المشروع الصهيوني الاستعماري — لانس سيلفا

Posted: 17 يونيو 2016 in مختارات سياسية
الوسوم:, , , , , , ,
لانس سيلفا
المصدر: سوشالست ووركر
ترجمة: فريق الترجمة
الناشر: مدونة ما العمل؟

في شهر مايو/أيار لعام 1948، أعلن ديفد بن غوريون – أوّلُ رئيسِ وزراء لإسرائيل – إنشاء دولة إسرائيل. بعد ذلك مباشرة، شنّ المقاتلون اليهوديّون في فلسطين حربًا أسمتها إسرائيل بـ«حرب الاستقلال». وبحلول اختتام الهدنة التي عقدتها إسرائيل مع جيوش مصر وشرقيّ الأردن وسوريا في 1949، تمّ إجبار أكثر من 750،000 فلسطينيّ على الرّحيل من أراضيهم. أصبحوا لاجئين في بلادهم، بلادٌ تتحكم بها الآن الجيوش اليهودية الصهيونية.

بالتالي، كان تأسيس إسرائيل قمّة حملةٍ طالت 50 عامًا شنّها الصهاينة السياسيّون من أجل تأسيس دولةٍ يهوديّة.

زعم الصهاينة أنّهم يعبّرون عن توق يهود العالم من أجل «تحرّرٍ وطنيّ». ولكن، إن كانت الصهيونية حركة تحرّرٍ وطنيّ، فقد كانت حركةً ليس لها مثيل.

فَعِوضًا عن السعي من أجل التحرّر من الإمبريالية، تودّدت الصهيونية للقوى الإمبريالية من أجل الحصول على رعايتها. وعوضًا عن ضمان حق تقرير المصير لشعب فلسطين – وأغلبهم كانوا عربًا – قام الصهاينة بطردهم. وعوضًا عن تمثيل تعبيرٍ شعبيّ واسع من أجل القتال ضدّ الاضطهاد الوطني، لم تكن الصهيونية إلّا طائفة صغيرة طوال وجودها قبل الحرب العالمية الثانية.


الصهيونية السياسية، حسب تعبير ناثان وينستوك صاحب كتاب «الصهيونية: المُخلِّص الزائف» (Zionism: False Messiah)، هي «عقيدة تنبع من التسليم بعدم إمكانية خلق توافق ما بين اليهود وغيرهم، وتدعوا لهجرةٍ ضخمة لبلادٍ غير متقدّمة بهدف تأسيس دولةٍ يهوديّة».

نشأت الصهيونية السياسة كاستجابةٍ لتزايد معاداة الساميّة في أوروبا نهايات القرن التاسع عشر. فقد حرّكت أجواءُ اليأس والاضطهاد هذه ردود فعلٍ عدّة لدى السّكان اليهود، من ضمنها كان قوميّةً متنامية، حيث يشدّد ناثان على كون «القوميّة اليهودية، بالخصوص في نوعها الصهيونيّ، كانت مفهومًا جديدًا تمامًا نتج عن السياق الاجتماعي-السياسي لأروبا الشرقية في القرن التاسع عشر».

تلقّت الصهيونية السياسية أقوى تصريحاتها في كتاب «دولة اليهود»، كتبهُ عامَ 1896 الصحفيّ اليهوديّ النمساويّ تيودور هرتزل، وهو يُعتبَر «والد» الصهيونية السياسية. كان هرتلز رجلًا كثيرَ السفر، وقد أعطى تغطيةً صحفية لمحاكمة باريس عام 1894 للكولونيل ألبيرت دريفوس، وهو ضابطٌ عسكريّ يهوديّ لفّقت عليه السلطات العسكرية الفرنسية تهمة التجسس. بإمكان المرء أن يرى في قضية دريفوس كمثالٍ لإمكانية الاتحاد ما بين اليهود وغير اليهود للقتال ضدّ معاداة السامية، ولكنّ هرتزل لم يقُم بذلك، إذ كتب لاحقًا في مذكراته: «في باريس…حقّقتُ موقفًا أكثر تحرّرًا بشأن معاداة السامية، حيث بدأت الآن بفهمها تاريخيًا وبمسامحتها. أدركت – في المقام الأوّل – الآن حماقة وعُقمَ محاولةَ محاربةِ معاداة السامية».

