معنى الإمبريالية: الهيمنة القديمة والجديدة – ديفد مكنالي

Posted: 11 يونيو 2016 in مختارات سياسية, عمال وجماهير
الوسوم:, , , , ,
ديفد مكنالي
المصدر: سوليداريتي
ترجمة: فريق الترجمة
الناشر: مدونة ما العمل؟

يشيع اليوم القول بأننا دخلنا «عصرَ إمبرياليّةٍ جديد». فبزوغ أسواق ماليّة عالمية معقّدة، وأنظمة إنتاج عالمية تزداد اندماجًا، وسياساتٍ نيوليبرالية وحشيّة يفرضها أمثال البنك الدولي وصندوق النقد الدولي، ومعهم عَسْكَرة الدولة الأمريكية العاشقة للحروب، إذ أنّ كلًّا من هذه الأمور يُقرّ بها كطرائق جديدة للإمبراطورية الرأسمالية.

وبالنسبة لبعضٍ منّا في اليسار الراديكالي، استدعت الإمبريالية الجديدة رجوعًا للتحليلات التي صيغت مِن قِبل شخصيّاتٍ مهمّة لليسار الأممي في عصر الحرب العالمية الأولى، ومن السّهل أن نرى سبب ذلك. فخلال تلك الفترة، ظهر عددٌ من النصوص الأصيلة حول الإمبريالية، أبرزها كتاب روزا لوكسمبورغ «تراكم رأس المال» (1910)، وكتاب نيكولاي بوخارين «الإمبريالية والاقتصاد العالمي» (1915) وكتاب فلاديمير لينين «الإمبريالية، أعلى مراحل الرأسمالية» (1917).

وعلى الرغم من اختلافاتها، شاركت هذه النصوص عددًا من نقاط القوّة الحقيقة. أولًا، كلٌ من هؤلاء المنظّرين سعى لربط التوسّع المناطقي للدول-الأمم الأوروبية الكبرى (ومعهم الولايات المتحدة واليابان) لعملية تراكم رأس المال. وفي قيامهم بذلك، أقرّوا بأن إمبريالية عصرهم – أكثر من كونها مجرد إجراءٍ سياسيّ – كانت مترابطة مباشرةً مع استراتيجيات التراكم الرأسمالي.

وبهذا الرّبط، أشاروا – ثانيًا – لكون الحرب العالمية الأولى (أو في حالة لوكسمبورغ، ما دفع إلى الحرب) كصراعٍ رأسماليّ جوهريًا، كتمظهرٍ مريعٍ دمويّ للتنافسات الرأسمالية العالمية.

عِوضًا عن تصويرِ الحرب العالمية كصُدفةٍ تاريخية، قام هؤلاء الكتّاب الماركسيون بتفسيرها كشكلٍ متطرّف للتنافس الرأسمالي. فالحروب التجارية – كما أشاروا – يتمّ حلُّها نهائيًا من خلال حروبٍ عسكريّة. قال نيكولاي بوخارين في تحليله النهائيّ أنّ الصراعات الاقتصاديّة يتم تسويتها «عن طريق قوّة السلاح…فالكلمة الأخيرة تعود للتكنيك العسكريّ».

أخيرًا، وكنتيجة لهذه التحليلات، ميّزَ كلٌ من هؤلاء الكتّاب الثوريّين أنفسهم بمواقِف حازمة مناهضة لهذا الاحتدام العسكري العالمي. وفي وقتٍ اصطفّت فيه أحزاب الاشتراكية الأوروبية مع سياسات حكوماتهم في الحرب – خائنين بذلك التزاماتهم القديمة لوحدة الطبقة العاملة الأممية – حافظ هؤلاء المنظّرون الثوريّون، ومعهم ناشطون وناشطات من اليسار المناهض للحرب، على شرف الاشتراكية الأممية.

ومع كلّ هذه الإنجازات، كانت هنالك حدودٌ حقيقية لهذه النظريات – وهي حدودٌ أصبحت معيقة بالخصوص في وقتنا الحاضر. في بادئ الأمر، كان لهذه التحليلات التي قدّموها حول تراكم رأس المال أخطاءٌ معتبرة. روزا لوكسمبورغ على سبيل المثال اعتقدت أنّ الإمبريالية كانت مبنيّة على بحثٍ عن أسواقٍ جديدة خارج العالم الرأسماليّ. واعتقدت أنّه بدون أسواقٍ خارجيّة جديدة للسلع، ستنهار الرأسمالية نتيجة إفراطٍ دائم في الإنتاج. لم يقع خطأ روزا لوكسمبورغ فقط في قلّة الأدلّة على كون المناطق المستعمرة حديثًا شكّلت أسواقَ تصديرٍ مهمّة– وكيفَ لها أن تكون كذلك، إن وضعنا بعين الاعتبار فَقْرَ المستعمَرين؟ – وإنما فشلت أيضًا في إدراك قدرة الرأسمالية على النّمو المكثّف، والمتّسع أيضًا.

