية، إذ أن الأخيرة هذه محدودة في آخر المطاف بكلٍ من الندرة الفعلية والتدمير البيئي للوقود الأحفوري. وهذا أمرٌ أبعد من أن يكون مضمونا، ولكن توجد مؤشرات تبعث بالتفاؤل، فتكلفة إنتاج وتشغيل ألواح الطاقة الشمسية، على سبيل المثال، انخفضت انخفاضا حادًا خلال العقد الماضي، وفي مسارها الحالي ستصبح الألواح الشمسية أرخص من مصادر الكهرباء المستخدمة حاليا بحلول عام 2020. لو تم مزج الطاقة الرخيصة والأتمتة مع وسائل تصنيع المواد الخام أو إعادة تصنيعها بكفاءة، بإمكاننا بذلك هجر «الاقتصاد» كآلية اجتماعية لإدارة الندرة. ماذا ينتظرنا وراء الأفق؟

لا يعني ذلك أن كل العمل سيتوقف، بمعنى أن كل ما سنقوم به هو التسكع والتبديد والسبات. فكما يشير ماركس: «لا يظل العمل وسيلة للعيش وحسب، بل الرغبة الأولى للحياة أيضًا»، فمهما كانت النشاطات أو المشاريع التي باشرنا بها، سنساهم فيها لأننا نجد فيها طبيعة محققة لذواتنا، وليس لحاجتنا أجرًا أو لأننا ندين بساعات عمل معينة لمتجرنا التعاوني. وهذا أبعد من أن يكون أمرًا غير وارد نظرًا للمقدار الذي تدفع به الاعتبارات غير المادية القرارات بشأن العمل، فمن بين من لديهم الامتيازات الكافية لاتخاذ ذلك الخيار، يختار الملايين اليوم التوجه للدراسات العليا أو أن يصبحوا عاملين اجتماعيين أو أن يؤسسوا مزرعة صغيرة للنباتات العضوية، حتى حين تتوفر لهم مهنٌ أكثر ربحية بكثير.

قد يبدو زوال العمل المأجور حلمًا مستبعدا اليوم، ولكن فيما مضى، قبل أن تتراجع الحركة العمالية عن المطالبة بساعاتٍ أقل وقبل ركود لا بل وعكس التوجه نحو أسابيع عمل أقل طولًا، انشغل الناس واقعا بمسألة ماذا سنفعل بعد تحررنا من العمل. في مقال كتبه جون مينارد كينز بعنوان «الاحتماليات الاقتصادية لأحفادنا»، توقع كينز أنه خلال بضعة أجيال «سيواجه الإنسان معضلته الحقيقية الدائمة: كيف يستغل تحرره من الهموم الاقتصادية الملحة، وكيف يستغل وقت فراغه، أيّ علم واهتمامٍ مركب سيتجه له كي يعيش حياة حكيمة ومنسجمة وحسنة». وفي نقاش جرى في عام 1956 ونُشر حديثًا، بدأ ماكس هوركهايمر بالإشارة إلى ثيودور أدورنو بشكل عابر أنّه «في هذه الأيام، عن طريق القوى الإنتاجية الكافية، من الواضح أنه بإمكاننا توفير بضائع للعالم أجمع ومن ثم نحاول إزالة العمل كحاجةٍ للبشر».

كان ذلك على الرغم من أن كينز وأدورنو عاشا عالمًا لم تبدو فيه الصناعة ممكنة إلا على نطاق واسع، إما في المصانع الرأسمالية أو شركات الدولة، وذلك النوع من الصناعة يفترض ضمنًا نوعًا ما من الهرمية في سائر أشكال المجتمع المتواجد فيها. ولكن التطورات التقنية الحديثة توحي باحتمالية عودة بنية أقل تمركزًا، دون الحاجة للتخفيض الحاد للمستويات المعيشية المادية: سرّع انتشار الطابعات ثلاثية الأبعاد و«مختبرات التصنيع» صغيرة النطاق ويسرّع إمكانية تصغير نطاق بعض الصناعات على الأقل دون التضحية بالكفاءة تمامًا. وبالتالي فيما يتعلق بلزوم بعض العمل الإنساني في نطاق الإنتاج في مستقبلنا الشيوعي المُتخيَّل، بإمكانه أن يأخذ طابع تجمعات صغيرة عوضا عن شركات رأسمالية أو شركات تديرها دولة.

ولكن تجاوز العمل المأجور اقتصاديًا يتطلب أيضًا تجاوزه اجتماعيًا، فإن أردنا تخيّل عالم ليس العمل فيه بضرورة، لربما من المثمر أكثر الاستناد على الأدب الروائي عوضًا عن النظري، فالعديد من الناس على دراية مسبقة بيوتوبيا شيوعية متجاوزة للندرة، وذلك لأنها متمثلة في أحد أهم أعمال الثقافة الشعبية الأمريكية: سلسلة «ستار تريك». ارتكز اقتصاد مجتمع ستار تريك على عنصرين تقنيين: الأول تقنية جهاز «الناسخ» القادرة على تجسيد أيّ شيء من العدم بضغطة زر، والعنصر الآخر هو مصدر طاقة مجانية (أو شبه مجانية) موصوف بصورة مبهمة، وهو ما يشغّل الناسخ وجميع الأشياء الأخرى في مجتمع ستار تريك.

