المنعطف النيوليبرالي: نبذة تاريخية – ميك بروكس

Posted: 13 يونيو 2016 in مختارات سياسية, عمال وجماهير
الوسوم:, , , , , ,
ميك بروكس
المصدر: إن ديفنس أوف ماركسزم
ترجمة: فريق الترجمة
الناشر: مدونة ما العمل؟

لقد مرّت ثلاثة عقودٍ تقريبًا كانت فيها النيوليبرالية أو ما يسمّى أحيانًا بـ«أصولية السوق»، وهي سياسة عدم تدخل الدولة في الاقتصاد، أيديولوجيا البورجوازية المهيمنة، متضمّنةً خصخصة متفشيّة وغيرها من السياسات المرافقة لها. ولكنّ الانهيار الاقتصادي لعام 2008 أجبر الحكومات على التدخل والضبط وحتى تأميم الشركات لانعدام وجود خيارٍ آخر، فهل أدّى ذلك لموت «النيوليبرالية»؟ تواجه النيوليبرالية تحديًا مستديمًا. قامت هذه الأيديولوجيا وحزمة السياسات المرافقة لها خلال ربع القرن الماضي بمعارضة صريحة لحقوق الطبقة العاملة في كلّ أرجاء العالم ومحاولة مستمرّة لتدنية مستوياتها المعيشية.

نشأة النيوليبرالية

نشأت الأيديولوجيا النيوليبرالية نتيجة العاصفة الاقتصادية التي أنهت طفرة ما بعد الحرب العالمية الثانية. في عاميّ 1973 و1974 رأينا أوّل أزمةٍ تعمّ على الرأسمالية العالمية، والفترة السابقة لها الممتدة منذ 1948 وحتى 1973 تبيّن أنها العصر الذهبيّ للرأسمالية العالمية، فالإنتاج كان يتصاعد عامًا بعد عام، وارتفعت معه المستويات المعيشية. وفي وضع توظيفٍ شاملٍ كهذا بإمكان الرأسماليين تقديم تنازلات للحفاظ على تحرّك عجلة الإنتاج واستمرار تدفّق الأرباح. ففي آخر المطاف، كانت الطبقة العاملة – في البلدان الرأسمالية المتقدمة على الأقل – تملك موقع تفاوضٍ قويّ جدًا.

كانت الأيديولوجيا المرتبطة بـ«العصر الذهبي» هي الاقتصاد الكينزي. يجدر بنا هنا الذكر أنّه ليس من الصحيح أنّ الحلول الكينزية هي ما سبّب أو أطال الطفرة العظمى؛ شرح ذلك وقتها تيد غرانت في «هل سيحدث ركود؟» المنشور عام 1960. ولكنّ تلك الحقبة شهدت تباينًا شديدًا مع فترة ما بين الحربين العالميتين، حيث شهدت الثانية بطالة متفشية ونضالًا متفشيًا أيضًا لدرجة أنّه أثناء فترة ما بعد الحرب، ظنّت كلّ طبقات المجتمع أنّ الرأسمالية تغيّرت جذريًا. ظنّ الأغلبية أنّ الطفرات الاقتصادية والركود لم يعد لها مكانٌ سوى كتب التاريخ.

بالتالي أتى ركود 1973-1974 كصدمةٍ سياسية ضخمة. تحرّكت الطبقات العاملة عالميًا من أجل الدفاع عن مكاسب فترة ما بعد الحرب، والطبقات الحاكمة عزمت بدورها على تدنية المستويات المعيشية واستعادة معدّل الأرباح. اجتاحت موجةٌ ثوريّة العالم الرأسمالي أجمع كنتيجة لهذا الصراع، وكلّ المسلّمات السابقة طُرِحت على الطاولة وتم التشكيك في صحتها. شهد الاقتصاد العالمي، بالإضافة إلى نسبة بطالة متزايدة باطّراد، أسعارًا متصاعدة أيضًا. كان المسبب الأول للتضخم هو أسعار النفط لأزمات 1973 و1979، حيث لم نمرّ قبل ذلك بتضخّمٍ مجاورٍ لركود اقتصاديّ. أطلق على تلك الظاهرة «الركود التضخمي» (stagflation). كانت هذه هي البوتقة التي أنتجت النيوليبرالية.

كان هنالك بضعة علماء اقتصادٍ يمينيين، أكثرهم شهرةً هو ميلتون فريدمان، لم يقتنعوا أبدًا بالخرافة الكينزية القائلة بأنّ الرأسمالية تمّ ترويضها. تلقى هؤلاء العلماء دعمًا متزايدًا مع انهيار الفكر الاقتصادي الكينزي، وبحلول نهاية السبعينات هيمنوا على كليّات الاقتصاد في الجامعات. تلقّت أفكارهم ترحيبًا واسعًا، وكان رئيس الوزراء البريطانيّ العمّالي جيمس كالاهان ممّن رحبوا بها، حيث قال في مؤتمر حزب العمّال عام 1975: «كنا نعتقد أنّه بإمكانك أن تخرج من الركود الاقتصادي عن طريق الإنفاق وأن تزيد نسبة التوظيف عن طريق تخفيض الضرائب وزيادة الإنفاق الحكومي. أقول لكم بكلّ صراحة أن ذلك الخيار لم يعد موجودًا، وفيما يتعلق بنجاحه سابقًا، فهو لم ينفع إلّا في الحالات التي تلت الحرب العالمية الثانية عن طريق ضخّ جرعة أكبر من التضخم في الاقتصاد، يتبعها مستوىً أعلى من البطالة كخطوةٍ تالية».

