لماذا نرفض الرأسماليّة؟ — هاري ماجدوف وفريد ماجدوف

Posted: 10 يونيو 2016 in مختارات سياسية, عمال وجماهير
الوسوم:, , , , , ,
هاري ماجدوف
فريد ماجدوف
مُقتطف من مقال «التطرق للاشتراكية»، من مجلةمونثلي رڤيو
ترجمة: فريق الترجمة
الناشر: مدونة ما العمل؟

تتضمن الدعوات المناهضة للرأسمالية على عدد من الجوانب. الجانب الأول، هو أن الرأسمالية هي نظام لا بد من أن يتوسع – مما يؤدي للحروب الاستعمارية والإمبرالية والهيمنة الاقتصادية على الدول الأكثر فقرًا. تقومُ أسُس النظام الرأسمالي بخلق ثروةٍ ضخمةٍ يجاورها فقرٌ مدقع على الصعيدين الوطني والدولي. ونتيجةً لذلك، فإن جزءًا كبير من البشرية محكوم عليها بالتبعية، حيث يعيش العديد منها حياة بائسة وغير مستقرة. تنزعُ الرأسمالية أيضًا – مع تطورها ونموها – لإلحاق الدّمار بالبيئة بسبب عدم وجود أي هدف منهجي لها غير السعي وراء تراكم رأس المال، فهي قوة تحركها الرئيسية. تنزعُ الرأسمالية أيضا لاستهلاك واستنزاف الموارد الطبيعية – المتجددة والغير متجددة – دون أي اعتبارٍ لطبيعتها المحدودة. وعلى الرغم من إمكانية تخفيف أسوأ آثار الرأسمالية، إلا أنّ الرأسماليين بإمكانهم أن يلغوا هذه الإصلاحات إن اعتبروها حواجزًا تعيق تراكم رأس المال وأصبحت لديهم السلطة التشريعية للعودة إلى ظروفٍ أقل تقييدًا، عن طريق حلّ الضوابط التنظيمية.

التوسّع المتأصّل في الرأسمالية

مع نشأة الرأسمالية المركنتليّة (mercantile capitalism)، أصبحت التجارة من أجل تحقيق مكاسبٍ مالية واستخراج معادن ثمينة الدافع المهيمن مركزيًا لدى المجتمع، مما أدى إلى تراكم الثروة لدى التجار والمصرفيين في البلدان القوية. وقد أدى ذلك إلى صراعاتٍ بين الفئات الاجتماعية وحروبٍ بين الأمم الباحثة عن المزيد من السلطة والممتلكات والثروة. لكن، شكلت المحيطات قيودًا على التجارة الأوروبية مع الأجزاء الأخرى من العالم – حتى أواخر القرن الخامس عشر – لاقتصارها على الطرق البرية. كان استكشاف المحيطات من قبل الدول الأوروبية في هذا الوقت ممكنًا بسبب تطوير المدفعية القوية، والأدوات الملاحية الجديدة، وسفنٍ شراعية كبيرة باستطاعتها حمل عدد كبير من الجنود والمدافع، حيث أشار كارلو سيبولا في كتاب «البنادق والأشرعة في المرحلة المبكرة من التوسع الأوروبي (1400-1700)» أنّ «الأوروبيّين قد حسّنوا بسرعة» التكنولوجيا العسكرية، ومدفعية البحرية، والسفن الشراعية «قبل أن يتمكن غيرهم من استيعابها. ونتيجة لذلك، فقد ازداد الاختلال في القوّة تدريجيًا».

غالبا ما كانت التجارة من أجل المنتجات ذات القيم العالية كالتوابل والمعادن الثمينة الدافع الأول للاستكشافات الأوروبية والفتوحات الخارجية. لم يستغرق الأمر إلا بضعة عقود حتى أصبحت الدول الأوروبية القوى المهيمنة على المحيطات وكسبت النفوذ إلى العديد من الدول حول العالم. وما أن وصلت الدول الأوروبية إلى تلك المناطق حتى شرعوا في إقامة مستوطنات صغيرة، وقد تمكنوا من توسيع مستوطناتهم بشكل كبير خاصة بعد هلاك وفناء سكانها الأصليين عقب إدخال الجراثيم الأوراسية والتي لم يكن لدى السكان الأصليين أي مناعة ضدها. على الرغم من أن الاندفاع لخارج أوروبا لم يبدأ إلا مع أواخر القرن الخامس عشر، إلا أن عام 1500 غالبًا ما يشار له كبداية عصر الرأسمالية التجارية. خَلقت الرأسمالية التجارية سوقًا عالميًا، وتمركزًا هائلا للثروة (مستندةً بشكل كبير على تجارة الذهب والفضة المسروقين من القارّتين الأمريكيتين)، وبداية الاستعمار الذي أثر على قطاعات كبيرة من العالم. أُبيدَ السكان الأصليّون بالحروب، والعبودية، والأمراض، والتهميش. وتركزت الأسواق الأوروبية مع أفريقيا لعدة قرون على تجارة الرقيق، والتي أفادت بريطانيا في الدرجة الأولى.

خَلقت الرأسمالية التجارية السوق العالمية وساعدت في توفير الثروة المتراكمة التي أدت لنشوء الثورة الصناعية في منتصف القرن الثامن عشر. وبالتالي، منذ حوالي قرنَين ونصف تطور مجتمعٌ جديدٌ في أوروبا الصناعية – الرأسمالية الصناعية – وانتشر منذ ذلك الحين ليصل إلى كل أركان العالم. ففي صلب نسيج الرأسمالية الحديثة – أو الصناعية – هو حاجتها لتوسيع نطاق سيطرتها على الشواطئ الأجنبية – وهذه العمليّة تُسمى بالإمبريالية. حملة التوسّع هذه حرّكتها دوافعٌ مهمّة متعدّدة، وقد هيمنت دوافعٌ مختلفة خلال فترات الرأسمالية المختلفة. ومع ذلك، فهذه القوى مرتبطة عمومًا مع بعضها البعض، وذلك لأنها مشتقة جميعا من طرق عمل الرأسمالية.

هناك حاجة للسيطرة على الموارد الطبيعية الأجنبية (بالتنافس مع الرأسماليين الآخرين و/أو الدول الأخرى) للحصول على مصدر آمن من المواد الأساسية للإنتاج – كالقطن والبُوكْسيت والنفط والنحاس وهلم جرًا. فالحرب الأمريكية على العراق ومحاولة التأثير على سياسات واقتصاد تلك الدولة والمنطقة لا يمكن فهمهما دون النظر إليهما كجزءٍ من استراتيجية السيطرة على نفط الشرق الأوسط، والذي يمثل 65 بالمئة من احتياطي العالم المعروف. تستورد الولايات المتحدة حاليًا أكثر من نصف احتياجاتها النفطية، وتستورد مئة بالمئة من احتياجاتها لسبعة عشر معدن مختلف، وتعتمد بشدة على الاستيراد لأكثر من ذلك بكثير.

