روب سيويل
آلان وودز
المصدر: إن ديفينس أوف ماركسزم
بالإمكان تحميل الكتيّب على صيغة PDF عبر هذا الرابط

مقدمة

الماركسية، أو الاشتراكية العلمية، هي التسمية المطلقة على مجموعة الأفكار اللاتي وضعها كلٌّ من كارل ماركس (1818-1883) وفريدريك إنجلز (1820-1895)، والتي في مجملها توفر أسس فكرٍ نظريٍّ مفصّلٍ لنضال الطبقة العاملة من أجل بناء تكوين أعلى من تكوينات المجتمعات البشرية، ألا وهو الاشتراكية.

وفي حين أنّ المفاهيم الماركسية طورتها وأثرتها، فيما بعد، التجارب التاريخية للطبقة العاملة نفسها، إلّا أنّ الأفكار الأساسية لا تزال ثابتةً، موفرةً أسسًا راسخةً للحركة العمّالية في يومنا هذا، إذ لم تُطرح أي نظرية أكثر تفوقًا وصدقًا أو أكثر علميةً في تفسيرها لحركة المجتمع ودور الطبقة العاملة في تلك الحركة، سواء قبل حياة كارل ماركس أو بعده. ولذلك فإن المعرفة الماركسية تزود البروليتاريا بالنظرية للقيام بمهمتها التاريخية العظيمة، ألا وهي مهمة التحويل الاشتراكي للمجتمع.

وهذا الأمر بالذات هو ما يفسر الهجمات المستمرة والمريرة على جميع جوانب الماركسية التي ألقاها وأدلى بها كل مدافع عن النظام الاجتماعي القائم، ابتداء من المحافظين التقليديين إلى الجمعية الفابية، ومن كاهني اليسوعية إلى أساتذة الجامعات. وبدأً من أكثر هذه الهجمات سُأمًا إلى حقيقة لزوم تحديثها باستمرار على الرغم من ادعاء كل هؤلاء بـ«تخلّصهم النهائي» من الماركسية، يمكن للعضو/ة المفكر/ة في الحركة العمالية أن تـ/يستنتج حقيقتين اثنتين. أولًا، هو اعتراف المدافعين والمدافعات عن النظام الرأسمالي بأن الماركسية تمثل التحدي الأكثر خطورةً لنظامهم، وهم بالتالي يعترفون فورًا بالحقيقة الكامنة فيها، على الرغم من كل محاولاتهم الرامية لـ«دحضها». وثانيًا، بدلًا من اندثارها تحت كومة الشتائم، و«الفضائح» الزائفة، والتشويهات الصارخة، لا تزال نظريات ماركس وإنجلز آخذةً في الانتشار، خاصةً داخل الفصائل النشطة في الحركة العمّالية، إذ أنّ أعدادًا متزايدةً من العمال تسعى، خاصةً تحت عصف الأزمة الرأسمالية، لاكتشاف القوى الحقيقية التي تشكل حيواتهم، ليكونوا قادرين على تأثير وتحديد مصائرهم بوعيٍ وإدراك.

إنّ النظريات الماركسية تقدم للعمال المفكرين حبلًا قادرًا على قيادتهم عبر متاهات الأحداث الفوضوية، وعبر السيرورات المعقدة في المجتمع والاقتصاد والصراع الطبقي والسياسة. وبتسلّحهم بهذا السيف، يمكن للعمال قطع العقدة المستعصية الرابطة بينهم وبين أعتى عقبة في طريق النهوض بأنفسهم وبطبقتهم، ألا وهي عقدة الجهل.

وتحديدًا لإبقاء هذه العقدة ثابتةً في مكانها، يسعى ممثّلو الطبقة الحاكمة بكل جهد لتشويه الماركسية في أنظار الطبقة العاملة. وعلى ذلك، فإنه لمن واجب كلّ عاملٍ وعاملةٍ جادةٍ في الحركة العمالية أن يكتشفوا لأنفسهم نظريات ماركس وإنجلز، كشرط أساسي لتحرير المجتمع من قِبَل الطبقة العاملة.

إلّا أنّ هناك عقبات في طريق نضال العمال من أجل النظرية والتحليل، وهذه العقبات أكثر استعصاءً من خربشة الكهنة ودروس أساتذة الجامعة. إنّ الرجال والنساء المرغمين على الكدح لساعات طويلة في الصناعة، والذين لم تتح لهم الفرصة للاستفادة من تعليم ملائم، والذين يفتقرون بالتالي إلى عادة القراءة، يجدون صعوبة في استيعاب بعض الأفكار الأكثر تعقيدًا، خصوصًا عند البداية. إلّا أنّ ماركس وإنجلز لم يكتبوا إلّا للعمال، لا للطالب «الذكي» ولا لأفراد الطبقة الوسطى. «كل بداية صعبة» بغض النظر عما نتحدث عنه. والماركسية، كأيّ علمٍ آخر، تتطلب مطالب شاقة على المبتدئين. لكن، وكما تـ/يعلم كل عامل/ة نشط/ة في النقابات أو الحزب العمالي، لا شيء يجدر بالاهتمام مالم يتحقق بدرجة من النضال والتضحية. وعلى ذلك، فإن هذا الكتيب يستهدف أولئك الناشطين في الحركة العمّالية. فللعامل/ة النشط/ة المستعد/ة للمواظبة والمثابرة، بإمكاننا أن نعدهم بهذا الوعد: ما إن تخطوا الخطوة الأولى للتعامل مع هذه الأفكار الجديدة وغير المألوفة، ستصبح النظريات الماركسية بسيطة ومباشرة. وعلاوة على ذلك، وهو ما يجب التأكيد عليه، إنّ العاملة التي تكتسب بجهد صبور فهمًا للماركسية ستكون أفضل تنظيرًا من معظم الطلبة، وذلك لإدراكها الأفكار ليس بإطارها النظري فحسب، بل بشكلها الملموس، إذ أنّها تنطبق على عملها وحياتها الشخصية.

تسعى جميع الطبقات المستغِلّة تبرير حكمها الطبقي أخلاقيًا من خلال تصوير حكمها كأعلى شكل من أشكال التنمية الاجتماعية وأكثرها توافقًا مع الطبيعة، مُخفيةً بشكل متعمّد نظام الاستغلال عن طريق تشويه وتمويه الحقائق. والطبقة الرأسمالية الحالية، من خلال طفيليّاتهم وأُجرائهم المحترفين، قد طوّرت بشكلٍ متقنٍ فلسفةً ومعايير جديدةً تمامًا لتبرير موضع سيادتهم في المجتمع.

أمّا الطبقة العاملة، في المقابل، فليس لديها أيّ مصلحةٍ ماديةٍ في تشويه الحقائق، بل هي تضع لنفسها مهمة تعرية واقع النظام الرأسمالي من أجل التحضير لتحررها بوعي وإدراك. وبعيدًا عن السعي وراء مكانةٍ خاصةٍ لنفسها، فإن الطبقة العاملة تهدف إلى إلغاء الرأسمالية ومعها جميع الفوارق والامتيازات الطبقية. وللقيام بذلك، فإنّه عليها رفض أوجه نظر الرأسماليين، والسعي وراء منهج ماركسي جديد لنفسها.

يوفر النهج الماركسي نظرةً أكثر ثراءً ونضجًا وشموليةً للمجتمع والحياة بشكل عام، ويزيل بعيدًا حجاب التصوف في فهم وتحليل التنمية البشرية والاجتماعية. فالفلسفة الماركسية تبيّن  أنّ القوى المحرّكة للتاريخ تنبع من تطور القوى المنتجة نفسها، كالصناعة والعلوم والتقنية وهلم جرا، لا عن طريق «الأفراد العظماء» ولا عن طريق قوى ما وراء الطبيعة. فالاقتصاد، في نهاية المطاف، هو من يحدد شروط الحياة وعادات ووعي البشر.

إن كلّ إعادةِ تنظيمٍ جديدٍ للمجتمع، سواءٌ كان ذلك متمثلًا في العبودية أو الإقطاعية أو الرأسمالية، قد استُهِّل بتطورٍ هائلٍ في قوى الإنتاج، والذي وهب بدوره صلاحياتٍ أكبر للإنسان على الطبيعة. لكن، حالما يُثبت نظامٌ اجتماعيٌ ما عدم قدرته على تطوير قوى الإنتاج تلك، فإنّه يدخل في عصرٍ يتّسم بالثورة. لكن، في حالة التحول من الرأسمالية إلى الاشتراكية، ليست العملية هذه عمليةً تلقائيةً، بل تتطلب التدخل الواعي للطبقة العاملة لتنفيذ هذه المهمة التاريخية. إنّ الفشل في القيام بذلك سيمهد الطريق، على المدى الطويل، لظهور الرجعية والحرب العالمية في نهاية المطاف.

لقد دخلت الرأسمالية مرةً أخرى في أزمةٍ اقتصاديةٍ عالميةٍ جديدةٍ مسفرةً عن ارتفاع معدلات البطالة، على غرار تلك التي كانت في ثلاثينيات القرن العشرين. لقد أثبتت نظريات الاقتصاديين الرأسماليين الزائفة عجزها تمامًا عن منع وقوع حالات كسادٍ اقتصاديٍّ، وهو الأمر الذي دفع الطبقة الحاكمة للتخلي عن الكينزية وإعادة تبني تدابير «التمويل السليم» القديمة للمدرسة النقدية. لكن بدلًا من إنقاذ الوضع، لم يعمل هذا البرنامج إلّا إلى تعميق وإطالة أمد الأزمة!

كانت الماركسية ولا تزال هي الوحيدة القادرة على فضح تناقضات الرأسمالية التي تُسفر عن ركودٍ وكسادٍ اقتصاديٍّ بشكل دوريّ. لقد استنفذت الرأسمالية تمامًا دورها التاريخي في تطوير أسس المجتمع الإنتاجية منذ زمن بعيد. أمّا الآن، فقوى الإنتاج، التي باتت تطوّقها الدولة القومية والملكية الخاصة، يجري تدميرها بشكل منهجي في وجه فائض الإنتاج الشامل للسلع ورأس المال.

فكما أوضح ماركس بنفسه: «وفي هذه الأزمات يتفشى وباء مجتمعيّ ما كان ليبدو، في كل العصور السالفة، إلاّ مستحيلا، ألا وهو وباء فائض الإنتاج».

يجد المجتمع نفسه فجأة وقد رُدَّ إلى وضع من الهمجية المؤقتة، حتى ليُخيَّل أنّ مجاعة وحرب إبادة شاملة قد قطعتاه عن وسائل العيش؛ فتبدو الصناعة والتجارة وكأنّهما أثر بعد عين، ولماذا؟ لأنّ المجتمع يملك مقدارًا زائدًا عن اللازم من الحضارة، ومن وسائل العيش، ومن الصناعة، ومن التجارة. ولم تعد القوى المنتجة، الموجودة تحت تصرّف المجتمع، تدفع بنمو علاقات الملكية البرجوازية قُدُمًا، بل بخلاف ذلك، أصبحت أقوى جدًا من هذه العلاقات التي باتت تعيقها؛ وكلما تغلبت على هذا العائق جرّت المجتمع البرجوازي بأسره إلى الفوضى، وهددت وجود الملكية البرجوازية. (البيان الشيوعي)

يجمع الكتيب الحالي لأول مرة الملاحق الثلاثة لـ«نشرة ساوث ويلز للدراسات الماركسية» (التي نشرت لأول مرة في سبعينيات القرن العشرين) كمساهمة صغيرة لرَوي العطش المتزايد على الأفكار الماركسية. كما أنّه من المناسب أيضا تزامن نشر الكتيب هذا مع الذكرى المئوية لوفات كارل ماركس، في 14 مارس 1883، مؤسس الاشتراكية العلمية بالتشارك مع فريدريك إنجلز.

إلّا أنّ هذا الكتيب لا يهدف إلى تقديم عرض كامل للماركسية، بل يهدف لمساعدة العامل/ة–الطالب/ة في تطرقهم لهذا الموضوع من خلال تزويدهم بمخططٍ أوليٍّ لبعض الأفكار الأساسية، بالإضافة إلى قائمةِ قراءاتٍ مختارة من شأنها أن تمكنهم من إكمال دراساتهم. لقد كتب ماركس وإنجلز العديد من الكتيبات الوجيزة والكتابات التفسيرية الأقصر الهادفة إلى ترويج نظرياتهم بين الطبقة العاملة. توفر هذه الأعمال أسس قائمة القراءات المقترحة.

تندرج دراسة الماركسية تحت ثلاث عناوين رئيسية، تتطابق بشكل عام مع الفلسفة، والتاريخ الاجتماعي، والاقتصاد؛ أو، لتسميتهم بأسمائهم الدقيقة: المادية الجدلية، والمادية التاريخية، ونظرية قيمة العمل. هذه العناوين الثلاثة تكوّن «مصادر الماركسية الثلاثة» اللاتي كتب لينين عنهن.

روب سيويل وآلان وودز

18 فبراير 1983

النهج الماركسي

مدخل للمادية الجدلية

ماهي الفلسفة؟

في كل مرحلة من مراحل التاريخ البشري، وضعت نساء ورجال تلك المرحلة صورةً ما للعالم وموضعهم فيه، أيّ أنّهم قد طوّروا فلسفةً ما، والأجزاء التي استخدموها لتشكيل تلك الصورة قد حصلوا عليها عن طريق مراقبتهم للطبيعة وتعميمهم لتجاربهم اليومية.

يعتقد بعض الناس أنّهم ليسوا بحاجة لفلسفة أو منظور معيّن. لكن، في الممارسة، لدى الجميع فلسفةٌ ما، حتى ولو لم تمارَس بوعي أو إدراك. إنّ أولئك الذين يعيشون على أسس القواعد البديهية أو «الحس السليم»، ويتعقدون باستغنائهم عن النظرية، هم في الواقع يفكرون بالطريقة التقليدية. فالأفكار السائدة في المجتمع، كما قال ماركس ذات مرة، هي أفكار الطبقة الحاكمة. فمن أجل الحفاظ على حكمهم وتبريره، تُسخّر الطبقة الحاكمة كل وسيلة متاحة لها لتشويه وعي العامل/ة، حيث يتم استخدام المدرسة والكنيسة والتلفاز والصحافة لتعزيز أيديولوجية الطبقة الحاكمة وتلقين العمال القبول بنظامهم بوصفه أكثر أشكال المجتمع دوامًا وتوافقًا مع الطبيعة. وفي حالة غياب فلسفة اشتراكية واعية، فإنهم يقبلون الفلسفة الرأسمالية من دون إدراك أو وعي.

في كل مرحلة من مراحل المجتمع الطبقي، يجب على الطبقة الثورية الناشئة، الهادفة إلى تغيير المجتمع، أن تكافح لأجل منظور عالمي جديد، وفي ذلك، عليها أن تهاجم الفلسفة القديمة، والتي، إذ كانت ترتكز على النظام القديم، كانت تبرر وتدافع عنه.

المثالية والمادية

على امتداد تاريخ الفلسفة، سنجد معسكرين اثنين: المادي والمثالي. إن الفكرة الشائعة عن «المثالية» (بكونها تمثل الصدق والاستقامة في السعي وراء المثل العليا) وعن «المادية» (بكونها تمثل التفاهة والجشع وأنانيةُ الاستيلاء على الأموال) لا علاقة لهما بالفلسفة المثالية أو الفلسفة المادية بشيء.

كان العديد من مفكري الماضي العظماء مفكرين مثاليين، كأفلاطون وهيغل على وجه الخصوص. تنظر المدرسة الفكرية هذه إلى الطبيعة والتاريخ بوصفهما انعكاسًا لأفكارٍ أو لروحٍ ما. وتمثل النظرية القائلة بأنّ الرجال والنساء وكل ما هو مادي قد أنشأتهم روح مقدسة إحدى المفاهيم الأساسية للفلسفة المثالية. وهذه النظرة يُعبَّر عنها بعدد من الطرق، لكن مفهومها الأساسي هو أنّ الأفكار هي من تحكم تطور العالم المادي. وبناءً على ذلك، فإن التاريخ يُفسّر باعتباره تاريخًا للأفكار، حيث يُنظر لتصرفات الناس بكونها تصرفات ناشئة عن أفكارٍ مجردة، لا عن احتياجاتهم المادية. وهيغل، لكونه مثالي متسق، خطا خطوةً إضافيةً للأمام، وحوّل الأفكار إلى «فكر» مستقل متواجد خارج الدماغ ومستقل أيضًا عن العالم المادي. وهذا الأخير لم يكن إلّا مجرد انعكاس لهذه الفكرة. والدين كذلك يمثل جزءًا أساسيًا من الفلسفة المثالية.

أمّا المفكرون الماديون، من ناحية أخرى، فقد أكّدوا أنّ العالم الماديّ هو عالمٌ حقيقيّ وأنّ الطبيعة أو المادة هي الأساس، وأنّ العقل أو الأفكار هي نتاج الدماغ. فالدماغ، وبالتالي الأفكار، نشأوا في مرحلة معينة من تطور المادة الحية. أحجار الزاوية الأساس للفلسفة المادية هي كما يلي:

  • أنّ العالم المادي، الذي عرفناه بحواسنا واستكشفناه بالعلم، هو عالمٌ حقيقي. وأنّ تطور العالم هو تطورٌ ناشئٌ عن قوانينه الطبيعية الخاصة، دون الحاجة للجوء إلى قوى ما وراء الطبيعة.
  • أنّه لا يوجد سوى عالم واحد، العالم المادي. أنّ الفكر هو نتاج المادة (الدماغ)، والتي لا يمكن أن توجد من دونها أيّ أفكار منعزلة. ولذا لا يمكن أن توجد أفكار أو عقول في معزل عن المادة، فالأفكار العامة ليست إلّا انعكاساتٍ للعالم المادي. فكما قال ماركس: «بالنسبة لي، ليس الفكر إلّا انعكاس العالم المادي في العقل البشري وترجمتها إلى شكل من أشكال الفكر»، وأضاف، «الوجود الاجتماعي هو ما يحدد الوعي».

يتصور المثاليون الوعي والفكر كشيءٍ خارجيٍّ، معارضٌ للمادة والطبيعة. وهذا التعارض هو أمر زائفٌ واصطناعيٌّ تمامًا، وذلك لوجود علاقة وثيقة بين قوانين الفكر وقوانين الطبيعة، إذ أنّ الأول يتبع ويعكس الآخر. لا يمكن للفكر أن يستمد خصوصيّاته إلّا من العالم الخارجي فقط، لا من نفسه. حتى تلك الأفكار التي تبدو أكثرها تجردًا هي في الحقيقة أفكارٌ مُستمدّةٌ من رصد وملاحظة العالم المادي.

وحتى تلك العلوم التي تبدو تجريدية كالرياضيات البحتة قد استمدت من الواقع المادي، لا من نسج الدماغ. فطفل المدرسة يحسب سرًا أصابعه المادية تحت مكتبٍ ماديٍّ قبل حله لمسألة رياضيةٍ تجريدية. وهو، في أثناء قيامه بذلك، يعيد إنشاء أصول الرياضيات نفسها. نحن نعتمد على النظام العشري وذلك لأننا نمتلك عشرة أصابع. والأرقام الرومانية كذلك قد استندت في الأصل على تمثيل الأصابع.

وفقًا للينين: «هذه هي المادية: أن المادة تولد الإحساس بتأثيرها في أعضاء حواسنا. أن الأحاسيس هي رهن الدماغ والأعصاب وشبكية العين وغيرها. أيّ بمادةٍ مُنظّمةٍ بشكلٍ معيّن. أن وجود المادة ليس رهنا بالإحساس. أن المادة هي الأوليّ. أن الإحساس والفكر والإدراك هو النتاج الأعلى لمادةٍ منظمةٍ بشكلٍ خاص».

والناس، كجزء من الطبيعة، يطوّرون أفكارهم في تفاعلهم مع بقية العالم. والعمليات الذهنية هي عمليات واقعية بما فيه الكفاية، لكنها ليست أمرًا مطلقًا خارج الطبيعة، حيث ينبغي أن تُدرس هذه العمليات في الظروف المادية والاجتماعية الناشئة فيها. فكما قال ماركس: «وحتى الأشباح المتشكلة في العقل البشري ما هي إلّا تصعيدات ناتجة بالضرورة عن تطور حياتهم المادية»، واستنتج لاحقًا، أن «الأخلاق، والدين، والميتافيزيقيا، وكل البقية الباقية من الأيديولوجية، وكذلك أشكال الوعي التي تقابلها، تبدو وكأنها تفتقد في الحال كل مظهر من مظاهر الاستقلال الذاتي، فهي تبدو وكأنها لا تملك تاريخًا، وليس لها أي تطور؛ إن الأمر على النقيض من ذلك، فالبشر إذ يطورون إنتاجهم المادي وعلاقاتهم المادية هم الذين يحولون فكرهم ومنتجات فكرهم على السواء مع هذا الواقع الذي هو خاصتهم. فليس الوعي هو الذي يحدد الحياة، بل الحياة هي التي تحدد الوعي».

أصول الفلسفة المادية

كتب إنجلز في مقدمته لكتاب «الاشتراكية الطوباوية والاشتراكية العلمية» إنّ «إنجلترا بالذات كانت، ابتداءً من القرن السابع عشر، مهد المادية العصرية كلها». كانت الأرستقراطية الإقطاعية القديمة ومعها النظام الملكي تتعرض لتحدٍ من قبل الطبقات الوسطى الناشئة حديثًا. وقبل أن تصبح إطاحة الإقطاع ممكنةً، لزم بالتالي تقويض الكنيسة الكاثوليكية الرومانية التي كانت تمثل معقل الإقطاع، والتي كانت تقدم التبريرات الدينية للنظام الملكي والمؤسسات الإقطاعية. لقد تحدّت البرجوازية الناشئة الأفكار القديمة والمفاهيم اللاهوتية التي استند عليها النظام القديم.