مثّل ذلك رفضًا لأيّ محاولة لسياساتٍ إنعاشية في مواجهة البطالة المتزايدة، ومثّل قبولًا بأفكار المدرسة الاقتصادية النقدية (monetarism) وقبولًا بصعود سطوة الرأسمالية. ليست الأفكار النقدية – وهي جزءٌ من الشريعة النيوليبرالية – مجرّد نظريّةٍ اقتصادية جافة، بل هي سلاح هجومٍ مدروس على الطبقة العاملة. عاد النقديوّن إلى الفترة السابقة لكينز حين حثّ علماء الاقتصاد الحكومات على عدم التدخل في الاقتصاد والاكتفاء بالتحكم بالمعروض النقدي. وإن كان الكينزيون – مثلما هزئ بهم النقديون – هم «رجال الأمس» فالنقديون «رجال أول أمس».

النيوليبرالية الظافرة

لماذا يجب على الحكومة عدم التدخل في الاقتصاد؟ لأنّ منظِّريها اعتقدوا أنّ السوق (أو بالأصح، الرأسمالية) إن تُرِك من غير تدخّل سينتج النتائج «الأمثل». السوق يفهم! هذا الإحياء المتعجرف لإيديولوجيا اقتصاد ما قبل الحرب كان سلاحًا ضدّ الصناعات المؤمّمة التي كافحت من أجلها الطبقات العاملة، وسلاحًا ضدّ الاقتصاد المختلط الذي وفّر للعمال بعض الحماية ضدّ قسوة السوق، وضدّ دولة الرعاية الاجتماعية وضدّ كل المكاسب التي حققها العمّال خلال قرنٍ كامل تقريبًا من النضال ضدّ الرأسمالية غير المقيدة. وِفق المبادئ النيوليبرالية، حتى محاولات إعادة توزيع الثروة يجب أن تُهجر كونها هجومًا على النتائج «الطبيعية» لقوى السوق، بحكم أنّ التقسيم الآنيّ للدخل والثروة أنتجه السوق. في الواقع، أصبح السوق هنا إلهًا. لو كانت هنالك بطالة، تخبرنا النيوليبرالية أنّ معنى ذلك هو أنّ الأجور عالية أكثر من اللازم. خَفّض الأجور كي تحصل عمالة كاملة. هذا جنون، ولكنّه جنون يخدم الطبقات الحاكمة بشكلٍ جيّد.

هنالك حديثٌ آخر مرتبط بالنيوليبرالية وهو الحديث عن «العولمة». تمّ تخفيض الحواجز الجمركية في كلّ أرجاء العالم، ورأس المال كان ينتشر في كلّ مكان. زعم مؤيّدو النيوليبرالية أنّ حدوث «العولمة» يعني أنّ مقاومة النيوليبرالية مقاومةٌ عقيمة. ولأنّ قابلية رؤوس الأموال على التنقل في تزايدٍ لا متناهي، أصبحت الدول القومية عاجزة أمامها، فاضطرت لتخفيض الضرائب على الأرباح والرضوخ لكلّ رغبات الشركات متعددة الجنسيات، وإن لم ترضخ فهذه الشركات ستنقل أموالها لمكانٍ آخر بكل بساطة. الضوابط التنظيمية مُزِّقت، وابتُزّ العمّال حتى يقبلوا بأجورٍ أقل فأقلّ وإلا سيخسرون وظائفهم. كانت العملية سباقًا إلى القاع. ولكنّ الواقع هو أنّا مقاومتها كانت متفشّية! قُلنا سابقًا أنّ هذه الأفكار هي بروباغاندا الطبقات الحاكمة، وهي ليست إلّا صورةً تبسيطية للواقع.

تلقت فكرة انتصار النيوليبرالية أذنًا صاغية بسبب انهيار الاتحاد السوفييتي والأنظمة الستالينية المرتبطة به في أوروبا الشرقية. «انتصرت الرأسمالية في الحرب الباردة!» هكذا زعموا، وبالتالي بدى أنّه لا يوجد بديل للرأسمالية (أو «السوق»، كما يسميها المدافعون عنها). كان ذلك هو موضوع مقال فرانسيس فوكوياما لعام 1989: «نهاية التاريخ؟».

الكابوس التشيلي

اعتُقِد في بادئ الأمر أنّ النيوليبرالية تعارض مصالح الطبقة العاملة بشكلٍ واضح جدًا، وبذا يستحال تطبيقها في ديموقراطية سياسية، فالعمّال سيصوّتون ضدّها، ولذلك فرضتها الطبقات الحاكمة كـ«تجربة» في تشيلي في أوضاع دكتاتورية عسكرية تحت حكم بينوشيه. بعد انقلاب 1973، شعر الجيش التشيلي بقوّة كافية لتدمير النقابات الحِرفية الحرّة ومسح شبكة الأمان الاجتماعي وخصخصة العديد من الصناعات وفتح كلّ موارد البلاد للاستغلال الإمبريالي وإقفار الطبقة العاملة إفقارًا هائلًا. وهذا بالذات ما أرادته الطبقة الرأسمالية! تمّ تطبيق السياسات النيوليبرالية من خلال التعذيب والاغتيال وغيرها من وسائل العنف.