هذه الخاصية الشيوعوية لعالم ستار تريك مشوشة كثيرًا لأن الأفلام والبرامج التلفزيونية متمركزة حول الهرمية العسكرية لـ«أسطول النجوم» (Starfleet) الذي يستكشف المجرة ويتصارع مع أجناسٍ فضائية أخرى، ولكن حتى هذه الهرمية تبدو غالبًا هرمية مُختارة طوعيًا، تجذب من يرغبون بحياة المغامرات والاستكشاف، وفي لمحات الحياة المدنية التي نراها في السلسلة نرى حياةً لا تشوبها الهرمية والإكراه على ما يبدو. وفي الحالات التي يبتعد فيها ستار تريك عن «اليوتوبيا الشيوعية»، يكون ذلك لأن الكتّاب أدخلوا تهديدًا خارجيًا لأجناس فضائية عدائية أو موارد نادرة وذلك من أجل إنتاج توتر دراميّ كافي.

ولكن لسنا بالحاجة لاستحضارٍ سحري لسفنٍ عابرة للمجرة وأجناس فضائية كي نتخيل محن مستقبل شيوعي. تتخيل رواية كوري دوكتورو «فقيرٌ مدقع في المملكة السحرية» (Down and Out in the Magic Kingdom) عالما متجاوزا للندرة، وعالم الرواية يجري في الولايات المتحدة في وقتنا الحاضر ولكن مع استكمالٍ استقرائي غير بعيد. وكما في ستار تريك، تجاوز هذا العالم الندرة المادية، ولكن دوكتورو يدرك أنه في المجتمعات الإنسانية، هنالك بضائع غير مادية دائمًا ما ستكون في جوهرها نادرة، مثل: السمعة والاحترام والرِفعة ما بين أقران الشخص. ولذلك يتمحور الكتاب حول محاولة عدة شخصيات تكديس «ووفي» وهي عملة مُختلقة تمثل الرضا الذي كسبه الفرد من الآخرين، وهذه «الووفي» بدورها تُستخدم لتحديد من يملك السلطة في أي مشروع طوعي جمعي، والمثال المذكور في الرواية هو ديزني لاند.

تكمن قيمة كتاب دوكتورو في أنه، خلافا لستار تريك، يتعامل مع مجتمع ما بعد الندرة كمجتمع محتوي لترتيباته الهرمية وصراعاته، عوضًا عن مجتمع يتعايش فيه الجميع بتناغم وانسجام كامل ومجتمع توقفت فيه السياسة. فالسمعة هنا، مثل رأس المال، بالإمكان تكديسها بطريقة غير متساوية ومستديمة لذاتها، فمن يملكون شعبيةً مسبقا لديهم القدرة على القيام بأمور تكسبهم انتباها أكثر وتجعلهم أكثر شعبية. ومثل هذه الديناميات بالإمكان رؤيتها في عالمنا الحاضر، فالمدونات وغيرها من الإعلام الاجتماعي تنتج «حرّاس بوابة» متحكّمين بذلك الفضاء قادرين على تحديد من يكسب انتباهًا ومن لا يكسب بطريقة ليست متعلقة تمامًا بمن يملك مالًا يمكنه إنفاقه. أقلّ ما يقال بشأن ذلك هو أن تنظيم المجتمع وفق من يملك أكبر عدد من «الإعجابات» على فيسبوك فيه بعض العيوب، حتى حين نفصله عن غلافه الرأسمالية.

ولكن وإن لم تكن تلك رؤيةً لمجتمع مثالي، فهذه النسخة من الشيوعية هي على الأقل عالم لا تستند فيه الصراعات على التعارض ما بين العمال المأجورين والطبقة الرأسمالية أو على الصراع على موارد نادرة. هي عالمٌ لا يتعلق فيه كل شيء بالأموال. سيحتوي مجتمع شيوعي بالتأكيد على ترتيبات هرمية للمنازل الاجتماعية مثلما سائر المجتمعات الإنسانية، ومثلما هي الرأسمالية. ولكن في ظل النظام الرأسمالي، كل الترتيبات الهرمية للمنازل الاجتماعية تنزع لمحاذاة، وإن لم تكن تامة، لهرم منزلةٍ سيادية واحدة: تكديس رأس المال. إن هدف مفهوم مجتمع ما بعد الندرة هو استقلالية الأنواع المتنوعة للمنازل الاجتماعية، حيث تكون المنزلة التي يمتلكها الشخص كموسيقي، على سبيل المثال، مستقلة عن المنزلة التي يحققها الفرد كناشط سياسي، وليس بإمكان الشخص استخدام منزلة معينة لشراء أخرى. إلى حد ما إذًا، من الخطأ الإشارة لهذه المجتمع بالمجتمع «المساواتي»، إذ أنه ليس عالمًا خاليا من التسلسلات الهرمية بل هومتعدد التسلسلات الهرمية، حيث لا يكون أحد هذه الأهرام متفوقًا على كل البقية.

الهرمية والوفرة: الريعية

نظرًا للبنى التقنية المرتكزة على الأتمتة الشاملة والطاقة المجانية، تُصبح يوتوبيا ستار تريك الشيوعية المحضة أمرًا ممكننا، ولكنها ليست أبدًا أمرا حتميًا. لا تتمتع النخب البورجوازية ليومنا الحاضر بالوصول المتميز للبضائع المادية النادرة فحسب، فهم، في آخر المطاف، يتمتعون أيضًا بمكانة مُبجلة ونفوذ اجتماعية لدى الحشود العاملة، وهذه الحشود لا يجب أن تنحى جانبًا كمصدر للمحفزات الرأسمالية. لا يمكن لأي شخص أن يصرف مليار دولار على نفسه على أي حال، ولكننا نجد مدراء محافظ وقائية يجنون هذا المبلغ في عام واحد ولا يكفون بعدها عن جني الأموال. بالنسبة لأناس كهؤلاء، المال مصدر قوة ونفوذ يمارسونه على الآخرين وعلامة على منزلتهم الاجتماعية وطريقة لحفظ هذه المكانة، وهو ليس مختلفًا عن «الووفي» الخاص برواية كودتورو إلا في كونه شكلًا من المنزلة الاجتماعية معتمد على حرمان الآخرين المادي. ليس من المستغرب إذًا أن تسعى الطبقات الحاكمة للحفاظ على نظامٍ مبني على الأموال والأرباح والقوة الطبقية حتى لو أصبح العمل الإنساني أمرًا غير ضروري للإنتاج.