عقد هرتزل المؤتمر الصهيوني الأول في مدينة بازل في سويسرا عامَ 1896، حيث فوّضَ مئتا مندوبٍ من 17 دولة بتأسيس المنظمة الصهيونية العالمية من أجل القيام بحملة لتأسيس «وطنٍ مُعترَفٍ به علنيًا ومُأمّنٍ قانونيًا في فلسطين».

على عكس هرتزل، دافع الاشتراكيون عن اليهود الذين واجهوا اضطهادًا، وقاتلوا أيضًا ضد العنصرية المعادية لليهود إذ رأوها سُمًّا للحركة العمّالية. في تلك الفترة، شجب أوغست بيبيل – أحد قيادات الحزب الديموقراطي الاشتراكي الألماني – معاداة السامية واصفًا إيّاها بـ«اشتراكيّة الحمقى» لكونها تصرف نظر العمّال عن عدوّهم الحقيقيّ، ألا وهي الطبقةُ الحاكمة، وتوجّها نحو أكباش فداءٍ يهوديّة. وقال كارل كاوتسكي، وهو قائدٌ آخر في الحزب، أنّ التمايز الطبقيّ لدى السكان اليهود يعني أنّ وضع اليهود سيكون مرتبطًا ارتباطًا لا ينفصل عن حركة الطبقة العاملة الكُليّة.

ولكونِ الاشتراكيين أكّدوا على الحاجة لمحاربة معاداة السامية في الدول التي عاش فيها أغلبُ اليهود، جنّدت الحركة الاشتراكية اليهود بأعدادٍ كبيرة.

بيَّنَت الثورة البلشفيّة لعام 1917 ما تعنيه الاستراتيجية الاشتراكية للتحرّر اليهوديّ في الواقع. في بلادٍ وظَّفَ فيها القيصر وأتباعه معاداة السامية لتفرقة العمّال، رشّح العمّال الرّوس بلاشفةً يهوديين مثل تروتسكي وزينوفييف وكامينيف وسفيردلوف لمناصب قيادية في الحكومة الثوريّة.

أعلنت الثورة إطلاق الحريّات الدينية وألغت القيود القيصرية على التعليم والسكن لليهود. وأثناء الحرب الأهلية (1918-1922) في مواجهة جيوش الثورة المضادة التي ذبحت اليهود بالآلاف، فرض الجيش الأحمر الثوريّ عقوباتٍ قاسية – من ضمنها الإعدام – على أيّ مشاركٍ في هذه المذابح في صفوفِها.

في الحكومة العمّالية، أُعطيَت اليديشيّة مكانةً مساوية لبقيّة اللغات، وعمِلت «مفوضيّة الشؤون اليهودية» و«لجنة يهودية» خاصة داخل الحزب البلشفي مع بعضهما البعض من أجل انخراط اليهود في شؤون الدولة العمالية ولإقناع الجماهير اليهودية بالاشتراكية.

شهدت السنوات الأولى من الثورة ازدهارًا غير مسبوق للحياة الثقافية اليديشيّة واليهودية. في عاميّ 1926 و1927، حضر أكثر من نصف طلّاب المدارس اليهود مدارِسَ يديشية وقامت 10 مسارح للدولة بأداء مسرحيات باليديشية. بحلول أواخر العشرينات، عمِل قرابة 40 بالمئة من العمّال اليهود لدى الحكومة.

بالتالي، وبحلول العشرينات، كان الصهاينة مُهمّشين من كلّ الجوانب. بيّنَ أغلبية يهود العالم بوضوح رغبتهم بالهجرة للدول الغربية، وقد ناضل آلاف اليهود الذين بقوا في أوروبا الشرقية من أجل حياة أفضل، مكتسِبينَ تضامنًا من العديد من إخوتهم وأخواتهم من غير اليهود. وبحلول 1927، كان عدد من هاجروا إلى فلسطين ومن هاجروا مِن فلسطين متساويًا. كان مدى جدوى المشروع الصهيونيّ حينها محلّ شك.


حين باشر الصهاينة بحملتهم من أجل وطنٍ يهوديّ، لم يَدَعوا أيَّ تعلّقٍ إيديولوجيّ بفلسطين يقف عقبةً في طريقهم.