أضف إلى ذلك، أن صعود الطبقة الوسطى كان يسير جنبًا إلى جنب مع الازدهار العظيم للعلم. فقد تجددت العناية بعلم الفلك وبالميكانيك والفيزياء وعلم التشريح والفسيولوجيا، إذ أن البورجوازية كانت، من أجل إنتاجها الصناعي، بحاجة إلى علم يتأكد من الخواص الفيزيائية للمواضيع الطبيعية، ومن أنماط فعل قوى الطبيعة. ولم يكن العلم حتى ذلك الحين سوى خادم وضيع للكنيسة، لم تسمح له قط بتخطي الحدود التي فرضها الإيمان، ولذا لم يكن علمًا على الإطلاق. [في القرن السابع عشر، أثبت غاليليو نظرية كوبرنيكوس بدوران الأرض والكواكب الأخرى حول الشمس. سخر أساتذة ذلك العصر من هذه الأفكار واستخدموا سلطة محاكم التفتيش ودليل الكتب المحرمة ضد غاليليو لإجباره على التخلي عن أفكاره]. تمرد العلم على الكنيسة، وتعيَّن على البورجوازية، التي لم تكن لتستطيع أن تفعل شيئًا بدون العلم، أن تنضم إلى حركة التمرد. (إنجلز: الاشتراكية الطوباوية والاشتراكية العلمية)

وكانت تلك هي الفترة التي وضع فرانسيس بيكون (1561-1626) فيها أفكاره الثوّرية عن المادية. فالحواس، وفقًا له، معصومة عن الخطأ، وهي أيضا ينبوع كل المعرفة، والعلم برمته يستند على التجربة، ويتقوّم في إخضاع المعطيات الحسية إلى منهج عقلاني في البحث؛ وأما والاستقراء والتحليل والمقارنة والملاحظة والتجربة كلها شروط أساسية للمنهج العقلاني هذا. إلّا أن المهمة قد تُركت لتوماس هوبز (1588-1679) لمواصلة تطوير مادية بيكون إلى نظام فلسفي، إذ أنّه أدرك أن الأفكار والمفاهيم ليست سوى انعكاسات للعالم المادي، وأنّه «يستحيل فصل الفكر عن مادة تفكر». ولاحقًا، قدم المفكر الإنجليزي جون لوك (1632-1704) أدلة على هذه المادية.

انتقلت المدرسة المادية للفلسفة بعدئذ من إنجلترا إلى فرنسا، ليتم تناولها وبلورتها من قبل رينيه ديكارت (1596-1650) وأتباعه. وهؤلاء الماديون الفرنسيون لم يقيّدوا أنفسهم بنقد الدين فحسب، بل وسّعوا نطاق نقدهم ليشمل جميع المؤسسات والأفكار، حيث تحدّوا جميع هذه الأمور باسم المنطق، وزوّدوا البرجوازية الناشئة بالذخيرة اللازمة في صراعهم ضد النظام الملكي. وقد اتخذ مولد الثورة الفرنسية البورجوازية العظيمة في سنوات ما بين 1789-1793 الفلسفة المادية كعقيدة له. وعلى عكس الثورة الإنجليزية في منتصف القرن السابع عشر، فقد دمرت الثورة الفرنسية النظام الإقطاعي القديم بأكمله. فكما أشار إنجلز فيما بعد: «إلا أننا اليوم نعرف أن سلطان العقل لم يكن سوى الحكم الذي أضفت عليه البورجوازية طابعًا مثاليًا».

لكنّ الخلل في هذه المادية، منذ زمن بيكون فصاعدًا، تمثل بجمودها وتفسيرها الميكانيكي للطبيعة. إنه ليس من قبيل الصدفة تزامن ازدهار المدرسة الإنجليزية من الفلسفة المادية في القرن الثامن عشر مع اكتشافات إسحاق نيوتن، التي جعلت من «الميكانيكا» العلم الأكثر تقدمًا وأهمية. فعلى حد تعبير إنجلز: «إنّ القيود المحدّدة لهذه المادية تكمن في عجزها على استيعاب الكون كسيرورة، كمادة تمر في تطور تاريخي غير منقطع».

كان للثورة الفرنسية أثرًا عميقا على العالم المتحضر، على غرار تأثير الثورة الروسية لعام 1917، فقد ثوّرت الفكر في كل ميدان، في السياسية والفلسفة والعلم والفن. إنّ هيجان الأفكار الناجمة عن الثورة البرجوازية الديمقراطية هذه استهلّت تقدمًا في العلوم الطبيعية، والجيولوجيا وعلم النبات والكيمياء، إلى جانب الاقتصاد السياسي.

وقد كانت هذه الفترة هي الفترة التي تم فيها نقد النهج الميكانيكي للمادييّن لأول مرة، إذ أحرز الفيلسوف الألماني إيمانويل كانط (1724-1804) الانطلاقة الأولى في خرق الطرق الميكانيكية القديمة باكتشافه أنّ الأرض والنظام الشمسي، بدلًا من كونهما قد وجدا منذ الأبد، قد تكوّنا مع مرور الزمن، كما ينطبق الأمر نفسه أيضًا على الجغرافيا، والجيولوجيا، والنبات، والحيوانات.

فكرة كانط الثورية هذه قد جرى تطويرها بعدئذٍ من قبل مفكر لامع ألماني آخر، جورج هيغل (1770-1831). لقد كان هيغل فيلسوفًا مثاليًا، إذ اعتقد بإمكانية تفسير العالم باعتباره تجليًا أو انعكاسًا لـ«عقل كوني» أو لـ«فكرة» ما، أيّ انعكاسًا لشكل من أشكال إلهٍ ما.

لم ينظر هيغل للعالم بوصفه مشاركًا نشطًا في المجتمع والتاريخ البشري، بل كفيلسوف يتأمل الأحداث من بعد، منصبًا نفسه عصاة قياس للعالم، ومفسرًا التاريخ كتاريخ من الأفكار وفقًا لتحيزاته، والعالم كعالم من الأفكار، كعالم مثالي! وبالتالي، بالنسبة لهيغل، لم تكن المسائل والتناقضات مطروحةٌ بمصطلحاتها الحقيقية، وإنما بإطار الفكر، وبالتالي لا يمكن أن يوجد حلها إلا في مجال الفكر. وبدلًا من حل تناقضات المجتمع من قبل نشاط الرجال والنساء من خلال الصراع الطبقي، فإنّ حلها يوجد في رأس الفيلسوف، في الفكرة المطلقة!

على الرغم من ذلك، اعترف هيغل بسقطات وأوجه قصور النظرة الميكانيكية القديمة. كما أنه قد أشار إلى أوجه النقص في المنطق الصوري وشرع في إنشاء نظرة عامة جديدة من شأنها أن تفسر التناقضات للتغير والحركة. (أنظر/ي أدناه)

على الرغم من اكتشاف هيغل وتحليله لقوانين الحركة والتغيير، إلّا أن مثاليته قد قلبت كل شيء رأسًا على عقب. لقد كانت صراعات وانتقادات الهيغيليين الشباب، بقيادة لودفيج فيورباخ (1804-1872)، هي من حاولت تصحيح الفلسفة وإقامتها مرة أخرى على قدميها. لكن، حتى فيورباخ – الذي كان «نصفه السفلي مادي ونصفه العلوي مثالي» وفقًا لإنجلز – لم يكن قادرًا على تطهير الهيغيلية بالكامل من نظرتها المثالية. هذه المهمة قد تُركت لماركس وإنجلز، اللذان تمكنا من إنقاذ المنهج الجدلي (أو الديالكتيك) من قوقعته الباطنية، حيث صُهرت الجدلية الهيغيلية مع المادية العصرية لتنتج مفهوم الجدلية المادية الثوري.

ما هي الجدلية؟

لقد شهدنا سابقًا أن المادية العصرية هي مفهوم أن المادة أولية وأن العقل والأفكار هم نتاج الدماغ. لكن، ما هو النهج الجدلي أو الجدلية؟

ليست الجدلية إلّا علم القوانين العامة للحركة ولتطور الطبيعة والمجتمع البشري والتفكير. (إنجلز: ضد دوهرينغ)

لقد وُجد المنهج الجدلي الفكري قبل أن يطوراها ماركس وإنجلز علميًا كوسيلة لتحليل تطور المجتمع البشري بمدة طويلة.

لقد أنتج الإغريق بعضًا من المفكرين الجدليين العظماء، كأفلاطون وأرسطو وزينون. فمنذ فترة مبكرة تعود إلى عام 500 قبل الميلاد، قدّم هيراقليطس فكرة أنّ «كل شيء موجود وغير موجود، فكل شيء في حالة سيلان، في تغير مستمر، في صيرورة أبدية، وفي زوال أبدي»، وأضاف، «كل الأشياء في تدفّق، في تغيّر، فمن المحال النزول في التيار ذاته مرتين». هذه العبارة تحتوي في مضمونها على المفهوم الأساسي للديالكتيك، أنّ كل شيء في الطبيعة في حالة تغير مستمر، وأن هذا التغير يتجلى من خلال سلسلة من التناقضات. يشير إنجلز في «ضد دوهرينغ»:

إنها الفكرة الأساسية الكبرى التي تقول بأنّ العالم لا يتألف من أشياءٍ تامةِ الصنع، بل هو مجموعةٌ من العمليات يطرأ فيها على الأشياء التي تبدو في الظاهر ثابتة وكذلك على انعكاساتها الذهنية في دماغنا، أي الأفكار، تغيّرٌ مستمر من الصيرورة والفناء.

ويضيف:

فبالنسبة للفلسفة الجدلية، ليس هناك من أمر نهائي مطلق مقدس، فهي ترى كل شيء وفي كل شيء خاتم الهلاك المحتوم، وليس ثمة شيء قادر على الصمود في وجهها غير الحركة التي لا تنقطع، حركة الصيرورة والفناء، حركة التصاعد أبدًا دون توقف من الأدنى إلى الأعلى. وهذه الفلسفة نفسها ليست إلا مجرد انعكاس هذه الحركة في الدماغ المفكر.

الجدلية والميتافيزيقيا

لقد توقع فلاسفة اليونان ببراعة التطور اللاحق للجدلية والعلوم الأخرى، غير أنّهم لم يتمكنوا من حمل توقعاتهم هذه إلى خواتمها المنطقية نظرًا لانخفاض مستوى تنمية وسائل الإنتاج، وافتقارهم للمعلومات الكافية عن الطرق المفصلة لعمل الكون. لقد قدمت أفكارهم صورةً عامةً صحيحةً نوعًا ما، إلّا أنها كانت أقرب إلى طابع التخمينات المستلهمة من كونها نظريات مستنبطة علميًا. ومن أجل المضي بالفكر البشري إلى الأمام، فقد كان ضروريًا، للتوصل إلى فهمٍ عامٍ للكون، التخلي عن الأساليب القديمة هذه، والتركيز على المهام الأصغر حجمًا والأكثر بساطةً من جمعِ وفرزِ وتصنيفِ مجموعةٍ كبيرةٍ من الحقائق المنفردة، ومن اختبار نظرياتٍ محددةٍ عن طريق التجربة، والتعريف … إلخ.

لقد قدم النهج التجريبيّ الاختباريّ الواقعيّ دفعةً هائلةً لفكرِ وعلومِ البشرية، حيث أصبح بإمكاننا الآن إجراء تحقيقاتنا عن أساليب عمل الطبيعة علميًا، محللين كل مسألة، ومختبرين كل استنتاج. لكن، وفي أثناء هذه العملية، قدرتنا القديمة في التعامل مع الأشياء في ترابطها، لا في انفرادها، وفي حركتها، لا في ثباتها، وفي حياتها، لا في موتها، قد فُقدت. نمط التفكير الضيق التجريبي هذا، الذي نشأ نتيجةً لذلك، أُطلق عليه النهج «الغيبي». هذا النهج لا يزال يهيمن على الفلسفة والعلوم الرأسمالية العصرية. وفي السياسة، ينعكس ذلك في «براغماتية» هارولد ويلسون الشهيرة («إن كانت تعمل، فهي صائبة حتمًا») والنداءات المتواصلة للاستناد على «الحقائق».

غير أنّ الحقائق لا تختار نفسها بنفسها، بل يتم اختيارها من قبل أفراد معيّنين. والترتيب والتسلسل الذي يتم ترتيبها بها، والاستنتاجات المستخلصة منها تَعتمِد على الأفكار المسبقة للفرد. وبالتالي، فإنّ تلك النداءات المنادية بـ«الحقائق»، والتي من المفترض أن تنقل انطباعًا حياديًا علميًا، عادةً ما تكون سوى مجرد حجاب لإخفاء تحيزات المتحدث.

إن الديالكتيك لا يتعامل مع الحقائق فحسب، بل يتعامل مع الحقائق في ترابطها، أيّ في سيرورتها؛ لا مع الأفكار المنعزلة فحسب، بل مع القوانين، ليس مع الخاص، بل مع العام.

يرتبط التفكير الديالكتيكي مع الميتافيزيقيا ارتباط الصورة المتحركة مع الثابتة، إذ لا تتعارض الأولى مع الأخرى، بل تكملها. لكن، أكثر الحقائق صدقًا وأكملها تقاربًا للواقع هي تلك الحقائق الواردة في الفيلم.

للأغراض اليومية والعمليات الحسابية البسيطة، بالإمكان الاكتفاء بالفكر الميتافيزيقي أو «الحس السليم»، إلّا أنّ لذلك حدودٌ، وما عدا ذلك، فإن تطبيقات «الحس السليم» تُحوّل الحقيقة إلى نقيضتها. إنّ وجه الضعف الأساسي لنوع التفكير هذا ينبع من عدم قدرته على تصور الحركة والتطوير/التنمية، ورفضه كل التناقضات، على الرغم من أنّ الحركة والتغيير تقتضي التناقض. فكما يشير إنجلز متحدثًا عن ذلك في «الاشتراكية الطوباوية والاشتراكية العلمية»:

إن الأشياء وانعكاساتها الفكرية، أي المفاهيم، هي، بنظر الميتافيزيقي، أغراضٌ ينبغي دراستها الواحدة بعد الأخرى، الواحدة دون الأخرى، منفردة، ثابتة، جامدة، معطاة مرة واحدة وبصورة نهائية. إنه لا يفكر إلا في التضاد بين الأشياء، دون وسيط بينها … فحسب رأيه، إما أن يكون الشيء أو لا يكون؛ ولا يمكن للشيء أن يكون هو ذاته وغيره في آن واحد؛ أن الموجب والسالب ينفي أحدهما الآخر بصورة مطلقة. أن السبب والأثر في تضاد جامد أحدهما للآخر.

فلأغراضنا اليومية، على سبيل المثال، من الممكن، بدرجة من اليقين، تحديد ما إذا كان فردٌ أو حيوانٌ أو نبتةٌ ما حية أو ميتة. لكن، في الواقع، ليست هذه المسألة بهذه البساطة، حسبما تشير إلى ذلك القضايا القانونية المعنية بالإجهاض و«حقوق الجنين». فعند أيّ مرحلة على وجه التحديد تبدأ حياة الإنسان؟ وعند أيّ مرحلة تنتهي؟ كما أن الموت، أيضًا، ليس حدثًا بسيطًا بل هو عملية مطولة، فكما فهمها هيراقليطس: «الشيء ذاته فينا هو حي وميت، نائم ومستيقظ، حديث وقديم؛ كلٌ يغير موقعه ويتحول للآخر. نحن لا ننزل في التيار ذاته مرتين. نحن نكون ولا نكون».

لقد وصف تروتسكي الديالكتيك، في كتابه «مبادئ الديالكتيك المادي» بأنه «علم أشكال تفكيرنا في حدودٍ أبعد لأنه ليس مقتصرًا على المشاكل اليومية للحياة فحسب بل هو يحاول الوصول إلى فهم عمليات أكثر بعدًا وتعقيدًا».

وقد قارن تروتسكي الديالكتيك والمنطق الرسمي (الميتافيزيقيا) بالرياضيات العليا والدنيا. لقد كان أرسطو أول من طور قوانين المنطق الرسمي، إذ تم قبول منظومته منذئذ من قبل الميتافيزيقيين كالأسلوب الوحيد الممكن للتفكير العلمي. يشير تروتسكي في «مبادئ الديالكتيك المادي»:

يبدأ المنطق الأرسطي الخاص بالقياس المنطقي البسيط من الافتراض بأن «أ» تساوي «أ». هذه المسلّمة تُقبل كبديهية للعديد من الفعاليات الإنسانية العلمية والتعميمات البسيطة. لكن، في الواقع، «أ» لا تساوي «أ». هذا سهل الإثبات لو أننا لاحظنا هذين الحرفين من خلال عدسة ما. إنهما مختلفان عن بعضهما البعض. لكن هناك من يقر بأن حجم وشكل الحرفين ليس هو المسألة ما داما مجرد رمزين لكمّيات متساوية، كرطل من السكر، على سبيل المثال. الاعتراض هنا هو اعتراض خارج القصد، ففي الواقع، لا يساوي رطلٌ من السكر رطلًا آخر، فمقياسٌ أكثر دقة سيكشف فرقًا ولو كان بسيطًا. مرة أخرى، قد يعترض شخص ما، «ولكن رطل السكر يساوي نفسه». إلّا أن ذلك ليس صحيحًا أيضا، فكل الأجسام تتغير مع مرور الزمن بلا انقطاع في الحجم والوزن واللون … إلخ. فهم ليسوا مساوين لأنفسهم أبدا. حسنا، سيرد السفسطائي قائلا: «أنّ رطلًا من السكر سيكون مساوٍ لنفسه في لحظةٍ محدّدةٍ من الزمن». لكن، بعيدًا عن القيمة العملية المشكوك فيها بشدة لهذه «البديهية»، فإنها لا تستطيع الصمود أمام النقد النظري أيضًا. إذ كيف يمكننا القبول بحقيقة كلمة «لحظة»، والتي هي فاصلة متناهية الصغر من الزمن في حد ذاتها؟ إذن فرطل السكر سيتعرض خلال سير اللحظة إلى تغيّرات حتمية. أم أن «اللحظة» هي فقط تجريد رياضي خالص، أي صفر من الزمن؟ ولكن كل شيء يوجد في الزمن، والوجود ذاته هو سيرورة غير متقطعة من التحوّل. فالزمن بالتالي هو عنصرٌ أساسيٌّ للوجود. ولهذا فبديهية «أ» تساوي «أ» تشير إلى أنّ الشيء يساوي نفسه إذا لم يتغير، أيّ، إن لم يكن موجودًا أصلًا.

للوهلة الأولى قد يبدو أن التفاصيل الدقيقة تلك هي تفاصيلٌ عديمة الفائدة، لكن، في الواقع، هي ذوات أهمية بالغة، إذ أنّ بديهية «أ» تساوي «أ» تبدو من جهة نقطة انطلاق كل معارفنا، لكنها، من جهة أخرى، تبدو نقطة انطلاق كل الأخطاء في معارفنا. إنّ تحقيق أيّ استفادة من بديهية «أ» تساوي «أ» من دون الوقوع في خطأٍ ما لن يكون ممكنًا إلًا داخل حدود معينة. فقط عندما تكون التغيّرات الكمية في «أ» ضئيلة بالنسبة للمهمة المؤداة، يكون من الممكن التسليم افتراضيا بأن «أ» تساوي «أ». هذه، على سبيل المثال، هي الطريقة التي يأخذ بها كل من البائع والمشتري رطل السكر بعين الاعتبار. كما أننا نقيس حرارة الشمس بطريقة مماثلة. وحتى وقت قريب، كنّا ندرس قوة الدولار الشرائية بالطريقة ذاتها. لكن، إن تجاوزت التغيّرات الكمية حدودًا معينة فإنها تتحول بعدئذ إلى تغيرات نوعية. فرطل السكر، إن تعرض للماء أو الكيروسين، ينتهي وجوده كرطل من السكر (أي أنه يتوقف عن كونه رطل سكر). والدولار، كذلك، إن كان في قبضة رئيس ما فإنه يتوقف عن كونه دولارًا. إن تحديد اللحظة المناسبة، النقطة الحرجة التي يتغير عندها الكم إلى الكيف هي إحدى أهم وأصعب المهام في كل حقول المعرفة بما فيها علم الاجتماع.

هيغل

إنّ الطريقة الجدلية القديمة في المنطق، التي أُهملت منذ العصور الوسطى، قد أعيد إحياؤها في القرن التاسع عشر من قِبل الفيلسوف الألماني الكبير جورج فيلهلم فريدريش هيغل (1770-1831). هيغل، الذي كان إحدى العقول موسوعيةً (تبحرًا) في وقته، أخضع أشكال المنطق الرسمي لانتقادات تفصيلية، مثبتًا محدوديّتها وتحيّزها. وقد أنتج هيغل أول تحليلٍ شاملٍ بالفعل لقوانين الديالكتيك، الأمر الذي شكل الأسس اللاتي اعتمد عليها كل من ماركس وإنجلز فيما بعد لتطوير نظرية المادية الجدلية. لقد وصف لينين الجدلية الهيغيلية بأنها «أوسع المذاهب تطورًا وأوفرها مضمونًا وأشدها عمقًا»، وبالمقارنة مع ذلك، كانت كل صياغة أخرى «وحيدة الجانب، فقيرة المضمون، تشوّه وتفسد السير الواقعي للتطور (الذي يتميز أحيانًا بقفزات وكوارث وثورات) في الطبيعة والمجتمع». (لينين: كارل ماركس، سيرة مختصرة وعرض للماركسية)

كان منظور هيغل للأشياء منظورًا لـ«تطورٍ يبدو وكأنه يستنسخ مراحل مقطوعة سابقًا، لكن على نحو آخر وعلى درجة أعلى («نفي النفي»)، تطورٌ على نحو لولبي، إذا صح التعبير، لا على خطٍ مستقيم؛ تطورٌ بقفزاتٍ وكوارث وثورات؛ انقطاعاتٌ في التدرج؛ تحول الكمية إلى كيفية؛ اندفاعاتٌ داخليةٌ نحو التطور يثيرها التضاد والتصادم في القوى والاتجاهات المتمايزة التي تعمل في جسم معين أو في حدود ظاهرة معينة أو في قلب مجتمع معين؛ التبعية المتبادلة والصلة الوثيقة التي لا يمكن فصمها بين جميع جوانب كل ظاهرة (والتاريخ يكشف دائمًا عن جوانب جديدة)، صلةٌ تحدد مجرى الحركة الوحيد، المشروع، والكلي: هذه هي بعض مميزات الديالكتيك بوصفه مذهبًا للتطور أكثر ثراءً من المذهب الشائع». (لينين: كارل ماركس، سيرة مختصرة وعرض للماركسية) إذ يشير إنجلز:

وهذه الفلسفة الألمانية الحديثة وجدت خاتمتها في منهج هيغل، الذي تتلخص مأثرته الكبرى في أنّه صور العالم بأسره، الطبيعي والتاريخي والروحي، للمرة الأولى، على أنه سيرورة، أي أنّه منخرطٌ في حركةٍ دائمةٍ وتحولٍ دائمٍ وتطورٍ دائمٍ، وفي أنّه قام بمحاولة اكتشاف الصلة الداخلية لهذه الحركة وهذا التطور. ومن وجهة النظر هذه، لم يعد التاريخ البشري يبدو وكأنه تشابك فوضوي من أعمال العنف العبثية التي لا تستحق غير الشجب والنسيان السريع أمام محكمة العقل الفلسفي الناضج، بل برز، بالعكس، بمثابة تطور الإنسانية نفسها، وغدت قضية الفكر تتقوم الآن في اتباع سير هذه السيرورة في جميع مراحلها المتتالية عبر جميع انحرافاتها وتعرجاتها، وتبيان منطقها الداخلي عبر جميع أعراضها الظاهرية.