بإمكاننا أن نجد الشكل الجنيني للقوة الطبقية في مجتمع ما بعد الندرة في أنظمة قوانين الملكية الفكرية. بينما يحبذ المدافعون المعاصرون الحديث عن الملكية الفكرية وكأنما هي مماثلة عمومًا لأنواع الملكية الأخرى، فهي واقعًا مبنية على مبدئ مختلف، فكما يشير عالما الاقتصاد ميشيل بولدرين وديفيد ليفين، تتجاوز حقوق الملكية الفكرية المفاهيم الاعتيادية للملكية، فهي لا تضمن فقط «حقك في التحكم بنسختك الخاصة من فكرتك» بالأسلوب الذي تضمن به حقي في التحكم بحذائي أو بمنزلي، بل هي تعطي صاحب حق الملكية قدرة الإملاء على الآخرين كيفية استخدامهم نسخ الفكرة هذه التي «يملكونها». وعلى حد تعبير بولدرين وليفين: «هذا حقّ لا يمنح عادةً أو تلقائيا لأصحاب أنواع الملكية الأخرى. فلو أنتجت كوب قهوة، لدي حق اختيار بيعه لك أم شربه بنفسي، ولكن حق ملكيتي لا يتضمن تلقائيا حق بيعك كوب القهوة وإملاء كيفية شربه عليك».

إن تحول شكل الملكية من الحقيقي إلى الفكري يحفز تحول المجتمع لشيء مختلف عن الرأسمالية، ولكنه يتضمن قدرًا معادلًا من اللا مساواة. لا تُعرَّف الرأسمالية، في جذرها، بوجود الرأسماليين، بل بوجود رأس المال، ورأس المال بدوره أمرٌ لا يمكن فصله عن سيرورة إنتاج السلع عن طريق العمل المأجور، تداول (ن – س – نَ). وحين يزول العمل المأجور، يظل بإمكان الطبقات الحاكمة تكديس المال فقط إن حافظوا على قدرة الاستحواذ على تدفقات الريع، وهو أمرٌ ينشأ عن تحكمهم بالملكية الفكرية. وبالتالي ينتج مجتمع ريعي عوضًا عن رأسمالي.

دعنا نفترض على سبيل المثال أن كل الإنتاج يتم عن طريق جهاز الناسخ الخاص بعالم ستار تريك. كي تجني أموالًا من بيع الأشياء المستنسخة، يتوجب منع الناس بطريقة ما من صنع ما يشاؤون مجانًا، وهذه هي وظيفة الملكية الفكرية. لا يكون جهاز الناسخ متوفرًا إلا لدى شركة تعطيك رخصة استخدام أحد الأجهزة، حيث يخالف أيّ شخص شروط الترخيص إن حاول إعطاء شخصٍ آخر جهازًا ناسخًا أو حاول صنع جهاز ناسخ آخر باستخدام الناسخ ذاته. بالإضافة لذلك، كل مرة يصنع المرء شيئًا باستخدام جهاز الناسخ، عليه أن يدفع رسوم ترخيص لأيٍّ كان من يملك حقوق هذا الشيء المعين. في عالم ستار تريك في ظل هذا النظام، لو أراد القبطان جان لوك بيكار نسخ شاي إيرل جراي الحار المحبب لديه، سيتوجب عليه التسديد للشركة المالكة لحقوق نمط الناسخ الخاص بشاي إيرل غراي الحار.

يحل هذا مشكلة كيفية الحفاظ على مشاريع ربحية سطحيًا على الأقل. أي شخص يحاول توفير حاجاته من الناسخ دون التسديد لكارتيلات حقوق النشر سيُعامل كخارج عن القانون، مثلما يحدث لمن يشاركون الملفات اليوم على شبكة الإنترنت. وعلى الرغم من أن هذا الأمر غير معقول، فهذا التكوين الاجتماعي سيكون له مناصروه ضمن بعض النقاد المعاصرين لثقافة المشاركة على الإنترنت. يدعو جارون لانيير على سبيل المثال في كتاب «أنت لست جهازًا» (You Are Not a Gadget) صراحة بفرض «ندرة مصطنعة» على المحتوى الرقمي من أجل استعادة قيمته. عواقب مثل هذه الدعوات واضحة في يومنا هذا حتى ونشهدها في قضايا شركات التسجيلات ضد محمّلي الملفات الموسيقية الضعفاء وفي استمرارية تكثيف دولة الرقابة تحت ستار محاربة القرصنة. وتوسيع هذه المنظومة لتشمل الصناعة الدقيقة للأشياء المادية لن يزيد المشكلة إلا سوءً. ومرةً أخرى نجد في الخيال العلمي نموذجًا، وفي هذه الحالة في أعمال تشارلز ستروس. تشير رواية «أكسيليراندو» (Accelerando) لمستقبلٍ يلاحق فيه قتلة محترفون من ينتهكون حقوق النشر، ورواية «حالة التوقف» (Halting State) تصوّر «مخترعين رقميين» (fabbers) ماكرين يلاحقهم القانون كونهم يعملون سرًا بتشغيل طابعاتهم ثلاثية الأبعاد.