بعبارة بسيطة، تخلق الرّأسمالية بانتظام أسواقًا جديدة لكلٍ من البضائع الاستهلاكية وبضائع رأس المال داخل ما يطلق عليه زعمًا بـ«العالم النامي» – سواءً أكان ذلك لأجل الوجبات السريعة أو الكمبيوترات. بينما يُفضّل العثور على أسواقٍ لكلٍ من النموّ المكثّف والمتّسع، فاختفاءُ الأخير هذا لن يأذن بزوال الرأسمالية.

عانى تحليلُ لينين أيضًا من عيوبٍ حقيقية. فقد ادّعى – على سبيل المثال – أنّ الاستعمار تمحور حول تصدير رأس المال الزائد للمستعمرات – أي رأس المال الذي لم يجد له مخرجًا مربحًا في البلد الأم. ومع ذلك، فالجداول التي أنتجها في كتيّبه هي ذاتها أشارت – بعكس ما قال – على كون غالبية رؤوس الأموال المُصدَّرة تدفّقت من دولةٍ غنية رأسمالية ما لدولةٍ غنية رأسمالية أخرى – مثلما هو الأمر في يومنا هذا. أمّا بالنسبة لبوخارين، فقد أخذ فترة تاريخية محدّدة اندمج فيها رأس المال مع الدولة-الأمة في بداية القرن العشرين وضخّمها زاعمًا أنّها نزعةٌ تقع في جوهر التطوّر الرأسمالية، مدّعيًا أنّ رأس المال والدولة ينصهران مع الوقت. ومع ذلك، وكما توضّح لنا الموجات الحديثة من الخصخصة وإلغاء الضوابط التنظيمية، إنّ العلاقة بين الدولة ورأس المال أكثرُ سلاسة وتبدّلًا.

ولكن، لربما كان أكبر عيبٍ في نظريات الإمبريالية هذه هي أنّها رأت في الاحتلال المناطقي مِنْ قِبل القوى الكبرى سِمةً ضرورية للرأسمالية العالمية. ومن السّهل أن نرى لِمَ اعتقدوا بذلك: منذ عام 1875 تقريبًا فما بعد، انخرطت القوى المهيمنة في تدافعٍ تقسيميٍّ مُبهِر مِنْ أجل الاستحواذ على المناطق الاستعمارية.

وخلال أربعين عامًا تلت، ألحقت بريطانيا قرابة ستة ملايين ونصف كيلومتر مربع من الأراضي لإمبراطورتيها، وأما فرنسا فقد احتلّت قرابة خمسة ملايين ونصف، وكانت حصّة كلٍ مِنْ ألمانيا وإيطاليا وبلجيكا حوالي مليون ونصف كيلومتر مربع[*] لكلٍ منهم. فالقوّة داخل النظام العالمي في هذا الوقت اعتمدت بشدّة على التحكم بالمناطق – والأراضي والموارد والأسواق والقوّى العاملة التي احتوتها.

كنتيجةٍ لذلك، أصبحت الحرب ضدّ الدول الرأسمالية الأخرى استراتيجيةً معتبرة من أجل تكديس جبروتٍ أعظم داخل النظام العالمي – وهي استراتيجية بدت جّذابةً بالخصوص لألمانيا واليابان، إذ كانتا قوّتين صاعدتين لم تتمكنان من إنشاءِ إمبراطورياتٍ استعمارية كبيرة. نظرًا لهذا السياق، حيث ارتبطت قوّة الدول-الأمم الرأسمالية بالإخضاع المناطقي، من المفهوم أن ينظر كلٌ من روزا لوكسمبورغ ولينين وبوخارين في الحروب المناطقية بين القوى العظمى كَسِمَةً جوهريّة للرأسمالية العالمية. بالفعل، وَصَفَ لينين مثل هذه الحروب بـ«الحتمية قطعًا».

حين تبِعت الحرب العالمية الأولى حربٌ عالمية ثانية بعد 20 عامًا، بدى ذلك كبرهانٍ لتحليلهم. ومع ذلك، بينما رأى العديد من الماركسيين حينها أنّ الرأسمالية العالمية تتطلّب توسّعًا مناطقيًا، مُنتجةً على الدوام حروبًا ما بين القوى الإمبريالية، سار التاريخ بِطُرقٍ غير متوقّعة.