إنّ الدفع باستمرار لاستثمار الأرباح من أجل مراكمة المزيد والمزيد من رأس المال، وهو، كما أسلفنا، القوة المحركة للرأسمالية الصناعية، والإنتاج الذي يحفّزه التنافس بين الشركات للحصول على حصة في السوق دَفعَ بالرأسماليين لأن يطوروا منتجات جديدة وأن يوسعوا من حصة أسواقهم داخليًا. وبمجرد تشبع الأسواق الداخلية أو ابتدائها بالتشبع، يبدأ الرأسماليون بالبحث في الخارج عن فرص مُربحة للتغلب على الركود الاقتصادي المتنامي. إن الفائض المستمرّ للاستثمار والإنتاج عن نسبة الطلب الفعّال – وهو سبب النزعة الرأسمالية نحو الركود – قد شخّصه ماركس في المجلّد الثالث من «رأس المال» كإحدى خصائص النظام الرأسمالي:

إن صاحب هذا التراكم الجديد لرأس المال صعوباتٌ في توظيفه، من خلال عدم وجود مجالاتٍ استثمارية – أي: لوجود فائضٍ في فروع الإنتاج وفائضٍ في عرض رأس المال المُقتَرض – فلا يظهِر هذا الكم الهائل من رأس المال النقدي القابل للإقراض إلا محدودية الإنتاج الرأسمالي…والذي يُمثّل في الواقع عقبةً في قوانينها التوسعية، أي في الحدود الممكنة لرأس المال بأن يحقّق ذاته كرأس مالٍ.

يُوفر الاستثمار في الخارج فرصًا للاستفادة من انخفاض تكلفة اليد العاملة وقلة الضوابط التنظيمية البيئية مما يتيح جني أرباحٍ إنتاجية أكثر في الأسواق الداخلية و/أو الخارجية. يتيح وجود العديد من العمليات التجارية في الخارج للشركات فرصة توزيع وتقسيم التكاليف والدخل لمختلف فروعها الدولية بطرق تقلل فيها من التزاماتها الضريبية.

كان الصراع بين الشركات العملاقة للسيطرة على السهم الأكبر من الأسواق الداخلية والخارجية في المرحلة الاحتكارية للرأسمالية – والتي نشأت في القرن العشرين – عاملًا  آخر ساهم في الحملة التوسعية. تحتاج الشركات في كثير من الأحيان إلى تمويلٍ خارجيّ لتغذية هذا التوسع. يُبَدَّدْ الكثير من الفائض المُنتج من قبل الشركات بطرق غير إنتاجية، مثل الإعلانات والترويج أو الدخول العالية والباهظة لكبار موظفي الشركة. فعلى سبيل المثال، يعادل المبلغ الذي يكسبه الرئيس التنفيذي لشركة وول مارت في أسبوعين ما يكسبه العامل العادي طيلة حياته (بول كروغمان، مجلة النيويورك تايمز، 13 مايو 2005). وبالتالي، فعلى الرغم من استطاعة الشركات تحقيقَ أرباحٍ للاستثمار الداخلي، كثيرًا ما يطلبن حرية الوصول إلى رأس المال للتوسع في الإنتاج أو الاستحواذ على الشركات الأخرى. فمن أجل استقطاب وجذب المصرفيين ومستثمري أسواق الأسهم، هم بحاجة لإثبات تحقّق نمو كبير أو مُمكن.

وأخيرا، فإن «غزو» دول الأطراف[§] من قِبل بنوك الدول الرأسمالية المركزية يساعد الاستثمار الأجنبي ويساعد أيضًا المستثمرين الأجانب وحلفائهم من الطبقة الحاكمة المحلية في نقل الأرباح إلى الدول المركزية. تجد بنوك الدول المركزية أيضًا أنه من المربح تقديم قروضٍ لوكالات دول الأطراف، الخاصّة منها والعامة، مما يعزز من تطوير سخرة الديون (debt peonage). ففوائد هذه القروض (بالإضافة إلى بعض المبلغ الأصلي) التي تعادل القرض الأساسي يتمّ نقلها سريعًا إلى دول المركز تاركةً خلفها التزامًا طويلَ الأجل لتسديد القرض.

كان إنشاء أو خلق السيطرة الاستعمارية هو الطريقة التي ضمنت بها المراكز الرأسمالية المنبثقة سيطرتها على الموارد والأسواق الأجنبية. أدى توسع أكثر الدول تقدمًا، صناعيًا وعسكريًا، إلى السيطرة التامة على معظم أنحاء العالم. فمع حلول عام 1914، غطت مستعمرات الدول الغنية والصناعية ما يقارب 85 بالمئة من اليابسة (هذا مع تحدث الناس هذه الأيام عن «العولمة» وكأنها ظاهرة جديدة بدلًا من كونها اندفاعةً إمبرياليةً جديدة!). لقد دارت الحربين العالميتين في القرن العشرين – في المقام الأول – حول مسألة تقاسم العالم بين القوى العظمى. أَجبرت الصراعات والحروب المريرة المناهضة للاستعمار بعد الحرب العالمية الثانية القوى الاستعمارية على إنهاء استعمارها. إلا أن دول مركز الاقتصاد الرأسمالي العالمي الغنية – بعد نهاية الاستعمار – واصلت هيمنتها على معظم دول العالم الثالث (underdeveloped world). فإحدى السمات المشتركة بين سنوات الاستعمار وسنوات ما بعد كسب الاستقلال السياسي هو خضوع الدول الفقيرة، اقتصاديًا، لاحتياجات ورغبات رؤوس الأموال في دول المركز. فقد شَوَّهَ تاريخ الهيمنة الاستعمارية والإمبريالية اقتصادات دول الأطراف بطرقٍ تَحوْل دون تطورهم ونموهم الذاتي. إن السِمة الرئيسية لتبعية الدول الأكثر فقرًا – ألا وهي استخراج الثروة لدعم تراكم رأس المال من قبل القوى المهيمنة – لا تزال مستمرةً حتى يومنا هذا. لكن ما إن انتهى الاستعمار، حتى اتضحت الحاجة لوسائل جديدة ولاستمرار إعادة إنتاج تبعية دول الأطراف الفقيرة وللإشراف عليها. ففي يومنا هذا، يقوم صندوق النقد الدولي والبنك الدولي بالدّورِ الإقساري الذّي أدّاه الاحتلال الاستعماري والقوة العسكرية سابقًا، إلا أن القوات المسلحة لا تزال تُستَخدم لفرض الإرادة الإمبريالية.