ولكن اقتصادًا مستندًا على ندرة مصطنعة ليس أمرًا غير معقول فحسب بل هو غير فعّال أيضًا. لو أجبر الجميع على تسديد رسوم ترخيص نقدية على الدوام، فسيحتاجون لطريقة ما لجني المال، وهذا يولّد مشكلة جديدة. المعضلة الأساسية للريعية هي مسألة الطلب الفعّال، أي: كيفية ضمان تمكن الناس من جني أموال كافية ليتمكنوا من تسديد رسوم التراخيص التي تتكل عليها الأرباح الخاصة؟ هذه المشكلة بالطبع ليست مختلفة كثيرًا عن المشكلة التي تواجهها الرأسمالية الصناعية، ولكنها تصبح أصعب فأصعب مع تزايد انعزال العمل الإنساني عن النظام الاقتصادي ومع إضحاء البشر عنصرًا غير لازم في الإنتاج حتى مع ضرورة بقائهم كمستهلكين. ما هو نوع الوظائف التي ستظل متواجدة في مثل هذا الاقتصاد إذًا؟

سيحتاج هذا الاقتصاد بطبيعة الحال لبعض الناس كي يتخيلوا أشياء جديدة ليتم «استنساخها»، ولذلك سيظل هنالك موطئ قدم لـ«طبقة خلّاقة» صغيرة من المصممين والفناين، ومع تراكم إبداعاتهم، سرعان ما سيتجاوز عدد الأشياء الممكن استنساخها بكثير الوقت والمال المتوفر للتمتع بها. ولن يكون التهديد الحقيقي لأرباح أي شركة قيمة العمل أو المواد الخام، فكلاهما أمرٌ إما متدنّي أو منعدم، بل احتمالية خسارة شعبية رخصهم لصالح منافسيهم، وبالتالي سيظل قطاع التسويق والإعلان يوظف عددًا معتبرًا من الناس، وبجانب المسوّقين سيكون هنالك جيش من المحامين، حيث سيتضخم حجم الدعاوى والقضايا المعاصرة حول براءات الاختراع وانتهاك حقوق الملكية ليشمل كل جانب من جوانب النشاط الاقتصادي. وأخيرًا، ومثل أي مجتمع هرمي، سيكون هنالك جهاز قمع ليمنع الفقراء والضعفاء من استرجاع حصة ما من ثروة الأغنياء والنافذين والأقوياء. سيتطلب فرض قوانين حقوق فكرية قاسية كتائب كبيرة مما يسميه سامويل باويلز وآرجون جايديف «عمل الحراسة»: «جهود المراقبين والحراس والعساكر…لن تتوجه نحو عملية الإنتاج، بل نحو فرض المطالبات الناتجة عن المبادلة، والسعي نحو نقل الملكية الفكرية من طرف واحد أو منعها».

ولكن الحفاظ على توظيف شامل في اقتصاد ريعي سيكون صراعا دائمًا، فمن غير المحتمل أن المجالات الأربع المفصّلة أعلاه يمكن أن تبدل تماما كل الوظائف المفقودة لصالح الأتمتة. أضف على ذلك أن هذه الوظائف ذاتها خاضعة لإبداعات موفرة للعمالة، فالتسويق سيتحول لأمر يتم عن طريق استخراج البيانات وعن طريق الخوارزميات، وكمية كبيرة من نشاطات المحاماة بالإمكان استبدالها ببرامج الحاسوب، وعمل الحراسة بالإمكان تنفيذه عن طريق روبوتات مراقبة عوضًا عن شرطة بشريّة. وحتى أنشطة إبداع المنتجات قد تُعطى يومًا ما للحواسيب الممتلكة بعض الذكاء الاصطناعي الخلاق البدائي.

وحتى لو فشلت الأتمتة، فالنخب الريعية بإمكانها استعمار أوقات فراغنا كي تستخرج عملًا مجانيًا، ونجد في فيسبوك مثالًا معاصرًا إذ يعتمد الموقع على مستخدميه لخلق محتوىً مجاني، وموضة «التلعيب» الأخيرة توحي بأن الشركات مهتمة كثيرًا بإيجاد طرقٍ لتحويل عمل موظفيها لأنشطة يجد الناس فيها متعة، وبالتالي يقومون بها مجانًا في وقت فراغهم. وعلى سبيل المثال، اختص عالم الحاسوب لويس فون آهن في تطوير «ألعاب ذات غرض»، وهي وظائف تقدم نفسها للمستخدمين النهائيين كمُلهِيات ممتعة بينما ينفذون في الواقع مهامًا حاسوبية نافعة. أحد ألعاب فون آهن طلبت من المستخدمين التعرف على أشياء في صورة، ومن ثم غذت البيانات هذه قاعدة بيانات استُخدِمت للبحث عن الصور. يستحضر هذا التوجه البحثي عالم رواية أورسون سكوت كارد «إيندرز غيم» (Ender’s Game) إذ يقاتل فيه الأطفال حرب نجومٍ فيما يعتقدون أنها ألعاب فيديو.

كل هذه الأمور توحي بأن مجتمع الريعية سيعاني على الأرجح من نزعة مستمرة تجاه التوظيف المتدني، مما يعني أن الطبقة الحاكمة سيتوجب عليها إيجاد طريقة للتصدي لذلك للحفاظ على تماسك النظام. يترتب على ذلك تحقيق رؤية الراحل أندريه جورز للمجتمع ما بعد الصناعي: «توزيع وسائل التسديد يجب أن يتوافق مع حجم الثروة المُنتجة اجتماعيا، لا مع حجم العمل المبذول». قد يتضمن ذلك فرض ضرائب على أرباح الشركات عالية الأرباح وإعادة توزيع الأموال على المستهلكين، ويمكن أن يكون ذلك على صورة دخل مضمون دون شروط أو قيود، وقد يكون ذلك مقابل تنفيذ نوع من أنواع العمل الفارغ الذي لا يحمل قيمةً تذكر. ولكن حتى لو كانت إعادة التوزيع هذه مرغوبة من منظور الطبقة جمعاء، ستنبثق مشكلة النشاط الجمعي التعاوني: ستميل أي شركة مفردة أو شخصٍ غني إلى استغلال تسديد أقرانه للضرائب، وبالتالي سيقاوم جهود فرض ضريبة إعادة توزيع. وقد تحاول الحكومة ببساطة طباعة النقود وتوفيرها للطبقات العاملة، ولكن التضخم الناتج لن يكون سوى صورة غير مباشرة من إعادة التوزيع وبالتالي سيواجه مقاومة. وأخيرًا، هنالك خيار تمويل الاستهلاك عن طريق مديونية المستهلك، ولكني سأفترض أن القراء في بدايات الألفية الجديدة لا يحتاجون للتذكير بالحدود المتأصلة في ذلك الحل.