حصلت النقلة الحاسمة بعد الحرب العالمية الثانية. فلم يتمّ فقط محو الاستعمار من كلِّ العالم المُستعمَر تقريبًا خلال الثلاثين عامًا التي تلت – إذ خالف ذلك التوقعات – بل إنّ الهيمنة على العالم أصبحت مرتكزةً بتزايد على قوّة السوق، لا الإخضاع المناطقي.

كان في جوهر ذلك نشأةُ الشركات متعددة الجنسيات، شركات مرتكزة في بلد واحد ولكنها تنشط عالميًا، والتي مكّنت الرأسماليين في الدول الغنية من استخدام العمالة الرخيصة والمواد الخام في العالم الثالث كجزءٍ من عمليّة إنتاج مُدمجة. أتاح ذلك للشركات الغربيّة استغلالَ شعوب «الجنوب العالمي»[†] بدون تكبّد تكاليف والمخاطرة المرتبطة باستعمار مناطقهم. الأمر ذاته ينطبق على التوسّع الحديث لعمليات الإدانة والإقراض العالميّتين، حيث يتم استنزاف الثروة من «الجنوب» للمؤسسات المالية في الشّمال: يتّضح هنا أنّ هذه الأنواع من الاستيلاء على الفائض بالإمكان تنفيذها أيضًا بوسائل اقتصاديّة.

ومع تراجع الاحتلال المناطقي كنمط تنافسٍ ما بين الرأسماليين، تراجعت معه الحروب ما بين الإمبرياليات. بعد انقضاء فترةٍ خاضت فيها القوى العظمى حربين عالميتين في غضون ثلاثين عامًا (1914-1945)، قضينا الآن ستّين عامًا بدون اندلاع حربٍ عالمية واحدة.

ولكن الحروب ذاتها لم تختفي، بل على العكس تمامًا! تحوّل موضع الحروب لمعارك ما بين الدول الإمبريالية وشعوب «الجنوب العالمي» حين لا يتصرّف هؤلاء حسب رغبات الإمبراطورية. فيتنام هي المثال الواضح هنا، ولكنّ الأمر ذاته ينطبق – على الرغم من الاختلافات في كلّ حالة – على مغامرات آلة الحرب الأمريكية في أفغانستان والعراق.

ولكن من الضروريّ أنّ ندرك أنّ هذه الحروب لم تكن حروبًا من أجل السيطرة المناطقية. بينما ترغب الإمبريالية الأمريكية قطعًا باستغلال «الجنوب العالمي»، فهي تفضّل القيام بذلك باستخدام وسائل اقتصادية، بدون تحمّل التكاليف السياسية والعسكرية للإدارة والاحتلال النيو-كولونيالي. فهي بالتأكيد ستتدخّل عسكريًا، ولكن إن لم تقم بذلك بغرض الاحتلال، ما الذي يحفّز التدخلات العسكرية الإمبريالية اليوم؟

إمبراطورية رأس المال

أتى أكثر الردود الماركسية على هذه المسألة قوّةً وإثارةً مِنْ إيلين ميكسنز وود، في كتابها الصادر حديثًا «إمبراطورية رأس المال» (Empire of Capital). في تحليلٍ تاريخيّ غنيّ، تزعم وود أنّ النّوع غير المناطقي من الإمبريالية الذي نراه اليوم هو لربما أعمقُ أنواع الإمبريالية ضربًا في جذور الرأسماليّة*.

تشير إيلين لكون الاستغلال الرأسمالي يتّكل – في آخر المطاف – أساسًا على القوة الاقتصادية، مُنظّمًا من خلال الأسواق. خلافًا للسادة الإقطاعيين، حيث اعتمدت قدرتهم على استخراج الفوائض على رتبتهم السياسية (التي وفّرت لهم الأراضي والأجور وسيطرةً على محاكم الضِيَع الإقطاعية) ومعها احتكارهم للقوة العسكرية، فالرأسماليون ليسوا بحاجة لاحتلال منصبٍ سياسيّ أو إقامة العدل أو حمل السلاح من أجل استغلال العمالة المأجورة.

فهم يحقّقون هذا الاستغلال غالبًا من خلال طُرقٍ اقتصادية بحته: ملكية العقار وقوة السّوق. بالطّبع، هم يستدعون المشرّعين والشرطة والمحاكم والجيش ما بين الفينة والأخرى للحفاظ على حكمهم الاقتصاديّ، ولكنّ عملية الاستغلال اليوميّة لا تتطلّب استخدام القوّة أو تدخّل المحاكم.