لقد أشار جوان روبنسون لأهمية التغلغل العالمي لرأس المال في نجاح النظام ككل عندما قال: «قليلٌ سينكرون كون “الطفرة الطويلة الشاسعة” للمئتين سنة الأخيرة…هي المحرك الرئيسي لتوسع الرأسمالية إلى مناطق جديدة». يَخلق هذا التوسع المتأصل في الرأسمالية حرباً شبه دائمة ويُخضع اقتصادات دول الأطراف لاحتياجات الشركات المتمركزة في دول المركز. كما أنه يعمل أيضا على إبقاء جزء كبير من سكان الأرض في ظل ظروف قاسية جدا (انظر الجزء الثاني).

الرأسمالية والحالة الإنسانيّة

لقد أنتجت الرأسمالية – ومعها عددٌ من التنوّعات السياسيّة – سلعًا واختراعاتٍ وأفكارٍ جديدةٍ وتقدماتٍ تكنلوجيةٍ أكثر من كل الأزمنة السابقة. فقد كان هناك خلال القرنين ونصف الماضيين للرأسمالية الصناعية – باستثناء الحروب والكساد والركود الاقتصادي – توسعٌ شبه مستمر في البلدان الرأسمالية المتقدمة. لكن ماذا قدّم هذا التقدم والتطور الهائل للقدرات الإنتاجية بالنسبة للظروف المعيشية وعلاقات البشر ببعضهم البعض على هذه الأرض؟ من جهة، يعيش جزء كبير من سكان العالم – حوالي الـ 20 بالمئة – في راحة معيشية مع توفر العديد من الفرص التعليمية والسكنية والشرائية لهم. لكن ضمن هذه المجموعة الميسورة معيشيًا، يوجد توزيع غير متكافئ للثروة – مع سيطرة الأغنى على كميات هائلة من الثروة. فلدى أغنى 691 شخصًا على الأرض ثروة تبلغ 2.2 تريليون دولارًا، أي ما يعادل الناتج المحلي الإجمالي السنوي لـ 145 دولة – أي أكثر من كل بلدان قارتي أمريكا اللاتينية وأفريقيا مجتمعتين!! ويسيطر أيضا أغنى 7.7 مليون شخص (حوالي 0.1 بالمئة من سكان العالم) – والذين يملكون صافي قيمة مالية تزيد عن مليون دولارٍ – على ما يقارب الـ 28 تريليون دولار – أي ما يعادل الـ 80 بالمئة من الناتج المحلي الإجمالي السنوي لجميع بلدان العالم. يساوي هذا أكثر من الناتج المحلي الإجمالي السنوي لجميع دول العالم ‪جمعاء ناقصًا الولايات المتحدة (إذ يشمل في الواقع أيضًا حوالي 40 بالمئة من الناتج المحلي الإجمالي الأمريكي).

على الرغم من كمية الثروة الضخمة الُمنتَجَة والُمتَراكِمة في أيدي قلة من الناس، إلا أنّ تفاصيل كيفية عيش الكثير من الناس في الواقع – أعداد وظروف بؤساء الأرض – فظيعة للغاية.

مِنَ الستة مليار وثلاث مئة مليون شخص في هذا العالم:

  • يعاني ما يقارب من نصف البشرية (ثلاث مليار نسمة) من سوء التغذية ونقصٍ شديدٍ في عدد السعرات الحرارية والبروتينات والفيتامينات والمعادن. ويعاني عددٌ أكثر من الناس من «انعدام الأمن الغذائي»، دون أن يعرفوا مصدر قدوم وجبتهم المقبلة. وتُقدر الأمم المتحدة أنه «ما لا يقل» عن 840 مليون شخص (بما في ذلك عشرات الملايين في البلدان الغنية الرأسمالية المركزية) يعانون من سوء التغذية، لكن هذا أقل بكثير من معظم التقديرات الأخرى.
  • يعيش مليار شخص في الأحياء الفقيرة العشوائية (slums)، وهم يشكّلون ثلث الثلاثة مليار نسمة (تقريبًا) من سكان المدن.
  • يعيش ما يقارب من نصف البشرية على أقل من القيمة الشرائيّة لدولارين في الولايات المتحدة.
  • مليار شخص لا تصلهم مياه نظيفة.
  • ملياري شخص ليس لديهم كهرباء.
  • لا يوجد لدى ملياري ونصف شخص خدمات صرفٍ صحية.
  • يعاني مليار طفل – نصف إجمالي أطفال العالم – من الحرمان الشديد بسبب الفقر والحروب والأمراض (بما في ذلك الإيدز).
  • حتى في البلدان الغنية الرأسمالية المركزية، يعيش جزءٌ كبير من السكان حياةً غير آمنة. فعلى سبيل المثال، تفتقر اثنتا عشر مليون أسرة في الولايات المتحدة للأمن الغذائي وفي أربعة ملايين أسرة (تسع ملايين فرد) يتنازل فردٌ ما عن وجبةِ غذاءٍ ليكفي ما تبقى من الغذاء أفراد الأسرة الآخرين.

وتمثل الحروب المتتالية – والتي لقى مئات الملايين من الناس حتفهم فيها – جزءًا آخر من الوضع الإنساني على مدى القرنين ونصف الماضيين من الرأسمالية الصناعية. فالاحتلال والاستعباد والإبادة الجماعية والحروب والاستغلال ليسوا إلا جزءًا لا يتجزأ من تاريخ الرأسمالية المتواصل. لقد نتجت الحروب من تقاتل البلدان الرأسمالية فيما بينها من أجل الهيمنة والنفوذ إلى الأسواق العالمية، ومن محاولات الإخضاع الكولونياليّة والنيو-كولونياليّة، ومن الاختلافات العرقية والدينية بين الناس – والتي تفاقمت واستشرت بسبب الاحتلال الاستعماري والتدخل الإمبريالي في كثير من الأحيان. إن قوة الدفع الأساسية للرأسمالية – ألا وهي مراكمة رأس المال – تُرغم الدول الرأسمالية لاختراق الأسواق الخارجية وتوسيع حصتها في السوق. ومع ذلك، فإنه من المستحيل فصل محرك اقتصاد الدول الإمبريالية الرائدة للاستثمار والبيع خارجًا من سياساتهم العسكرية والسياسية – فكل المصالح متشابكة في مزيج خطير جدًا. فبينما تتواصل الحرب في عصر ما بعد الحرب الباردة – مع حَماسِ الولايات المتحدة لاستعراض سلطتها العسكرية – فإن احتمال تزايد البؤس والمعاناة في تنامٍ أكثر. قد تعطينا تقديرات موت 100000 عراقي بسبب الغزو الأمريكيّ فكرةً عن حجم الكارثة التي حلّت على تلك الأمة.