نظرًا لكل هذه الإشكالات، قد يتساءل المرء لم ستكلف الطبقة الريعية ذاتها عناء استخراج الأرباح من الناس، إذ بإمكانهم استنساخ ما يشاؤون على أيّ حال؟ ما الذي يمنع مجتمعًا كهذا من الانحلال ببساطة للسيناريو الشيوعي المذكور أعلاه؟ قد يكون السبب هو أن لا أحد يملك رخصًا كافية لتسديد كلّ حاجاتهم، وبالتالي يحتاج الجميع لإيرادات لتسديد تكاليف التراخيص الخاصة التي اشتروها. قد يملك فردٌ ما نمط جهاز الناسخ الخاص بالتفاح على سبيل المثال، ولكن امتلاكه القدرة على استنساخ التفاح ليس كافيًا للبقاء. وفي هذا التفسير للريعية، الطبقة الريعية تتكون ممن يملكون رخصًا كافية لتغطية كل رسوم التراخيص التي يشترونها.

أو لربما، كما أشرنا في المستهل، ستقوم الطبقة الحاكمة بحماية مكانتهم المتميزة من أجل حماية قوتهم ونفوذهم الممارَس على الآخرين والممنوح لمن يقعون في أعلى المجتمعات المنقسمة طبقيًا. وقد يوحي ذلك بحلٍ آخر لمشكلة التوظيف المتدني الخاص بالريعية: توظيف الناس للقيام بالخدمات الشخصية قد يكون مؤشرًا للمنزلة الاجتماعية، حتى لو جعلت الأتمتة من ذلك أمرًا غير ضروري بالمعنى الدقيق للكلمة. والنشأة المبشر بها كثيرًا لاقتصاد الخدمات ستتطور في هذا السياق إلى نسخة مستقبلية من إنجلترا القرن التاسع عشر أو أجزاءٍ من الهند اليوم، حيث تتمكن النخبة من توظيف أعداد ضخمة من الخدم.

ولكن مجتمعًا كهذا ليس بإمكانه الاستمرار إلا إن قبل أغلب الناس بشرعية هرمِه الحاكم. لربما ستكون قوة الإيديولوجيا قوية كفاية لحث الناس على القبول بالظروف الموصوفة هنا. أو لربما سيتساءل الناس عن سبب احتكار المعرفة والثقافة داخل هذه القوانين التقييدية، بينما «بإمكاننا تكوين عالمٍ مختلف»[†]، لو استخدمنا الشعار الشهير حديثًا، متجاوزًا منظومة الندرة المختلقة.

المساواة والندرة: الاشتراكية

رأينا أن مزيج الإنتاج المؤتمت والموارد الوافرة تعطينا إما يوتوبيا الشيوعية الخالصة أو دستوبيا الريعية العبثية، ولكن ماذا لو ظلت الطاقة والموارد نادرة؟ نصل في تلك الحالة إلى عالم يتصف بتزامن بالوفرة والندرة يكون فيه تحرّر الإنتاج بجوار تخطيط وإدارة مكثفة لمدخلات ذلك الإنتاج. تختفي الحاجة للتحكم بالعمل ولكن الحاجة لإدارة الندرة تبقى.

يجب إدراك كون ندرة المدخلات المادّية للإنتاج لا تقتصر على سلع معينة مثل النفط أو خام الحديد فحسب، فالآثار المؤذية التي ألحقتها الرأسمالية بالبيئة تهدد بإحداث ضرر دائم على المناخات والنظم البيئية التي يتكل عليها اقتصادنا الحاضر. فآثار التغير المناخي قد أحدثت خرابًا في الأنظمة الغذائية العالمية وأجيال المستقبل قد تنظر إلى تنوع المنتجات الغذائية المتوفر اليوم كعصرٍ ذهبي غير مستديم. (تخيلت الأجيال الأولى من كتّاب روايات الخيال العلمي أحيانًا أننا سنختار يومًا ما أن نتناول جميع موادنا الغذائية عن طريق كبسولة عديمة النكهة، ولكن ذلك قد يحدث للضرورة لا للاختيار). ووفق أكثر التوقعات سوءً، قد تصبح العديد من المناطق ذات الكثافة السكانية حاليًا غير صالحة للسكن مستقبلًا، مما سيفرض تكاليف نقلٍ وإعادة بناء عالية على أحفادنا.

مستقبلنا الثالث هو إذًا مستقبل لا يحتاج أحدٌ فيه العمل ولكن الناس لا يتاح لهم استهلاك ما يشاؤون. يلزم في تلك الحالة نوعٌ ما من الحكومة، والشيوعية الخالصة تُستبعد كإمكانية. ما قد نحصل عليه عوضًا عن ذلك هو نسخة ما من الاشتراكية وصورة ما من التخطيط الاقتصادي. ولكن خلافًا لخطط القرن الواحد والعشرين، خطط المستقبل محدود الموارد تهتم غالبًا بإدارة الاستهلاك عوضًا عن إدارة الإنتاج، أي أننا سنفترض وجود جهاز الناسخ، ولكن المهمة الرئيسية هي إدارة المدخلات التي تغذّيه.