أقنع «فتيان شيكاغو» بينوشيه بهذه الأفكار، و«فتيان شيكاغو» هو مسمّى أطلق على طلّاب اقتصاد درسوا لدى ميلتون فريدمان وتفشّوا بعدها كالوباء في أروقة السلطة بعد الانقلاب من أجل تنفيذ عملية جارفة لإلغاء الضوابط التنظيمية على البنوك. تبيّن لاحقًا كارثيّة هذه السياسة حيث أدّت إلى أزمة مالية مدمّرة في عام 1982. أجبرت الأزمة بينوشيه حينها على إعادة تنظيم البنوك من أجل الحيل دون حصول انهيارٍ بنكيّ.

لم تشكّل حقيقة عدم فعالية السياسات النيوليبرالية أو إمكانية برهنة كونها لم تنجح أبدًا مشكلةً لدى مؤيديها. لو كان هنالك معنى واحد لـ«نجاح» السياسات النيوليبرالية فهو في كونها تأرجح توازن القوى ضدّ الطبقة العاملة، وهذا هو مقصدها.

والمناصر التالي للنيوليبرالية هي مارجريت تاتشر. سمح النظام الانتخابي البريطاني بفوز تاتشر بأغلبية ساحقة بأصوات 43% من الناخبين. ورضيت بوجود بطالة شاسعة أثناء حكمها تجاوزت الثلاثة ملايين شخص. بدت بعض سياسات حكومتها الاقتصادية، مثل أسعار الفائدة العالية جدًا والتي خنقت الاستثمار وأدّت لفقد الجنيه الإسترليني والبضائع البريطانية قدرتهما التنافسية في الأسواق العالمية وكأنّها تعمدت رفع مستوى البطالة وإبادة قطاعاتٍ كاملة من القطاع الصناعي. واستُخدِم العاطلون عن العمل كسوطٍ لجلد العمّال الموظّفين من أجل قلب الأوضاع لما يخالف مصالح التنظيمات العمّالية. خُزِّنَ الفحم بكمّياتٍ كبيرة كجزءٍ من مواجهة حاسمة متقصده مع عمّال المناجم، إذ نُظِر لهم كلواء حَرَس الحركة العمالية، ودُمِّرت صناعة فحمٍ نابضة بالحياة بسبب ضغينةٍ سياسية بحته. لم يكن ذلك الأمر «فعّالًا» بالمعنى العادي للكلمة، فقد شكّل هدرًا ضخمًا لمواردٍ كان بالإمكان توظيفها لنفع المجتمع. غير أنّ الرأسمالية لا تهتم بمصلحة المجتمع، وقوّتها المحرّكة هي الأرباح الخاصة. كان شعار تاتشر الذي تردّده هو «ليس هنالك بديل». تاق ملايين العمّال والعاملات إلى العمالة الكاملة المضمونة والمستويات المعيشية المتصاعدة لأيام العصر الذهبي. ولكنّ تاتشر كانت محقّة، ولو بمعنى آخر، وهو أنّ تلك الحقبة انتهت. هدفت النيوليبرالية لإعادة الأوضاع الرأسمالية العادية كما كانت عليه، بقرفها الكامل، والطريقة الواحدة للدفاع عن المستويات المعيشية الآن هي التغيير الجذريّ للمجتمع.

وفي الولايات المتحدة الأمريكية، سعى رونالد ريغن نحو نهجٍ نيوليبرالي، وبحلول الثمانينات أصبحت النيوليبرالية الأيدولوجيا المهيمنة في العالم الرأسمالي. أصبحت المؤسسات الاقتصادية الدولية – صندوق النقد الدولي والبنك الدوليومنظمة التجارة العالمية – حصونًا للنيوليبرالية، وتنمّرت من غير رحمة على البلدان الفقيرة نيابةً عن الإمبريالية لفتح خدمات هذه البلدان وقطاعاتها التجارية والزراعية للبلدان الغنية وخصخصة هذه القطاعات وجعل مواردها الطبيعية متوفّرة من غير قيودٍ للناهبين الأجانب. ازداد تأثير أصولية السوق أكثر فأكثر في مجالس الاتحاد الأوروبي وبالخصوص البنك المركزي الأوروبي مع تأسيسه.

أعلن ريغن أنّ «الحكومة ليست الحل، بل المشكلة». وكرئيسٍ للحكومة، سعى ريغن لجعل عبارته هذه صحيحة بالنسبة للطبقة العاملة، فأحد أولى أفعاله كرئيسٍ للولايات المتحدة هو تدمير نقابة مراقبي الخطوط الجوية. حين أضربت نقابة مراقبي الخطوط الجوية (باتكو) عن العمل في أغسطس عام 1981، أعلن ريغن أنّ الإضراب غير قانونيّ وأقال أكثر من إحدى عشر ألف مُضرِب. النيوليبرالية في أساسها هي عودةٌ إلى الليبرالية الاقتصادية للقرن التاسع عشر، وهي ليست بليبرالية اجتماعيًا، بل هي بالضرورة سلطويّة وقمعية تجاه الطبقة العاملة، فهدفها المركزيّ هو استعادة الهيمنة الكاملة للطبقة الرأسمالية.