الارتباط ما بين الثراء والفقر

توجد علاقةٌ منطقيةٌ بين إنجازات الرأسمالية وإخفاقاتها. فليس فقر وبؤس كتلةٍ كبيرةٍ من سكان العالم شيئا من قبيل الصدفة، وهو ليس نتيجةً جانبيةً غير مقصودةٍ للنظام، وهو بالتأكيد ليس شيئاً يمكن القضاء عليه مع القليل من السمكرة هنا وهناك. لقد أنتج تراكم الثروة المهول – كنتيجةٍ مباشرةٍ لطريقة عمل الرأسمالية وطنيًا ودوليًا – جوعًا متواصلًا وسوء تغذيةٍ ومشاكل صحيةٍ ونقصًا في المياه وانعدام الصرف الصحي وبؤسًا شائعًا لجزء كبير من سكان العالم في آن واحد.

الوضع الصعب الذي تعايشه أكثرية البشرية يَحْدُثُ جزئياً بسبب عدم إنتاج النظام الاقتصادي لنسبة توظيفٍ كاملة. بدلًا من ذلك، فإن الرأسمالية تُطور وتُحافظ على ما سماه ماركس جيش العمالة الاحتياطي – وهو قطاعٌ كبيرٌ من السكان يعيشُ حياةً غير مستقرة يعمل حينًا، ولا يعمل في الأحيان الأخرى. قد تكون هناك حاجة موسمية لهؤلاء العمال في أوقات غير منتظمة عندما يزدهر الاقتصاد مؤقتًا، للعمل في الجيش على سبيل المثال، أو قد لا تكون لهم حاجة على الإطلاق. في البلدان الغنية، عادة ما يكون أعضاء الجيش الاحتياطي من العاطلين والعاملين في وظائف أقل مستوىً من مؤهلاتهم هم الأكثر فقرًا، مع عيشهم في ظل ظروفٍ صعبة، بما في ذلك التشرد. إن مجرد وجودهم يحافظ على ضغطٍ على أجور عمال الدرجات العليا للأسفل. (للاطلاع على البحث الكامل، انظر مقال «Disposable Workers» باللغة الإنجليزية لفريد ماجدوف وهاري ماجدوف، مانثلي ريڤيو، أبريل 2004).

هناك عدة عوامل في بلدان أطراف الرأسمالية تعمل على إبقاء معيشة أعداد كبيرة من الناس في ظروف تعيسة وبائسة. تُمثل الثروة المستخرجة من دول الأطراف جزءًا من القصة عندما تتجاوز الأرباح المُحوّلة إلى الخارج الاستثمارات الجديدة وعندما يتم استغلال الموارد الطبيعية من أجل دول المركز الغنية. كذلك، تَفرض البنوك قروضًا على بعض البلدان مما يؤدي إلى استخراج المزيد من الثروات من دول الأطراف من خلال نظام سخرة الديون. وعلى ذلك، يقوم سكان دول الأطراف أكثر فأكثر بالمشاركة في جيش العمالة الاحتياطي من أجل رؤوس الأموال الخارجية بالإضافة لرأسمالييهم المحليين. فلقد تم إنشاء القوى العاملة في المستعمرات السابقة عن طريق تفكيك مجتمعاتهم وطريقة معيشتهم بشكل مُتعمد. إحدى الطرق التي تمّ إنجاز ذلك بها كان عن طريق فرض الضرائب، مما أجبر الناس على الانضمام للاقتصاد المالي. كان التغيير والانتقال من الأنماط التقليدية لملكية وحيازة الأراضي إلى نظامٍ قائمٍ على الملكية الخاصة إحدى الوسائل الأخرى التي قوضت قوى الاستعمار بها أوضاع المجتمع الفلاحي. ومع إجبار نزوح الكثير من الناس من أراضيهم إلى الأحياء الفقيرة الحضرية – مع عدم توفر وظائف كافية لامتصاص العمال – تُختَلق أزمات إنسانية كبيرة. إضافة إلى ذلك، تُتِيح القوة المُجاوِرة للثروة التلاعبَ في النظامين السياسي والقانوني في خدمة التراكم المستمر على حساب التشارك وإعادة التوزيع اللذان كان من الممكن وقوعهما في مجتمعات أكثر «بدائية».

تَعتمد الدول الغنية في مركز النظام الرأسمالي – إلى يومنا هذا – بشكل كبير على استخراج الموارد والثروات من دول الأطراف. وبينما يتركز المستثمرون الرأسماليون العالميون الرئيسيون في الدول الصناعية الغنية، يستند تراكمهم على استغلال العالم بأسره: إنّه «تراكم على صعيد عالمي»، على حدّ وصف سمير أمين في عنوان كتابه المشهور. فبدلًا من السماح لدول الأطراف باستخدام فائضها الاقتصادي لتعزيز وتطوير مصالحها الداخلية الخاصة، تَستَثمِر دول المركز جزءًا من هذا الفائض لاختراق بقية العالم، معززةً بقوة مؤسسات وطنهم السياسية وقوة الولايات المتحدة (أو حلف شمال الأطلسي) العسكرية. وهذا يعني أن الدول الفقيرة ليست قادرةً على استخدام فائضها الاقتصادي المُحتَمل لتلبية احتياجاتهم المجتمعية. بدلًا من ذلك، يتدفّق فائضهم الاقتصادي إلى خزائن الطبقات الحاكمة في الدول الغنية، وجزئيًا إلى سُلَعٍ فاخرةٍ لنخبهم الصغيرة الكومبرادورية الغنية المتواطئةِ مع مصالح رأس المال الأجنبي.

في السنوات الأولى من الرأسمالية الصناعية، اتخذ تراكم رأس المال من دول الأطراف شكل السرقة الصريحة للمعادن الثمينة، متبوعًا بالمنتجات الزراعية المنتجة بواسطة السخرة – والتي كانت إمداداتها تجارةً مربحةً بذاتها. فيما بعد، أسفرت القروض والاستثمارات في استخراج الأرباح على هيئة العملة الصعبة – مسببةً أزمات ديونٍ دائمةٍ للكثير من البلدان – هذا في حين كانت تُستخرج أيضًا العديد الموارد الطبيعية كالنفط والبوكسيت. في مراحل الرأسمالية المبكرة، قامت «الدول الأم» في المركز بفعل كل ما هو ممكن لتدمير شركات دول الأطراف التي كان من شأنها أن تتنافس مع شركات دول المركز. وهكذا، دمرت بريطانيا قسريًا صناعات النسيج الهندية حتى يضطر الهنود لشراء السلع المنتجة في إنجلترا.