لقد طرح هيغل المسألة بكل براعة، لكن تصوراته المثالية السابقة حالت بينه وبين حلها. لقد كان ذلك، على حد تعبير إنجلز، «إجهاضًا ضخمًا». لكن، على الرغم من جانبها الغامض، فقد أوضحت فلسفة هيغل بالفعل أهم قوانين الديالكتيك: الكمية والكيفية، وتداخل الأضداد، ونفي النفي.

الكمية والكيفية

وعلى الرغم من كل التّدرّجات، يبقى دائمًا الانتقال من شكل من أشكال الحركة إلى شكل آخر قفزةً، وتحولًا حاسمًا. (إنجلز: ضد دوهرينغ)

لقد باتت فكرة التغيّر والتطوّر من الأفكار المسلمة بها عمومًا، إلّا أنّ الأشكال التي من خلالها تحدث التغييرات في الطبيعة والمجتمع لم تفسّر إلّا من قبل الجدلية الماركسية. فوجهة النظر الشائعة عن التطور باعتباره تطورًا سلميًا سلسًا غير منقطع هي نظرةٌ زائفةٌ متحيزةٌ أحاديةُ الجانب. وفي السياسة، تُكوّن نظرية «التدرج» في التغيير الاجتماعي حجر الزاوية الأساسي للإصلاح.

لقد وضع هيغل فكرة «خط الأساس لقياس العلاقات، حيث تؤدي الزيادة الكمية البحتة أو النقص الكمي البحت في نقط أساسية معينة إلى قفزة كيفية، كما يحدث مثلًا في حالة تسخين أو تبريد الماء، حيث تُعتبر نقطتا الغليان والتجمد النقطتان اللتان تتم فيهما – في ظل الضغط العادي – القفزة إلى وضع مجاميع جديدة، حيث يتحول الكم بالتالي إلى كيف».

وبالتالي، في المثال المورود أعلاه، فإنّ تحوّل الماء من حالةٍ سائلةٍ إلى حالةٍ غازيٍة أو صلبةٍ لا يحدث من خلال تصلب أو تبدد تدريجي، بل يحدث فجأةً عند درجةِ حرارةٍ معيّنة (0 درجة مئوية، 100 درجة مئوية)، حيث يُنتِج الأثر التراكمي للتغيّرات العديدة الطارئة على سرعة الجزيئات في نهاية المطاف تغيرًا في حالة المادة – الكم إلى الكيف.

بإمكاننا أيضًا أن نقدم أمثلةً أخرى من شتى فروع العلم، ابتداءً بعلم الاجتماع وانتهاءً بحياتنا اليومية (كالنقطة التي يُحوّل فيها إضافة الملح الحساء من شيء مستساغ إلى شيء غير صالح للشرب، على سبيل المثال).

إنّ خط هيغل الأساسي لعلاقات القياس وقانون تحول الكمّ إلى الكيف، والعكس بالعكس، يتسمان بأهمية حاسمة، ليس للعلم فحسب (إذ أنّهما يُستخدمان من دون إدراك، شأنهما شأن قوانين الديالكتيك الأخرى، من قبل العلماء، الذين هم ديالكتيكيون غير واعون)، بل في تحليل التاريخ والمجتمع وحركة الطبقة العاملة، على وجه الخصوص.

تداخل الأضداد

وتمامًا كما تسعى ميتافيزيقيةُ «الحس السليم» لإلغاء التناقض من الفكر وإلغاء الثورة من التطور، فإنها تحاول أيضًا إثبات تعارض جميع الأفكار والقوى المتضادة. إلّا أننا «كلما راقبنا الأمور بدقة، يتبين لنا أنّ كل قطبيّ تناقض ما، كالموجب والسالب، يتواصلان بقدر ما يتضادان. أيّ أنّ تناقضهما لا يمنع أن تجري بينهما علاقة تداخل متبادل. ومثل ذلك شأن العلاقة بين السبب والنتيجة. إنهما فكرتان لا تشكلان قيمةً بذاتيهما، إنما القيمة تكمن في تطبيقهما على الحالات الخاصة المعينة. لكنّ الحالة الخاصة حين نضعها في مكانها من العلاقة بين العام والخاص، أيّ مكانها من سائر الكون، نستطيع أن نراها في وضع تفاعلي شمولي. وفي هذا الموضع التفاعلي يتبادل السبب والنتيجة موقعيهما باستمرار. بمعنى أنّ الذي يكون سببًا في زمن معين ومكان معين، قد يصبح نتيجةً في زمن آخر ومكان آخر معيّنين. والعكس صحيح». (إنجلز: الاشتراكية الطوباوية والاشتراكية العلمية)

الديالكتيك هو علم العلاقات المتشابكة (الترابطات)، على نقيض الميتافيزيقيا التي تتعامل مع الظواهر المختلفة باعتبارها ظواهر منعزلة ومنفصلة عن بعضها البعض، حيث يسعى الديالكتيك للكشف عن السلاسل والتحولات والأسباب والنتائج التي لا تعد ولا تحصى والتي تربط الكون ببعضه البعض. وبالتالي، فإن المهمة الأولى للتحليل الديالكتيكي هو تتبع «علاقات الصلة الضرورية، وعلاقات الصلة الموضوعية لكل الجوانب، والقوى، والتيارات … إلخ، لمجالٍ معين من الظواهر». (لينين: دفاتر فلسفية)

يتطرق النهج الديالكتيكي لظاهرة معينة من وجهة نظر تطورها وحركتها وحياتها الخاصة؛ من حيث نشأتها وهلاكها؛ كما أنها تُعير النظر للتيّارات الداخلية المتناقضة والجوانب المختلفة الكامنة في تلك الظاهرة.

إنّ الحركة هي نمط وجود هذا الكون المادي بأكمله. فالطاقة والمادة هما أمران مرتبطان لا ينفصمان. وعلاوةً على ذلك، لا تُكتسب الحركة «من الخارج»، بل هي تُكتسب من تجلي وتمظهر التّوتّرات الداخلية التي لا يمكن فصلها عن الحياة ولا عن أشكال المادة الأخرى. إنّ التطور والتغيّر لا يتمّان إلّا من خلال التناقضات الداخلية، وبالتالي، يبدأ التحليل الديالكتيكي، مستخدمًا البحوث التجريبية، بكشفه عن التناقضات الداخلية التي تؤدي إلى التطور والتغيير.

«الأضداد القطبية»، من وجهة نظر الديالكتيك، هي جميعها أحادية الجانب وغير كافية، بما في ذلك التناقض بين «الحقيقة والخطأ». إنّ الماركسية لا تقبل بوجود أي «حقائق خالدة»، فـ«الحقائق» و«الأخطاء» هي جميعها حقائق وأخطاء نسبية. ما هو صحيح في وقت ما وسياق ما يصبح زائفًا في وقت وسياق آخرين: أيّ أنّ الحقيقة والخطأ يتداخلان في بعضهما البعض.

وهكذا، فإن تقدم المعرفة والعلم لا ينطلق من مجرد نفي «النظريات الخاطئة». فجميع النظريات هي نظريات نسيبة، تدرك إحدى جوانب الحقيقة. في البداية، يُفترض أنّ لدى هذه النظريات صحةً وتطبيقًا عالميًا، إذ يُزعم بأنها «صائبة»، لكن عند مرحلة ما، تبدأ أوجه قصور النظرية في البروز إلى السطح؛ وتُنتقد عندئذ بأنها لا تنطبق على جميع الظروف، حيث تُكتشف استثناءات للقاعدة. وهذه الاستثناءات ينبغي توضيحها وشرحها، وعند مرحلةٍ ما، يتم وضع نظريات جديدة بمقدورها تعليل هذه الاستثناءات. لكن، لا «تنفي» النظريات الجديدة النظريات القديمة فحسب، بل تدمجها معها في هيئة جديدة.

لا يمكننا استبعاد التناقضات إلّا عندما ننظر للأشياء كأشياءٍ هامدةٍ، ساكنةٍ، مصفوفةٍ فرديًا، أيّ بالنظر إليها بشكل ميتافيزيقي. لكن، بمجرد نظرنا للأشياء في حركتها وتغيّرها، وفي حياتها، وفي علاقات صلتها المتبادلة، وفي تفاعلاتها، فإننا نصطدم بسلسة من التناقضات.

الحركة، بحد ذاتها، هي تناقض بين وجود المرء في مكان ما ومكان آخر في الوقت ذاته.

الحياة، على حد سواء، هي تناقض من حيث «أن الكائن الحي في كل لحظة زمنية معينة هو نفسه وغيره». (إنجلز: ضد دوهرينغ)

إنّ الهياكل الحية تمتص باستمرار موادًا من البيئة، وتستوعبها، وفي الوقت ذاته، تنحل وتتفكك أجزاء أخرى من الجسم ويتم لفظها. كما أنّ التحولات المستمرة تحدث أيضا في عالم الطبيعة العضوية؛ كالصخرة التي تتفكك تحت ضغط العناصر الطبيعية، على سبيل المثال. وبالنتيجة، جميع الأشياء هي نفسها وغيرها في آن واحد، وبالتالي، فإن الرغبة في التخلص من التناقضات هي الرغبة في التخلص من الواقع نفسه.

نفي النفي

يصف إنجلز قانون نفي النفي بأنّه «قانونٌ عامٌ جدًا، ولذا فهو هامٌ وواسع المفعول جدًا، لتطور الطبيعة والتاريخ والفكر؛ وهو قانون يتجلى … في مملكتي النبات والحيوان، وفي الجيولوجيا والرياضيات والتاريخ والفلسفة. (إنجلز: ضد دوهرينغ)

هذا القانون، الذي لوحظت كيفية عمله في الطبيعة قبل أن يدون كتابةً بفترةٍ طويلة، كان قد فُصّل لأول مرة من قبل هيغل بكل وضوح، الذي قدم سلسلةً كاملةً من الأمثلة الملموسة، التي كُرّرت مجددًا في كتاب «ضد دوهرينغ».

إن قانون نفي النفي يتعامل مع طبيعة التطور من خلال سلسلة من التناقضات، التي تبدو أنها تلغي أو تنفي حقائقَ أو نظرياتَ أو أشكالَ وجودٍ سابقة، فقط لتنفى هي بدورها في وقت لاحق. وبالتالي، فإن الحركة والتغيير والتطور تتحرك جميعها من خلال سلسلة متواصلة من عمليات النفي.

إلّا أن النفي بالمفهوم الديالكتيكي لا يعني مجرد الإلغاء أو الطمس بحيث يجري التغلب والحفاظ على المرحلة السابقة في الوقت ذاته. النفي، في هذا المعنى، هو فعل إيجابي وسلبي على حد سواء.

يقدم هيغل مثالًا بسيطًا في كتابه «ظواهرية الروح»، حيث يقول: «يختفي البرعم عندما تزهر الزهرة، ومن الممكن القول أنّ الأول قد دُحض من قبل الآخر؛ وبالمثل، عندما تثمر الثمرة، فمن الممكن تفسير الزهرة بكونها شكلًا زائفًا لوجود النبتة، إذ أن الثمرة، بدلًا من الزهرة، تبدو وكأنها طبيعة النبتة الحقيقية. هذه المراحل ليست مراحل متباينة فحسب، بل هي تكمّل بعضها بعضًا بكونها غير صالحة للمقارنة مع بعضها البعض. لكنّ النشاط المتواصل لطبيعتهم المتأصلة بهم يجعلهم في الوقت ذاته لحظات لوِحدة عضوية، حيث أنهم لا يناقضون بعضهم فحسب، بل من حيث أن وجود إحدى المراحل هو ضروري بنفس ضرورية المراحل الأخرى؛ وهذه الضرورة المتساوية لجميع اللحظات تشكل لوحدها حياة المجموع».

وفي هذه السيرورة اللا متناهية من الإلغاء الذاتي، من اختفاء أشكالٍ معيّنةٍ وبروز أشكالٍ أخرى، يظهر نمطٌ يبدو وكأنّه تكرارٌ لأشكالٍ وأحداثٍ ونظرياتٍ قد سبق تجاوزها وتخطيها. وهكذا، فإنه من الشائع ترديد مقولة أنّ «التاريخ يعيد تكرار نفسه». وبذلك حاول المؤرخون البرجوازيون الرجعيّون إثبات أنّ التاريخ نفسه ليس إلّا تكرارًا لا معنى له، أنّه سائرٌ في دائرة لا نهاية لها.

أمّا الديالكتيك، على خلاف ذلك، فهو يدرك أنّ في هذا التكرار الظاهري يوجد نموٌ فعليّ من الأدنى إلى الأعلى، تطورٌ قد تُكرِّر الأشكال نفسها فيه مرةً أخرى، لكن على مستوىً أعلى، مستثريةً بتطوراتها السابقة.

يظهر ذلك بكل وضوح في عملية تطور الأفكار البشرية، إذ بيّن هيغل مسبقًا كيفية تطور الفلسفة عبر سلسلة من التناقضات؛ كيفية نفي مدرسة فكرية لمدرسة أخرى، واستيعابها بشكل متزامن النظريات القديمة في نظام الفكر الخاص بها.

ويتبين ذلك في تطور العلم أيضًا. لقد كان خيميائيو العصور الوسطى مدفوعون للبحث عن «حجر الفلاسفة» الذي اعتقدوا إمكانية تحويل المعادن الخسيسة بواسطته إلى ذهب. نظرًا لتدني مستوى قوى الإنتاج وافتقار المنهج العلمي، لم تكن محاولات «تحويل» العناصر هذه، في الواقع، إلا ضربًا من الخيال الطوباوي. لكن، في غضون المحاولات الفاشلة هذه، اكتشف الخيميائيون في الواقع سلسلةً كاملةً من الحقائق القيّمة عن المواد الكيميائية والأجهزة المختبرية، التي وَضعت لاحقًا أسس الكيمياء الحديثة.

ومع نشوء الرأسمالية والصناعة والتقنيّة، أصبح الكيمياء علمًا رافضًا للمفاهيم القديمة «الجنونية» عن تحوّل العناصر، ممّا أدّى إلى نفيها. لكن، كلّ ما كان قيّمًا وعلميًّا في اكتشافات الخيمياء قد تم الحفاظ عليه في الكيمياء الحديثة، التي أكّدت أنّ العناصر «غير قابلة للتغيير» وأنه لا يمكن تحويل إحداها إلى الأخرى.

لقد شهد القرن العشرين ثورةً في العلم والتقنية مع اكتشاف الفيزياء النووية، التي يمكن بواسطتها تحويل عنصرٍ ما إلى عنصرٍ آخر بالفعل. وفي الواقع، من الممكن نظريًّا تحويل الرصاص إلى ذهب في العصر الحديث، إلّا أن العملية هذه ستكون غاليةً للغاية لأن تُبرَّر اقتصاديًا. وهكذا، تبدو هذه العملية بالذات قد دارت دورةً كاملة: (أ) إمكانية استحالة العناصر (ب) عدم إمكانية استحالة العناصر (ج) إمكانية استحالة العناصر.

لكنّ التكرار هذا ليس إلا تكرارًا ظاهريًّا. في الواقع، يتضمن العلم الحديث، الذي عاد إلى حدّ ما إلى فكرةٍ من أفكار الخيميائيين القدامى، في داخله جميع اكتشافات القرن الثامن والتاسع عشر العلمية الهائلة. وبذلك، يقف جيلٌ واحدٌ على أكتاف جيلٍ آخر. الأفكار التي قد تم «دحضها» أو «نفيها» تعيد الظهور مرة أخرى، لكن على مستوىً أعلى، مستثريةً بالتجارب والاكتشافات السابقة.

يستند الديالكتيك على مفهوم الحتمية: أنّ لا شيء في الطبيعة أو المجتمع أو الفكر هو شيء عرضيّ؛ أنّ ما يبدو في الظاهر «عرضيًّا» هو في الواقع لا ينشأ إلّا كنتيجةٍ لضرورةٍ أعمق.

يذكر بعض المؤرخون السطحيّون أنّ الحرب العالمية الأولى قد «نجمت» عن اغتيال وليّ العهد في سراييڤو. للماركسي، لا يمثل هذا الحدث إلا حدثًا تاريخيًّا عرضيًّا، بمعنى أنّ هذا الحدث الذي وقع بالصدفة خدم كذريعة، أو حافز، للصراع العالمي الذي كان قد أصبح أمرًا حتميًا بفعل تناقضات الإمبريالية الاقتصادية والسياسية والعسكرية. حتى لو أنّ القاتل قد أخطأ هدفه، أو أنّ ولي العهد لم يولد أصلًا، لوقعت الحرب عاجلًا أم آجلًا مستندةً على ذريعةٍ دبلوماسيةٍ أخرى. بعبارةٍ أخرى، لعبّرت الضرورة عن نفسها من خلال «حدث عرضي» مختلف.

كل ما هو موجود، هو موجود بحكم الضرورة. لكن، كل ما هو موجود صائر للفناء، للتحول إلى شيء آخر. وبالتالي، ما يكون «ضروريًّا» في وقت ومكان ما يصبح «غير ضروري» في وقت ومكان آخرين. كل شيء يُنجب نقيضه المقدّر له أن ينفيه ويتغلب عليه. وهذا ينطبق على فرادى الكائنات الحية بقدر ما ينطبق على المجتمعات.

كل نمط من أنماط المجتمع البشري وجد لأنّه كان ضروريًا في وقت نشوئه: «لا يختفي نظام معين حتى تتطور جميع قواه المنتجة؛ ولا تبدأ علاقات الإنتاج الجديدة بالظهور حتى تنضج ظروف وجودها المادية في أحشاء المجتمع القديم. وهذا هو السبب الذي من أجله لا تكلف البشرية نفسها إلّا بمسائل تستطيع حلها. وفي الواقع، لو نظرنا عن كثـب لاكتشفنا دائمًا أن المسائل لا تظهر إلّا إذا كانت الظروف المادية اللازمة لحلها قائمة أو في سبيل التكون على الأقل». (ماركس: نقد الاقتصاد السياسي)

مثّلت العبودية في وقتها قفزةً هائلةً للأمام على البربرية، إذ كانت مرحلةً ضروريةً في تنمية وتطوير قوى الإنتاج والثقافة والمجتمع البشري. فكما قال هيغل: «لم يتحرر الإنسان من العبودية بقدر ما تحرر من خلالها».

وعلى نحو مماثل، كانت الرأسمالية مرحلةً ضروريةً تقدميةً من مراحل المجتمع البشري. إلّا أنّ الرأسمالية، شأنها شأن الشيوعية البدائية والعبودية والإقطاع (أنظر القسم الثاني)، قد كفّت منذ فترة طويلة عن كونها نظامًا اجتماعيًّا ضروريًّا تقدميًّا، إذ أنها أصبحت تتعثر على تناقضاتها الحادة المتأصلة بها، وأصبح محكومٌ عليها أن تنحدر أمام قوى الاشتراكية المتصاعدة، مُمَثّلةً بالبروليتاريا الحديثة. لقد باتت الملكية الخاصة لوسائل الإنتاج والدولة القومية، خواص المجتمع الرأسمالي الأساسية، واللتان مثلتا خطوةً عظيمةً للأمام، تعوق وتقوض قوى الإنتاج وتهدد جميع المكاسب التي حققتها قرونٌ عديدةٌ من التنمية البشرية.

لقد باتت الرأسمالية نظامًا اجتماعيًّا متدهورًا ومتهالكًا بشكل تام، وأصبح إسقاطها واستبدالها بعكسها، الاشتراكية، أمرًا لازمًا، هذا إن أريد للثقافة البشرية بالاستمرار. تستند الماركسية على المفهوم الحتميّ، لا المفهوم الجبريّ أو القدريّ، وذلك لأنّ تناقضات المجتمع لا يمكن حلها إلّا من قبل نساءٍ ورجالٍ يسعون بكل وعي لتحويل المجتمع. صراع الطبقات هذا ليس صراعًا محدّدًا سلفًا، فنجاح طرفٍ ما يعتمد على العديد من العوامل، وطبقةٌ تقدميةٌ صاعدةٌ لديها العديد من المزايا على القوى القديمة الرجعية البالية. لكن، في نهاية المطاف، تعتمد النتيجة على الجانب ذي الإرادة الأقوى والتنظيم الأكبر والقيادات الأكثر مهارةً وحزمًا.

وبالتالي، فإن الفلسفة الماركسية هي في الأساس دليلٌ للعمل، فكما قال ماركس في «أطروحاتٍ حول فيورباخ»: «كل ما فعله الفلاسفة هو تفسير العالم بطرق مختلفة… المهم هو تغييره».

إنّ انتصار الاشتراكية سيمثّل مرحلةً جديدةً مختلفةً نوعيًّا في التاريخ البشري. ولنكون أكثر دقة، سيمثل الانتصار الاشتراكي نهاية ما قبل التاريخ، وانطلاقة التاريخ الفعلي للبشرية.

لكن، من ناحية أخرى، تمثّل الاشتراكية عودةً إلى أقدم شكلٍ من أشكال المجتمع البشري، الشيوعية القبلية، لكن عودتها لهذا الشكل هي عودةٌ على مستوىً أعلى بكثير، مستندةً على جميع مكاسب آلاف السنين الهائلة التي أنتجها المجتمع الطبقي. سوف يصبح اقتصاد الوفرة ممكنًا عن طريق تطبيق التخطيط الاشتراكي في الصناعة والعلوم والتقنية اللاتي أنشأتهن ونمتهن الرأسمالية على نطاق العالم بأكمله. وهذا بدوره سينهي إلى الأبد تقسيم العمل، والفروقات بين العمل الذهني واليدوي، وبين الريف والمدينة، وسينهي الصراع الطبقيّ الهمجيّ المسرف، وسيمكّن الجنس البشري على الأقل على تخصيص موارده لغزو الطبيعة؛ ولاستخدام عبارة إنجلز الشهيرة: ستمثل الاشتراكية «قفزة البشرية من عالم الضرورة إلى عالم الحرية».