واقعًا، في السنوات الأولى بعد تكوين هرتزل للمنظمة الصهيونية العالمية، تناظر الصهاينة حول عددٍ من الأهداف البديلة للاستعمار، مثل: أوغندة، وأنغولا، وشمال أفريقيا. وفي 1903، قبل هرتزل باقتراح الحكومة البريطانية باستعمارٍ يهوديّ في أوغندة، وقد كان قرارًا مثيرًا للجدل في صفوفِ الصهاينة.

وضع موتُ هرتزل عام 1904 حدًّا لمخططات الاستعمار خارج فلسطين. ومع ذلك، فالمناظرة حول مناطق بديلة للدولة اليهودية فضحت المشروع الصهيونيّ من ناحيتين. أولًا: برهن أنّ الصهيونية السياسيّة وضعت أولويّةً للمشروع الاستعماري فوق أيِّ اشتياق شعبٍ يهوديّ عمرُه 2000 عامًا لـ«العودة» لفلسطين. ثانيًا: برهنت أيضًا أنّ الصهيونية – منذ ولادتها – اتّكلت على رعاية القوى الأوروبية من أجل أهدافها الاستعماريّة الاستيطانية.

لم يخفي الصهاينة الأوائل أملهم في أن تصبح دولة اليهود ما وصفه هرتزل قائلًا: «جزءً من درع أوروبا ضدّ آسيا، قاعدة أماميّة للحضارة في مواجهة البربريّة». نضح مؤسِّسو الصهيونية بعنصريّةٍ مُناصِرة للإمبريالية ضدّ ما اعتبروه «الشعوبَ المتخلّفة» لآسيا وأفريقيا.

ومن ناحية سعيهم لرعاةٍ إمبرياليين، لم يجد الصهاينة وازعًا يمنعهم من التعامل مع أيّ نظام، مهما كان مقدارُ عفنُه أو معاداتُه للساميّة.

وأثناء الحرب العالمية الأولى، تزلّف صهاينة بارزون للإمبريالية البريطانية، إذ أمِلوا أنّها ستكافئهم بعد أن تهزم الإمبراطورية العثمانية التي تحكمت حينها بفلسطين. حقّقوا هدفهم حينها بوعد 1917 مِنْ قِبل السياسيّ المحافظ لورد بلفور. أعلن وعد بلفور تأييد بريطانيا لـ«تأسيس وطنٍ قوميّ للشعب اليهوديّ في فلسطين» تحت حمايةٍ بريطانيّة.

رأى كلٌ من البريطانية والصهاينة في تأسيس دولةٍ يهوديّة حصنًا للإمبريالية ضد انتشار البلشفية، حيث شَرَح ونستون تشرتشل لاحقًا – وكان حينها وزيرًا – دوافع بريطانيا في القبول بتوقّعات الصهاينة: «سيكون تأسيس دولةٍ يهوديّة تحت حماية التاج البريطاني…مُفيدًا من كلّ النواحي وسيكون بالخصوص في انسجامٍ مع المصالح الحقيقيّة للإمبراطورية البريطانية».

وكان إيقاف «خطط» الثوريّ الروسيّ ليون تروتسكي، حسب وصف تشرتشل، «بتأسيس دولة شيوعيّة عالمية تحت هيمنة يهوديّة» من أهمّ تلك المصالح. وبذلك برهن تشرتشل كونه صهيونيًا متحمّسًا ومعادٍ مسعور للساميّة!

تحت إعلان بلفور، وعدت بريطانيا الصهاينة بكلٍ من فلسطين وشرقيّ الأردن (الأردن الحديث)، ولكنّ ضغوطًا من البلدان العربيّة أجبرت بريطانيا على التراجع عن وعدها بشأن شرقيّ الأردن عامَ 1922. قَبِلَ عموم الحركة الصهيونية، بقيادة ديفد بن غوريون وحاييم وايزمان، بقرار بريطانيا، ووافقوا لاحقًا على القبول بقرار بريطانيا باقتصار الهجرة اليهودية لفلسطين فقط.