عملت دول المركز – خلال سنوات الرأسمالية الأولى – بجديّة لحماية صناعاتها وشركاتها التجارية الأخرى من منافسة الدول الخارجية. أما الآن، فإن قوة ونجاح هذه الشركات الناضجة وحاجتها لاختراق دول الأطراف بشكل أكثر فعالية قد أدى إلى عمل رأس المال في دول المركز وحكوماته والمنظمات «الدولية» مجتمعين في صالحها من أجل الترويج لـ«التجارة الحرة» دوليًا، هذا في حين استمرّ دعمهم – بكل نفاق – للعديد من الامتيازات للصناعات «الوطنية» داخليًا وفي تعاملاتها حول العالم. أما في الموجة الحالية من التوسع الرأسمالي العالمي – ومع اكتساب رأس المال على درجة عالية من حرية التنقل – فإن السلع التي كانت تُنتج سابقًا في دول المركز، أصبحت تُنتج بشكل متزايد في البلدان ذات الأجور المنخفضة. يخدم هذا الشيء غرضين: بالإضافة إلى تمكينه بيع السلع بسعر أقل من الشركات المنافسة التي لا تزال تُنتج سلعها في دول المركز، فإنها توفر فرصة لفتح أسواق جديدة في البلدان والمناطق التي تُنتَج السلع فيها – هذا مع بروز ونمو طبقة ذات قوة شرائية كبيرة في دول الأطراف. ويشكل استيراد البضائع المصنعة بتكاليف منخفضة – والمُنتجة عن طريق استغلال العمال المتقاضين لأجور زهيدة – طريقةً أخرى لتعزيزِ وإعادةِ إنتاج ثروة دول المركز.

تُواصل الرأسمالية، بواسطة مجموعة متنوعة من الآليات – من النهب المباشر والهيمنة الاستعمارية في سنواتها الأولى إلى علاقاتها الاستعمارية في نسختها الأكثر نضجًا – إلى إعادة إنتاج ثروة المركز وتخلف نموّ (underdevelopment) دول الأطراف. كما أنها تُواصل إنتاج وإعادة إنتاج البنية الطبقية في كل دولة – بما في ذلك الطبقة الحاكمة الخاضعة في دول الأطراف مع حسابات بنوكها الأجنبية وإيمانها بقوة الولايات المتحدة العسكرية.

يعني الإنتاج وإعادة الإنتاج للبنية الطبقية – مع تواجدٍ دائمٍ لجيش العمالة الاحتياطي – الاستمرار الدائم للتفاوت والا مساواة الكبيرتَين في ظل الرأسمالية. وتعني التسلسلات الهرمية والطبقات أن الفروقات تسود في كل مستوى مع وجود عدد هائل من الناس من دون سلطة فعلية. يوفّر لنا توزيع الثروة في الولايات المتحدة مثالًا على مدى التفاوت والا مساواة، حيث يمتلك أدنى 80 بالمئة من سكان الولايات المتحدة أقل من نصف الثروة المملوكة من قِبل أعلى 1 بالمئة، وتملك أدنى 40 بالمئة من الأسر ما يقارب 0.3 بالمئة من إجمالي الثروة (جدول 1).

جدول 1

تُوجَدُ أيضا فروقات واسعة بين مناطق البلدان وبين المجموعات العرقية (الإثنيات) المختلفة. على سبيل المثال، في عام 2002 كان متوسط صافي قيمة أصول أسر البيض (88،000$) أكثر بإحدى عشر مرة من متوسط صافي قيمة أصول الأسر اللاتينية وأكثر بأربعة عشر مرة من متوسط صافي قيمة أصول أسر السود («تتسع فجوة الثروة بين الأعراق في الفتور الاقتصادي»، اسوشيتد برس، 18 أكتوبر 2004). فبينما كان لدى 13 بالمئة فقط من الأسر البيضاء صافي قيمة صفرية أو سلبية، لم يكن لدى ما يقارب ثلث أسر السود واللاتينيين أي صافي قيمة. لقد بلغ متوسط دخل أسر السود واللاتينيين في عام 2000 ما يقارب نصف متوسط دخل البيض. ويوجد أيضًا عددٌ أقل بكثير من الذكور السود في سوق العمل حين مقارنتهم مع نظرائهم البيض – بمعدلات مشاركة 67 مقابل 74 بالمئة على التوالي (تقرير الرئيس الاقتصادي لعام 2005).

لا توجد حاجة أيضا للإشارة عن الفروقات الهائلة في الثروة الوطنية بين البلدان الرأسمالية المتطورة وبلدان الأطراف. فبينما قارب متوسط الناتج المحلي الإجمالي في البلدان المتقدمة للفرد الواحد الـ30،000$، فإنه يقارب 6،000$ في أمريكا اللاتينية ومنطقة البحر الكاريبي، و4000$ في شمال أفريقيا، و2،000$ في بلدان جنوب صحراء أفريقيا الكبرى. ولكن، تُخفي هذه الأرقام أسوأ المشاكل، وذلك لأن نصيب الفرد من الناتج المحلي الإجمالي في هايتي هو 1،600$ وفي إثيوبيا هو 700$ وأما في ستة بلدان في جنوب صحراء أفريقيا الكبرى فإن متوسط نصيب الفرد من الناتج المحلي الإجمالي هو 600$ أو أقل. تُنتج الدول الغنية المُشَكِّلَة لـ 15 بالمئة من سكان العالم 80 بالمئة من ناتجها المحلي الإجمالي. أما في الجانب الآخر، تُنتج أكثر البلدان فقراً والتي تشكل ما يقارب 40 بالمئة من سكان العالم 3 بالمئة فقط من ثروتها.

التدهور البيئي

لقد وقعت كوارث بيئية في مجتمعات ما قبل الرأسمالية العديدة، غير أن الرأسمالية قد أضافت بعدًا آخر لهذه المشكلة، هذا مع تكوّن فَهمٍ أفضلٍ لدينا عن الضرر البيئي الممكن خَلقُه جراء النشاط البشري. إن كون الدافع لتحقيق الأرباح وتراكم رأس المال هو الهدف الأساسي للنشاط الاقتصادي، والسيطرة والرقابة التي تمارسها المصالح الاقتصادية على الحياة السياسية، وسماح العديد من التقنيات المُطَوَّرة في المجتمعات الرأسمالية للإنسان بتغيير بيئته بشكل سريع – قريب أو واسع، بقصد أو بدون قصد – تعني أن الآثار السلبية على البيئة هي أمر حتمي لا مفر منه. إن تلوث الماء والهواء والتربة ما هي إلّا نتائج ثانوية طبيعيّة لِنُظُمِ إنتاجٍ معدةٍ لهدفٍ واحد، ألا وهو تحقيق الأرباح.