مدخل للمادية التاريخية

عندما ننظر للتاريخ، فإنّه يبدو لنا وكأنّه كتلةٌ من التناقضات، كتلةٌ من الأحداث الضائعة في متاهة الثورات والحروب وفترات التقدم والتدهور، كتلةٌ من الصراعات الحائمة بين الطبقات والأمم في فوضى التنمية الاجتماعية. وبالتالي، في خِضَمّ هذه الفوضى، كيف يمكننا تحليل وتفسير هذه الأحداث، عندما لا يبدو أنّ لهذه الأحداث أيّ أساس منطقي؟

سعى البشر، منذ البداية، إلى اكتشاف القوانين التي تحكم وجودهم، إذ حاولت مختلف النظريات، المتراوحة بين إرشاد قوى ما وراء الطبيعة إلى قيادة «الأفراد العظماء»، بطريقة أو بأخرى ومن وقت لآخر، تقديم تفسيرٍ ما. أمّا البعض الآخر فقد افترض أنّه بما أنّ الناس يتصرفون بشكل مستقل عن بعضهم البعض، فإنّ نظريات التنمية البشرية لا قيمة لها على الإطلاق!

لما يقارب الألفي عام، سيطرت أفكار سفر التكوين على منظور أوروبا الغربية، حيث وُصف الذين حاولوا تقويض مفهومها بتلامذة الشيطان. ولم تُقبل النظرة «الهرطقية» للتاريخ والتطور إلّا في الآونة الأخيرة، هذا على الرغم من كون هذه المنظوراتِ منظوراتٌ أحادية الجانب.

بالنسبة للطبقة الرأسمالية، وموظفيها في الجامعات والمدارس وأماكن التعليم، لابدّ من تدريس التاريخ بطريقةٍ أكاديميةٍ متحيزةٍ تمامًا من دون ربطه مع أحداث يومنا هذا، إذ أنهم يواصلون نشر أسطورة أزليّة وجود الطبقات والملكية الخاصة في محاولةٍ لهم تبرير الطبيعة «الأبديّة» للاستغلال الرأسمالي والفوضى الاقتصادية الكامنة بها، حيث تمت كتابة مجلدات ومجلدات من قبل كبار الأكاديميين وأساتذة الجامعة لدحض الكتابات الماركسية، وفوق كل شيء دحض مفهومها المادي للتاريخ.

يعلق الماركسيون/ات أهمية هائلة لدراسة التاريخ، ليس كهدف بحد ذاته، بل لدراسة الدروس العظيمة التي يحتوي عليها. فمن دون ذلك الفهم للأحداث، لا يمكن التنبؤ بالمنظورات المستقبلية. فلينين، على سبيل المثال، أعدّ الحزب البلشفي لثورة أكتوبر عن طريق تحليلٍ دقيقٍ لتجربة كمونة باريس والأحداث في روسيا في عام 1915 وفبراير من عام 1917.

نحن ندرس ونتعلم من التاريخ بهذا المعنى بالتحديد. الماركسية هي علم المنظورات، وباستخدام منهجها الجدلي المادي، يمكننا كشف العمليات المعقدة للتطور التاريخي.

لا تتفحص الفلسفة الماركسية الأمور ككياناتٍ ثابتةٍ، بل تتفحصها في حركتها وتطورها وحياتها. لكنّ التطور، مع ذلك، ليس مجرد تحركٍ من الأدنى إلى الأعلى، إذ أنّ الحياة والمجتمع يتطوران بطريقة متناقضة، من خلال «تطور على نحو لولبي، إذا صح التعبير، لا على خطٍ مستقيم؛ تطورٌ بقفزاتٍ وكوارث وثورات؛ انقطاعاتٌ في التدرج؛ تحول الكمية إلى كيفية؛ اندفاعاتٌ داخليةٌ نحو التطور يثيرها التضاد والتصادم في القوى والاتجاهات المتمايزة». (لينين: كارل ماركس، سيرة مختصرة وعرض للماركسية)

لقد عرّف إنجلز الديالكتيك بكونه «الفكرة الأساسية الكبرى التي تقول بأنّ العالم لا يتألف من أشياءٍ تامةِ الصنع، بل هو مجموعةٌ من العمليات يطرأ فيها على الأشياء التي تبدو في الظاهر ثابتة وكذلك على انعكاساتها الذهنية في دماغنا، أي الأفكار، تغيّرٌ مستمر من الصيرورة والفناء. (إنجلز: ضد دوهرينغ)

وهذا المنهج هو أيضًا منهج مادي في نظرته المستقبلية. فالنظريات والأفكار وبرامج الحزب، وما إلى ذلك، لا تسقط من السماء، بل هي تعكس على الدوام العالم المادي والمصالح المادية المتواجدة على أرض الواقع. فكما أوضح ماركس: «إنّ نمط إنتاج الحياة المادية يُكيّف العمليات الاجتماعية والسياسية والفكرية بشكل عام، ليس وعي الناس بالذي يحدد وجودهم، ولكن وجودهم الاجتماعي هو الذي يحدد وعيهم».

وباستخدام هذا المنهج، كان باستطاعة ماركس اشتقاق «الطريق لدراسةٍ واسعةٍ شاملةٍ لعملية نشوء وتطور وانهيار النظم الاجتماعية–الاقتصادية، إنّ الناس هم صانعوا تاريخهم، لكن ما الذي يحدد دوافعهم وخصوصًا دوافع الجماهير البشرية؟ وما هو سبب نزاعات الأفكار والمطامح المتضادة؟ وماذا يمثل مجموع هذه النزاعات في مجمل المجتمعات البشرية؟ وما هي الشروط الموضوعية لإنتاج الحياة المادية التي يقوم عليها أساس كل نشاط الناس التاريخي؟ وما هو قانون تطور هذه الشروط؟ لقد أعار ماركس انتباهه لهذه المسائل ورسم الطريق لدراسةٍ علميةٍ للتاريخ بوصفه حركةَ تطورٍ واحدةٍ تسير وفق قوانين معيّنة رغم تنوعها العجيب ورغم جميع تناقضاتها». (لينين: كارل ماركس، سيرة مختصرة وعرض للماركسية)

الشيوعية البدائية

تطور البشر الأوائل (بمختلف أنواعهم) قبل حوالي ثلاث ملايين سنة من مجموعة محددة من القردة العليا. انتقل «البشر» البدائيون ببطء بعيدًا عن الغابات إلى السهول، وقد رافق هذا الانتقال تحسّن في مرونة ومهارة اليد، وأصبح وضع جسم الإنسان البدائيّ أكثر انتصابًا. وفي حين كان للحيوانات الأخرى أجهزةً مختلفةً للدفاع عن أنفسها (القطع، والحفر، والجرف، وكساء للدفء)، لم يكن لدى البشر أيٌّ من هذه الأشياء. وللبقاء على قيد الحياة، كان لابد لهم من تطوير وتنمية مواردهم الوحيدة المتاحة لهم، أيّ أيديهم وأدمغتهم. ومن خلال التجربة والخطأ، تعلّم البشر مختلف المهارات، والتي تعين عليهم توارثها من جيل لآخر. أصبح التواصل عبر التخاطب ضروريةً حيويةً. وكما أشار إنجلز: «بدأت السيطرة على الطبيعة مع تطور اليد، مع العمل، ووسعت أفق الإنسان مع كل خطوة للأمام». كان الرجال والنساء حيوانات اجتماعية أُجبرت على الاتحاد معًا والتعاون من أجل البقاء على قيد الحياة. وخلافًا لبقية مملكة الحيوانات، فقد طوروا القدرة على التعميم والتفكير بشكل مجرّد. بدأ العمل مع صنع الأدوات، وهذه الأدوات مكّنت البشر على تغيير البيئة المحيطة بهم لتلبي حاجاتهم. فكما قال إنجلز: «يستخدم الحيوان بيئته الخارجية فقط، ويدخل عليها التعديلات بمجرد وجوده فقط؛ أمّا الإنسان، بإدخاله التغييرات عليها، يحملها على خدمة أغراضه ويسيطر عليها. وفي هذا يقوم الفرق الجوهري بين الإنسان وسائر الحيوانات، وهذا الفرق إنما يدين به الإنسان أيضًا للعمل». (إنجلز: دور العمل في تحول القرد إلى إنسان)

كانت الأشكال الاقتصادية في هذه الفترة بسيطةً جدًا. وكان البشر، الذين كانوا حيوانات نادرة جدًا، يتجولون في جماعات بحثًا عن الطعام، حيث سيطر جمع الطعام على الحياة البدوية هذه تمامًا. يُطلق علماء الآثار على هذه الفترة مسمى العصر الحجري القديم، أو الوحشية، كما وصفها هنري مورغان، عالم أنثروبولوجي سابق. منذئذ وعلى مدى آلاف السنين، لم تكن الملكية الخاصة موجودة، إذ أن كل ما صُنع، أو جُمع، أو أُنتج قد اُعتبر ملكيةً مشتركةً عامةً.

وقبل فترة تتراوح بين الـ10،000 والـ12،000 سنة، ظهرت فترة جديدة أعلى مسماة باسم العصر الحجري الجديد، أو البربرية. في هذه الفترة، بدلًا من التجوال بحثًا عن الطعام، تم حرز تقدم في زراعة المحاصيل وتدجين الحيوانات. أصبح الرجال والنساء أحرارًا للاستقرار في مكان معيّن، ونتيجةً لذلك فقد صنعت أدوات جديدة للمساعدة في المهام الجديدة، وهكذا نشأ اقتصادٌ قائمٌ على إنتاج الأغذية. وفي هذه الفترة أيضا نشأت العديد من القبائل والمجتمعات المستقرة. حتى اليوم، ولأسباب متنوعة، لا تزال العديد من قبائل أفريقيا وجنوب المحيط الهادي وأمريكا الجنوبية في المرحلة البربرية هذه.

لكن، حتى مع منشأ الاستيطان الدائم، لم تنشأ مساكن خاصة بعد. بل على العكس من ذلك، كانت المباني الكبيرة التي بُنيت مبنيةً للاستخدام العام. وفي هذه الفترة أيضًا، لم توجد أسرة خاصة، حيث انتمى الأطفال للقبيلة بأكملها.

في مرحلة الشيوعية البدائية هذه (الوحشية والبربرية، اللتان تمثلان مرحلة أدنى وأعلى على التوالي) لم توجد أيّ ممتلكات خاصة، أو طبقات، أو نخب متميزة، أو شرطة، أو جهاز قسري خاص (الدولة). كانت القبائل نفسها مقسمة إلى وحدات اجتماعية تدعى العشائر، وهذه العشائر كانت في الواقع مجموعات عائلية كبيرة جدًا، تُرجع نسبها من خلال سلالة الأنثى وحدها، وهو ما يسمى بالمجتمع الأمومي. وإلّا، فكيف يمكن أن يكون غير ذلك عندما يكون من المستحيل تحديد الأب الحقيقي للطفل؟ كان محرم على الرجل معايشة/معاشرة امرأة من عشيرته الخاصة، وبالتالي فقد تشكلت القبائل من ائتلاف عشائريّ. وفي أوقات معينة، وجد شكل من أشكال الزواج الجماعيّ بين العشائر أنفسهم.

كان النمط اللا طبقي للمجتمع هذا ديمقراطي للغاية بطابعه، إذ تعين على الجميع المشاركة في جمعية عامة للبت في القضايا الهامة حال وقوعها، وانتخاب زعمائهم وقادتهم لأغراض معيّنة. وكما أشار إنجلز في كتابه «أصل العائلة والملكية الخاصة والدولة»:

كم هو رائع هذا الدستور، هذا النظام العشائري بكل سذاجته وبساطته! كل شيء يسير حسب النظام المقرر، من دون جنود أو درك أو شرطة، من دون نبلاء أو ملوك أو حكام أو مدراء أو قضاة، من دون سجون أو محاكمات. كما أنّ جميع المنازعات والمخاصمات يتم تسويتها من قبل من تمسهم هذه الخصومات، بين العشيرة أو القبيلة أو بين بعض العشائر فيما بينها، ولا يظهر التهديد بالثأر إلّا بوصفه الوسيلة الأخيرة، الوسيلة التي نادرًا ما تطبق، وما عقوبة الإعدام عندنا إلّا شكلها المتمدن التي تلازمه جوانب مدنية، الإيجابية منها والسلبية على السواء… الاقتصاد البيتي تديره مجموعة من العائلات بصورة مشتركة وعلى أسس شيوعية، والأرض ملكٌ للقبيلة بأسرها، ما عدا قطع صغيرة توضع مؤقتًا تحت تصرف مختلف العائلات… كما أنه لا يمكن أن يكون ثمة فقراء ومعوزون، لأنّ الاقتصاد الشيوعي والعشيرة يعرفان واجباتهما حيال المسنين والمرضى والمعاقين. الجميع متساوون وأحرار، بمن فيهم النساء. ولا وجود بعد للعبيد، ولا لاستعباد القبائل الأخرى.

ينظر البرجوازي الصغير ضيق الأفق، الذي ينظر للملكية الخاصة باعتبارها إلهًا مقدسًا، إلى هذه المجتمعات بازدراء واستحقار. لكن، لأبناء القبائل تبدو الملكية الخاصة أمرًا غريبًا تمامًا. فكما يشير المؤرخ جون هكويلدر، يعتقد الهنود الحمر «أنّ الروح العظيمة خلقت الأرض، وكلّ ما عليها، لأجل مصلحة البشرية العامة. وعندما تنشر الروح العظيمة هذه الخيرات في البلاد، وتُنعم عليهم بالصيد الوفير، فإنها تفعل ذلك بما فيه مصلحة للجميع، لا للأقلية. كل ما هو موجود يتشارك به أبناء القبيلة. كل ما يحيا على الأرض، أو ينبت منها، أو يحيا في الأنهار والمياه كان يوزع بشكل مشترك بين الجميع، والكل كان له الحق بنصيبه».

تعرّضت الملكية القبلية المشتركة لضغوطاتٍ متزايدةٍ مع نشوء الأسرة الخاصة، ونشوء المنازل الخاصة جنبًا إلى جنب مع المساكن الجماعية. ومع مرور الوقت، قُسّمت الأرض المشتركة لتشكل ملكيةً جماعيةً لكل عائلة، وحلّ النظام الأبوي (الذي يهيمن عليه الذكور) محل النظام الأمومي، إذ أصبح ضروريًا للحفاظ على الملكيات الجماعية.

لكن، لا يجب مساواة هذه «العائلة» أو تشبيهها مع عائلة اليوم. فكما أشار بول لافارغ: «لم تتقلص العائلة بعد إلى آخر وأبسط تشكيلاتها، كما هو الحال في يومنا هذا، حيث تتكون من ثلاثة عناصر أساسية: الأب والأم والأبناء؛ بل كانت تتكون من الأب، رب العائلة؛ والزوجة الشرعية، ومحظياته، اللاتي عشن تحت سقف واحد؛ وأبنائه وأشقائه الأصغر سنًا منه، مع زوجاتهم وأطفالهم، وشقيقاته غير المتزوجات. مثل هذه العائلة ضمت العديد من الأفراد».

يعتبر الماركسيون/ات نمو الملكية الخاصة في مراحل الشيوعية البدائية اللاحقة نموًّا لعناصر المجتمع الجديد داخل المجتمع القديم. وفي نهاية المطاف، أدّى التراكم الكمي لهذه العناصر الجديدة إلى التفكك الكيفي للمجتمع القديم.

ومع نمو وسائل جديدةٍ للإنتاج، خاصة في المجال الزراعي، برزت مسألة حقّ الملكية، إذ إنّ الحيازة على الأدوات والأسلحة والمعادن الجديدة، وفي المقام الأول الحيازة على وسائل تصنيعها، تمكن أسرة ما إلى أن تسمو فوق صراع الحياة والموت المرهبين مع قوى الطبيعة.

وبعد ذلك، مع زيادة تطور قوى الإنتاج (تطورت التجارة في البداية بين المجتمعات المختلفة)، ابتدأت التفاوتات في الظهور داخل المجتمع، مما ترك أثرًا عميقًا على المجتمع القديم. فللمرة الأولى، أصبح باستطاعة الرجال والنساء إنتاجفائضٍ يتجاوز احتياجاتهم الخاصة، الأمر الذي أدّى إلى قفزة ثورية إلى الأمام للبشرية.

في الماضي، حينما اندلعت حربٌ بين قبيلتين اثنتين، لم يكن مجد من الناحية الاقتصادية أخذ الأسرى كعبيد، إذ أنّ الأسير، في نهاية المطاف، لم يكن باستطاعته إلّا إنتاج ما يكفيه من الطعام لنفسه فقط، فلم توجد بعد التقنية لإنتاج الفائض من الطعام. الفائدة الوحيدة للأسير، نظرًا لنقص الغذاء، كان استخدامه كمصدر للغذاء. وهذا كان الأساس الاقتصادي لأكل لحوم البشر.

لكن، ما إن أُنتج الفائض، حتى أصبح من المجدي اقتصاديًا الحفاظ على عبدٍ وإرغامه على العمل لسيده. والفائض الذي أنتجته أعداد العبيد المتزايدة قد استولت عليه طبقة مالكي العبيد الجديدة. لكن، كيف يصبح من الممكن مراقبة هؤلاء العبيد وإرغامهم على العمل؟ إذ لم يكن للقبائل القديمة قوات شرطة أو وسائل قسر، فقد كان كل فرد فردًا حرًا ومحاربًا/مقاتلًا.

حطّم إنتاج الفائض أشكال المجتمع القديمة، ممّا مكن للطبقات لأن تتبلور. ووجود هذه الطبقات تطلب جهاز قوة لإخضاع إحدى الطبقات لطبقة أخرى. الغني والفقير، مالك الأرض ومستأجرها، الدائن والمدين، جميعهم ابتدأوا في البروز في المجتمع. والعشائر التي كانت في الأصل وحداتٌ اجتماعيةٌ من علاقات صلة الدم، بدأت بالتفكك. وأصبحت القواسم المشتركة بين أغنياء مختلف العشائر تفوق تلك التي تشاركوها مع فقراء عشائرهم.

المجتمع العبودي

رغم كلّ الفظائع التي رافقته، كان ظهور المجتمع الطبقي ظهورًا تقدميًا بشكل كبير في مواصلته تطوير وتنمية المجتمع، فلأول مرة، منذ أن تطور البشر من القردة العليا، أصبح جزء من المجتمع حرًا من جهد السعي وراء لقمة العيش. وأصبح بإمكان هؤلاء المحرَّرون من العمل تكريس وقتهم للعلم والفلسفة والثقافة. جلب المجتمع الطبقي معه الكهنة والكتبة والموظفين والحرفيين المتخصصين. وكان التبرير والوظيفة التاريخية للطبقة الحاكمة الجديدة هي تطوير قوى الإنتاج والدفع بالمجتمع إلى الأمام. هذه المرحلة هي المرحلة التي ظهرت بها الحضارة لأول مرة.

والآن، مع نشوء المجتمع الطبقي، تم إنشاء مؤسسات خاصة لحماية مصالح الطبقة الحاكمة، وبذلك، فقد أصحبت هناك حاجة لهيئات مسلحة خاصة، بسجونها ومحاكمها وجلاديها، إلخ، بالإضافة إلى قوانين جديدة لحماية الملكية الخاصة لمالكي العبيد. وهكذا نشأت الدولة وملحقاتها وانهارت حرية ومساواة النظام العشائري القديم. وتزامنًا مع ذلك، طُوّرت أفكارٌ وأخلاقيّاتٌ جديدة لتبرير وتسويغ النظام الاجتماعي والاقتصادي الجديد.

ومع حلول القرن السابع قبل الميلاد، أصبحت الأرستقراطية القبلية في اليونان طبقةً حاكمةً من ملاكي الأراضي والعبيد الأغنياء. ووفقًا للفيلسوف اليوناني القديم أرسطو، فقد تم استعباد الغالبية العظمى من سكان منطقة أتيكا مع حلول هذا الوقت.

ومع نمو المدن–الدول، تسارع تقسيم العمل المتزايد بشكل كبير، ليس بين المدينة والريف فحسب، بل بين فروع التجارة والتمويل أيضًا، بين التاجر والمرابي؛ ونشأت حرف جديدة جنبًا إلى جنب مع مجموعة متزايدة من الفنانين الذين لبّوا احتياجات الطبقة العليا من ذوقٍ وثقافةٍ.

دافِعُ الدولة–المدينة من أجل المزيد والمزيد من العبيد، أسفر عن حربٍ متواصلةٍ ومستمرة. ففي حرب الرومان ضد مقدونيا في عام 169 قبل الميلاد، تم نهب سبعين مدينة في منطقة إبيروس بمفردها، كما تم بيع 150،000 من سكانها كعبيد. كان الاقتصاد العبودي اقتصادًا مسرفًا للغاية، ولأجل بقائه، احتاج إمدادات متواصلة من العبيد للتعويض عن أولئك الذين أصيبوا بالجروح أو وافاهم الموت. لكنّ التكاثر الطبيعي بين العبيد كان بطيئًا جدًا نظًرا لقسوة أوضاعهم المعيشية، وبالتالي كان الغزو الوسيلة الوحيدة التي مكن من خلالها تعويض النقص في أعداد العبيد.

على الرغم من أنّ العبد كان أقل إنتاجية من الفلاح الحر بكثير، إلّا أن تكلفة حياته المنخفضة جعلته أكثر ربحية. كما أنّ تدمير الفلاحين الأحرار أدّى إلى فرار أعداد كبيرة منهم إلى المدينة مشكلين البروليتاريا الرثة (lumpen proletariat) في المجتمعات العبودية. وهذه الأخيرة اعتمدت على المساعدات الخيرية من الطبقات العليا، الذين ألهوهم بإقامتهم عروض السيرك لهم.