قد نتوقّع من إمبرياليّةٍ ذات طبيعةٍ رأسمالية خالصة أن تسير على هذا المنوال – أي أن تستخدم حقوق الملكية وقوة السوق من أجل تكديس الفوائض، عِوضًا عن الإدارة السياسية أو التحكم العسكريّ بالمناطق المُخضَعَة.

ولكن هل ذلك يعني أنّ الرأسمالية ليست بحاجة للانشغال بالعلاقات المناطقية؟ فهل بإمكانها أن تتجاهل الفضاءات والأماكن العالمية حيث يحصل الاستغلال والتكديس؟ لا، أبدًا.

تعارِضُ وود أحدث الصيحات النظرية السطحية حول اختفاء الأمة-الدولة، وتصرّ على أنّ الرأسمالية العالمية تتّكل بتزايد على منظومة الأمة-الدولة المستندة على المناطق. عِوضًا عن قيامها بتبديد الدولة أو السعي نحو إمكانية غير محتملة لتأسيس دولة عالمية واحدة، فرأس المال العالميّ قنوعٌ ببلورةِ ذاته داخل أمم-دول محلّية تمارس سيادة على مناطق منفصلة.

حقًا، رأس المال العالمي يعتمد على شبكة دولٍ كهذه من أجل فرض حقوق الملكية، وتحقيق الاستقرار في المعاملات المالية، وضمان خضوع الطبقة العاملة، واحتواء الاضطرابات العالمية وما إلى ذلك. «إنّ جوهر العولمة ذاتها»، تكتب وود «هو اقتصادٌ عالميّ يُدارُ مِنْ قبل منظومةٍ عالمية مكوّنة من دول متعدّدة وسياداتٍ محلّية، مبنيًا على علاقاتٍ معقّدة للهيمنة والإخضاع». (ص. 141)

على العكس تمامًا، تقول وود أنّ منظومة الدولة-الأمة هي اليوم أكثر أهميّة لرأس المال من أيّ وقتٍ سبق، فهي وهي وحدها توفّر الشروط المسبقة المحليّة لتكديس رأس المال.

ماذا، إذًا، عن الحرب؟ هنا أيضًا تقدّم وود تفسيرًا مبتكرًا. فهي لا تقول على الإطلاق أنّ الحروب ستضمحلّ في هذا النوع الجديد من الإمبراطوريات الرأسمالية، ولكنّها توحي بأنّ الحرب ما بين الدول-الأمم المهيمنة اقتصادية لم يعد لها الحتميّة ذاتها التي نسبها إليها لينين وآخرون.

في الوقت نفسه، الحروب ذاتها أصبحت حاضرة دائمًا، نظرًا للمهمّة غير المنتهية دائمًا لضبط رأسماليّة عالمية فعلًا. ولأنّ المظاهرات الشعبية والصراعات الإقليمية والتمرّدات الوطنية بإمكانها أن تخلق أوضاعًا معادية للقوى الإمبريالية، فالطبقة الرأسمالية المعولمة ليس بإمكانها على الدّوام الاعتماد على الدول المحلّية كي تضمن ثبات كلّ أوضاع التكديس المستقرّ لرأس المال.

بناءً على ذلك، فاللاعبون المهيمنون يحتاجون لإيصال رسالة تقشعرّ لها الأبدان لكلّ مَوْطِن – وبالخصوص للمناطق التي تشتدّ فيها معاداة سلطة رأس المال الغربي والدول الغربية – وهذه الرسالة تقول أنّ مقاومة حكم الأسواق الرأسمالية لن يُتسامَح معها مُطلقًا. يجب أن يبرهنوا أنّ القوّة الإمبريالية – وأكثرها حزمًا قوّة الدولة الأمريكية – سوف تتدخّل في أي مكانٍ وأيِّ زمان.

بالفعل، هذا بالذات هو الموقف الذي طرحه جورج بوش الابن في خطابه سيّء السمعة ما بعد أحداث 11 سبتمبر، حين ادّعى أنّ أربعين بالمئة من الأمم في هذا العالم قد تكون ضمن قائمة أهداف أمريكا. مُسهبين في عقيدة بوش، أعلن المسؤولون الأمريكيون أنّ الدولة الأمريكية دخلت حربًا «غير مقيّدة لا بالوقت ولا بالجغرافيا».