تحت منطق التبادل والإنتاج الرأسماليين، لا توجد أي آلية كامنة لتشجيع أو إجبار القطاع الصناعي لإيجاد طرقٍ إنتاجيةٍ يكون تأثيرها ضئيلًا على البيئة. فعلى سبيل المثال، يتم إدخال بعض المواد الكيميائية التي تَبيَّن جدواها في إنتاج السلع المصنعة بشكل روتيني في البيئة – من دون أي تقييمٍ ملائمٍ حول ما إذا كانت تسبب ضررًا ما للإنسان أو للأنواع الأخرى من الكائنات. كما أنّ الزئبقَ المنبعثَ في الهواء من قبل محطات الطاقةِ العاملةِ بحرقِ الفحم يلوث بحيراتٍ ومحيطاتٍ تَبعدُ مئاتَ الأميالِ عن مصدر الانبعاث، كما أن إساءة استخدام المضادات الحيوية الروتيني – والتي تضاف إلى أعلافِ حيواناتٍ يُحتفظ بها في ظروف مزارع الحيوانات المكتظة وغير الصحية – قد تسببت في تطور سلالاتِ أمراضٍ مقاومةٍ للمضاداتِ الحيوية. إن الأسلوب هذا لا يتوافق مع أي منهجٍ بيئيٍ سليمٍ لتربيةِ الحيوانات، لكنها مُهِمَةٌ لرأس المال لأنها تُنمي الأرباح. وبالإضافة إلى ذلك، فإن إقامة مجتمعٍ متمحورٍ على السيارات في الولايات المتحدة كان ولا يزال أمرًا ذو عواقبَ بيئيةٍ وخيمة. وأمّا مساحات ضواحي المدنِ الشاسعة – مع اندماجها لتشكل مدناً ضخمة (megatropolis) في بعض الأحيان – تمحو جزئيًا الحدود بين الأحياء السكنية. وهدر الوقود عن طريق التنقل بالسيارة ليس إلا جزءًا من قصة انتشار الضواحي، حيث يعمل بعض الناس في المدينة في حين يعمل البعض الآخر في الضواحي المختلفة. والتسوق في مراكزِ تسوقٍ لا يمكن الوصول إليها إلا بواسطة السيارات وإيصال الأطفال للمدرسة واللعب يتطلب وسائل نقل لمسافات بعيدة وطويلة.

والتغير المناخي الناتج عن الاحتباس الحراري ذو العواقب السلبية في أكثر الأحيان – وهي عواقب من الصعب التنبؤ بها كليًا – ليس إلا انعكاسًا آخر للاستغلال الرأسمالي غير المقيَّد للموارد. فكلما ازداد حَرقُ الوقود الأحفوري بكمياتٍ كبيرةٍ من قِبل مصانعَ ومحطاتِ توليد الكهرباء والسيارات والشاحنات، كلما ازداد مستوى ثاني أكسيد الكربون في الغلاف الجوي. وتبعًا لذلك، يوجد بعض القلق من أن الاحترار التدريجي قد يؤدي في الواقع إلى تغيير سريع نسبيًا – مع عوامل مثل ذوبان الجليد القطبي، والتغيرات في هطول الأمطار وتدفق الأنهار وتوقف الدورة الحرارية الأمريكية الملحية التام (والذي يشكل تيار الخليج في المحيط الأطلسي جزءًا منها) والتي تجلب المياه الدافئة إلى شمال المحيط الأطلسي وتساعد على حفظ درجة حرارة أوروبا وأمريكا الشمالية الدافئة (انظر «البنتاغون والتغير المناخي» مانثلي ريڤيو، مايو 2005).

تضيف الفكرة المتأصلة في الفكر الغربي والتي تقول إن الله أعطى الأرض للإنسان لاستغلالها بعداً آخر لتهديد الرأسمالية للبيئة. هذا المفهوم مُستَمَدٌ من الكتاب المقدس، حيث يحتوي سفر التكوين (1:28) على ما يلي:

وَبَارَكَهُمُ اللهُ [آدَمْ وَحَوَّاءْ] وَقَالَ لَهُمْ: «أَثْمِرُوا وَاكْثُرُوا وَامْلأُوا الأَرْضَ، وَأَخْضِعُوهَا، وَتَسَلَّطُوا عَلَى سَمَكِ الْبَحْرِ وَعَلَى طَيْرِ السَّمَاءِ وَعَلَى كُلِّ حَيَوَانٍ يَدِبُّ عَلَى الأَرْض».

يُوجد أيضا توجهٌ خطيرٌ حديثٌ نسبياً لمعاداة حماية البيئة بين البروتستانت الإنجيليين في الولايات المتحدة، والذين يعتبرون أنّ نهاية العالم قد اقتربت، وبالتالي، فإنه لا يوجد أيُّ فرقٍ فِعليّ لما قد يحدث لمواردنا الطبيعية وأنظمة دعم الحياة الأرضية (انظر بيل مويرز، «مرحبا بكم في يوم القيامة»، نيويورك ريڤيو أوف بوكس 52، رقم 5 [24 مارس 2005]).

شحّ الموارد

إنَّ لِنظامٍ تُوَجِّبُ عليه طبيعته أن ينمو وأن يتوسع، أن يصطدم ضد واقع محدودية الموارد الطبيعية في العالم. فلا يُمكن للماء والهواء والتربة أن يستمروا بدعم حياة الكائنات الحية على سطح الأرض بشكل جيد، إلا إذا لم يتجاوز التلوث قدرتهم على استيعاب وإبطال أذاها. بالإضافة إلى ذلك، يتم استخدام الموارد الطبيعية في عملية الإنتاج – الوقود (في النفط والغاز)، والمياه (في الصناعة والزراعة)، والأشجار (في الخشب المنشور والورق)، ومجموعة متنوعة من الرواسب المعدنية مثل خام الحديد والبوكسيت، وهلم جرا. بعض هذه الموارد مثل الغابات ومصائد السمك هي موارد ذات حجم محدود، ولكن بالإمكان تجديدها عن طريق العمليات الطبيعية إن تم استخدامها في نظامٍ مخططٍ مَرِن بما فيه الكفاية لأن يتغير حسبما تقتضيه الظروف. أما الاستخدام المستقبلي لبعض الموارد الأخرى – كالنفط والغاز والمعادن والمياه الجوفية في بعض المناطق الصحراوية (المياه المودوعة من عصور ما قبل التاريخ) – هي موارد محدودة بما هو موجود حاليًا ولا يمكن تجديدها.