هذه الفترة هي الفترة التي نشأت فيها الحركة المسيحية الثورية، وهؤلاء، الذين كانوا في الأصل مجموعة من الطوائف الشيوعية البدائية التي أكنّت البغض الشديد للرومان الغازين وأذنابهم الأغنياء، فازوا بالكثير من دعم الفقراء والمظلومين. لقد كان هؤلاء المسيحيون الثوريون القدامى مستعدين لاستخدام وسائل عنفٍ للإطاحة بالطبقات العليا ولإقامة «الجنة على الأرض». ونتيجة لذلك، فقد تعرضوا للملاحقة من قبل السلطات وأُعدموا بلا رحمة بتهمة الخيانة ضد الإمبراطور. لكن، لاحقًا، وبعد أن جُرّدت من كراهيتها الطبقية، تم رفع المسيحية لتشغل موقع دين الدولة، حيث استخدمتها الطبقة الحاكمة كسلاحٍ لتضليل وتسكين الطبقات الدنيا على قبول مصيرهم الدنيوي وتشجيع أوهامهم بوجود حياة أفضل بعد الموت.

وكلما ازداد فائض مالكي العبيد الذي حصلوا عليه من استغلال العبيد، ازداد بذخهم، ولمعانهم، وغطرستهم، وكسلهم. وكلما تطلب الاقتصاد شنّ المزيد والمزيد من الحروب لزيادة أعداد العبيد من خلال الغزو، كلما أَنهكت وأَرهقت الإمبراطورية الرومانية نفسها. فالحروب لا يمكن خوضها من دون جنود، والفلاحين، الذين كانت أعدادهم في تضاؤل متزايد، كانوا أفضل الجنود، وبالتالي لزم استبدالهم بمرتزقة أجانب. لقد انتهى عصر «العبد الرخيص» نهايةً سريعةً حاملًا في طياته تراجع إمبراطوريات العبيد.

على الرغم من مختلف تمردات العبيد، التي كان أشهرها تمرد سبارتاكوس، لم يثبت العبيد كونهم طبقة ثورية قادرةً على دفع المجتمع إلى الأمام. فكما أشار كارل ماركس، ينتهي الصراع الطبقي «إما بتحول ثوري للمجتمع بأكمله، وإما بهلاك كلتا الطبقتين المتصارعتين». وأوضح كارل كاوتسكي، الماركسي الألماني، أنّ «الهجرات الكبيرة، وإغراق أسراب الألمان المتوحشين الإمبراطورية الرومانية لم يعني تدميرًا مبتسرًا لحضارةٍ لامعةٍ مزدهرةٍ، بل مجرد الخاتمة لحضارة تحتضر، وتشكيل الأسس لنهضة حضارة جديدة».

لقد أحدثت حضارات العبيد الجبارة قفزةً هائلةً للأمام للمجتمع. إنّ الإنجازات الثقافية التي حققتها حضارتيْ مصر وبابل القديمتين هي إنجازاتٌ مدهشةٌ حقًا. كما أنّ الإغريق والرومان قد طوّرا المعرفة العلمية إلى مستويات هائلة جدًا، إذ اكتشف الفيلسوف هيرون الإسكندري المبادئ الأساسية لمحرك البخار. وقد طورت إسهامات أرخميدس وفيثاغورس وإقليدس الرياضيات إلى مرحلة كان بإمكانها أنّ تكون بداياتٍ للهندسة الميكانيكية. لكن، على الرغم من ذلك، فقد بلغ المجتمع العبودي حدوده، وتدهوره الداخلي والعوامل الخارجية مهّدا الطريق لدامره.

نشوء الإقطاعية

إن القرون الأخيرة للإمبراطورية الرومانية المنحطة وفتحها من قبل البرابرة قد محقت كتلة من القوى المنتجة: لقد تدهورت الزراعة، وانحطت الصناعة جراء نقص أسواقٍ للتصريف، واضمحلت التجارة أو عُلّقت بفعل العنف، ونقص عدد السكان، الريفيين والحضريين على حد سواء. (كارل ماركس: الأيديولوجية الألمانية)

وعلى مر القرون، اجتاحت الجموع البربرية أوروبا (الإمبراطورية الرومانية)؛ في المشرق، تمثل ذلك بالقوط والألمان والهون. وفي الشمال والغرب، تمثل ذلك بالاسكندنافيين. وفي الجنوب، تمثل ذلك بالعرب. وفي غزوهم للأراضي، شرعوا في نهب المدن، واستقروا بالريف، حيث عاشوا فيها عن طريق الزراعة البدائية.

في هذه المجتمعات، انتخب سكان القرية رؤسائهم، لكن، مع مرور الوقت، أصبح رؤساء القرية يعيّنون دائمًا من عائلة واحدة. وأصبح رئيس هذه الأسرة المتميزة، من خلال توارث الحكم، رئيسًا طبيعيًا. كانت القرى في حالة حرب مستمرة مع جيرانها، ممّا أدّى إلى تقسيم الأراضي التي تم غزوها، مع حيازة رئيس القرية على النصيب الأكبر منها، وبذلك أصبح الرجل الأقوى والأكثر تملكًا في المجموعة. في أوقات الصراع، هو يضمن حماية من هم تحت سلطته، وفي المقابل، كانوا هم ملزمون على خدمته عسكريًا. وفيما بعد، أصبح بإمكان هؤلاء الفلاحين الامتناع عن الخدمة العسكرية في مقابل ضريبة بشكل أو بآخر.

تمدّدت سلطة لوردات القرى هؤلاء إلى المناطق الريفية المحيطة بهم. كان اللورد مدينًا بـ«العدالة والمساعدات والحماية لمُقطَعيه، وهؤلاء، في المقابل، كانوا مدينين بالإخلاص والولاء للوردهم» (بول لافارغ: تطور الملكية). لقد أسهمت الحروب والغزوات على بلورة هذه العلاقات الإقطاعية، إذ شكل اللوردات والبارونات، جنبًا إلى جنب مع رجالهم المسلحين، تسلسلًا هرميًا اجتماعيًا جديدًا، مدعومًا بالعمالة المؤداة من قبل مُقطَعيهم. فكما أوضح ذلك لافارغ:

ما إن تبلورت سلطة النبلاء الإقطاعيين، حتى أصبحت بدورها مصدر متاعبٍ للقطر الذي كُلّفت بحمايته. فالبارونات، من أجل توسيع أراضيهم وبالتالي نطاق سيطرتهم، قاموا بشنّ حرب مستمرة فيما بينهم، لم تتخللها إلا هدن قصيرة بين الحين والآخر لحرث الحقول… والمهزومون، عندما لا يُقتلون فورًا أو لا يُسلبون تمامًا، يصبحون مُقطَاعين (أو مُقطَعين) للمنتصر، الذي يستولي على جزء من أراضيهم ومُقطَعيهم. اختفت البارونات الصغيرة لصالح البارونات الكبيرة الذين أصبحوا إقطاعيين واسعي السلطة، وأنشأوا محاكم دوقية اللاتي لزم للّوردات المُقطَعين حضورها.

ومع نضج العلاقات الإقطاعية، أصبحت غالبية الأراضي الزراعية في أوروبا مقسمة إلى مناطق تعرف بالضيع الإقطاعية (manors)، حيث كان لكل ضيعة إقطاعية لوردها ومسؤولوها الخاصون بها، والذين تمثلت مهمتهم بإدارة العقارات. قُسّمت الأراضي الصالحة للزراعة إلى قسمين: حوالي الثلث منها عادت ملكيتها للورد (المسماة بالـ«Demesne»)، أما بقية الأراضي فقد قُسّمت بين مُقطَعيه. استُخدمت المراعي والأراضي الخشبية والمروج كأرض مشتركة – الأمر الذي كان في الواقع استمرارًا من أيام الشيوعية البدائية. ومع اعتماد نظام التناوب الثلاثي، كان من الممكن للزراعة أن تخطو خطوات عظيمة للأمام، إلّا أن حصة المُقطَعين من الأرض كانت قد قسمت بدورها إلى أشرطة منفصلة مبعثرة على طول الحقول، الأمر الذي أدّى إلى استنزاف الإنتاجية بشكل هائل.

أدّت البنية الاجتماعية التي نشأت في إطار الإقطاع إلى نشوء طبقات ومجموعات جديدة. كانت البنية الاجتماعية مماثلة للهرم، يرأسها الملك، والأرستقراطية، ورجال الكنيسة الكبار، والأساقفة. وتحتهم وجدت البارونات والدوقات والكاونتات والفرسان المتمتعين بالامتيازات. وفي الدرجات السفلى من النظام الاجتماعي وجد الأحرار، والأقنان، والعبيد.

وعلى عكس اليوم، حيث تُنتِج المصانع الجزء الأكبر من الثروة، أنتجت الأرض ما يقارب جميع الاحتياجات الاجتماعية. ولذلك، أصبحت الأرض أهم ملكية في النظام الإقطاعي، حيث تناسبت سلطة فردٍ ما طرديًا مع مساحة الأرض التي يمتلكها. والطبقات الحاكمة حكمت من خلال احتكارها للأراضي التي كان الأقنان مقيّدون بها. نظريًا، امتلك الملك كل الأراضي، لكن في الواقع مُنحت بعض المناطق والنطاقات للدوقات، الذين بدورهم أجّروها للكاونتات، الذين أجّروا قطعًا صغيرة منها لمُقطَعيهم. كان الجميع ملزمون بتقديم الخدمات لرؤسائهم، من حيث ضمانهم للرجال المسلحين، ودفع الإيجار، إلخ.

وعلى عكس العبيد الذين لم يملكوا شيئا، كان الأقنان مستأجرين لأراضي اللورد. وعلى عكس العبد، كان لدى القنّ مصلحة خاصة في قطعة أرضه، حيث كان يتمتع بحقوقٍ تفوق تلك التي كانت لدى العبد: لم يكن من الممكن بيعه (ولا بيع عائلته)، ممّا وفر له بعضًا من الأمان، على الرغم من تفاوت درجة القنانة والالتزامات بين قنّ وآخر. وفي مقابل هذه الأرض، وهذه «الحقوق»، اضطر القن للعمل للورد الضيعة الإقطاعية لفترات معينة في الأسبوع من دون أجر، كما طلبت منه خدمات أخرى (أيام البون) في وقت الحصاد، ومتى ما احتاج اللورد مساعدته وعونه. كانت احتياجات اللورد في المقدمة. كما لم يكن مسموحًا للقن مغادرة أرضه، وتعين عليه الحصول على إذن اللورد إن أراد تزويج أطفاله من خارج الـ«demesne»، أي من خارج أرض اللورد. كما فرضت أيضًا الضرائب على ميراث القن، وتعين على ورثة الأرض من الإناث أخذ إذن اللورد.

التنظيم الجديد للمجتمع الذي كان قائمًا على ملكية الأرض ضاعف تطور قوى الإنتاج. في هذه الفترة، الأرستقراطية والطبقة الحاكمة الكنسية هي من استولت على فائض القيمة الذي أنتجته عمالة الأقنان.

على حد تعبير المؤرخة كليرنس مايلي: «إنها لقاعدة اقتصادية كون نسبة الإنتاجية تزداد كلما كفلت البنية الاجتماعية الأكثر حرية للعامل جزءًا أكبر وأكثر ضمانًا من نتاج عمله. وبعبارة أخرى، تأثر أكثر الأشكال الاجتماعية حريةً بشكل مباشر على تحفيز الإنتاج».

ومع تبلور الطبقات الجديدة، نشأت أشكال جديدة لأجهزة الدولة للحفاظ على أشكال الملكية الإقطاعية. والأخلاقيات والأيديولوجية الجديدة التي نشأت من أشكال الملكية هذه عززت العلاقات الاجتماعية. والكنيسة، التي ازدادت سلطتها أكثر فأكثر، قدمت الأسس الروحية للنظام الجديد، ومع ذلك أصبح البابا أقوى من الملك أو الإمبراطور، مع امتداد أراضي الكنيسة لتشمل ما بين ثلث إلى نصف أراضي العالم المسيحي. وبلغت الضريبة العشرية التي جمعتها الكنيسة عشرة بالمئة من مجموع دخل الفرد، والسلع، إلخ.

بشكل عام، كانت الدولة الإقطاعية ضعيفة مركزيًا، وظلت كذلك حتى صعود الملكيات المطلقة مع حلول القرن السادس عشر. ونتيجة لذلك، هزت الحروب البارونية المستمرة المحافظات النائية، حيث راكم البارونات اللصوص سلطتهم وهيبتهم، الأمر الذي هدد موضع ومنصب العاهل المركزي. كان صراع العاهل المركزي لإخضاع هذه المناطق سمة من سمات هذه الفترة. الهزيمة النهائية للوردات المحافظات هؤلاء، ومعها صراعاتهم وحروبهم المستمرة، مكّنت التجارة لأن تتطور إلى مستوى أعلى.

كان مستوى التجارة منخفض جدًا آنذاك، إذ أنتجت الأرض كل شيء تقريبًا. وكان الاقتصاد اقتصادًا «طبيعيًا» موجهًا نحو الاكتفاء الذاتي. لكن، مع انطلاق الحملات الصليبية إلى الأراضي المقدسة، برزت احتياجاتٌ جديدة، والتجار الذين وفروا هذه الاحتياجات، بدأوا في إقامة معارض ضخمة في فرنسا وبلجيكا وإنجلترا وألمانيا وإيطاليا. وهذه المعارض الدورية لعبت دورًا أساسيًا في نمو التجارة الأوروبية، وساعدت على إنشاء طبقة قوية من التجار الأغنياء. عندئذ، بدأت العلاقات المالية بتقويض علاقات المجتمع الإقطاعي.

وجنبًا إلى جنب مع نمو التجارة، نمت المدن أيضًا، حيث اصطدمت طبقة التجار التي نشأت فيها مع معايير وقيود المجتمع الإقطاعي التقليدية.

فالكنيسة، على سبيل المثال، اعتبرت ممارسة الربا ذنبًا، واستخدمت تهديد الطرد الكَنَسي ضد أولئك الذين روّجوا لممارستها.

في كتابه الجيد جدًا، «سلع الإنسان الدنيوية»، شرح ليو هوبرينان طبيعة الصراع:

كان المناخ العام للنظام الإقطاعي مناخًا متصفًا بالكبت، بينما كان المناخ العام للنشاط التجاري في المدن مناخًا متصفًا بالحرية. كانت أراضي المدن مملوكةٌ من قبل اللوردات الإقطاعيين والأساقفة والنبلاء والملوك. نظر اللوردات الإقطاعيين في البداية لأراضيهم المدنية بنفس السياق الذي نظروا به إلى أراضيهم الأخرى… كانت جميع هذه الأشكال (الرسوم الإقطاعية، والضرائب، والخدمات) أشكالًا إقطاعية، استندت على ملكية التربة، إلّا أنّ جميع هذه الأشكال قد تغيرت على حد اهتمام المدن. كما أنّ الأنظمة الإقطاعية والعدالة الإقطاعية اتسمتا بالجمود وكان من الصعب تغييرهما. لكن التجارة، في المقابل، كانت بطبيعتها نشطة، متغيرة باستمرار، وغير صبورة أمام الحواجز. وبالتالي، لم يكن باستطاعتها التكيّف مع الإطار الإقطاعي الجامد.

ولذلك، كان من اللازم تحدّي العلاقات القديمة وتغييرها. بدأت المدن تطالب بحريتها واستقلالها، وتدريجيًا تم الاعتراف والإقرار بالمواثيق المدنية، بعضها من خلال التوافق، والبعض الآخر بالقوة.

أدّت التجارة نفسها إلى نشوء أشكال ثروةٍ جديدةٍ. ومع تقلّد الأموال المكتسبة من التجارة أهميةً متزايدةً، لم تعد الأرض المصدر الوحيد للسلطة والامتياز، حيث نشأت في المدن أقليةٌ من التجار الأثرياء الذين سيطروا ونظموا الإنتاج الفردي صغير النطاق من خلال نظام الجماعات/النقابات. ومع التقسيم المتزايد للعمل، نشأت النقابات الحرفية التي تألفت من معلم المهنة، والمبتدئين، والصناع المهرة. ومع ازدياد الثروات التي خلقها الإنتاج، اصطدم معلمو المهنة (أرباب العمل) بشكل حاد مع الصنّاع المهرة (العمال). ومع حلول القرن الخامس عشر، شكّل الصنّاع المهرة نقاباتٍ فعلية لحماية مصالحهم.

استحداث الاقتصاد المالي (الذي لم يكن متواجدًا في المجتمع العبودي إلّا بصورة محدودة جدًا) قوض ببطء أسس النظام الإقطاعي، حيث عُدّلت قوانينه وتقاليده لتتوافق مع التطور الجديد هذا. ومع فرار الأقنان بعيدًا إلى المدن لتكوين ثرواتهم، بدأت قيم المال بتجاوز العلاقات القديمة، حيث حلّت الممتلكات المستأجرة محلّ المستحقّات العمّالية. كما أنّ تبعات الموت الأسود، في منتصف القرن الرابع عشر، سارع هذه العملية بشكل كبير، حيث يقدّر المؤرخون موت ما بين 30 إلى 50 بالمئة من سكان إنجلترا وألمانيا وفرنسا والبلدان المنخفضة جرّاء الطاعون العظيم. وهذا بدوره أدّى إلى نقص مزمن في العمالة، ممّا أجبر العديد من مالكي الأراضي على إدخال العمل المأجور للتغلب على صعوباتهم.

نشوء الملكيات المطلقة

الدول–الأمم، كما نعرفها اليوم، لم تكن موجودة منذ الأبد، إذ لم تنتمي ولاءات الشعوب في هذا الوقت إلى الأمة، بل انتمت إما لللورد، أو للمدينة، أو للمنطقة المحلية، أو للنقابة الحرفية. لم يعتبر الناس أنفسهم كفرنسيين أو إنجليزيين، إلخ، بل اعتبروا أنفسهم منتمين لمدينة أو بلدة ما. كان كل مسيحيّ عضوا في الكنيسة الكاثوليكية الرومانية، التي حكمت بدورها على المناطق المسيحية، وكانت بالتالي القوة الأعظم من بين الجميع.

ومع نموّ الثروة في المدن، بدأت طبقةٌ رأسماليةٍ في النشوء، وهذه الطبقة طالبت بظروفٍ مناسبة لا تعيق نموّ التجارة والتبادل التجاري، أي أنهم أرادوا النظام والأمن. إنّ الصراع من أجل استقلال المدن من حكم اللوردات الإقطاعيين، والمعارك المستمرة بين البارونات المحليين، والنهب الذي تلا ذلك، جميعها أدت إلى ضرورة وجود سلطة مركزية، أي وجود الدولة القومية.

انتهى الصراع بين العاهل المركزي وكبار البارونات (والذي كان في الواقع صراعًا بين قسمين من الطبقة الحاكمة) بانتصار الملك، الذي كان مؤيدًا من قبل التجار والطبقة الوسطى، والذين زودوه بالمال الكافي لإعداد الجيوش اللازمة. إنّ نشوء الدولة القومية جنبًا إلى جنب مع النظام الملكي المركزي أدّى إلى تقدم اقتصادي كبير. ومقابلًا لدعمهم، منح العاهل الملكي بعض الاحتكارات والامتيازات لقطاعاتٍ من الطبقة الوسطى، وهكذا جُهّزت المرحلة المقبلة للصراع بين العاهل القومي ومصالح الكنيسة العالمية.

شهد أواخر القرن الخامس عشر بداية رحلات الاستكشاف، حيث مَوّل بعضٌ من التجار الأثرياء أشخاصًا ككولومبوس وفاسكو دا جاما للبحث عن مناطق جديدة لاستغلالها و«نشر كلمة الرب». وهكذا أُسّست شركات مساهمة لترويج التمويل للمزيد من الاستغلال، للمزيد من النهب والربح.

ونتيجةً للأرباح الضخمة التي كُسبت من هذه الرحلات، أصبح العديد من التجار والمموّلين المراكز الفعلية للسلطة والثروة. أصبح النبلاء، والأرستقراطيين، والملوك مدينين للتجار الأغنياء، للدرجة التي استطاعت بها عائلة فوغر، إحدى الأسر المصرفية، تقرير من سيكون إمبراطورا للإمبراطورية الرومانية المقدسة!

أفسحت التطورات الاقتصادية الجديدة المجال أمام التشكل الرأسمالي، حيث بدأت أسس الاقتصاد الإقطاعي بالتفكك مع نموّ سلطة وثروة البرجوازية الناشئة. وتزامنًا مع ذلك، نشأت قيمٌ وأفكارٌ وفلسفاتٌ وأخلاقياتٌ جديدة من هذه العلاقات الجديدة. إلّا أنّ الطبقات الحاكمة القديمة قد قاومت بعناد هذه التغيّرات.

فكما شرح ماركس:

عندما تصل قوى المجتمع الإنتاجية المادي إلى درجة معينة من تطورها تدخل في صراع من علاقات الإنتاج القائمة أو، بالتعبير القانوني، مع أحوال الملكية التي كانت تعمل في ظلها حتى ذلك الوقت. وهذه العلاقات من كونها شكلا من أشكال تطور قوى الإنتاج تتحول إلى قيد عليها. وفي هذه اللحظة تحل حقبة من الثورة الاجتماعية.

وأضاف لاحقًا:

لا يُدمَّر نظام اجتماعي حتى تتطور جميع القوى الإنتاجية الذي كان وجوده ضروريا لها، ولا تحلّ علاقاتُ إنتاجً جديدةٍ أكثر تفوقا محل العلاقات القديمة حتى تنضج شروط وجودها المادية في أحشاء المجتمع القديم.

لقد تم تقويض المجتمع القديم خلال الفترة السابقة. ولعل إحدى أعظم التحدّيات التي وُجّهت للنظام القديم كان الهجوم على الكاثوليكية. في هذه الفترة، لم تكن الكنيسة الكاثوليكية مجرد مؤسسة دينية فحسب، بل كانت الحصن الرئيسي للنظام الاجتماعي القائم. وبصرف النظر عن نفوذها الكبير جراء امتلاكها لأراضٍ شاسعة، فقد كانت أيضًا تجبي الضريبة العشرية من الجميع، وكان لها محاكمها وامتيازاتها الخاصة، وسيطرت على التعليم وشكلت المنظور السياسي والأخلاقي للناس. فكما قال تشارلز الأول ذات مرة: «في أوقات السلم لا يُحكم الناس بالسيف بقدر ما يُحكمون بالمنابر». لقد أخضعت الكنيسة الكتب للرقابة، وهدّدت بالطرد الكنسي ضد معارضيها. يشير المؤرخين إلى هذه الفترة بكونها فترةً متديّنة جدًا، إلّا أنهم يبالغون جدًا بوصفها كذلك. فبدلًا من عيش الناس حياتهم فعلًا طبقًا للإنجيل، فقد كان الدين يستخدم لتبرير النظام القديم. كان كل شيء، حتى الفكر السياسي، مصاغًا بمصطلحات دينية، ولذلك، كان أول تحد لآلئك الذين رغبوا في تقويض النظام، هو تحدي احتكار الكنيسة.