قد يبدوا هذا المستقبل ليس واعدًا أبدًا، فمجال الاستهلاك كان هو بالذات المجال الذي وُجد فيه القصور الأعلى في التخطيط على النمط السوفييتي؛ فكيف بنا أن نجد نموذجًا مُلهمًا في مجتمع تمكّن تسليح ذاته للحرب ضد النازّيين، ولكن تعرض بعدها على الرغم من ذلك لحالات عجز غذائي وطوابير خبز متتالية. الدرس الحقيقي من تجربة الاتحاد السوفييتي ومقلّديه في الواقع هو أن وقت التخطيط لم يحن بعد حينها، وحين اقترب وقت التخطيط، برهن كلٌ من التصلب البيروقراطي والعيوب السياسية للنظام السوفييتي عدم قدرته على استيعابه. في خمسينات وستينات القرن الماضي حاول علماء الاقتصاد السوفيتيون ببسالة إعادة هيكلة اقتصادهم لصورة قابلة للتنفيذ – أحد الشخصيات الرائدة في هذه المساعي كان ليونيد كانتوروفيتش، سُرِدت قصته على شكل رواية في كتاب فرانسيس سبوفورد الحديث «الوفرة الحمراء» (Red Plenty). لم تنهار تلك الجهود لأن التخطيط مستحيل جوهريًا بل لأنه كان مستحيلًا فعليًا وسياسيًا في الاتحاد السوفييتي في ذلك الوقت: تقنيًا لعدم توفر قوة حاسوبية كافية في ذلك الوقت وسياسيًا لأن النخبة البيروقراطية السوفييتية لم تكن رغبة بترك السلطة والقوة والامتيازات التي حصلوا عليها في النظام ذاك.

ولكن مساعي كانتوروفيتش، ومساعي منظّري تخطيط معاصرين مثل بول كوكشوت وآلين كوتريل، توحي بإمكانية صورة ما من التخطيط الديموقراطي والفعّال. وسيكون ذلك ضروريًا في عالم يتصف بندرة الموارد: بينما نجح الإنتاج الرأسمالي الخاص نجاحًا شديدًا في تحفيز إبداعات تقنية موفرة للعمالة، فقد برهن فشله في الحفاظ على البيئة وترشيد الموارد النادرة. وحتى في عالم ما بعد رأسمالي، عالم متجاوز للعمل، يلزم وجود صورة ما من التنسيق لضمان عدم تعامل الأفراد مع الأرض بطريقة غير مستديمة في مجملها. ما نحتاج إليه، كما أشار مايكل لوي، هو صورة من «التخطيط الديموقراطي العالمي» المرتكز في النقاش الديموقراطي التعددي عوضًا عن حكم البيروقراطيين.

ولكن يجب أن نوضح الفارق ما بين التخطيط الديموقراطي والاقتصاد غير السوقي تمامًا. يمكن لاقتصادٍ اشتراكي أن يوظف تخطيطًا عقلانيًا بينما يضم تبادل سوقٍ من نوع ما، ومعه أموالٌ وأسعار. كانت هذه واقعًا إحدى آراء كانتوروفيتش المتبصرة: عوضًا عن التخلص تمامًا من مؤشرات الأسعار، أراد جعل الأسعار آلية لتحويل أهداف الإنتاج المخطط إلى وقائع اقتصادية. وتشير المحاولات الحالية لوضع سعرٍ على الانبعاثات الكربونية عن طريق مخططات تداول الانبعاثات[‡] إلى هذا المنحى. وبينما تستخدم هذه العملية السوق كآلية تنسيق، فهي نوعً من أنواع التخطيط، إذ أن الخطوة المركزية هي قرارٌ غير سوقي حول المستوى المقبول لانبعاثات الكربون. قد تكون صورة هذا المنهج مختلفةً جدًا عما تبدو عليه اليوم إن عُمِّم وطُبّق دون علاقات الملكية الرأسمالية ودون التفاوتات الاقتصادية.

دعنا نفترض أن الجميع تلقوا أجرًا، ليس كعائدٍ لعملهم بل كحقّ إنساني. لن يشتري الأجر منتجات عمل الآخرين بل حق استخدام كمية معينة من الطاقة والموارد مع استخدام الفرد للجهاز الناسخ المذكور آنفًا. قد تنشأ الأسواق طالما يختار الناس تبادل نوعٍ معين من التصاريح الاستهلاكية مقابل آخر، ولكن ذلك سيكون ما يسميه عالم الاجتماع إيريك أولين رايت «رأسمالية بالتراضي ما بين بالغين» عوضًا عن المشاركة اللاإرادية في العمل المأجور المحفَزّة بخطر التضور جوعًا.

نظرًا إلى الحاجة لتحديد مستويات استهلاكٍ مستقرة والتوجه نحوها، وبالتالي تحديد الأسعار، لا يمكن للدولة أن تضمحل تمامًا كما يحدث في السيناريو الشيوعي. طالما هنالك ندرة، سيكون هنالك بالتأكيد صراعٌ سياسي، حتى لو لم يكن هذا الصراع صراعًا طبقيًا، صراعاتٌ ما بين المناطق المختلفة أو الأجيال المختلفة أو ما بين المنشغلين أكثر بصحة البيئة على المدى الطويل وأولئك المفضّلين الاستهلاك المادي في المدى القصير، ولن يكون حل أي من هذه الصراعات أمرًا سهلًا. ولكننا سنكون قد وصلنا إلى الجانب الآخر من الرأسمالية كمجتمعٍ ديموقراطي، ووصلنا سالمين نوعًا ما.