لا يأخذ الرأسماليون بعين الاعتبار إلا المدى القصير في عملياتهم – ثلاث إلى خمسة سنوات في أحسن تقدير. ليس بمقدرة الرأسماليين أن يعملوا إلا بهذه الطريقة وذلك بسبب ظروف العمل والتجارة غير المتوقَعَين (مراحل دورة الأعمال التجارية، والمنافسة من الشركات الأخرى، وأسعار المداخلات اللازمة، وما إلى ذلك) ومطالب المضاربين الباحثين عن عوائد قصيرة الأمد. ولذلك، يتصرف الرأسماليون دون الاعتراف بالمحدودية الطبيعية لأنشطتهم – حيث يتصرفون كما لو كانت هناك إمداداتٌ غير محدودةٍ من المواردِ الطبيعيةِ يمكنهم استغلالها. فعندما يسعى كل فرد رأسمالي لهدفَيْ تحقيق الربح وتكديس رأس المال، فإن القرارات التي تُتّخذ تضر المجتمع بشكل جماعي، فالانخفاض الموثق توثيقًا تامًا – إلى نقطة الانقراض تقريبًا – لعديد من أنواع الأسماك في المحيطات ليس إلّا مثالًا واحدًا على ذلك. إنها في مصلحة صاحب قارب الصيد الشخصية على المدى القصير – حيث يعمل البعض على نطاق مصنعيّ باصطياد وتجهيز وتجميد الأسماك – لتحقيق أقصى قدر من الأرباح. فعلى الرغم من عدم وجود حد طبيعي للشجع البشري، هناك حدودٌ لكثير من الموارد، بما في ذلك إنتاجية البِحار.

استخدام المياه للري هي ممارسةٌ قديمة، لكنها لم تصل إلى حدودها الطبيعية إلا في الخمسين سنة الماضية، فكثيرٌ من قدرات بعض المستجمعات المائية والأنهار قد أصبحت مُستَغَلَّةً بالكامل – لدرجة أن الكثير من مياه النهر الأصفر في شمال الصين قد سُحب حتى أصبحت مياهه لا تصل إلى البحر في أغلب السنين. فمع استخدام المضخات الضخمة التي بإمكانها استغلال المياه الجوفية العميقة وضخها بمعدلات أعلى إلى سطح الأرض، فقد أصبح من الممكن سحب المياه أسرع من إمكانية تجديده من قِبل الأمطار المتسربة من خلال التربة. أشار البعض سابقًا إلى أن سحب المزيد من المياه بنسبة أسرع من إمكانية تجديده عن طريق هطول الأمطار في طبقة أوغالالا الجوفية – والتي تقع تحت السهول الكبرى الممتدة من ولاية داكوتا الجنوبية إلى شمال غرب تكساس – لا يمكن أن يستمر لفترة أطول وأنه سوف يتطلب آبارًا أعمق وأعمق للدرجة التي سيصبح من المستحيل وغير العَمَلي استخراجه ومواصلة استخدامه، ولكنّ هؤلاء تمّ اتهامهم بالشيوعية!! هذا مؤشر واحد فقط عن أنّ مجرد التفكير بمحدودية الموارد المحتملة للنشاط الاقتصادي هو تفكيرٌ غير رأسماليّ (uncapitalist).

أما فيما يتعلق بالوقت اللازم لاستنزاف الموارد غير المتجددة، فسيعتمد ذلك على حجم الموارد ومعدل استخراجها. فبينما قد يستغرق استنزاف بعض الموارد مئات السنين (على افتراض أن معدل استخراج الموارد سيبقى ثابتًا)، فإن محدودية البعض – كالنفط وبعض المعادن – واستنزافها بشكل تام ليست ببعيدة المدى. فعلى سبيل المثال، تشير بعض التقديرات إلى أنه وفقًا للمعدل الذي يُستخرج ويُستخدم به النفط في الوقت الحالي، فإنه سيتم استنزاف جميع احتياطاته المعروفة في الخمسين سنة القادمة – فقد انخفضت «نسبة الاحتياطات إلى الاستخراج السنوي» من أربع وأربعين عامًا تقريبًا في عام 1989 إلى إحدى وأربعين عامًا في عام 2003 (بريتيش بتروليوم، المراجعة الإحصائية للطاقة العالمية 2004) ولقد نما استخدام خام الحديد – العنصر الأساسي المستخدم في منتجات الحديد والصلب – بنسبة 16٪ تقريبًا بين عامي 2003 و2004. وإذا ما حقق نموًا بمعدل 7٪ سنويا من الآن فصاعدًا، فسيتم استنزاف احتياطات خام الحديد المعروفة في حوالي الستين سنة القادمة. وإذا ما استمر استخدام النحاس في تزايد متسارع، فإن كافة احتياطاته سَتُستَنزف فيما يزيد قليلا عن ستين عامًا.

ففي وجه محدودية الموارد الطبيعية، لا توجد أيُّ وسيلةٍ عقلانيةٍ لتحديد الأولويات في ظل النظام الرأسمالي، حيث يُقرر السوق – أي الأثرياء وقوتهم السوقية – كيف يتم تخصيص السلع. وعندما يبدأ الاستخراج بالانخفاض – كما هو متوقع للنفط في المستقبل القريب – فإن ارتفاع الأسعار سيفرض ضغوطًا متزايدة على ما كان حتى وقت قريب مفخرة الرأسمالية العالمية – أي عمال الطبقة الوسطى في المركز.

الرأسمالية بوجه إنساني؟ الإصلاح والإصلاح المضاد

من الممكن أن تُسَنَّ الإصلاحات لتخفيف الآثار الاجتماعية والبيئية للكيفية التي يعمل بها النظام الرأسمالي. وبالتأكيد، فقد سًنَّت الكثير من الإصلاحات، بما في ذلك تلك الإصلاحات المترتبة على مكاسب العمال في الدول الرأسمالية المركزية مثل يومِ وأسبوعِ عملٍ أقصر، وحق تشكيل النقابات، ونظام تأمينٍ اجتماعي تقاعديٍ مدار من قبل الدولة، ودخل أعلى، وقوانين سلامة العمال. وقد أدى القلق إزاء البيئة لِسن قوانين أدت لتحسين الحالة المزرية لجودة المياه والهواء في معظم البلدان الرأسمالية المتقدمة. لكن حتى مع ذلك – وكما نشهد اليوم في بلدان المركز – فإنه من الممكن لرأس المال أن يُلغي المكاسب التي ربحها العمال من خلال نضالاتهم وكفاحاتهم الشاقة. ففي خلال فترات المد والجزر من الصراع الطبقي وعندما تكون الظروف حتما في صالح رأس المال، تكون هناك محاولة لإلغاء المكاسب والدفع نحو تقليل قيود رأس المال للحد الأدنى ومنحها أقصى قدر من المرونة.