تزعم وود أنّ هذا بالذات هو ما يجب أن نتوقعه من المرحلة الجديدة من العولمة الرأسمالية. عِوضًا عن إخضاع أجزاءٍ معيّنة من الأرض، تقوم الإمبريالية اليوم بضبطِ فضاء تكديس رأس المال العالميّ بأكمله.

هذه «الإمبريالية الجديدة»، تكتب وود، «لا تسعى لأيّ توسّعٍ مناطقيّ أو هيمنة فيزيائية على طرق التجارة»، بل أنّ «الهيمنة غير المقيّدة على اقتصادٍ عالميّ – وعلى الدّول المتعدّدة التي تُديره – تتطلّب نشاطًا عسكريًا من غير نهاية، لا في هدفه أو في زمانه». (ص. 144)

النتيجة هي اندلاعٌ لا منتهي للحروب والاحتلالات، حيث يتغيّرُ تركيزها عبر المكان والزمان.

يفرضُ تحليل وود ذاته بالخصوص في فهم الديناميّة الفريدة من نوعها لإمبريالية مبنيّة غالبًا على الملكية الخاصة وقوّة السوق، عِوضًا عن السيطرة المباشرة على المناطق. وبينما توحي حججها أنّ التنافسات العسكرية ما بين القوى المهيمنة ستكون أقلّ حدّة من النصف الأول من القرن العشرين، فهي توضّح بعض السِمات الفريدة لعقيدات الحرب والقوّة العسكرية التي تتميّز بها الدولة الأمريكية في عصر العولمة.

الإمبريالية الجديدة

في الفترة ذاتها التي نَشَرت فيها وود كتابها «إمبراطورية رأس المال»، نشر الجغرافيّ الماركسي البارز ديفد هارفي كتابه «الإمبريالية الجديدة». بائدًا من منطلق مختلف نوعًا ما عن منطلق وود، يشخّص هارفي ديناميّتين محدّدتين تنشطان في الإمبريالية: أولًا، ضرورةٌ اقتصادية (لتكديس رأس المال)، وضرورة مناطقيّة (للتحكم بالفضاءات بِطُرقٍ تحسّن من ربحيّة رأس المال).

يشير هارفي مُحقًا لكون هذين المنطقين – كما يسمّيهما – كثيرًا ما يتواجدان في علاقة متناقضة مع بعضمها البعض. ففي آخر المطاف، إنّ كلفة السعي نحو الضرورة المناطقية قد تصبح «غير ناجعة» إن نُظر لها بمعايير اقتصادية بحته (من الممكن رؤية ذلك من ناحية التكلفة المتصاعدة للاحتلال الأمريكي في العراق).

علاوةً على ذلك، يوحي تحليله بالتّأكيد عن وجود تبايناتٍ عالمية في ممارسة هذين النوعين من السُّلطان الإمبريالي، حيث تَنْزَع بعض الأمم-الدول للعمل بمنحىً إمبريالي اقتصادي أكثر من الإمبريالي المناطقي، والعكس صحيح. ولكنّ تحليلَ هارفي ليسَ بنفس الوضوح فيما يتعلّق بالتمييز ما بين التّحكم المباشر على المناطق والهيمنة المستندة على السّوق التي تحتلّ موقعًا مركزيًا في رواية وود.

ويبدو أنّ تحليلَ هارفي ينحرف أحيانًا نحو منظور التوسّع المناطقيّ الذي احتلّ موقعًا رئيسيًا في تحليلاتِ لينين ولوكسمبورغ وبوخارين. بعبارةٍ بسيطة، كثيرًا ما يبدو أنّ هارفي يرى الضرورة المناطقية محصورةً بما يتعلّق بالاحتلال، عِوضًا عن توسّعٍ لحُكْم الأسواق الرأسمالية وحقوق الملكية.

لربما أكثر ما يميّز مساهمات هارفي هو تكريزه على «التكديس عن طريق الحرمان» كسمةٍ مركزيّة في الإمبريالية الجديدة، مُذكّرًا إيّانا أنّ الرأسمالية نتجت عن حرمان المزارعين من أراضيهم (وهو ما أجربهم على التوّجه لسوق العمل)، ويشير لوجودِ عمليّاتٍ مشابهة تنشط في يومنا هذا.

بينما تتسارع الأنواع القديمة لحرمان المزارعين – حيث يَهْجُر الملايين في آسيا وإفريقيا وأمريكا اللاتينية حياة الحقول – تتسارعُ معها أنواعٌ أخرى، متعلّقة بخصخصة ممتلكاتٍ كانت عامّة سابقًا وتسجيلِ براءاتِ اختراعٍ على كائنات حيّة، بالخصوص النباتات والبذور. كلُّ هذه العمليّات تأخذ الممتلكات من النطاق العمومي وتحوّلها لِمُلكيّةٍ خاصّة.