أشعل ذلك شقاقًا كبيرًا في الحركة الصهيونية، إذ قامت أقليّة – بقيادة الكاتب البولندي فلاديمير جابوتنسكي – بالاحتجاج على الواقعية السياسية (realpolitik) لبن غوريون ووايزمان. جادَلَ جابوتنسكي أنّه على الصهاينة أن يُصرّوا على احتلال «جانبيّ نهر الأردن» وأن يرفضوا الانصياع لأيّ حدودٍ تفرضها بريطانيا.

ومن أجل تهدئة الرأي العام العربي، أسمت الحركة الصهيونية العالمية مُستعمرتها في فلسطين «وطنًا». ولكنّ جابوتنسكي أصرّ أنّه على الصهاينة أن يعبّروا عن هدفهم بإنشاء دولةٍ يهوديّة في فلسطين علنًا. اعتُبِرَ برنامج جابوتنسكي كمناشدة لتصحيح استراتيجية المنظمة الصهيونية العالمية، وبالتالي سُمّيَ أتباعه بـ«التصحيحيين» في أوساط الحركة الصهيونية.

كَتَبَ جابوتنسكي بصراحة عامَ 1923 في مقالٍ له بعنوان «الجدار الحديديّ»:

ليس بإمكاننا أن نعطي أيّ تعويضٍ مقابل فلسطين، لا للفلسطينيين أو للعرب الآخرين. بالتالي، فأيّ اتفاقية طوعيّة لا يمكن القبول بها. يجب أن تستمرّ كلّ المشاريع الاستعماريّة، مهما كانت محدودة، رغمًا عنرغبات الشّعب الأصليّ. وبالتالي، ليس بإمكانها أن تستمرّ وتنمو إلّا خلف درع القوّة، وهذا الدرع «جدارٌ حديديّ» لا يتمكّن الشعب المحلّي أبدًا من اختراقه. هذه هي سياستُنا تجاه العرب. وسيكون من النفاق أن نصيغها بأيِّ شكلٍ آخر.

شكّل جابوتنسكي أوّلَ تحدٍّ فعليّ لهيمنة إيديولوجيّة «الصهيونية العمّالية» داخل عموم الصهيونيّة. هيمنت «الصهيونية العمالية» – إذ تعود جذورها لحركة «بوالي صهيون» (عمّال صهيون) أوائل القرن التاسع عشر – على كلّ المؤسسات الرئيسية للصهيونية واليشوب، ألا وهو المجتمع الاستيطاني اليهودي في فلسطين. ولو كان «اتحاد عموم العمّال اليهود في ليتوانيا وبولندا وروسيا» (BUND) يمثّل اشتراكيين يميلون للقومية، فالصهاينة العمّاليّون يمثّلون قوميين وظّفوا خطابًا ظاهِرُه اشتراكيّ من أجل كسب المؤيدين وإبعادهم عن الأحزاب الاشتراكية الحقيقية.

حتى 1977، حين أصبح مناحيم بيغن – الذي وصَفَ نفسه بالإرهابيّ – أوّلَ رئيس وزراءٍ تصحيحيّ لإسرائيل، كان الصهاينة العمّاليون النموذج الفعلي لما تعنيه «الصهيونية» في مخيّلة أغلب الناس. ولكن العمّاليين («اليسار» الصهيوني) والتصحيحيين («اليمين» الصهيوني) لم يختلفوا إلا في الوسائل، لا الغايات.

كلاهما دعما دولةً يهوديّة حصرًا. ومثلَ حكّام نظام الأبارثهايد الجنوب أفريقي، كان التصحيحيّون مستعدّون لتوظيف السكّان الفلسطينيين الأصليين، بينما سعى العمّاليّون لتبديل العمّال الفلسطينيين بعمّالٍ يهود. كلاهما بحثا عن دعمٍ من الإمبريالية. مالَ الصهاينة العمّاليّون تجاه الإمبريالية البريطانية والأمريكية، بينما قام التصحيحيّون بمبادراتٍ للفاشستية الإيطالية والألمانية.


حاول الصهاينة أن يُقنعوا أنفسهم أنّ فلسطين كانت أرضًا غير مأهولة، على الرغم من أنّه لأكثر من 1300 عام، قطنتها أغلبيّة عربيّة مسلمة – تعيش جنبًا إلى جنب مع يهودٍ ومسيحيين – في ولايةٍ للإمبراطورية العثمانية هناك.