والأهم من انتخاب ريغن رئيسًا هو تعيين بول فولكر مديرًا للاحتياطي الفدرالي – ألا وهو البنك المركزي الأمريكي – في عام 1979. قام فولكر بـ«التعامل» مع التضخم عن طريق زيادة أسعار الفوائد والسماح بنشأة بطالة على مستوىً واسع. ولأنّ الولايات المتحدة هي القوة الرأسمالية المهيمنة أدّى ذلك لارتفاع أسعار الفوائد في كل أرجاء العالم. عادت إشكاليات العقد السابق المالية تطارد الاقتصاد العالمي. وفي الأزمتين النفطيتين لعام 1973 وعام 1979، كسبت البلدان المصدرة للنفط مقدارًا ضخمًا من «البترودولارات» بسبب أسعار النفط المتزايدة، ولكنّهم لم يعلموا ماذا يفعلون بذلك التدفق الهائل من الأموال. هنأّت البنوك الغربية الكبرى ذاتها لكيفية تدويرها البترودولارات، حيث أخذت البنوك الغربية هذه الأموال وقذفتها على الدول الأقل نموًا على شكل ديون لبلدان العالم الثالث، ولَوَت أيدي وزراء المالية في أمريكا اللاتينية مُجبرةً إياهم على أخذ الأموال. ولكنّ تزايد أسعار الفوائد في الثمانينات جعل هذه البلدان الأقل نموًا غير قادرة على مواصلة التسديد.

كانت المكسيك أوّل بلدةٍ أعلنت إفلاسها وكان ذلك عام 1982. ولكن طوال الثمانينات، تنقّل صندوق النقد الدولي من غير رحمة في أرجاء أمريكا اللاتينية مطالبًا بتسديد الديون نيابة عن القوى الإمبريالية. طلب صندوق النقد الدولي من حكومات أمريكا اللاتينية التوقف عن محاولة تحسين أوضاع مواطنيها المعيشية وضخّ الموارد الطبيعية عوضًا عن ذلك من أجل تسديد الديون. أطلق على ذلك مسمى التصنيع الموجّه بالصادرات، وكلّ ذلك كان جزءً من المشروع النيوليبرالي.

كانت النتيجة كارثية بالنسبة لأمريكا اللاتينية، وأُطلق على الثمانينات مسمى «العقد المفقود». ما بين عام 1980 و1989 انخفض الإنتاج وانخفضت المستويات المعيشية في كلّ أرجاء أمريكا اللاتينية، وانخفضت حصة أمريكا اللاتينية من الإنتاج العالمي من 6 بالمئة حتى 3 بالمئة مع انتهاء العقد. وبينما ازداد الإنتاج بنسبة 2،5 بالمئة سنويًا خلال عقد أزمة 1973-1980، فقد انخفض بمعدّل 0،4 بالمئة سنويًا ما بين 1980 و1989. حصلت الإمبريالية على ما تريد. وحتى أواخر عام 2005، حملت أمريكا اللاتينية ثقل دين قدره 2،94 ترليون دولار، أغلبه ورثته من الثمانينات. شكّل ذلك الدين قرابة ثلثيّ ديون «الأسواق الناشئة» كاملةً.

لا تزال الجراح بارزة حتى يومنا هذا. في عام 2003 توقّعت ورقة إعلامية من مركز الأبحاث الاقتصادية والسياسية بعنوان «عقدٌ مفقود آخر؟» لمارك فيسبروت وديفيد روزنيك نموًا سنويًا بائسًا قدره 0،2 بالمئة لفترة 2000-2004، أي 1 بالمئة فقط في السنوات الخمس تلك، وأشاروا لكون المنطقة بأكملها لم تنموا خلال العشرين سنة السابقة لتلك الفترة، أي ما بين 1980-1999، إلّا بمقدار 11 بالمئة، وهي نسبة أسوء من فترة الكساد الكبير. في المقابل، ما بين 1960 و1979 شهدت أمريكا اللاتينية نموًا بمقدار 80 بالمئة. تُبرِز لنا هذه الأرقام صورةً الفقر وسوء التغذية والمرض التي أنجز رسمها المشروع النيوليبرالي.

يحقّ للاشتراكيين والمدافعين عن عامة الشعب مواجهة مناصري النيوليبرالية ومناصري العولمة بهذا الحقائق البشعة. تُنتج الأزمات الاقتصادية حتميًا أزمة في الأفكار الحاكِمة، وهي – كما قال عنها ماركس – أفكار الطبقة الحاكمة.