والفكرة الأخرى المركزيّة في تحليلِ هارفي هي أنّ التوتّرات والتنافسات ما بين القوى الرأسمالية (من ضمنها القوى الصاعدة مثل الصين) تتموضع غالبًا في عصر الإمبريالية الجديدة. بينما هو لا يوحي بكون هذه التنافسات والتوترات ستؤدّي لحربٍ ما بين القوى الإمبريالية، فهو يرى بوضوح أنّ الإمبريالية اليوم تعصف بها الصراعات المتجذّرة في التنافس حول الأسواق والأرباح.

هُنا يأتي تحليل هارفي مُتعارِضًا مع حجج ليو بانيتش وسام غيندن، إذ قدّما حججهما في سلسلة مقالات نشروها في مجلّة «سوشالست ريجستر» السّنوية، ويشكّل عملهما النظرة الثالثة المهمّة للإمبريالية وسط المؤلّفات الماركسيّة باللغة الإنجليزيّة في يومنا هذا.

الأرجح أنّ أعظم نقاط قوّة نظرة بانيتش وغيندن هو نقدها للتكرار العقيم لنظريّة لينين وبوخارين عن الإمبريالية، وكأنّما هذه النّظرية تشكّل دليلًا مناسبًا للعالم الذي نعيش فيه اليوم. نظرتهم تركّز أيضًا – مُحقّةً – على العلاقة التبادليّة ما بين رأس المال العالمي والدولة-الأمّة.

بالإضافة لذلك، ولّت نظرتهم هذه اهتمامًا كبيرًا للأشكال المؤسساتية المحدّدة للإمبرياليّة الجديدة، موضِّحين الدّور الحيويّ لنظام الاحتياطي الفدرالي الأمريكي بالخصوص كالمؤسسة التي تعنى بالإشراف على البُنيَة الماليّة للنظام وتحافظ على هيمنة الدّولار كالعملة العالميّة.

ولكنّي أجادِل أنّ نظرتهما أقلُّ إقناعًا في استبعادِها الفعليّ لفكرة كونِ الخصومات ما بين الدول-الأمم الرأسماليّة المهيمِنة هي ما يشكّل عالمنا الحاضر. يتّجه بانيتش وغيندن لتشخيص الدولة الأمريكية – والدولة الأمريكيّة وحدها – كدولةٍ إمبرياليّة، بينما ينظران بقيّة العالم – من ضمنها أوروبا وكندا واليابان وأمثالهما – فعليًا كدولٍ تابِعة للولايات المتّحدة.

وفي أكثر نواحيه سطحيّةً، تقترب هذه النظرة لأخذ أطروحة «الاعتماديّة» التي شاعت في الستينات والسبعينات – إذ وفقها قِيلَ أنّ العالم الثالث يعيش في حالة «اعتماديّة» على الشّمال العالمي – وتوسيعها أكثر لتشمل كلّ دولةٍ أخرى ما عدى الولايات المتّحدة. وتوجّههم نحو هذا الاتجاه، أصبحت نظرتهم عُرضةٌ للنّقد الذي تعرّضت له نظريّة الاعتماديّة لتجاهلها التشكيلات الطبقيّة والصراعات الطبقيّة داخل العالم الثالث، ولتقليلها لشأن تمايُزاتٍ مهمّة في وسط الاقتصاد العالمي ما بين البرازيل – على سبيل المثال، وهي الآن عاشر أكبر اقتصاد في العالم – ومالي.

يتجنّب تحليل بانيتش وغيندن أيضًا التمييز ما بين المنطقين الاقتصادي والمناطقي للإمبرياليّة الداخلين تحت نظرة هارفي. إنّ الدولة الأمريكيّة بلا شكّ هي القوّة المهيمنة من غير منازِع من الناحية العسكريّة-المناطقيّة (ولذلك الأمر تبِعاتٌ مُهمّة على الأحداث العالميّة). ولكنّ لا يترتّب على ذلك أنّ رؤوس الأموال المناطقيّة الأخرى تعمل خارج منطق الإمبرياليّة.

حقًا، إنّ توظيف حقوق الملكيّة وقوّة السوق لاستغلال الطبقة العاملة والاستحواذ على الموارد والتلاعب بالأسواق ليس أمرًا تمتازُ بِه الرأسماليّة الأمريكيّة. تقوم الطبقات الرأسماليّة في العديد من الدّول الغنيّة – بدعمٍ من الدولة في وطنهم الأم – بتوظيفِ استراتيجيّات تكديس رأس مالٍ مشابِهة.