اشترى الصهاينة أراضٍ – وموطئ قدم في فلسطين – مِن مُلّاك الأراضي العرب الغائبين في عشرينات القرن العشرين. ولاحقًا، في الثلاثينات، باع فلسطينيّون أغنياء أراضيهم للصهاينة. لم يشتري «روّادٌ» صهاينة الأراضي بشكلٍ فرديّ، إنّما من اشترتها كانت منظّماتٍ صهيونيّة كـ«الصندوق القومي اليهوديّ» وذلك من أجل توفير قاعدة للاستيطان اليهوديّ في البلاد. أخرج الصهاينة الفلّاحين الفلسطينيين قسرًا من أراضيهم، مُدخلينَ إيّاهم حالة فقرٍ وحرمان. ضمنت السلطات البريطانيّة للصهاينة أفضليّةً في الوصول للموارد المائيّة والموارد الأخرى الضرورية.

بعد أن زرعوا ذاتهم في فلسطين، شرع الصهاينة بتأسيس اقتصادٍ يهوديّ وحكومةٍ منفصلتين تحت سمع وبصر سلطات الانتداب البريطاني. واسموا سياستهم الاقتصادية بـ«غزو الأرض والعمالة اليهوديّة»، وصفٌ زهريّ لطرد الفلسطينيين من حياة بلادهم الاقتصادية.

قاوم الفلسطينيّون حرمانهم، ففي 1936، عقدت المنظّمات الفلسطينية إضرابًا عامًا ضدّ الفقر المتزايد وضدّ الصهاينة وضدّ رعاة الصهاينة البريطانيين. استمرّ الإضراب والانتفاضات المُسلّحة التي تبعته ثلاث سنواتٍ قبل أن تنهار تحت ثقل القمع الصهيونيّ والبريطاني. يبرهن دورُ الصهاينة أثناء الثورة الفلسطينية جليًا أنّ الصهيونيّة العماليّة لا تملك أيّ قاسمٍ مشترك مع التضامن العمّالي الحقيقي.

كانت حِدّةُ الثورة مُستمدّة من حقيقة كون الخطر الصهيونيّ على فلسطين قد أصبح جليًا في الثلاثينات. فطوال ذلك العقد، تزايد عدد السّكان اليهود في فلسطين. شقّ آلاف اليهود الهاربين من الاضطهاد في أوروبا الوسطى والشرقية – والممنوعين من دخول بريطانيا وأمريكا والبلدان الغربية الأخرى – طريقهم إلى فلسطين. وما بين 1931 و1945، تضخّم تعداد السكان اليهود في فلسطين من 174،000 حتى وصل لـ 608،000 شخص.

وعلى الرّغم من كون اليهود لم يشكّلوا إلّا ثلث سكّان فلسطين عشيّة إعلان إنشاء دولة إسرائيل عام 1948، فقد كانوا أقليّةً متسلّحةً جيّدًا وقويّة. ومع تزايد السكان اليهود، تزايدت الاستفزازات الصهيونية ضد الفلسطينيين.

الأرجح أنّه من دون الهولوكوست، لم يكن مُمكنًا تأسيس دولة إسرائيل. جنّدَ الصهاينة المهاجرينَ لدولة إسرائيل من آلاف الناجين من الهولوكوست، حيث تمّ تدمير مجتمعات هؤلاء في أوروبا.

وما هو أهمّ من ذلك على الأرجح، وفّرت مذبحة الهولوكوست تبريرًا مُقنعًا لتأسيس دولةٍ يهوديّة، حيث أثبتت أنّ غير اليهود في طبعهم معادون للساميّة، أو هكذا زعم الصهاينة. وبذلك، فاليهود القاطنون في مجتمعاتٍ غير يهوديّة يواجهون خطر الإبادة المستمرّ. وبحلول نهاية الحرب، اتّفق أغلب اليهود مع الصهاينة.