الهرمية والندرة: الإبادية

ولكن إن لم نصل إلى الجانب الآخر متساويين واستمرت الحدود البيئية بالضغط علينا، سنصل إلى الاحتمال المستقبلي الرابع والأكثر مدعاةً للقلق. يمثل هذا المستقبل بطريقة ما الشيوعية التي بدأنا بها، ولكن هذه الشيوعية شيوعيّةٌ للقلة.

هنالك مفارقة عن النخب العالمية المسميين اليوم بـ«أغنى واحد المئة» وهي مفارقة متمثلة بحقيقة أنّه بينما يُعرّف هؤلاء بتحكمهم بقطاعات ضخمة من الثروة النقدية العالمية، فهم يشكلون جزءً من البشرية تكون هيمنة الأموال على حياتهم اليومية أقل من أي جزءٍ آخر. وكما أشار تشارلز ستروس، يشغل الفاحشون ثراءً مجالًا تكون فيه جميع بضائع العالم، فعليًا، مجانية، أي أن ثروتهم مهولة مقارنة بتكاليف المأكل والمسكن والتنقل وغيرها من وسائل الراحة حتى أنهم نادرًا ما يراعون تكلفة أي شيء. مهما كانت رغباتهم، بإمكانهم تحقيقها.

مما يعني أنّ العالم بالنسبة للفاحشين ثراءً يمثّل حاليًا شيءً شبيهًا بالشيوعية المذكورة آنفًا. الفارق بالطبع هو أنّ حياتهم المتجاوزة للندرة أصبحت ممكنة ليس بفضل الآلات فحسب بل بفضل عمل الطبقة العاملة العالمية أيضًا. ولكن نظرة متفائلة للتطورات المستقبلية – المستقبل الذي وصفته مسبقًا بالشيوعية – هو أننا سنصل إلى وضعٍ نكون فيه جميعًا، بمعنىً ما، «أغنى واحد بالمئة»، إذ وفق تصريح ويليام غيبسون الشهير: «المستقبل حاضرٌ فعلًا، ولكنه موزّع بصورة غير متساوية».

ولكن ماذا لو كانت الموارد والطاقة أندر من أن تسمح للجميع بالتمتع بالمستويات المعيشية المادية لأغنياء هذا العصر؟ ماذا لو وصلنا لمستقبل لا يتطلب عمل جحافل البروليتاريا في عملية الإنتاج ولكنه لا يمكن له توفير مستوى استهلاكٍ عالٍ اعتباطيًا للجميع؟ لو وصلنا إلى هذا العالم كمجتمع مساواتي، فالجواب هو نظام الاستبقاء المشترك الاشتراكي الموصوف في القسم السابق، ولكن إن ظلينا عوضًا عن ذلك مجتمعًا مستقطبًا ما بين نخبة غنية وجماهير مضطهدة، فأرجح مسار سنتخذه سيقودنا لمستقبل معتم جدًا: سأسميه بمصطلح استخدمه إيدوارد بالمر تومبسون لوصف دستوبيا مختلفة أثناء ذروة الحرب الباردة: «الإباديّة».

الخطر الكبير الذي تمثله أتمتة الإنتاج في سياق عالمٍ متسم بالهرمية وندرة الموارد هو أنه يجعل الجماهير الضخمة من الناس أمرًا زائدًا عن اللزوم في نظر النخب الحاكمة. وهذا أمرٌ مختلف عن الرأسمالية حيث الخصومة بين الطبقة الرأسمالية والطبقة العاملة تتسم بكلٍ من تصادم مصالح وعلاقة اعتمادٍ متبادل: طالما لا يسيطر العمّال على وسائل الإنتاج سيتكلون على الرأسماليين، بينما يحتاج الرأسماليون للعمال لتشغيل مصانعهم ومتاجرهم. فكما أشارت كلمات نشيد «متضامنون إلى الأبد» (Solidarity Forever): «لديهم ملايين لا تعد ولا تحصى لم يكدحوا لجنيها أبدًا/ولكن دون عقولنا وأجسادنا لن تدور عجلة واحدة»[§] ولكن مع تصاعد دور الآلات، لن يعود الشطر الثاني صحيحًا.

يشكل وجود حشودٍ فقيرة غير لازمة اقتصاديًا خطرًا كبيرًا بالنسبة للطبقات الحاكمة التي ستكون خائفة طبيعيًا من المصادرة الوشيكة دائمًا لأملاكهم. وحين يواجهون هذا التهديد، هنالك عدة مسارات بإمكانهم اتخاذها. بالإمكان «رشوة» الحشود بدرجة معينة من إعادة توزيع الموارد: يشارك الأغنياء ثروتهم على صورة برامج رعاية اجتماعية، على الأقل حين يكون ضيق الموارد ليس بتلك الشدة. ولكن علاوة على استحداث هذا الحل الندرة في حياة الأغنياء، فمن شأنه أن يؤدي إلى تيّار متصاعد من المطالب من جانب جموع الناس، وبالتالي باعثًا شبح المصادرة مرة أخرى. وهذا واقعًا ما حصل في فترة دول الرعاية الاجتماعية، حين بدأ ملّاك الشركات بالخوف من بدئ فقدهم السيطرة على مقرات العمل وانزلاق الأرباح من أيديهم.