ويصحّ القول أيضًا أنّ الطبقات الرأسماليّة هذه ترى في الدّولة الرأسماليّة كالحارس الأهمّ لرأس المال العالميّ. ولكنّ ذلك لا يعني أنّ مصالح – دعنا نقل – شركتيّ «بوينغ» (Boeing) و«إيرباص» (Airbus) متماثِلة، كما يتبيّن مِنَ الخلافات التجاريّة الأمريكيّة-الأوروبيّة حول ممارسات هاتين الشّركتين في قطاع الطيران.

ولكن لاستخفافهم بالفارق ما بين منطقيّ الإمبرياليّة الاقتصاديّ والمناطقيّ، يميلُ بانيتش وغيندن لاستبعاد فكرة أنّ قوىً أخرى – مثل أوروبا واليابان وكندا – قد تتصرّف وِفقَ النّمط الإمبرياليّ في علاقاتها مع الأمم الخاضِعة.

وإن أخذنا حالة كندا، فهنالك في وقتنا الحاليّ مظاهراتٌ كبيرة في الجنوب العالميّ ضدّ شركات التعدين المتمركزة في كندا. وانطلقت حركاتٌ شعبيّة في المكسيك وغواتيمالا وعددٍ من الأمم الأفريقيّة مُستهدِفةً هذه الشركات الكنديّة متعددة الجنسيات بسبب ممارساتها العِدائيّة النيو-كولونياليّة. (أنظر على سبيل المثال تقرير سيريل مايكليغو الذي نُشِر في هذا العدد عن الصراع في غواتيمالا على عمليّات شركة «غلاميس» للتعدين)

من الصّعب أن نفسّر عدم تصنيف شركاتٍ كهذه – والدّول الداعمة لها – كإمبرياليّة. والأمر ينطبق أيضًا على مُمارسات الطبقات الرأسماليّة الأوروبيّة واليابانيّة في الجنوب. على عكس ذلك، في بعض الأحيان، يوحي تحليل بانيتش وغيندن بوجود شيءٍ مناهض للإمبرياليّة (لكونه معاديًا لأمريكا) في دولٍ مثل كندا واليابان، وحتى فرنسا وألمانيا، مُؤكّداتٍ سيادتهنّ في وجه الضغوط الأمريكيّة.

يتّضح أنّ هذا التحليل يقع في المشاكل ذاتها التي تمّ تشخصيها في نظريّة الاعتماديّة: استبدال الطبقة بالأمّة كَمحورِ الصّراع في عالمنا الحاليّ.

علاوةً على ذلك، تنزعُ نظريّةٌ كهذه إلى تجاهل الكولونياليّة الداخليّة التّي تتّسم بها عديدٌ من هذه الدّول. في كندا، يبرز لنا في هذا الصدد اضطّهاد الشّعوب الأصليّة والسّكان المتحدّثين للفرنسيّة في «كيوبيك» بالخصوص. ومع ذلك، فالدفاع عن السيدة الوطنيّة (لأسبابٍ مناهضة للإمبرياليّة ظاهريًا) ينزلق بسهولة لدفاعٍ عن قوّة الدّول المؤسسّة على استغلال واضطّهاد الآخرين.

وتنزع أيضًا إلى التقليل من أهميّة النضالات المناهضة للعنصريّة العرقيّة التي يقودها المهاجرون واللاجئون وغير البِيض (people of color) ضِدّ الدولة الوطنيّة. إنّ تصوير القوّة العالميّة بصيغة هرميّةِ دولٍ-أمم (تعتليها الولايات المتّحدة في مواجَهةِ الجميع) بالتالي عُرضةٌ لتقليل من شأن الاضطهادات الوطنيّة والعرقيّة ومعها الانقسامات الطبقيّة الداخليّة.

وكي نُنصِفهُما، بانيتش وغيندن مُدرِكان جيدًا للأهميّة الحيويّة للنضال الطبقي – ومجلة «سوشالست ريجستر» لها سجلٌّ مشرّف في تسليط الضّوء على الحركات العمّالية العالمية (أنظر بالخصوص طبعة عام 2001). فهما يقولان – مُحقّين – بكونِ الصراعات الداخليّة من المحتمل أن تميّز هذه الفترة التي نعيشها، ولكن مع أنّ بانيتش وغريندن محقّان في تأكيدهما على انحسار تلك التنافسات العسكريّة والمناطقية التي اتّسم بها النصف الأوّل من القرن العشرين، فجدلُهما ضدّ فكرة «الخصومات» يُخرج التنافس الرأسماليّ البَينيّ (inter-capitalist) خارج المعادلة.