ومع أوائل القرن السابع عشر، اصطدمت الملكيات المطلقة مع الكنيسة الكاثوليكية نفسها، حيث زود الإصلاح البروتستانتي، الذي استهلّه مارتن لوثر، الأسلحة اللازمة في صراعهم ضد السلطة البابوية. ففي إنجلترا، كسر هنري الثامن علاقاته مع الكاثوليكية وداهم ثروات الأديرة، التي استخدمت لاحقًا في الحروب الأوروبية والإيرلندية باهظة الثمن.

الثورة الرأسمالية

بيوريتانيةُ مجموعة كالڤن (إحدى المذاهب البروتستانتية)، التي ركّزت على الاعتماد على الذات والنجاح الشخصي، ناسبت منظورات وأخلاقيات الطبقة الوسطى الناشئة في المدن والأرياف. وبذلك، أصبحت البيئة ملائمة لبروز الطبقات الوسطى بسرعة، خاصة بعد التضخم المالي الهائل الذي حصل بين عامي 1540–1640، حيث ارتفعت الأسعار بأكثر من أربعة أضعاف، الأمر الذي أجّج الصراع المتزايد مع الطبقات الحاكمة القديمة.

في إنجلترا، أخذ الصراع بين الطبقة البرجوازية الجديدة والنظام القديم شكل الحرب الأهلية، حيث قاد الجيش النموذجي الجديد لأوليڤر كرومويل الطبقة الوسطى في صراعها المسلح ضد الملك والنظام القديم. في عام 1649، أُعدم الملك وأُعلنت الجمهورية الرأسمالية. وكرومويل، الذي استند على دعم الجيش، فرض نفسه رئيسًا لديكتاتوريةٍ عسكريةٍ بونابرتيةٍ، وقمع بلا رحمة عناصر الديمقراطية اليسارية وأنصارهم (الليڤلرز والديغرز)، الذين هدّدوا حقوق الملكية الرأسمالية. ومنذ ذلك الحين فصاعدًا، استند نظام كروميل على قاعدةٍ اجتماعيةٍ ضيقةٍ – القوت المسلحة. وفي ظل هذه الأزمات والظروف الحرجة، قلّص النظام الرأسمالي نفسه وفقًا للنمط البونابرتي إلى حكم الرجل الواحد.

وجنبًا إلى جنب مع تفكيك الهياكل الإقطاعية، فكّك أيضًا مجلس اللوردات والنظام الملكي. وبذلك، هُزمت الطبقة الحاكمة، وفي نفس الوقت أُبقيت الطبقات الدنيا في مكانها. ينظر بعض المؤرخون لصراع البرلمانيين ضد الملك باعتباره صراعًا ضد الاستبداد وصراعًا لأجل الحرية الدينية، لكن كما علق ماركس:

تمامًا كما لا يمكن الحكم على فردٍ طبقا لما يراه هو عن نفسه، لا يمكن أيضًا الحكم على حقبة متسمة بالثورة على أساس وعيها بنفسها. إنما بالعكس، يجب تفسير هذا الوعي بمتناقضات الحياة المادية، بالصراع القائم بين قوى الإنتاج الاجتماعية وعلاقات الإنتاج.

لقد أشار ليون تروتسكي، إحدى قادة الثورة الروسية، ذات مرة: «كانت الثورات عبر التاريخ متبوعة دائمًا بثورات مضادة. ودائمًا، تعيد الثورة المضادة المجتمع إلى الوراء، لكن ليس إلى نقطة انطلاق الثورة». وهكذا، في عامي 1660 و1689، أبرم البرجوازيون الكبار بعجلة حلًا وسطًا مع العناصر «البرجوازية» من الطبقة الأرستقراطية، حيث أعيد النظام الملكي ومجلس اللوردات، إلّا أنه لم يكن باستطاعتهما لعب نفس الدور الذي لعبه سلفيهما، بل على العكس من ذلك، أصبحا جزءًا لا يتجزأ من الدولة الرأسمالية. أعار البرجوازيون أصحاب الملكية اهتمامهم بالمستقبل، وإبقاء الطبقات الدنيا في مكانها ومراقبتها بعناية.

بعد مائة عام من الثورة الإنجليزية، أنجزت الثورة الفرنسية الرأسمالية أهدافها كاملًا دون أي مساومة. ابتدأت الثورة الفرنسية، كمثيلتها الإنجليزية، بانقسامٍ في الطبقة الحاكمة، حيث تصادم الملك ووزرائه مع البرلمان (الذي مثل طبقة النبلاء، وكبار رجال الدين، وزمرة المحكمة، إلخ) على مخططٍ لتجنب إفلاس الدولة. نداء الأخير ضد طغيان الحكومة أخذ منحنىً مفاجئًا حين اندلعت أعمال الشغب في شوارع البلدات والمدن، وأبرزت إلى السطح سخط الطبقة الوسطى والطبقات الدنيا ضد النظام. فكما أشار جورج رود: «لعل ثورة النبلاء كانت مجرد افتتاحيةٍ بدلًا من كونها ثورة، والتي، من خلال ربطها للطبقة الوسطى والدنيا معا في عملٍ مشتركٍ ضد الملك والطبقة الأرستقراطية، كانت فريدة من نوعها في أوروبا المعاصرة». على الرغم من جميع محاولات الإصلاح من الأعلى، إلّا أنّها لم تكن كافية لمنع الثورة من الأسفل.

وكما هو الحال في جميع الثورات الشعبية، اقتحمت الجماهير مسرح التاريخ، حيث برز أكثر الناس تضحيةً بالنفس إلى الواجهة، ودفعوا الثورة بشكل كبير إلى اليسار. في الفترة التي وقعت بين عامي 1789 و1793، اجتُثّ النظام الإقطاعي ومعه الطبقة الأرستقراطية من جذوره تمامًا. كان النظام الجديد مرؤوسًا من قبل الطبقة الوسطى الثورية (اليعاقبة) الذين دُعموا ودُفعوا من قبل جماهير الطبقات الدنيا المؤلفين من العمّال المأجورين وصغار الحرفيين. لكن، مع وصول حكومة المديرين إلى السلطة في عام 1974، حدث تحول إلى اليمين، الأمر الذي أفسح بدوره المجال أمام ثورة سياسية مضادة جديدة، والتي جلبت إلى السلطة نظام نابليون بونابرت. لكن، وعلى الرغم من ذلك، فقد حُطّم النظام القديم بلا عودة، وبقيت حقوق الملكية البرجوازية الجديدة في محلّها. تحوُّل السلطة السياسية هذا لم يكن مُرافقًا بتغييرٍ اجتماعيٍّ إلى الوراء، أيّ أنه لم يعاد بناء النظام الإقطاعي، وإنما كان مجرد تغيير سياسي ناتج عن صراع أقسام مختلفة من الطبقة الرأسمالية نفسها.

انتصار الرأسمالية

مهّدت الثورات البرجوازية الكبرى الطريق للرأسمالية. وضمنت التغييرات الزراعية نموّ الزراعة الرأسمالية، حيث قُسّمت المقاطعات الإقطاعية القديمة ووُزّعت على الفلاحين. وفي إنجلترا، مهّد تحوّل قسم من الطبقة الأرستقراطية قبل الثورة الطريق لدمار الفلاحين أنفسهم. والحكومات، بدلًا من أن تعوّق التجارة والصناعة، أصبحت الآن مناصرةً لهما بالفعل.

ومن خلال السطو والتقييد والنهب والمنافسة، أصبحت وسائل الإنتاج متمركزةً في أيدٍ أقلّ وأقلّ. كما أنّ دمار الفلاحين قدّم حوضًا جاهزًا من القوى العاملة في البلدات والمدن. أصبحت البنية الطبقية أكثر بساطة. فمن ناحية، وجد الرأسماليون، ومن ناحية أخرى وجد البروليتاريون المفتقرون للملكية. القدرة على العمل كانت هي كل ما يملكه هؤلاء العمال، حيث كان بيعهم قوة عملهم للرأسمالي مقابل أجر ما الطريقة الوحيدة التي أمكنهم من خلالها البقاء على قيد الحياة. في عملية الإنتاج، ينتج البروليتاري قيمةً أكثر مما يتلقاه كأجر، إذ يصادر الرأسمالي فائض القيمة التي ينتجها. وفي بحثها عن الربح، وسط منافسة نظرائهم، تضطر الطبقة الرأسمالية لإدخال أساليب جديدة في الإنتاج، وبهذه الطريقة لعبت الرأسمالية دورًا تقدميًا في تثويرها المستمر لقوى الإنتاج.

تصديرها للبضائع ومن ثم لرأس المال يقود الطبقة الرأسمالية لخلق «عالمٍ على صورتها». نمت قوى الإنتاج والعلوم والتقنية تدريجيًا لتتجاوز الدولة القومية التي حمتها.

الإمبريالية

شهدت فترة ما بين عامي 1870–1900 تقسيم العالم بين القوى الرئيسية. ففي عام 1870 قسّمت القوى الأوروبية عُشْر القارة الأفريقية فيما بينها، وبحلول عام 1900 أصبحت حوالي تسعة أشعار «القارة المظلمة» إما في أيدي بريطانيا، أو فرنسا، أو إحدى الإمبراطوريات الأوروبية الأخرى. ومع حلول عام 1914 اكتملت عملية تقسيم العالم، ودخلت الرأسمالية أعلى مراحلها، مرحلة الإمبريالية. نمت الاحتكارات والأمانات الاستثمارية الضخمة من الفترة التنافسية السابقة، و«انصهرت الدولة أكثر فأكثر مع الاحتكارات والمؤسسات المالية وتصرفت بشكل متزايد دفاعًا عن مصالحها. كما أنّ الإنتاج في هذه الفترة رافقه تصدير رأس المال نفسه» (لينين).

وفي الصراع لأجل المزيد من الأسواق، إلخ، تحمل المرحلة الإمبريالية الحرب العالمية في طياتها. ونظرًا لتقسيم العالم والنمو الهائل في الإنتاج، لا يمكن الآن الحصول على المزيد من الأسواق إلّا بإعادة تقسيم العالم، الأمر الذي يؤدي حتمًا إلى صراعٍ على نطاق عالمي. تعبر الحرب العالمية عن التناقضات الكامنة بين الملكية الخاصة ووسائل الإنتاج من جهة والدولة القومية من جهة أخرى. لكن، على عكس ما سبقتها من مجتمعات، فقد هيّأت الرأسمالية الظروف المادية اللازمة للنظام الاشتراكيّ الجديد الذي يمكنه ضمان الوفرة للجميع.

البروليتاريا هي الطبقة الثورية الوحيدة القادرة على حمل الثورة الاشتراكية إلى خاتمتها، وهذا ينبع من موضعها في الإنتاج الاجتماعي. فالطبقة العاملة تنتظم في المصانع وتُجبَر على التعاون في عملية الإنتاج. إنها تنظم نفسها في نقابات كبيرة بادئ الأمر ومن ثم في حزب مستقل خاص بها. والماركسية، على عكس كل النظريات الأخرى، تقدم لها أيديولوجيةً ومهامًا واضحةً في مهمتها لإسقاط النظام الرأسمالي. كما أنّ الحزب البلشفي، بقيادة لينين وتروتسكي، قدّم نموذجًا حيًا لجميع عمال العالم.

أما الطبقة الفلاحية والوسطى فهما غير قادران على لعب دور قيادي، وذلك نتيجة لموقهما الاجتماعي. فالطبقة الفلاحية هي طبقةٌ متناثرة على كافة الريف، وليس لديها أيّ مفهوم حقيقي للوحدة أو الأممية. وهذه الفئات الوسطى، إذن، إما تتبع البرجوازية أو البروليتاريا.

الطبقة الفلاحية، في الواقع، كانت الأداة الرئيسية للأنظمة البونابرتية – وهو نظام قائم على القوات المسلحة وتحقيق التوازن بين الطبقات المختلفة. أما في عصر الإمبريالية وتدهور الرأسمالية الاحتكارية هذا، إذا فشلت الطبقة العاملة في استمالة الطبقات الوسطى للوائها الاشتراكي، فإنهم سيدفعون حتمًا إلى أحضان الرجعية.

قانون التطور المركب وغير المتكافئ

من بداياتها كنظام اجتماعي تقدمي، أصبحت الرأسمالية قيدًا على الإنتاج والتنمية البشرية. لقد اعتقد ماركس أنّ البروليتاريا ستصل إلى السلطة أولًا في البلدان الرأسمالية المتقدمة كبريطانيا وألمانيا وفرنسا، إلّا أن الرأسمالية، مع ظهور الإمبريالية، «انكسرت عند أضعف حلقاتها»، في روسيا المتخلفة والمتأخرة تنمويا.

لا يتطور المجتمع في خط مستقيم، بل يتطور وفقًا لقوانينه من التطور المركب اللا متكافئ، إذ أنّ نموّ المجتمع غير المتكافئ يجري قطعه باستمرار من خلال إدخال منتجاتٍ وأفكارٍ جديدةٍ فيه من مختلف النظم الاجتماعية. تخلّف روسيا شبه الإقطاعية قد مُدّد بأحدث تقنيات الإنتاج في مدنها، نتيجةً للكمية الهائلة من الرساميل الأجنبية من بريطانيا وفرنسا. والطبقة البروليتارية الصناعية الجديدة التي تكوّنت حديثًا تقبّلت أكثر أفكار الطبقة العاملة تقدمًا: الفكر الماركسي.

في العديد من الدول المتخلفة (أو الأقل نموًا)، أدت الجروح الملتهبة بشأن إصلاح الأرض المطلوب بشدة، والأوتوقراطية، والاضطهاد القومي، والركود الاقتصادي إلى سخط هائل على النظام القائم، إذ أنّ مهام الثورة البرجوازية الديمقراطية، التي لو حدثت لوضعت الأسس للتنمية الرأسمالية، كان قد تم تنفيذها جزئيًا أو لم تنفذ على الإطلاق.

في هذه البلدان، لم تبرز الطبقة الرأسمالية إلى الساحة إلّا في مرحلة متأخرة، وبذلك لم يكن بإمكانها لعب دورٍ ثوريٍّ كاللاتي لعبتها مثيلاتها في القرن السابع والثامن عشر. وكما كان الحال في روسيا قبل عام 1917، كانت الطبقة الرأسمالية ضعيفة للغاية وتربطها آلاف السلاسل مع ملاك الأرض والإمبريالية (من خلال الزواج والقروض العقارية)، وكلاهما شاركا كرههما الشديد للبروليتاريا الناشئة، حيث فضّلت الطبقة الرأسمالية القومية التمسك بالنظام القديم بدلًا من استنشاد الطبقات الدنيا للقيام بالثورة المناهضة للإقطاعية.

إنّ الطبقة الوحيدة القادرة على تنفيذ الثورة هي البروليتاريا، وذلك بتوحيد قطاعات الفلاحين الأكثر فقرًا حول نفسها. وبمجرد وصولها إلى السلطة، كما حدث في أكتوبر من عام 1917، فإنها تصبح قادرةً على توزيع الأراضي على الفلاحين، وطرد المستعمرين، وتوحيد البلاد. غير أن البروليتاريا لن تتوقف عند هذه الإجراءات فحسب، بل ستباشر فورًا بالمهام الاشتراكية: تأميم الصناعات الأساسية والأراضي والمؤسسات المالية.

لقد مثّلت الثورة الروسية أعظم حدث في تاريخ البشرية كله، حيث تقلدت الطبقة العاملة السلطة لأول مرة، وأطاحت بالرأسماليين وملاك الأراضي وأفراد العصابات، ونظمت «دولةَ عمّالٍ ديمقراطية». كان من المفترض أن يكون ذلك بداية الثورة الاشتراكية العالمية، كما أنّها أكدت تمامًا نظرية الثورة الدائمة.

لكن، للأسف، خيانة الثورة الاشتراكية في ألمانيا وغيرها من البلدان، أدّى إلى عزل الثورة في بلدة متخلفة مدمّرة. الدمار الهائل الذي سببته الحرب، والأمية الكاسحة، والحرب الأهلية، واستنزاف البلاد، جميعها وضعت ضغوطًا شاقة على الطبقة العاملة الضعيفة، الأمر الذي ساهم في تشويه الثورة. كانت الظروف الموضوعية هذه هي التي شجّعت على نموّ البيروقراطية في الدولة والنقابات العمّالية والحزب، حيث ارتقى ستالين إلى السلطة على ظهر الطبقة البيروقراطية الجديدة هذه. إنّ الفرد في التاريخ لا يمثل نفسه، بل يمثل مصالح مجموعة أو طبقة أو فئة في المجتمع.

الستالينية ودكتاتوريتها الوحشية لم تنمو من الحزب البلشفي أو الثورة الاشتراكية، بل نمت من انعزال الثورة وتخلف روسيا المادي، حيث دَمّرت ديمقراطيةَ العمال بغية الحفاظ على امتيازاتها وسلطتها.

لكن، وعلى الرغم من ذلك، استند النظام الستاليني على أشكال الملكية الجديدة المؤلفة من الصناعة المؤممة وخطط الإنتاج. لقد سحقت الثورة المضادة السياسية الستالينية مجالس العمال (السويفيات) وديمقراطية العمال. ولم يكن باستطاعة الطبقة العاملة الروسية استعادة الديمقراطية العمّالية التي كانت متواجدةً تحت قيادة لينين وتروتسكي إلّا بثورةسياسية جديدة. لم يكن يعني هذا عودةً للرأسمالية، بل نهايةً للنخبة البيروقراطية، إذ أنّ الجماهير نفسها ستصبح منخرطة في إدارة المجتمع والدولة.

التحول الاشتراكي

بكسره قيود تطوير قوى الإنتاج، سيمهد التحول الاشتراكي الطريق لشكل جديد وأسمى للمجتمع. ستطيح الثورة الاشتراكية بقيد الملكية الخاصة والدولة القومية، فاسحةً الطريق للملكية العامة لتُخَطّط في صالح الأغلبية.

لا يمكن حصر الثورة الاشتراكية في بلد واحد، بل، على العكس من ذلك، ستضع الثورة الاشتراكية الثورة العالمية في قمة أولوياتها، وذلك لأنّ الاقتصاد العالمي والتقسيم العالمي للعمل، الذيْن أوجدتهما الرأسمالية، يتطلب حلاً عالميًا. من شأن ولاياتٍ متحدةٍ أوروبيةٍ اشتراكيةٍ، على سبيل المثال، تمهيد الطريق لاتحادٍ عالميٍّ لولاياتٍ اشتراكيةٍ ولتخطيطٍ عالميٍّ للإنتاج، وسيوفر هذا بدوره الأسس لـ«إنتاجٍ مخطّطٍ متناغمٍ من البضائع لإشباع رغبات الإنسان».

إنّ إحدى المهام الأولى للطبقة العاملة المنتصرة سيكون تحطيم آلة الدولة القديمة. لقد نشأ جهاز الدولة في كل المجتمعات الطبقية كـ«هيئةٍ للسيادة الطبقية، هيئةٌ لظلم طبقة من قبل طبقة أخرى». هذا يطرح سؤلًا، هل تحتاج الطبقة العاملة للدولة؟ يجيب اللا سلطويون بلا، إلّا أنّهم يفشلون في فهم الحاجة إلى شكل من أشكال السلطة لإبقاء ملّاك الأراضي والمصرفيين والرأسماليين القدامى في مكانهم، ولذلك يجب على البروليتاريا بناء دولة من نوع جديد لتمثل مصالحها. وفي الدولة العمّالية هذه، تُخضع الأغلبية الأقلية الضئيلة المتمثلة بالرأسماليين السابقين للرقابة، وبالتالي فهي ليست بحاجة لدولة الماضي البيروقراطية الضخمة. «ديكتاتورية البروليتاريا» هذه أو ديمقراطية العمّال، كما فضل تروتسكي تسميتها، ستوسّع وتمدّد نطاق أعلى أشكال الديمقراطية البرجوازية بشكل كبير.

عرّف ماركس البرجوازية الديمقراطية بكونها تقرير العمّال كل خمس سنوات أي أقسام الطبقة الحاكمة سيشوه مصالحهم في البرلمان. بإمكان الجميع التصريح بما يشاؤون، شريطة تقرير هيئات الاحتكاريات ما سيحدث بالفعل.

ستوسع الدولة العمّالية الجديدة نطاق الديمقراطية من المجال السياسي إلى المجال الاقتصادي مع تأميمها للاحتكارات الكبرى. وستتشكل أجهزة السلطة الجديدة، كما كانت مجالس العمال في روسيا، التي استندت على الشعب المسلح، من «هيئة عمّالية تتمتع بالسلطتين التشريعية والتنفيذية في الوقت عينه». وسَتُستبدَل البيروقراطية بالمشاركة الشعبية النشطة في إدارة الدولة والمجتمع. ومن أجل الحيلولة دون نمو طبقة من موظفي الدولة، أدخلت بروليتارية باريس في عام 1871، وبروليتارية روسيا في عام 1917 التدابير التالية:

(1) انتخاب جميع المسؤولين، مع حق النقض. (2) إلغاء الجيش النظامي، واستعاضته بالشعب المسلح. (3) ألا تزيد أجور موظفي الدولة عن أجر العامل. (4) تناوب مناصب ومراكز الدولة بين الناس.

ومع الحد من أسبوع العمل، ستتاح الفرصة للجماهير لتُقحم نفسها في شؤون الدولة، ولِتكتسب مفتاح الثقافة والعلوم والفن. فكما قال إنجلز ذات مرة، إذا مكث الفن والعلوم والحكومة حكرًا على الأقلية، فإنها ستستخدم موقعها ذلك وستسيئ استعماله لخدمة مصالحها الشخصية، كما كان الحال في الدول الستالينية السابقة.