تغيّرٌ طارئ

ولكن الآن الكلّ غيّروا مواقفهم. اقتصادُ عدم التدخل بدى لهم مناسبًا جدًا حين كانت الأرباح تدرّ عليهم ولم يطالب سوى الفقراء والطبقة العاملة بتدخل الدولة من أجل حمايتهم من وحشية السوق، ولكنّ الأمر مختلف تمامًا حين يقع التهديد على ثروات الطبقة الرأسمالية. حينها يتصرّفون كضحايا بائسين يحتاجون كلّ معونةٍ ممكنة من الدولة، ولو تطلّب الأمر أخذ المعونات من أموال الناس العاديين.

أشارت روث سوثرلاند متحدثة في «الجارديان» البريطانية عن أزمة 2008: «في الولايات المتحدة، ستحوّل مئات مليارات الدولارات من المخاطر المصرفية إلى الحكومة الفدرالية، مضيفةً إياها على عبئ الديون الأمريكي الضخم وزائدةً اتّكالها على المستثمرين الأجانب…يواجه صنّاع القرار تحدياتٍ هائلة: إخماد نار الأزمة ومن ثمّ إصلاح النظام المالي الحفاظ على مستوى التضخم، ومن ثمّ تفعيل ضوابط تنظيمية جديدة وفعّالة. ولكنّ القادم أسوء»، وتُضيف:

الدراما المتصاعدة حول خطة الإنقاذ الخاصة بهنري بولسون كانت موطدة بشدّة حتى أنّها أنحت كلّ شيء آخر جانبًا، حتى انهيار بنك الإقراض العقاري واشنطن ميوتشوال، وهو أكبر إفلاسٍ مصرفيّ شهدته الولايات المتحدة في تاريخها. ولكن هنالك أسئلة أعمق تكمن وراء الخلافات حول حزمة الإنقاذ، وهو ما سلّط عليه أساقفة كانتربري ويورك الضوء في مداخلاتهم في الجدل حول مستقبل الرأسمالية. لو كان هنالك جانبٌ جيّد لهذه الأزمة المريعة، فهو أنّها أعطتنا فرصةً لا تأتي إلّا مرة في كلّ جيل لتفنيد خرافة السوق الجبّار.

وعن مصرفيّي «مدينة لندن» تقول:

لم يزعم مصرفيّو مدينة لندن يومًا وجود تبريراتٍ أخلاقية لنشاطاتهم، ولكنّهم تمكّنوا من لبس وشاح السلطة لمجرد كسبهم – أو مظهر كسبهم – حجمًا هائلًا من الأموال. قَبِلَ الجميع تقريبًا – السياسيون والجهات التنظيمية والصحفيون والمصوّتون ومقترضو الرهون العقارية – بالمدينة بتقييمها الذاتي لذاتها. سواءً أرضيًنا أم لم نرضى، اعتُبِرت رأسمالية السوق الحر أمرًا منيعًا.

وبالنسبة لمنتقديهم:

ومن جادلوا أنّ تلك العلاوات الضخمة أضرّت بالنسيج المجتمعي لكونها تزيد من اللا مساواة وتقوّض تصوّر الناس للإنصاف، نُظِر إليهم بازدراء وزُعِم أنّهم مجرد يساريين رديئين أو أناسٍ غيورين. ومن دعوا إلى فرض ضوابط تنظيمية أقوى تمّ تجاهُلهم باعتبارهم متطفّلين وبيروقراطيين ومعيقين للإبداع. ومن شعروا بعدم الراحة تجاه بعض النشاطات المعينة ألقيت محاضراتٌ عليهم حول منفعة الانتشار التدريجي المزعوم للثروة من الطبقات الغنية إلى عامة الشعب.

وتستخلص قائلةً: «يجب أن تدفعنا هذه الأزمة إلى إعادة تقييم علاقتنا مع المال والديون، وأن نفكّر بجديّة بكيفية خلق نوعٍ من الرأسمالية أكثر إنصافًا وشمولًا. يجب ألّا تكون هنالك عودةً لأوثان السوق». وبملاحظةٍ ملحّة وإن كانت أقلّ مثاليّةً، أعلن رئيس هيئة الأوراق المالية والبورصات في الولايات المتحدة كريستوفر كوكس بعد الأزمة: «أوضحت لنا الستة الأشهر الماضية بشكلٍ كافٍ أنّ التنظيم الطوعيّ ليس ناجعًا».

وفي ملاحظةً أشد حدّة، قال ديفيد روثكوبف وقد كان مسؤولًا كبيرًا في وزارة التجارة أثناء إدارة بيل كلينتون أنّ العالم دخل لحظة تحوّل: «هذه نقطةٌ فاصلة، هذه نهاية خمسة وعشرين عامًا من الريغنية-التاتشرية. ودعوات ترك السوق وشأنه وأنّ الحكومة الأفضل هي الحكومة الأصغر انتهت – حُسِم الأمر». لخّص بين بيرنانكي وقد كان حينها رئيس الاحتياطي الفدرالي المزاج الجديد: «لا يوجد ملحدون في الخنادق، ولا يوجد مُأدلجون في الأزمات المالية».

وافق الرئيس الفرنسي ساركوزي مع بحر التغيير في الوعي هذا: «فكرة السوق الجبار من غير قواعد أو تدخلٍ سياسي فكرةٌ حمقاء». إذًا، فالأرثودوكسية الاقتصادية المعصومة الأمس أصبحت اليوم فكرة حمقاء! أتبع ساركوزي قائلًا: «انتهى زمن التنظيم الذاتي، وانتهى زمن عدم التدخل، وانتهى زمن السوق الجبار المحق دائمًا».