والأكثر من ذلك هو أنّ الإبادة الجسديّة النازية للموجات السياسية البديلة في المجتمع اليهودي زادت من دعم الصهيونية. وبينما عقد النازيون مساوماتٍ مع القادة الصهاينة طواعيةً طوال الثلاثينات والأربعينات، فقد تأكدوا من قتل كلّ مقاتل مقاومةٍ شيوعيٍّ أو اشتراكيّ أو يهوديّ قابلوه. بينما عزم النازيّون على قتل كلّ اليهود، بغضّ النظر عن معتقداتهم السياسية، فقد نظّموا أنفسهم لقمع معارضة الطبقة العاملة والمعارضة الاشتراكية قبل صياغتهم لـ«الحلّ الأخير» بكثير.

أجبرت الحرب بريطانيا على ترك كثيرًا من أراضي إمبراطوريتها، من ضمنهم فلسطين. وتركت بريطانيا بذلك للأمم المتحدة مهمّة تقرير مصير فلسطين. وفي نوفمبر/تشرين الثاني لعام 1947، وافقت هذه الأخيرة على خطّة تقسيم، إذ منحت الخطّة الصهاينة 55 بالمئة من أرض فلسطين (مع كونهم لا يشكّلون إلّا ثلث سكّان البلاد)، وتُرِكَ للأغلبيّة الفلسطينية 45 بالمئة من بلادهم. قُرِّرَ للقدس أن تكون «مدينةً دوليّة» مُتاحةً بتساوي لليهود والمسيحيين والمسلمين.

قبِلَت القيادات اليهوديّة بخطة التقسيم علنًا، ولكنّهم خطّطوا في السّر لهجمةٍ عسكريّة للاستحواذ على ما أمكن من الأراضي الفلسطينية. اتّحد «اليمين» و«اليسار» الصّهيوني لاختطاف البلاد واستخدموا الإرهاب والحرب النفسية والمجازر ليخلقوا الذعر في أوساط الفلسطينيين.

وفي أكثر المجازر شُهرةً، قامت ميليشيات «إرغون» التصحيحية و«المقاتلون من أجل حرية إسرائيل» – وقادتهما كانا رئيسا الوزراء المستقبليّين مناحيم بيغن وإسحاق شامير – بسفك دماء سكّان قرية دير ياسين بأكملها. قام المغاوير «بصفّ الرجال والنساء والأطفال مقابل جدارٍ وأطلقوا النار عليهم» وفق وصف منظمة الصليب الأحمر للمجزرة. وبعد ما جرى في دير ياسين، استخدم الصهاينة التهديد بالقيام بمجازر لإجبار الفلسطينيين على الهرب من منازلهم في مدنٍ مثل حيفا ويافا.

ولسنوات، قدّم التاريخ الصهيونيّ عددًا من المزاعم عن حرب 1948 على أنّها «حقائق»، مثل: أنّ إسرائيل الصغيرة واجهت القوة العربية الضخمة، وأنّ القيادات الفلسطينيّة شجّعت الشعب على الهرب من البلاد، وأنّه لم تكن هنالك خطط صهيونيّة لطرد الفلسطينيين، وأنّ الفلسطينيين رفضوا التقسيم وبدأوا الحرب. ومع ذلك، فقد برهنت أبحاثٌ تاريخية حديثة – مبنية على وثائق كانت «سريّة للغاية» لجيش الدفاع الإسرائيلي – أنّ كلّ هذه المزاعم باطلة.

حينما انتهت الحرب، قبض الصهاينة على أكثر من 77 بالمئة من أراضي فلسطين، من ضمنها 95 بالمئة من الأراضي الزراعية الجيدة في البلاد. سرقت دولة إسرائيل 80 بالمئة من الأراضي الفلسطينية المملوكة ملكًا خاصًا، وتمّ طرد أكثر من 750،000 فلسطينيّ من منازلهم، حيث انتقل مستوطنون يهود لهذه الأراضي. وبذلك، المجتمع الفلسطينيّ تمّ تدميرُه.

على أساسٍ من الحرب والقتل بُنيَت دولة إسرائيل. كسبت الصهيونية هدفها القديم: دولةً يهوديّة. ولكن كما يبيّن لنا قرنٌ كامل من تاريخ الصهيونية السياسية وكما يبرهن لنا تاريخ دولة إسرائيل، فليس في ذلك ما يستحقّ الاحتفال.

 

Advertisements

تسعدني تعليقاتكم

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s