نشأت الدولة تاريخيًا مع نشوء المجتمع الطبقي. ولذلك، فإن الدولة العمّالية، منذ نشأتها، تبدأ بالتلاشي، تزامنًا مع تلاشي الطبقات داخل المجتمع. وهذا هو السبب لوصف إنجلز الدولة البروليتارية بـ«شبه الدولة». وكما أشار لينين في «الدولة والثورة»:

وتحت ظل الاشتراكية تنبعث حتمًا الكثير من وجوه الديموقراطية «البدائية»، لأن جمهور السكان يرتفع لأول مرة في تاريخ المجتمعات المتحضرة إلى الاشتراك المستقل ليس فقط في التصويت والانتخابات، بل أيضًا فيالإدارة اليومية للدولة. ففي ظل الاشتراكية سيقوم الجميع بوظائف الإدارة بالتناوب ويعتادون بسرعة على ألا يحكم أحد.

في المرحلة الدنيا هذه من الاشتراكية، كما دعاها ماركس، يرى المرء المجتمع «كما يخرج لتوه من المجتمع الرأسمالي، وهو لا يزال، من جميع النواحي، الاقتصادية والأخلاقية والفكرية، يحمل سمات المجتمع القديم الذي خرج من أحشائه» (ماركس: نقد برنامج غوتا). على الرغم من انتهاء استغلال الإنسان للإنسان، إلّا أنّ الإنتاج لم يصل بعد إلى مستوىً عال بما يكفي للقضاء على التفاوتات والاختلافات الطبقية في المجتمع، حيث لا يزال الناس بحاجة لاتباع مبدأ: «من لا يعمل لا يأكل». والدولة، على الرغم من طابعها المتلاشي، فإنها لا تزال حارسةً للتفاوتات في المجتمع.

الاشتراكية: المجتمع اللا طبقي

لكن، مع تقدم مستوى الإنتاج، بالاستناد على التخطيط الواعي وأكثر العلوم تقدما، تدخل البشرية إلى عوالم المجتمع الحقيقي الأعلى. ستكون الطبقات والدولة قد تلاشت تمامًا، وسيعتمد المجتمع شعار «من كل حسب قدرته، لكل حسب حاجته». كما أنّ التناقضات بين المدينة والريف، وبين العمل الذهني والبدني ستختفي مع التطوير المتزايد لقوى الإنتاج. وعندئذ يتم تخطي هذا «الأفق الضيق للحق البرجوازي»، على حد تعبير لينين، الذي يرغم المرء على الحساب بحرص المرابين فلا يعمل نصف ساعة أكثر مما يعمله شخص آخر ولا يقبض أجرة أقل من أجرة الآخر. وعندئذ لن يتطلب، عند توزيع المنتوجات من قبل المجتمع، تنظيم كمية المنتوجات التي ينالها كل فرد، فكل فرد سيأخذ بحرية «حسب حاجاته».

ستكون الطبيعة الهمجية للمجتمع الطبقي قد انتهت للأبد، وسيكون عصر ما قبل التاريخ قد انتهى. سيصبح بإمكان القوى المنتجة التي تراكمت عبر آلاف السنين من المجتمع الطبقي وضع الأسس لمجتمع لا طبقي حيث تصبح الدولة وتقسيم العمل غير ضروريين. ستضع الإنسانية لنفسها مهمة غزو الطبيعة وفتح عجائب العلوم والتكنلوجيا الهائلة. فعلى حد تعبير إنجلز: «ستُستبدل حكومة الأشخاص بإدارة الأمور».

وكما أشار تروتسكي: «بمجرد انتهاء الإنسان من القوى الفوضوية لمجتمعه الخاص، فإنه سيندمج في مدقّة ومعوجّة الكيميائي. وستعتبر الإنسانية نفسها للمرة الأولى مادة خام، أو، في أحسن الأحوال، منتجًا جسديًا ونفسيًا شبه مكتمل. وستعني الاشتراكية قفزة البشرية من عالم الضرورة إلى عالم الحرية، وكذلك في المعنى القائل بأن إنسان اليوم المليء بالتناقضات والعديم التناسق سيفسح المجال لجيل جديد أكثر سعادة».

مدخل للاقتصاد الماركسي

مقدمة

اليوم، وتحت احتداد الأزمة الرأسمالية، أصبحت هناك حالة من التعطش للاقتصاد بين العديد من العمّال، إذ أنهم يحاولون فهم القوى التي تحكم حيواتهم. الهدف من هذا الموجز هو تزويدهم، ليس بشرحٍ وافٍ للنظرية الماركسية في الاقتصاد، بل بمدخلٍ إلى القوانين الأساسية التي يعمل بها المجتمع الرأسمالي.

إنّ سطحية الاقتصاديين المدافعين عن الرأسمالية تظهر من خلال عدم قدرتهم على فهم الأزمة التي تعصف بنظامهم، إذ أنّ دورهم يتلخص بالتستر على استغلال الطبقة العاملة و«إثبات» تفوق المجتمع الرأسمالي. إنّ «نظرياتهم» و«حلولهم» الزائفة غير قادرة تمامًا على ترقيع الطبيعة الفاسدة والعفنة للنظام الرأسمالي. وحده التحويل الاشتراكي للمجتمع ومعه تطبيق التخطيط المركزي سينهي جحيم البطالة والأزمات الاقتصادية والفوضى.

لقد نبذ الجناح اليميني للحركة العمّالية إلههم القديم كنيز، واستبدلوه بالحلول الاقتصادية «التقليدية»: من تخفيضاتٍ في الميزانية إلى تجميد الأجور والانكماشات الاقتصادية. أمّا اليسار الإصلاحي فلا يزال متمسكًا بسياسات الرأسمالية القديمة (الإنعاش الاقتصادي، وضبط الاستيراد، وما إلى ذلك)، وهي السياسات التي أثبت الواقع إفلاسها.

التحليل الماركسي للمجتمع الرأسمالي هو وحده القادر على دحض أكاذيب وتشويهات الاقتصاديين الرأسماليين ومكافحة نفوذهم في الحركة العمّالية.

الشروط الضرورية لوجود الرأسمالية

يتركز الإنتاج الحديث في يومنا هذا في أيدي عددٍ من الشركات العملاقة التي تهيمن وتسيطر على حياتنا، كشركة يونيليڤر (Unilever)، وإمبريل كيميكل إندستريز (Imperial Chemical Industries)، وشركة فورد، وشركة بي پي (British Petroleum). وعلى الرغم من وجود شركات تجارية صغيرة، إلّا أنّها لا تمثل إلّا نمط إنتاج الماضي، لا الحاضر، إذ أنّ الانتاج الحديث، بطبيعته، هو إنتاجٌ ضخمٌ واسع النطاق.

في الوقت الحاضر، تسيطر 200 من الشركات الكبرى مع 35 من البنوك والمؤسسات المالية على الاقتصاد البريطاني، كما ينتجون 80 بالمئة من الإنتاج الوطني. لقد تحقق هذا التطور على مدى القرون الماضية من خلال التنافس الشرس والأزمات والحروب. وفي الوقت الذي توقع فيه الاقتصاديون الكلاسيكيون ازدهار التجارة الحرة في المستقبل، أوضح ماركس كيف أن المنافسة ستؤدي حتما للاحتكار وتلاشي الشركات الصغرى. لقد نمت الرأسمالية الاحتكارية من المنافسة الحرة وألغتها.

للوهلة الأولى، قد يبدو وكأن إنتاج السلع موجّهٌ أساسًا لتلبية احتياجات الناس، وهو ما يجب على كل مجتمع القيام به بكل تأكيد، إلّا أنّ السلع، تحت ظل النظام الرأسمالي، لا تُنتَج لمجرد تلبية حاجات أو رغبات المجتمع، بل هي تُنتَج، في المقام الأول، لتباع. هذه هي الوظيفة الأساسية للصناعة الرأسمالية.

فكما قال الرئيس السابق لشركة بريتش ليلاند: «إنني أعمل لكسب المال، لا لصنع السيارات». تمثل هذه العبارة التطلع المثالي للطبقة الرأسمالية برمّتها.

يتطلب نمط الإنتاج الرأسمالي وجود عددٍ من الشروط. أولًا، وجود فئة كبيرة من العمّال المفتقرين للملكية، المجبورين على بيع قوة عملهم من أجل عيش حياتهم. ولذلك، فإن المفهوم المحافظ لـ«ديمقراطية المالكين» ليس سوى سخافة تحت ظل النظام الرأسمالي، لأنّه إذا ما امتلكت أغلبية الشعب ما يكفيها من الممتلكات لتلبية حاجيّاتها، فلن يجد الرأسماليون عندئذ عمّالا لإنتاج أرباحهم. ثانيًا، يتطلب النظام الرأسمالي تمركز وسائل الإنتاج في أيدي الرأسماليين. فعلى مر القرون القليلة الماضية، سُحق الفلاحون ومن يملكون وسائل خاصة بهم للعيش بلا رحمة، حيث استولى الرأسماليون وملّاك الأراضي على وسائل رزقهم، وأرغموا العمال على الإنتاج وخلق فائض القيمة.

القيمة والبضائع

كيف يعمل النظام الرأسمالي؟ وبأيّ طريقة يُستغل العمال بها؟ ومن أين تأتي الأرباح؟ وكيف تحدث الأزمات؟

للإجابة على هذه الأسئلة، لا بد أولًا من معرفة مفتاح اللغز: ماهي القيمة؟ ما إن تُحل هذه المسألة، حتى تصبح الأجوبة للأسئلة الأخرى واضحة. إنّ فهم القيمة لهو أمر ضروريّ لتحليل وفهم الاقتصاد الرأسمالي.

تنتج جميع الشركات الرأسمالية سلعًا أو خدمات، أو على الأصح، تنتج بضائع، أي تلك السلع أو الخدمات التي لا تنتج أصلًا إلّا ليتم بيعها. بالطبع، بإمكان فرد ما صنع شيء لاستخدامه الشخصي، وهو ما اضطر العديد من الناس فعله قبل وجود الرأسمالية. غير أنّ هذه المنتجات لا تمثّل بضائعا. الإنتاج الرأسمالي هو، أولًا وقبل كل شيء، «تراكم هائل للسلع». وهذا هو السبب الذي جعل ماركس يبدأ أبحاثه عن الرأسمالية بتحليله لخصائص البضاعة نفسها.

لدى جميع البضائع قيمة استعمالية، أي أنها مفيدة لشخص ما، وإلّا فلن يمكن بيعها. القيمة الاستعمالية لبضاعة ما تتحدّد بخصائصها الفيزيائية.

لكن، إلى جانب القيمة الاستعمالية، لدى جميع البضائع قيمة تبادلية. ما هي هذه القيمة، وكيف يمكن تحديدها؟

إذا ما تغاضينا، في الوقت الحالي، عن مسألة المال، فإننا نجد أن البضائع يتم تداولها وفقا لنسب معيّنة:

زوج حذاء واحد (ساعة واحدة) = عشر أمتار من القماش (ثلاث زجاجات من الويسكي) (عجلة سيارة واحدة)

جميع البضائع الموجودة في الجانب الأيمن يمكن تبادلها مقابل عشرة أمتار من القماش، كما يمكن تبادلها مع بعضها البعض بنفس النِسب المتواجدة.

يبين هذا المثال البسيط أنّ القيم التبادلية لهذه البضائع المختلفة يعبر عن شيء ما متضمن فيها. لكن، ما الذي يجعل زوج حذاء يساوي 10 أمتار من القماش؟ أو مساواة ساعة واحدة لـ3 زجاجات من الويسكي؟ وهلم جرا…

من الواضح وجود قاسم مشترك بين هذه البضائع، ومن الواضح أنّ الأمر لا يتعلق بالوزن أو اللون أو الصلابة. كما أنّ الأمر لا يتعلق أيضا بفائدتها الاستعمالية. فالخبز، في نهاية المطاف، أقل قيمة من سيارات رولز رويس، هذا في حين أنّ الأول ضرورة أساسية بينما الآخر ليس إلّا مجرد شكل من أشكال الترف. إذن، ما هي الخاصية التي يتشاركانها؟ الشيء الوحيد الذي يتشاركانه هو كونهما نتاجًا للعمل البشري.

والعمل البشري الوارد في البضائع يعبر عنه بالوقت: الأسابيع، الأيام، الساعات، والدقائق.

وللعودة للمثال أعلاه، من الممكن التعبير عن هذه البضائع من حيث العامل المشترك بينهما: الوقت اللازم لإنتاجهم.

5 ساعات من العمل لإنتاج الأحذية

5 ساعات من العمل لإنتاج العجلات

5 ساعات من العمل لإنتاج الساعات

5 ساعات من العمل لإنتاج الويسكي

5 ساعات من العمل لإنتاج القماش

متوسط العمل

إذا ما نظرنا إلى البضائع باعتبارها قيمًا استعمالية (أي باعتبارها مفيدة)، فإننا نجد «الحذاء» أو «الساعة» كنتاج لنوع معيّن من العمل، بمعنى أنهم نتاج عمل الإسكافي أو الساعاتي، إلخ. لكن، في تبادلها، يُنظر للبضائع بشكل مختلف، حيث تَفقد خصائصها الذاتية وتَظهر كوحدات محددة من متوسط العمل. ففي التبادل، نحن الآن نقارن كميات العمل البشري الواردة في هذه البضائع. جميع العمل، في عملية التبادل، يختزل بمتوسط وحدات العمالة.

صحيح أنّ البضاعة المنتجة من قبل اليد العاملة الماهرة تحتوي على قيمة أكبر من تلك التي تنتجها اليد العاملة غير الماهرة. ونتيجةً لذلك، في عملية التبادل، تقاس وحدات العمالة الماهرة بعددٍ محددٍ من العمالة غير الماهرة. فعلى سبيل المثال، تساوي وحدة واحدة من العمالة الماهرة ثلاث وحدات من العمالة غير الماهرة. بعبارة أخرى، تساوي العمالة الماهرة ثلاثة أضعاف العمالة غير الماهرة.

وهكذا، فإن قيمة بضاعة ما تحدد بمقدار «متوسط العمل» اللازم لإنتاجها (أو الوقت الذي يستغرقه إنتاجها). لكن، إن توقفنا عند هذا الحد، قد يبدو وكأن العامل الكسول (أو البطيء) ينتج قيمة أكبر من أكثر العمّال كفاءةً!

دعونا ننظر، على سبيل المثال، إلى إسكافيِّ (صانع أحذية) يُقرر استخدام أساليب العصور الوسطى القديمة لإنتاج الأحذية. باستعماله هذه الأساليب، يستغرق الإسكافيّ يومًا كاملًا لإنتاج زوجٍ واحدٍ من الأحذية. لكن، عندما يحاول بيعها في السوق، فإنه سيجد أن تكلفتها ستكون مماثلة للأحذية المنتجة من قبل المصانع الحديثة الأفضل تجهيزًا.

إن كانت تنتج هذه المصانع زوج الحذاء بغضون نصف ساعة، على سبيل المثال، فإنها ستتضمن على قدر أقل من العمالة (وبالتالي قيمة أقل)، وسوف تباع بالنتيجة بسعر أقل، مما سيعرض الإسكافي المستخدم للأساليب القرون الوسطى للإفلاس، إذ أن العمل الذي يبذله في زوج أحذية ما بعد نصف ساعة هو عمل ضائع وغير ضروري تحت ظروف الإنتاج الحديثة. تفاديًا للإفلاس، فإنه سيكون مضطرًا لإدخال التقنيات الحديثة في عملية إنتاجه، ليساوي وقت إنتاجه، على الأقل، الوقت الضروري الذي تستغرقه الشركات الحديثة.

في أي مرحلة من المراحل، عند النظر إلى متوسط العمل والآلات وأساليب الإنتاج المستخدمة فيها، فإننا نجد أن جميع البضائع تتطلب وقتا معيّنًا من الوقت لإنتاجها. هذا الوقت يخضع لمستوى التقنية الموجود في المجتمع. وكما قال ماركس، يجب أن تنتج جميع البضائع خلال الوقت الضروري اجتماعيًا. أي أنّ العمل الذي يزيد عن وقت العمل الضروري هو عمل عديم الجدوى، سيؤدي إلى ارتفاع التكاليف جاعلًا الشركة المعنيّة غير قادرة على التنافس.

ولنكون أكثر دقة، تُحدّد قيمة البضاعة بمقدار العمل الضروري اجتماعيًا لإنتاجها. وبطبيعة الحال، يتغير وقت العمل هذا باستمرار مع استحداث وإدخال تقنيات وأساليب جديدة في الإنتاج، حيث تقضي المنافسة على المنتِجين الأقل كفاءة.

وهكذا، بإمكاننا أن نفهم سبب تمتع الجواهر بقيمة أكثر مقارنة مع السلع اليومية، إذ نحن بحاجة إلى المزيد من وقت العمل الضروري لإيجاد واستخراج الجواهر مقارنة مع إنتاج البضائع العادية، وبالتالي فإن قيمتها أعلى بكثير.

كذلك، يمكن للشيء أن يكون ذي قيمة استعمالية من دون احتوائه على قيمة، بمعنى أن يكون شيئًا مفيدًا دون أن يتطلب أي وقت عمل ضروري لإنتاجه: كالهواء والأنهار والتربة والمروج الطبيعية، إلخ. وبالتالي، فإن العمل ليس المصدر الوحيد للثروة (القيمة الاستعمالية)، فالطبيعة هي مصدر للثروة أيضًا.

مما سبق، نرى أن الزيادة في الإنتاجية تُفضي إلى زيادة في كمية الأشياء المنتجة (الثروة المادية)، إلّا أن بإمكان ذلك أن ينتقص من قيمة تلك الأشياء، أي أنّها ستحتوي على كمية أقل من العمل. بالتالي، فإن زيادة الإنتاجية تؤدي إلى زيادة في الثروة (بإنتاج معطفين من الممكن كسي شخصين، بإنتاج معطف واحد من الممكن كسي شخص واحد فقط). أي أن بإمكان زيادة كمية الثروة المادية أن تتزامن من انخفاض قيمتها التبادلية.

النقود

نتيجة للصعوبات المرتبطة بالمقايضة، تم تحويل عدد من السلع التي يكثر استخدامها إلى «عملة». ومع مر القرون، فَرضت إحدى السلع تلك – الذهب – نفسها باعتبارها «المعادل العالمي».

وبدلًا من مقارنة هذه السلع مع كمية محددة من الزبد أو اللحم أو القماش، إلخ، أصبح يعبر عنها بالذهب. السعر هو التعبير النقدي للقيمة. وقد اعتُمد الذهب بسبب خصائصه، إذ أنه يركز قيمة كبيرة في حجم صغير، ويمكن بسهولة تقسيمه إلى كميات مختلفة، كما أنه صلب شديد المقاومة.

وقيمة الذهب نفسها، كما هو الحال بالنسبة لبقية البضائع، يتم تحديدها بمقدار وقت العمل الذي استغرق إنتاجها. فلنفرض، على سبيل المثال، أنّ إنتاج أونصة من الذهب يستغرق 40 ساعة من العمل. عندئذ، ستساوي جميع السلع الأخرى، التي يستغرق إنتاجها نفس الوقت، أونصةً واحدةً من الذهب. أمّا السلع التي يستغرق إنتاجها نصف الوقت، فلن تساوي إلّا نصف ذلك المبلغ، إلخ.

أونصة واحدة من الذهب = 40 ساعة من العمل

نصف أونصة من الذهب = 20 ساعة من العمل

ربع أونصة من الذهب – 10 ساعات من العمل

وبالتالي:

سيارة (تستلزم 40 ساعة من العمل) = أونصة واحدة من الذهب

طاولة (تستلزم 10 ساعات من العمل) = ربع أونصة من الذهب

نظرًا للتغيّرات المستمرة الطارئة على تقنيّات الإنتاج وزيادة إنتاجية العمل، فإن قيم البضائع لا تتوقف عن التغيّر باستمرار، مثلها مثل القطارات العديدة التي تدخل المحطة وتخرج منها باستمرار في الأوقات المختلفة. إذا اعتمدت قطارًا معيّنًا كمعيار لقياس حركة القطارات الأخرى، فلن يؤدي ذلك إلّا إلى الارتباك. أمّا إن وقفت على منصة ثابتة، فسيصبح بإمكانك الحكم بدقة على ما يجري. وفيما يتعلق على التغيّرات الطارئة على جميع البضائع، يلعب الذهب دور المقياس. وعلى الرغم من كونه الأكثر استقرارًا، إلّا أن قيمته كذلك في تغيّر مستمر، إذ لا توجد بضاعة بقيمة ثابتة تمامًا.

أسعار البضائع

يتحكم قانون القيمة على أسعار البضائع. فكما هو موضح أعلاه، قيمة بضاعة ما تساوي كمية العمل الوارد فيها. ونظريا، فإن القيمة تساوي السعر. لكن، قيمة البضاعة تميل، في الواقع، لأن تكون أدنى أو أعلى من قيمتها الحقيقية. يحدث هذا التقلب بسبب التأثيرات المختلفة على سعر السوق، كنمو الاحتكارات. كما أنّ تقلبّات العرض والطلب تشكل عاملًا مهمًا أيضًا. فعلى سبيل المثال، في حال وجود فائض من بضاعة ما، فإن سعر تلك البضاعة سوف يميل نحو الانخفاض إلى ما دون قيمتها الحقيقية، لكنه سيرتفع في حال حدوث نقص. لقد أدّى تأثير العرض والطلب لاعتقاد الاقتصاديين البرجوازيين أنّ هذا القانون هو العامل الوحيد المتدخل في تحديد السعر. لكنّهم لم يتمكنوا من شرح سبب تقلب الأسعار دائما حول نقطة معيّنة. هذه النقطة ليست نتاجًا للعرض والطلب، بل هي ناتجة عن وقت العمل الذي استغرقه إنتاج تلك البضاعة. فتكلفة الشاحنة ستكون دائما أغلى من تكلفة دلوٍ بلاستيكي.

الأرباح

ابتكر بعض «العباقرة» نظرية أن الأرباح تنشأ من بيع البضائع بسعر يزيد عن سعر شرائها. يوضح ماركس في كتابه «الأجر والسعر والربح» زيف هذا الادعاء:

ما يربحه المرء دائمًا كبائع لا بد أن يخسره دائمًا كمشتر. ولا عبرة للقول في أنّ ثمّة أناسًا هم مشترون دون أن يكونوا بائعين، أو مستهلكين دون أن يكونوا منتجين. فإن ما يدفعه هؤلاء الناس للمنتجين، ينبغي أن يكونوا قد أخذوه في البداية من هؤلاء بدون مقابل. وحين يشرع أحدهم بأخذ مالك ثم يرده إليك بشراء بضائعك، فإنك لن تغتني أبدًا حتى ولو بعتها له بسعر باهظ جدًا. ومثل هذا النوع من الصفقات قد يقلل من الخسارة، إلّا أنه لا يمكن أبدًا أن يسهم في تحقيق الربح.