وإن لم تشكّل رشوة الحشود الغاضبة استراتيجيةً مستديمة، فخيار آخر هو الهرب ببساطة والاختباء منهم. هذا هو المسار الذي يسميه عالم الاجتماع براين ترنر بـ«المجتمع المُطوّق» (enclave society)، نظامٌ تسعى فيه «الحكومات وغيرها من الوكالات لضبط الفضاءات وإن تطلب الأمر شل حركة تدفقات الناس والبضائع والخدمات» عن طريق «التطويق والحواجز البيروقراطية والاستثناءات والتسجيلات القانونية». الأحياء السكنية المغلقة والجزر الخاصة والغيتوهات والسجون والهلع من الإرهاب والحجر البيولوجي، تشكّل هذه الأمور مجتمعةً «غولاغ» معكوس على مستوىً عالمي يعيش فيه الأغنياء في جزرٍ صغيرة من الثروة متناثرة في محيط من البؤس. في كتاب «مدار الفوضى» (Tropic of Chaos)، يقول كريستيان بارينتي أننا نعمل الآن فعلًا على بناء هذه المنظومة، حيث يعمل تغير المناخ على إحلال ما يسميه بـ«الالتقاء الكارثي» ما بين الخراب البيئي والتفاوت الاقتصادي وفشل الدولة. كان إرث الاستعمار والنيوليبرالية هو أن البلدان الغنية، ومعها نخب البلدان الفقيرة، سهّلت انحلالاً إلى العنف الفوضوي، حيث تصارعت الفصائل القبلية والسياسية المتنوعة على الثروة المتضائلة لأنظمة بيئية تالفة. وفي مواجهة هذا الواقع الكئيب، حصّن العديد من الأغنياء في قلاعهم، إذ يشمل ذلك العديد من العمال في البلدان الغنية أيضًا إن تحدثنا بمستوىً عالمي، تحميهم طائرات بدون طيار ومقاولون عسكريون من القطاع الخاص. يعود في سياقنا هذا «عمل الحراسة» الذي لاقيناه في المجتمع الريعي بصورةٍ أكثر رداءة، حيث تُوظّف قلة محظوظة كحماة للأغنياء وفارضة لنظامهم.

ولكن هذا أيضًا ليس توازنًا مستقرًا، للسبب الرئيسي ذاته الذي جعل من رشوة الحشود غير مستديمة. ما دامت هذه الجحافل البائسة متواجدة، سيظل خطر استحالة التصدي لهجمتهم متواجدًا. متى ما صُيِّرت عمالة الحشود أمرًا غير لازم، سيتربّص لنا حلٌّ أخير: حربٌ إباديّة يشنها الأغنياء على الفقراء. سمى العديد فيلم جستن تمبرليك لعام 2011 «إن تايم» (In Time) فيلمًا ماركسيًا، ولكن الأدق القول إنه أقرب للطريق إلى الإبادية. في هذا الفلم، تعيش طبقةٌ حاكمة إلى الأبد حرفيًا في مجتمعاتهم المطوقة بسبب تقنية جينية بينما بُرمِج الباقون ليموتوا بعمر خمسة وعشرين ما لم يتضرعوا من أجل وقت أكثر أو يستعيروه أو يسرقوه. ما يبقي العمّال على قيد الحياة في هذا العالم هو أن الأغنياء لا يزالون بحاجة لعملهم، وحين تفنى هذه الحاجة، الأرجح أن الطبقة العاملة ستفنى معها.

ومن هنا تأتي الإبادية كوصف لهذا النوع من المجتمع. قد تبدو هذه النهاية الإبادية كمستوى من البربرية غير قابل للتصديق لا يصلح إلا لأشرار القصص المصورة، ولربما من غير المنطقي أن نعتقد أن عالمًا مرّ بهولوكوست القرن العشرين من الممكن أن ينحدر لمثل هذا الفساد. ولكن هل ذلك أمرٌ غير منطقي ونحن نشهد في الولايات المتحدة اليوم بلادًا بعض مرشحّي الرئاسة فيها يحتفلون بإعدام الأبرياء بينما القائد العام للقوات المسلحة يأمر بشكل عابر باغتيال مواطني بلاده دون حتى مظاهر الإجراءات القانونية وسط تصفيقٍ حار من الليبراليين.


هذه النسخ الأربع مجرد أنواع مجرّدة خالصة، نواة أفلاطونية لمجتمع ما، فهي تغفل العديد من تفاصيل التاريخ الفوضوية، وتتجاهل حقيقة أن الندرة مقابل الوفرة والمساواة مقابل الهرمية ليستا ثنائيتين بسيطتين بل مقاييسًا تحمل العديد من النقاط الوسطية. ولكن إلهامي في رسم هذه الصور المبسطة هو نموذج المجتمع الرأسمالي الخالص الذي سعى ماركس لرسمه في «رأس المال»: صورة مثالية يستحيل أن تعكس على نحو تام المجاميع المعقدة للتاريخ السياسي المعقد، ولكنها تضيء عناصرًا فريدةً من نوعها بل وجوهرية لنظام اجتماعي معين. يجب أن يُنظر لهذين النوعين من الاشتراكية ومن البربرية المذكورين هنا كطرقٍ قد تسير فيها البشرية حتى لو كانت وجهاتٍ لن نصل إليها أبدًا. وبمعرفة ولو كانت ضئيلة بما يقع في آخر كل طريق، لربما سنحسّن من قدرتنا على تجنب الاتجاه الخطأ.

—–

ملاحظات:

[*] تم تعديل بعض الكلمات لتتناسب مع صياغة الجمع المستخدمة في المقال المُترجم.

[†] ترجمة غير حرفية لشعار: «Another World is Possible».

[‡] مخططات تبادل الانبعاثات: نهج قائم على السوق بتفويض من الحكومة للتحكم بالتلوث عن طريق تقديم حوافز اقتصادية لتحقيق تخفيضات في انبعاثات المواد الملوثة.

[§] الكلمات الإنجليزية:

They have taken untold millions that they never toiled to earn/But without our brain and muscle not a single wheel can turn.

 

Advertisements

تسعدني تعليقاتكم

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s