في ظل خوفها من ثورة تدمر النظام، في نهاية الحرب العالمية الثانية، وفي حاجتها لتعاون العمال لتنهض بدوَلِها من جديد، رَوَّجَ رأس المال لدول الرفاهية في معظم أنحاء أوروبا: مع إجازاتٍ مدفوعة وأجورٍ أفضل حتى أنّ ألمانيا قد وضعت بعض العمال في مجالس إدارة الشركات. أما في الولايات المتحدة، فقد بدأت دولة الرفاهية بـ«الصفقة الجديدة«» (The New Deal) أثناء ولاية روزفلت حيث أُضيفت برامج جديدة من أواخر ثلاثينيات القرن العشرين وصولًا لنهاية ستينيات القرن العشرين.

في أعقاب الحرب العالمية الثانية، وفي أثناء إعادة إعمار اقتصادات دول المركز بسرعة – مُحفَّزةً بقطاع صناعة السيارات وتوسع الضواحي الحضرية بكل ما لهما من تداعيات – كان هناك الكثير من المال الكافي لتمويل برامج الرعاية الاجتماعية، وتقديم رواتب أعلى للعمال، وجني أرباح طائلة في الوقت نفسه. ومع نمو الاقتصاد بسرعة، ازدادت الضرائب (من دون بذل الكثير من الجهد) لتمويل البرامج الجديدة. ويمثل الحرص على الاستقرار الاجتماعي في ستينيات القرن العشرين والرغبة في الحصول على دعم الجماهير في الحرب الباردة جزءًا من تفسير تزايد البرامج الاجتماعية. ما حدث في الواقع يعتمد أيضًا على نضال النقابات العمالية فضلاً عن أشكال النضال الطبقي الأخرى مثل حركة السود لمطالبتهم بحقوقهم السياسية والاقتصادية. ولكن مع ازدياد نمو الشركات أكثر فأكثر، اشتدت المنافسة بين البلدان ولم تَعُد هناك قوى جديدة لِتُحفز نمو الاقتصاد بشكل أسرع، كما حدث في نهاية الحرب العالمية الثانية وصولًا لنهاية ستينيات القرن العشرين.

ومع بدئ الركود الاقتصادي في سبعينيات القرن العشرين، استجاب رأس المال بعدد من الطرق. لقد غُيِّرَت استراتيجيات الاستثمار من أجل الحفاظ على الأرباح – فقد تم تحويل الاستثمارات من قطاع إنتاج السلع المادية إلى قطاع الخدمات ونطاق المضاربات المالية (بيع وشراء مجموعة متنوعة من المنتجات المالية). ومع الركود الاقتصادي، حَوَّلَت المجتمعات الرأسمالية – كما فعلت طيلة تواريخ الكساد – أعباء الركود والنزعة الحربية والحرب إلى الطبقة العاملة (والممتلكات الاستعمارية). وبدءًا من ثمانينيات القرن العشرين، رَوَّجَ أولئك المتربعون على هرم المجتمع لحربٍ طبقيةٍ متواصلةٍ تهدف إلى تخفيض الضرائب على الشركات وتخفيضها أيضًا على الأثرياء. واعتبارًا من بداية ثمانينيات القرن العشرين – مع تسارعها في هذا الوقت – شَنَّت مصالح رأس المال الخاصة حملةً لتفكيك أكثر عددٍ مُمكنٍ من حقوق العمال (بما في ذلك أولئك العمّال المتواجدين ضمن جيش العمالة الاحتياطي): بالهجوم على برامج الرعاية الاجتماعية، وتصعيب انتساب العمال للنقابات وتيسير طردهم، وتخفيض تغطية المعاشات التقاعدية، وخصخصة الخدمات الأساسية (بما في ذلك المدارس)، ومحاولة خصخصة التأمين الاجتماعي. لم يوافق المحافظون في الولايات المتحدة أبدًا على برامج الحكومة الاجتماعية ووضعوا لأنفسهم هدف تقويض ودحر البرامج التي طُرِحَت في صفقة فرانكلين روزفلت الجديدة وعصر المجتمع العظيم (Great Society era) في ستينيات القرن العشرين، والعودة إلى الوضع السائد سابقًا حينما لم يكن للحكومة الوطنية دورٌ رئيسي في حماية حقوق العمال.

يُسهل الجشع والفردانية والمنافسة اللاتي تعززهن الرأسمالية على التبرير النسبي بالقضاء على البرامج التي تساعد العمال والفقراء. بالتالي، لا يُمكن للرأسمالية أن تتسم بـ «وجه إنساني» إلا لفتراتٍ قصيرةٍ جدًا من الزمن. فلا يمكن الاعتماد على الإصلاحاتِ المُحقِّقةِ لِمكاسب متواضعة لتحقيق مجتمعٍ إنسانيٍ حقًا. وكما نرى الآن، فالإصلاحات المضادة سَتُسَن مع ازدياد قوة رأس المال مقارنة بقوة العمال، وتُصبح الحرب الطبقية التي تشنّها الطبقة الرأسمالية هي المعيار والقاعدة. ولكن ما هو أهم من ذلك هو أن شرور اللا مساواة والفقر والبؤس والتدهور البيئي واستخدام الموارد بنسبٍ أسرع من إيجاد وتطوير بدائل لها – هذا فضلا عن التغلغل الإمبريالي الاقتصادي والسياسي والعسكري في بلدان الأطراف من قبل بلدان المركز الرائدة – كلها تتدفق من صميم طبيعة الرأسمالية.

هناك حاجة لمجتمع جديد وذلك لأن تلك الشرور هي جزء لا يتجزأ من الحمض النووي للنظام الرأسمالي. الابتعاد عن الرأسمالية ليست بالفعل مسألة خيار – فالقيود البيئية وتزايد البؤس سيفرضان تغييرًا في المجتمع. يشير المجتمع الآن إلى احتمالات محدودة – إما الاتجاه إلى الفاشية (البربرية) أو خَلقُ مجتمعٍ مشتركٍ بإمكانه أن يوفِّر الاحتياجات الأساسية للبشرية جمعاء.


[§]نظرية «المنظومات العالمية» هي نظرية تشير إلى التقسيم الإقليمي والدولي للعمل، حيث تُقَسِّم العالم إلى دول المركز، ودول الأطراف. تركز الدول المركزية على المهارات العليا والإنتاج القائم على كثافة رأس المال، في حين تركز دول الأطراف على المهارات المنخفضة والإنتاج القائم على كثافة اليد العاملة واستخراج المواد الخام. هذا التفاوت بين دول المركز ودول الأطراف يعزز ويعيد إنتاج هيمنة الدول المركزية.

Advertisements

تسعدني تعليقاتكم

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s