قوة العمل

في اقتنائه على مختلف «عوامل الإنتاج»، لا ينظر الرأسمالي لـ«سوق العمل» إلّا كفرع آخر من فروع سوق البضائع العامة. إنّه لا ينظر لقدرات وطاقات العامل إلّا بمجرد كونهما بضاعةً أخرى. وهكذا، فإنه ينشر الإعلانات لتوظيف عدد من «الأيدي» العاملة.

هنا، يجب علينا أن نكون واضحين عمّا اشتراه الرأسمالي من العامل. في الواقع، لا يبيع العامل عمله، بل يبيع قدرته على العمل، وهذا ما يسميه ماركس «قوة العمل».

قوة العمل هي بضاعة تخضع قيمتها لنفس القوانين التي تخضع لها البضائع الأخرى. وقيمتها، كذلك، تتحدد بمقدار وقت العمل الضروري اللازم لإنتاجها. قوة العمل هي قدرة العامل على العمل، وهي «تُستهلك» من طرف الرأسمالي خلال يوم العمل. وهذا يفترض مسبقًا وجودَ وصحةَ وقوةَ العامل. وبالتالي، فإن قوة العمل تعني «صيانة» العامل لنفسه، وإنجاب أجيال جديدة من «الأيدي» العاملة للرأسمالي.

وقت العمل الضروري لصيانة العامل هو وقت العمل الضروري لإنتاج وسائل معيشته ومعيشة أسرته: من مأكل وملبس ووقود، إلخ. كمية هذه الوسائل تختلف باختلاف البلدان، والمناخات، والمراحل التاريخية. فما يكفي لمعيشة عامل في منطقة ما لا يكفي لمعيشة منجم في منطقة أخرى، وما كان كافيا لمعيشة منجم قبل خمسين سنة لن يكون كافيًا اليوم لمعيشة عامل في مصنع سيارات. وفي هذه المسألة، على عكس قيم البضائع الأخرى، تبرز عناصر تاريخية ومعنوية أيضا. وهكذا، فإنه في بلد معيّن، وفي مرحلة تاريخية معيّنة، يوجد «مستوى معيشة» محدد (وبالمناسبة، خلق احتياجات جديدة هو بالضبط حافز جميع أنواع التقدم البشري).

الاحتيال

وبصرف النظر عن إعادة الإنتاج اليومي لقوة عمل العمّال، وإعادة إنتاج جنسهم، يضطر الرأسمالي، عند مرحلة معيّنة من تطور التقنية الرأسمالية، توفير قدر معيّن من التعليم للعمال لتكييفهم من ظروف الصناعة الحديثة وليرفع من إنتاجيتهم.

وعلى خلاف معظم البضائع الأخرى، لا يدفع مشترو قوة العمل ثمنها إلّا بعد أن يستهلكوها. وهكذا، فإن العمال يُقرِضون أرباب أعمالهم مجانًا! (الأمر الذي قد يمتد لأسابيع عدة، من غش وتحايل تافه، مؤديًا لفقدان الأجور).

لكن، على الرغم من ذلك، لم يتعرض العامل للاحتيال، إذ أنّه وافق على العقد بمحض «حريته». وكما هو الحال مع جميع البضائع الأخرى، حيث تُتَبادل القيم المتساوية: فإن بضاعة العامل (قوة عمله) تُباع لرب العمل بـ«سعر السوق». الجميع راض عن الاتفاق، أمّا إذ لم يرضى العامل به، فهو حر للمغادرة والبحث عن عمل آخر، لو كان بإمكانه.

يطرح بيع العمل مشكلة: إن لم يتعرض أحد للاحتيال، إن تلقّى العامل القيمة الكاملة لبضاعته، فأين يكمن الاستغلال؟ الجواب يكمن في أنّ العامل لم يبع عمله للرأسمالي (الذي يتلقّى قيمته في يوم العمل)، بل باع قوة عمله – أي قدرته على العمل.

بمجرد شراء الرأسمالي قوة العمل كبضاعة، فإنه حر ليستخدمها كيفما يشاء. فكما أوضح ماركس: «بمجرد دخول العامل إلى مكان العمل، تصبح القيمة الاستعمالية لقوة عمله، وبالتالي استخدامها أيضا، الذي يتمثل بالعمل، ملكًا للرأسمالي».

فائض القيمة

سنرى في المثال التالي كيف أنّ قوة العمل هي البضاعة الوحيدة التي بإمكانها إنتاج قيم جديدة تفوق وتتجاوز قيمتها الحقيقية.

دعونا نلقي نظرةً على عاملٍ يعمل في غزل القطن إلى خيوط، ولنفترض أنه يتلقى مقابل عمله دولارًا واحدًا لكل ساعة، وأنه يعمل ثماني ساعاتٍ في اليوم، وأنّه ينتج خلال أربع ساعات مئة كيلوجرام من الخيوط تبلغ قيمتها عشرين دولارًا. تتكون قيمة العشرين دولارًا هذه مما يلي:

المواد الخام: 11 دولارًا (القطن، المغزل، والكهرباء)

كلفة التلف: دولار واحد (كلفة التلف والاستعمال)

القيمة الجديدة: 8 دولارات.

بإمكان القيمة الجديدة، التي أُنتجت خلال أربع ساعات، دفع أجر العامل لمدة ثمان ساعات، أي المدة الكاملة ليوم العمل. عند هذه النقطة، يكون الرأسمالي قد غطّى جميع تكاليفه (بما في ذلك إجمالي أجره)، لكن، ولحدود هذه اللحظة، لم يتم إنتاج أي فائض قيمة (الربح) بعد.

خلال الأربع ساعات التالية، سيقوم العامل من جديد بإنتاج مئة كيلوجرام من الخيوط بقيمةٍ قدرها عشرون دولارًا، ومرة أخرى سيتم إنتاج قيمة جديدة قدرها ثمانية دولارات. لكن، هذه المرة، تكون الأجور قد تم تغطيتها مسبقًا. وبالنتيجة، تكون القيمة الجديدة هذه (الـثمان دولارات) فائض قيمة. من هنا يأتي الريع (لمالك الأرض)، والفائدة (لمقرض المال)، والأرباح (للصناعي). وبالتالي، فإن فائض القيمة أو الربح هو، وفقًا لماركس، عمل الطبقة العاملة غير مدفوع الأجر(أي أنه العمل الذي يستخرجه الرأسمالي من العامل دون مقابل).

يوم العمل

يكمن سر إنتاج فائض القيمة في استمرار العامل بالعمل حتّى بعد أن أنتج القيمة الضرورية لإعادة إنتاج قيمة قوة عمله (أجره). فكما قال ماركس: «إن كون مدة نصف يوم من العمل كافية لإبقاء العامل على قيد الحياة لا تمنع مطلقًا من تشغيله طوال اليوم».

لقد باع العامل بضاعته، ولا يمكنه الاحتجاج على الطريقة التي استُخدم بها، تمامًا كما لا يمكن للخياط الذي باع معطفًا لزبونه أن يطلب منه عدم ارتدائه لمعطفه كثيرا. وبناءً على ذلك، ينظم الرأسمالي يوم العمل بشكلٍ يمكنه تحقيق أقصى قدر من الربح من قوة العمل التي اشتراها. وهنا يكمن سر تحول النقد إلى رأس مال.

رأس المال الثابت

خلال عملية الإنتاج، تفقد الآلات والمواد الخام قيمتها الاستعمالية، إذ أنها تُستَهلك وتُستوعَب في المنتج الجديد، أي أنها تُحوِّل قيمتها إلى البضاعة الجديدة.

يظهر هذا واضحًا في حالة المواد الخام (الخشب، والمعادن، والأصباغ، والوقود، إلخ) التي يتم استهلاكها بالكامل في عملية الإنتاج، ولا تعيد الظهور مرة أخرى إلّا في خصائص المادة المنتجة.

أمّا الآلات، من ناحية أخرى، لا تختفي بنفس الطريقة، بل تتدهور وتتلف في سياق عملية الإنتاج، حيث تتآكل ببطء. وكما هو الحال بالنسبة للفرد، فإنه من الصعب تحديد مدى حياة آلة ما. لكن، مثلما تقوم شركات التأمين الصحية، بفضل المعدلات الإحصائية، بحسابات دقيقة للغاية (ومربحة للغاية) للعمر المتوقع لزبائنهم، يمكن للرأسمالي كذلك أن يحدد، بفضل الخبرة والحسابات، كم من الوقت ستظل آلة ما صالحة للاستعمال.

إنّ تلف الآلات والخسارة اليومية لقيمتها تحسب على هذا الأساس، وتضاف إليها تكلفة البضاعة المنتجة. ولذلك، تضيف وسائل الإنتاج للبضاعة قيمتها الخاصة في نفس الوقت الذي تتلف فيه قيمة استعمالها خلال عملية الإنتاج. وبالتالي، لا يمكن لوسائل الإنتاج أن تنقل للبضاعة قيمةً أكبر من تلك التي فقدتها خلال عملية الإنتاج. ولذلك نسميها برأس المال الثابت.

رأس المال المتغير

وفي حين لا تضيف وسائل الإنتاج أيّ قيمة جديدة للبضائع المنتجة، بل تتلف فقط، يضيف عمل العامل قيمة جديدة بمجرد عمله. ولو توقفت عملية العمل بمجرد إنتاج العامل لبضائع تساوي قيمتها قوة عمله (8 دولارات في الـ4 ساعات في مثالنا أعلاه) لكانت هذه هي القيمة الجديدة الوحيدة الناشئة عن عمله.

لكن عملية العمل لا تتوقف عند ذلك الحد، فذلك لا يغطي إلّا الأجر الذي يقدمه الرأسمالي للعامل. غير أن الرأسمالي لا يوظف العامل بهدف فعل الخير، بل بهدف تحقيق الأرباح. وبعد أن أبرم العامل بـ«حرية» عقدًا مع الرأسمالي، فإنّه يجب عليه العمل لإنتاج قيمة تفوق ذلك المبلغ الذي سيحصل عليه كأجر.

إنّ وسائل الإنتاج من جهة، وقوة العمل من جهة أخرى – اللتان تعتبران «عوامل إنتاج» الاقتصاد البرجوازي – تمثلان الشكلين المختلفين اللتين ينتحلهما رأس المال الأصلي في المرحلة الثانية من مراحل الإنتاج الرأسمالي: المال (الشراء) – البضائع (الإنتاج) – المال (البيع).

ينظر الاقتصاديون البرجوازيون إلى هذه العوامل باعتبارها عوامل متساوية. أمّا الماركسية، في المقابل، فتميز بين ذلك الجزء من رأس المال الذي لم يطرأ عليه أيّ تغيير في قيمته في عملية الإنتاج (الآلات والأدوات والمواد الخام) والجزء المتمثل بقوة العمل الذي ينتج قيمة جديدة. الجزء الأول من رأس المال يدعى برأس المال الثابت، أمّا الجزء الآخر فيدعى برأس المال المتغير. والقيمة الإجمالية للبضائع تتكون من رأس المال الثابت (ر.ث.)، ورأس المال المتغير(ر.م.)، وفائض القيمة (ف.ق.): ر.ث. + ر.م. + ف.ق.

العمل الضروري وفائض العمل

من الممكن تقسيم العمل الذي تقوم به الطبقة العاملة إلى قسمين إثنين:

  1. العمل الضروري: الجزء الضروري من عملية العمل لتغطية تكاليف الأجور.
  2. فائض العمل (العمل غير المأجور): العمل الإضافي الذي يقوم به العامل، والذي ينتج الأرباح.

لمضاعفة أرباحه، يحاول الرأسمالي باستمرار تقليص تكاليف الأجور. وهو يعمل ذلك عن طريق محاولته، أولًا، إطالة يوم العمل، واستحداث أنماط تناوب جديدة، إلخ. وثانيًا، زيادة الإنتاجية لتغطية كلفة الأجور بشكل أسرع. وثالثًا، معارضة أي ارتفاع في الأجور أو تخفيضها إن سنحت الفرصة.

معدل فائض القيمة

بما أنّ الهدف الأساسي من الإنتاج الرأسمالي هو استخراج فائض القيمة من عمل الطبقة العاملة، فإن العلاقة بين رأس المال المتغير (الأجور) وفائض القيمة (الأرباح) هي علاقة ذات أهمية كبرى، إذ لا تتضاعف أو تتقلص إحداهما إلّا على حساب الأخرى. في نهاية المطاف، الصراع على فائض القيمة هو ما يشكل في جهوره الصراع الطبقي. لا يهم الرأسمالي قدر فائض القيمة المنتج بقدر ما يهمه معدل فائض القيمة، فهو يترقب ربحًا كبيرًا مقابل كل دولار يستثمره في رأس المال. إن معدل فائض القيمة هو معدل استغلال رأس المال للعمل. يمكن التعبير عن هذه المعادلة بـ: قسمة فائض القيمة على العمل الضروري (رأس المال المتغير) أو ف.ق./ر.م. فلنفترض، على سبيل المثال، أن إجماليّ رأس المال في مصنع صغير هو 500 دولار، والذي يمكن تقسيمه بين رأس المال الثابت (410 دولارات) وبين رأس المال المتغير (90 دولارًا). ولنفترض أن قيمة البضاعة قد ارتفعت، خلال عملية الإنتاج، بمقدار 90 دولارًا، إذن:

(ر.ث. + ر.م.) + ف.ق. = (410 + 90) + 90 = 590

أيّ أن إجمالي القيمة الجديدة هي 590 دولارا.

إنّ رأس المال المتغير هو العمل الحي، بمعنى أنه ينتج قيمة جديدة متمثلةً بفائض القيمة. وبالتالي، فإن الزيادة النسبية للقيمة المنتجة من طرف رأس المال تعطينا معدل فائض القيمة: ف.ق./ر.م. = 90/90 = 100٪. أي أن معدل فائض القيمة هو 100٪.

معدل الربح

وتحت ضغط التنافس على الصعيدين الوطني والدولي، يضطر الرأسمالي على الدوام إلى إحداث ثورة في وسائل الإنتاج ومضاعفة الإنتاجية. إن الحاجة لتوسيع نطاق إنتاجه، يدفع الرأسمالي لاستثمار نسبة أكبر وأكبر من رأس ماله على الآلات والمواد الخام، ونسبة أصغر على قوة العمل، الأمر الذي يقلص من نسبة رأس المال المتغير بالنسبة إلى رأس المال الثابت. وجنبًا إلى جنب مع الأتمتة (أو المكننة) يجري تمركز رأس المال، وتصفية الشركات الصغرى، وهيمنة الاحتكارات الكبرى على الاقتصاد، الأمر الذي يمثل تغيّرا في تكوين رأس المال التقني.

لكن، بما أنّ رأس المال المتغير (قوة العمل) هو وحده مصدر فائض القيمة (الربح)، فإن زيادة الاستثمار في رأس المال الثابت يؤدي إلى ميل معدل الربح للانخفاض. وعلى الرغم من إمكانية تنمية الأرباح بشكل هائل من خلال زيادة الاستثمارات، إلّا أنّ هذا النموّ لا يتناسب طرديًا مع كميات رؤوس الأموال المستثمرة.

فلنأخذ، على سبيل المثال، رأسماليٍّ صغير يبلغ مجمل رأس ماله 150 دولارًا، يتكوّن من رأس مال ثابت (50 دولارا) ورأس مال متغير (100 دولار). فلنفترض، كذلك، أنه وظف عشرة أشخاص لإنتاج طاولات وكراسي مقابل 10 دولارات في اليوم. بعد يوم عمل واحد، يكونون قد أنتجوا قيمةً جديدةً مقدارها 250 دولارا.

إجمالي رأس المال: الأجور المدفوعة = 100 دولار

رأس المال الثابت = 50 دولارًا

فائض القيمة = 100 دولار

يمكن حساب معدل فائض القيمة كالتالي: ف.ق./ر.م. = 100 دولار/100 دولار = 100٪.

معدل الربح هو نسبة فائض القيمة إلى إجمالي رأس المال: 100 دولار/150 دولارا = 66.66٪ معدل الربح.

كلما زادت كمية رأس المال الثابت، انخفض معدل الربح. ففي نفس المثال، إذا احتفظنا بمعدل فائض القيمة، ورفعنا كمية رأس المال الثابت من ٥٠ دولارا إلى 100 دولار، يصبح معدل الربح = فائض القيمة/مجمل رأس المال = 100 دولار/200 دولار = 50٪. وإذا ما رفعنا كمية رأس المال الثابت إلى 200 دولار، مع الحفاظ على الكميات الأخرى، يصبح معدل الربح = فائض القيمة/مجمل رأس المال = 100 دولار/300 دولار = 33.33٪. وأخيرًا، إذا رفعنا رأس المال الثابت إلى 300 دولار، فإن معدل الربح سيكون 100 دولار/400 دولار = 25٪.

هذه الزيادة في رأس المال الثابت يعبّر، في المصطلحات الماركسية، عن تكوين عضوي أعلى لرأس المال، وهو ما يُعتبر تطور تقدمي لقوى الإنتاج. تشكل هذه النزعة جزءًا متأصلًا في طبيعة نمط الإنتاج الرأسمالي، والتي كانت ولا تزال إحدى المشاكل الرئيسية التي تواجه الطبقة الرأسمالية في فترة ما بعد الحرب العالمية الثانية. تتمثل هذه المشكلة في أنّ مجمل فائض القيمة يزداد، لكن رأس المال الثابت يتضاعف بنسبة أكبر، الأمر الذي يؤدي إلى انخفاض معدل الربح. يحاول الرأسماليون باستمرار التغلب على هذا التناقض من خلال مضاعفة استغلالهم للطبقة العاملة، لزيادة مجمل فائض القيمة وبالتالي معدل الربح، بوسائل تختلف عن الاستثمار. وهم يقومون بذلك من خلال عدد من الطرق، الطريقة الأولى هي من خلال مضاعفة معدل الاستغلال، وزيادة سرعة الآلات، وإطالة يوم العمل. أمّا الطريقة الثانية فهي من خلال خفض أجور العمال إلى ما دون قيمتها الحقيقية. إن قوانين النظام الرأسمالي تولد بذاتها تناقضات هائلة.  إن سعي الرأسماليين المستمر وراء المزيد والمزيد من الأرباح يدفع بالاستثمارات إلى الأمام، إلّا أن إدخال تقنياتٍ جديدةٍ في عملية الإنتاج يؤدي إلى ارتفاع معدلات البطالة. لكن، وللمفارقة، عمل الطبقة العاملة هو وحده مصدر الربح.

تصدير رأس المال

تتميز أعلى مراحل الرأسمالية – الإمبريالية – بتصدير هائل لرأس المال. ففي بحثهم عن مضاعفة معدلات أرباحهم، يضطر الرأسماليون لاستثمار مبالغ ضخمة في الخارج، أي لاستثمارها في دول يكون فيها التكوين العضوي لرأس المال ضعيفًا. وبالنتيجة، يمد نمط الإنتاج الرأسمالي يده ليصبح مهيمنا على العالم كله، كما تنبأ بذلك كلٌّ من ماركس وإنجلز في البيان الشيوعي قبل أكثر من مائة عام.

تتلخص إحدى أهم التناقضات الرئيسية للنظام الرأسمالي بمسألة أنه يجب على الطبقة العاملة، باعتبارها مستهلكة، أن تكون قادرة على شراء ما تنتجه. لكن، بما أنّها لا تحصل على القيمة الكاملة لعملها، فهي لا تملك القدرة للقيام بذلك. يحاول الرأسماليون حل هذا التناقض من خلال إعادة استثمار فائض القيمة لتطوير قوى الإنتاج. كما يحاولون أيضًا بيع ما لديهم من فائض في السوق العالمية، منافسين رأسماليي البلدان الأخرى. إلّا أنّ لذلك حدود، حيث يلعب جميع رأسماليو العالم اللعبة نفسها. وبالإضافة إلى ذلك، يلجأ الرأسماليون لعمليات الإقراض (الائتمان)، من خلال النظام المصرفي، لتوفير قوة شرائية لسكان العالم تمكنهم من شراء السلع المختلفة. لكن، هذا أيضا له حدود، فالقروض يجب أن تسدد (مع الفائدة) في نهاية المطاف.

وهذا ما يفسر سبب وقوع ركود اقتصادي بشكل دوري منتظم في أعقاب فترات النمو. إن الصراع المسعور للهيمنة على السوق يتسبب بأزمة فائض الإنتاج. إن الطبيعة التدميرية لهذه الأزمات، التي يرافقها تدمير واسع النطاق لرؤوس الأموال المتراكمة، هي مؤشر كاف للأزمة التي يواجهها النظام والمجتمع الرأسمالي.

جميع العوامل التي أدت إلى النموّ الاقتصادي في فترة ما بعد الحرب العالمية الثانية، قد مهدّت الطريق بشكل متزامن للأزمات والركود. ما يميز هذه الحقبة هي الأزمة البنيوية التي تعصف بالنظام الرأسمالي. إذا ما تم القضاء على النظام الرأسمالي، فستواجه الطبقة العاملة، عند مرحلة معيّنة، أزمة مماثلة لأزمة عام 1932. وحده القضاء على فوضى الإنتاج الرأسمالي سيمكن البشرية من تجنب فوضى الرأسمالية وإهدارها وهمجيتها. ووحده القضاء على الملكية الخاصة لوسائل الإنتاج سيمكن البشرية من التحرر من قوانين الرأسمالية لتتطور وتزدهر بطريقة مخططة عقلانية. وبإمكان القوى الإنتاجية الجبارة، التي شيّدها المجتمع الطبقي، وضع حد نهائي فعلي لفضيحة فائض الإنتاج في عالم منكوب بالجوع والحرمان. إنّ القضاء على التناقض بين تنمية قوى الإنتاج والدولة القومية والملكية الخاصة سيضع الأسس لخطة إنتاج أممية.

وباستخدام قوى العلم والتكنولوجيا، سيصبح من الممكن تغيير العالم بأكمله في غضون عقد واحد من الزمن. إن التحول الاشتراكي للمجتمع لا يزال المهمة الأكثر إلحاحًا أمام الطبقة العاملة العالمية. وحدها الماركسية تقدم السلاح والتحليل الذي لا غنى عنه في تحرر الطبقة العاملة ونضالها من أجل الاشتراكية في جميع أرجاء العالم.

تسعدني تعليقاتكم

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s