كل هذا الانتقاد انتقادًا بتّارًا لم يسبق له مثيل في هذا الجيل. ولكن ليس من هؤلاء الناقدين بالطبع من يقترح بديلًا عن النظام الرأسمالي. يتحدّثون وكأنما خدعتهم خزعبلات النيوليبرالية، وحنقهم موجّه تجاه «العباقرة» الماليين حين أدركوا الآن أنّهم ليسوا سوى دجّالين حصدوا لأنفسهم ثرواتٍ على حسابنا جميعًا ورمونا جميعًا في الوحل أثناء ذلك.

«الصفقة الجديدة»

إنّهم يدعون إلى الضبط التنظيمي، فالرأسمالية – حسب زعمهم – هي فعلًا نظامٌ جيد ولكنها بحاجة لتنظيمٍ مناسب. ولكن ما هي العلاقة بين الرأسمالية والضبط التنظيمي؟

ومع أنّنا لم نسمع بأيّ خطابٍ معادٍ ضمنيًا للرأسمالية حتى الآونة الأخيرة، أُطلِقت «صواعق» خطابية مقاربة في التاريخ: «ممارسات الصَيْرفيين عديمي الضمير تقف مُدانةً في محكمة الرأي العام، ترفضها قلوب وعقول الرجال…هبط الصَيْرفيّون من مقاعدهم العالية في قمة معبد حضارتنا»، هذا ما قاله الرئيس الأمريكي فرانكلن روزفلت يوم إطلاقه مجموعة برامج «الصفقة الجديدة» الاقتصادية في الولايات المتحدة في الثلاثينات. كان أوّلُ فعلٍ لروزفلت كرئيس هو إعلان عطلة مصرفية، وهو مشابه لحظر البيع على المكشوف الذي فُرِض على جانبي الأطلسي أعقاب الأزمة. كان ذلك إجراءً مكافحًا للذعر، ولا يتطرّق لأسباب الذعر، وهي واقعًا مشاكل النظام المالي الحقيقية، وليست الهستيريا النفسية. كان روزفلت صريحًا فيما يهدف إليه: إنقاذ الرأسمالية من ذاتها. تبجّح حينها قائلًا: «صوت الأحداث العظيمة ينادي، أصلِح إن أردت أن تحافِظ».

قام روزفلت بعدها بعدّة إجراءات إصلاحٍ مصرفي متنوعة. قد تكون هذه الإجراءات هي الإجراءات «الصحيحة» وقد لا تكون، ولكنّها على أيّ حال مثّلت تدخلًا شديدًا في قوى رأس المال المالي. فصل قانون جلاس-ستيغال الذي أُقِرّ عام 1933 ما بين مصارف الاستثمار والخدمات المصرفية للأفراد. ولكنّ ذلك لم يكن ضروريًا بعد الأزمة الأخيرة كون مصارف الاستثمار الأمريكية الخمسة دمّرتها جميعًا الأزمة الاقتصادية. فُكّكت موادٌ أخرى من قانون 1933 تدريجيًا نتيجة جنون إلغاء الضوابط التنظيمية منذ ثمانينات القرن الماضي، وإلغاء الضوابط التنظيمية هو بالطبع أحد المسلّمات الرئيسية للنيوليبرالية.

أنشأ روزفلت المؤسسة الاتحادية للتأمين على الودائع من أجل إيقاف موجات الذعر المصرفي وموجات إلغاء البنوك، حيث أمّنت المؤسسة الإيداعات المصرفية. لربما تمنى زبائن بنك نورثرن روك أنّ وزير المالية البريطاني غوردون براون أظهر بعد نظرٍ مماثل حين أعاد تصميم هيكل الضوابط التنظيمية المالية في عام 1997. ولكنّه لم يقم بذلك للأسف. كان براون ولا يزال داعية إلى «اللمسات التنظيمية الخفيفة» وهو بالإضافة لذلك عاشقٌ واهم للخرافات النيوليبرالية. ونتيجة حسابات الخاطئة، شهدت بريطانيا أوّل ذعرٍ مصرفيّ منذ 140 عامًا في عام 2007 (لأنّ إيداعات نورثرن روك لم تكن أمنة).

أنشأ روزفلت أيضًا لجنة الأوراق المالية والبورصات من أجل تنظيم البنوك والمؤسسات المالية. اتُهِمت هذه اللجنة اتهاماتٍ محقة كونها «تغفو على عجلة القيادة» في سنوات ما قبل الأزمة الأخيرة. نرى إذَا الآن أنّ التعامل مع النظام المالي بأكمله مثل التعامل مع برميلٍ مليء بالثعابين السامة، كلاهما لا يؤتمن عليهما، ولكن يبدو أنّ ذلك أمرٌ لم يلاحظه المنظّمون!

يقودنا فشل لجنة الأوراق المالية والبورصات إلى مشكلة أوسع. من المرجح أنّه كان صعبًا على اللجنة في سنوات ما قبل الأزمة القيام بعملها كون وظيفتها نُظِرَ لها كأمرٍ غير ضروري (بسبب الزعم القائل أنّ البنوك تعمل بشكلٍ مثالي إن تركت وشأنها) وكثيرًا ما هاجمهم أصوليّو السوق.