كنتيجةٍ لذلك، أصبح تفسيرُهما للرأسماليّة العالميّة مُبالِغًا في أحاديّة القطب، وينحصر تركيز نظريّتُهم حول الإمبرياليّة على واشنطن. إضافةً إلى ذلك، بتقليلها من شأن الصراعات الإقليميّة والوطنيّة ما بين الدول-الأمم الرأسماليّة الكبيرة، قد تقع نظريّتهم في ترويج وجهات نظر اليسار القوميّ التّي ترى في النّضال ضدّ القوّة الأمريكيّة التركيزَ الغالب للسياسة اليساريّة.

وفي ذلك إشكالٌ كبير للاشتراكيين النشطين في تلك المناطق المُحتويّة لبرجوازيّة نامية جدًا تستفيد من استغلال الجنوب العالميّ، ولأجل إعادة صياغة نظريّتهما بِطُرقٍ تتجاوز نقاط الضّعف هذه سيتطلّب ذلك إعادة تأهيل تحليلٍ للتنافس الرأسماليّ العالميّ.

بقدر حاجتنا لفهم ما هو جديدٌ في الإمبرياليّة اليوم – وهذه المناهج الثّلاثة تُعطينا رؤيةً حقيقيّة في هذا الإطار – فنحن أيضًا بحاجة لتحديد وتشخيص الأشكال الجديدة للخصومات والتنافس الرأسماليّ البَينيّ الّتي تميّز المنظومة الرأسماليّة العالميّة.

يبدو لي أنّ نشوء اليورو كمنافسٍ جزئيّ لمكانةِ الدولار كالعملة العالميّة سيكون ذو أهميّة خاصّة في هذا الصّدد، وعلى المدى الطّويل، قد يعمل بزوغُ الصّين كمركزٍ اقتصاديّ ديناميكيّ على إعادةِ تشكيل جغرافيا القوّة العالميّة بشكلٍ كبير – ذلك على افتراض أنّ حكّامها بإمكانهم احتواء الاضطرابات الاجتماعيّة وتنمية أسواقٍ ماليّة أكثر تطوّرًا والحدّ من أضرار فقاعات المضاربات، وقُدرَتهم على القيام بذلك ليست أمرًا مُسلّمًا بِه.

في تقديمها بيانًا عن الأشكال الجديدة للتنافس الرأسمالي الدّولي في يومنا هذا، يظلّ تركيز وود على حقوق الملكيّة وقوّة السّوق – عِوضًا عن الاحتلال المناطقيّ – كأمرٍ مركزيّ للإمبرياليّة ذو أهميّة حيويّة، وكذلك هو تمييزُ هارفي ما بين منطقيّ الإمبراطوريّة. وأمّا تحليلُ بانيتش وغيندن لدورِ الاحتياطيّ الفدرالي من ناحية توليد الإطار النقديّ والماليّ للإمبراطوريّة فهو يعطينا رؤيةً أعمق لآليّات الإمبراطوريّة، وذلك مع كونِه يتطلّب تحليلًا أكثر عُمقًا حول العملات الأخرى، مثل اليورو.

من غيِر المفاجئ إذًا أنّنا لا نزال بحاجة للمزيد من الجهود لإعداد تفسيرٍ شاملٍ نظريًّا ومُمَكِّنٍ سياسيًا لهذه الإمبرياليّة الجديدة. وكما حاولت أن أشير سابقًا، هنالك أدبيّاتٌ ماركسيّة حديثة مهمّة بإمكاننا البناء عليها – وهي أدبيّاتٌ تتناسب مع الظرف الحاليّ أكثر من تلك النظريات التي أُنتجت قرابة قرنٍ مضى. ولكنّنا بحاجة أيضًا لمناظراتٍ ودّية صريحة حول نقاط قوّة ونقاط ضعف التفسيرات الجديدة هذه أثناء صراعنا مع وقائع إمبرياليّة نسعى لتحدّيها ولإسقاطها أيضًا في آخر المطاف.


[*]يستخدم الكاتب الأميال عوضًا عن الكيلومترات، وذلك لاعتماد أمريكا نظام الوحدات الإمبراطورية. تمّ التحويل للنظام المتري من أجل إيصال الفكرة بشكل أوضح.

[†]الجنوب العالمي: يُقصد به دول «العالم الثالث» في آسيا وأفريقيا وأمريكا اللاتينيّة.

تسعدني تعليقاتكم

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s