وهذا الأمر يثير قضيّةً أخرى: ما هو مقدار أثر إصلاحات روزفلت؟ الجواب على ما يبدو هو أنّه أثرها صغير، فالفقاعة المالية التي نمت أثناء طفرة المضاربات ذهبت في الغالب في مهبّ ريح الإعصار الاقتصاديّ لفترة 1929-1933. هنالك قاعدةٌ عامة نشهدها هنا: مسألة التنظيمات المالية هي مسألة إغلاق باب الحضيرة بعد أن يهرب الحصان.

حين تكون هنالك طفرة، يؤمن المساهمون أنّ الطفرة ستستمر إلى الأبد. وبالفعل، لفترة تكون قيمة كلّ الحصص تقريبًا في تزايد وكلّ الاستثمارات عوائدها عالية، وهذا بالذات هو الهواء الذي تنفسنا منذ بداية الطفرة في عام 2001 حتى نهايتها في عام 2007. ومع خَبّ الحصان بسلاسة إلى حيث نريد، يُرخى لجام الفرس. وحين يستعيد الرأسماليون وعيهم من الصدمة برؤوسٍ مكسّره، يكونون أكثر حذرًا؛ ولربما أكثر حذرًا من اللازم. نرى بالتالي أنّ إلغاء الضوابط التنظيمية واستعادتها تتبع دورة الفطرة والركود كجزءٍ من سيكولوجية الطبقة الرأسمالية، حيث تصبح عاملًا موضوعيًا في الدورة.

وكما علّقنا سابقًا، بدت حزمة الإنقاذ «كاستراحة لالتقاط الأنفاس من الفلسفة النيوليبرالية، ولكنّها لم تكن كذلك أبدًا في الواقع. لطالما كانت النيوليبرالية كذبةً عملاقة: المشرّدون، إن احتاجوا للإعانة، لا يتلقون اهتمامًا، والناس الذين يواجهون خطر فقدان وظائفهم أثناء الأزمة لا يتلقون اهتمامًا، ولكن حينما يتعلق الأمر بالبنوك وأصحاب المليارات، فالاتّكال على الذات فكرةٌ لا قيمة لها، فأصحاب المليارات هؤلاء مساكين وبؤساء».

وعلى حدّ تعبير مايكل روبرتس: «أغلب أموال خطة بولسون ستذهب لإعانة أغنياء ورجال أعمال وول ستريت على الخروج من فوضاهم. فكما ترى، عندما يتعلق الأمر بالانهيار الوشيك للرأسمالية، تصبح الاشتراكية فجأة فكرةً جيدة، ولكنّ هذه الاشتراكية اشتراكيةٌ للأغنياء فقط، بينما يتوجب على بقيتنا العيش في ظلّ الرأسمالية». لا يزال الرأسماليون يعارضون التدخل في الأسواق فيما يفيد العمّال.

النيوليبرالية والرأسمالية

يعطينا هذا فكرةً عن كيفية الإجابة على السؤال الذي طُرِح في بداية هذا المقال: فقدت النيوليبرالية مصداقيتها، فهل ماتت؟ الجواب هو أنّ النيوليبرالية ليست إلّا سلاحًا في ترسانة الطبقات الحاكمة. الرأسمالية هي عدونا، وليس النيوليبرالية فحسب، وخطر النيوليبرالية لن يكفّ عنا حتى تدمير الطبقة الرأسمالية.

يقف الرأسماليون أمامنا كمذنبين تائبين، إذ يبدون في الوقت الحالي وكأنهم هجروا النيوليبرالية، ولكنّ ما يحرك الرأسماليين ليس الإيديولوجيا بل المصالح المادية. سيستخدمون الإيديولوجيا النيوليبرالية حين تتوافق مع مصالحهم، وسيطرحونها جانبًا حين لا تتوافق معها. ومصالحهم المادية لم تتغير حتمًا، ما تغيّر هو أنّ الأزمة تطلّبت تدخلًا لإنقاذ الرأسماليين، ومتى ما اختفت هذه الضرورة المرحلية، ستعود المياه إلى مجاريها. طالما استطاع الرأسماليون تحقيق أرباحٍ دون مساعدة، تلقاهم يرفضون تدخل الدولة. ومهما كانت الظروف، يعلم الرأسماليون أنّ أرباحهم ليست إلّا عمل الطبقة العاملة غير مدفوع الأجر وأنّه مهما كانت السُبل، يتوجب عليهم تخفيض المستويات المعيشية للطبقة العاملة.

أثار وزير المالية الألماني بير شتاينبروك بعد الأزمة مسألة مرتبطة تتعلق بالنيوليبرالية: «حين ننظر بعد عشرة سنواتٍ من الآن سنرى في عام 2008 كتمزّقٍ مالي»، ويضيف شتاينبروك على ذلك توقع نهاية مكانة الولايات المتحدة «كقوّة عظمى مالية». فحتى الرأسمالية النيوليبرالية يتوجب عليها العمل وِفق مجموعة قواعد، وهذه القواعد فُرِضت نتيجة الهيمنة الأمريكية. وأزمة النيوليبرالية تعني أنّ هذه القواعد ستكون محلّ تفاوض. لا شكّ بالطبع أنّ شتاينبروك يطالب هنا بـ«حقّ» ألمانيا بصوتٍ مسموعٍ في هذا النظام العالمي الجديد المتكوّن.

نظامٌ عالميّ جديد؟

يخلط البعض أيضًا أزمة النيوليبرالية بأزمة أكثر مناصريها حماسةً: الولايات المتحدة الأمريكية. يكتب المتقلّب جون غري ساخرًا وبعنوانٍ دراماتيكي «لحظةٌ مدمّرة في سقوط أمريكا من موقع قوّتها» في «الأوبزرفر» بعد الأزمة: «يكمن نجاح الصين في كراهيتها المستمرة للنصائح الغربية، ولسنا نرى البنوك الصينية اليوم تواجه إفلاسًا. أليس من الرمزيّ جدًا أنّ رواد فضاءٍ صينيّين ذهبوا إلى الفضاء بينما وزير الخزانة الأمريكية كان راكعًا على ركبتيه؟» (ركع وزير الخزانة هنري بولسون على ركبةٍ واحدة متوسلًا نانسي بيلوسي، رئيسة مجلس النواب الديموقراطية، لكي تحاول تمرير خطة الإنقاذ الخاصة به). يستنتج غري: «إنّ الطبقة السياسية الأمريكية هي المسؤولة عن الفوضى الحالية كونها اعتنقت إيديولوجيا إلغاء الضوابط التنظيمية، وهي إيديولوجيا خطيرة في سطحيّتها».

وفي نفس العدد من «الأوبزرفر»، يكتب ريتشار واتشمان تحت عنوان «هذا الأمر سيحوّل النظام المالي…إلى الأبد»، ويلّخص حجته قائلًا: «قوّة الولايات المتحدة بدأت تتراجع وأصولية السوق الحرة أصبحت إيديولوجيا عفا عليها الزمن». ولكنّ «إلى الأبد» وقتٌ طويل جدًا في عالم السياسة. صحيحٌ أنّ الولايات المتحدة تعاني من عجزٍ ضخم مع البدان التي تتاجر معها، وهي بالطبع علامةٌ على ضعفٍ اقتصاديّ، والبلد غارقة من رأسها حتى أخمص قدميها في الديون، والدولار محطّ سخرية، والهيمنة الأمريكية تضعف. إذًا، ألا تزال الولايات المتحدة هي القوّة الاقتصادية العظمى المنيعة؟

السؤال الحقيقي هو: هل هنالك بلدٌ آخر بإمكانه أن يقود العالم الرأسمالي ويفرض المبادئ والقواعد التي بدونها لا يمكن لهذا العالم أن يسير؟

ستمرّ الرأسمالية دائمًا بدورات ازدهارٍ وانهيار. ولكنّ انهيار وول ستريت لعام 1929 أدّى مباشرة إلى الكساد الكبير، وهي أكبر أزمة رأسمالية حتى وقتنا هذا. حاول عالم الاقتصاد تشارلز كيندلبيرجر أن يجيب على مسألة لِمَ كان الكساد الكبير بذلك العمق وذلك الانتشار في كتابه «عالمٌ في كساد: 1929-1939»، وجوابه كان أنّ الأزمة كانت بتلك الحدة وبذلك الطول لعدم وجود مُقرضٍ أخير دوليّ . لسنا نعتقد أنّ هذا الجواب يقدم شرحًا كاملًا لأحداث ذلك العقد الكارثي، ولكنّه جانبٌ مهم من الحقيقة. قبل الحرب العالمية الأولى، اعتُبِرت بريطانيا البلد المهيمن وتصرّفت كالمقرض الأخير. كان معيار الذهب في الواقع هو معيار الإسترليني. وبرهنت الحرب أنّ هيمنة بريطانيا تواجه تحديًا حاسمًا.

بعد الحرب العالمية الثانية، فرضت الولايات المتحدة الأمريكية هيمنتها باتفاقية بريتون وودز والتي حددت شروط التجارة العالمية. فرضت أمريكا الدولار كالعملة العالمية بحكم الأمر الواقع، وكان لديها القدرة على التصرف كالمقرض الأخير الدولي.

ما بين الحربين العالميتين، كانت الولايات المتحدة أقوى دولةٍ رأسمالية، ولكنّها ظلّت انعزاليةً ولم تفرض قوّتها على الاقتصاد العالمي. أدّت الفوضى العالمية إلى تخفيض قيمة العملات نتيجة «سياسات إقفار الجار» وأدت إلى جفافٍ شبه تام للتجارة الدولية. أثّر ذلك بِدوره على اقتصاد كلّ أمم العالم. تواجه الهيمنة الأمريكية اليوم تحديًا، ولكن – على عكس فترة ما بعد الحرب – لسنا نرى لها بديلًا في الأفق.

لو كان تحليلُ كيندلبيرجر لثلاثينات القرن الماضي محقًا وكنّا الآن ندخل حقبةً مشابهة، فقد نشهد سنواتٍ عاصفة.

تسعدني تعليقاتكم

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s