أنا امرأة وإنسان: نقدٌ ماركسيّ نسويّ لنظرية التقاطعيّة – إيڤ‎ ميتشل

Posted: 19 يونيو 2016 in مختارات سياسية, عمال وجماهير
الوسوم:, , , , , , ,
إيڤ‎ ميتشل
المصدر: ليبكوم.أورغ
ترجمة: فريق الترجمة
الناشر: مدونة ما العمل

سادت في الولايات المتحدة – في أواخر القرن العشرين وبدايات القرن الواحد وعشرين – مجموعة معيّنة من السياسات على المشهد اليساريّ، فاليوم حين تذهبين لأي جامعةٍ أو في أي عددٍ من المدوّنات والمواقع من الليبرالية منها وحتى اليساريّة، ستبرز كلمتا «الهويّة» و«التقاطعيّة» أمامك كالنظريّة المهيمنة. ولكن هذه النظريّة – كغيرها من النظريات – تتطابق مع نشاط الطبقة العاملة في استجابةٍ مع التكوين الحاليّ لرأس المال. فالنظريّات ليست سحابة تعوم فوق الطبقات مُمطِرةً عليها بالأفكار، بل النظريات هي مثلما كتبت عنها رايا دونيفسكايا: «إنّ أفعال الطبقة الكادحة تخلق الإمكانية التي تتيح للمثقّف أن يستنتج نظريّة ما» (الماركسيّة والحريّة، ص: 91). وبالتالي، من أجل أن نفهم النظريات المهيمنة في عصرنا يجب أن نفهم أيضًا الحركات الفعليّة للطبقة الكادحة. وفي هذه الورقة سأنظر لتاريخ سياسات الهويّة ونظريّة التقاطعيّة في محاولةٍ لتكوين نقدٍ ماركسيّ لنظريّة التقاطعية وتقديم فهمٍ ماركسيٍّ إيجابيّ للنسويّة.

سياق «الهويّة» و«نظريّة التقاطعيّة»

من أجل فهم «الهويّة» و«نظريّة التقاطعيّة»، يجب أن نفهم حركة رأس المال (بمعنى مجموع العلاقات الإنتاجيّة لنمط الإنتاج هذا في الوقت المعنيّ) التي قادت لتطوّر هذه المفاهيم في الستينات والسبعينات في الولايات المتحدة. وبالتحديد، لكون «نظريّة التقاطعيّة» تطوّرت أساسًا كردِّ فعلٍ للموجة النسوية الثانية، يجب أن ننظر لكيفيّة تكوّن العلاقات الجندريّة تحت نمط الإنتاج الرأسماليّ. أثناء النقلة من النظام الإقطاعي وحتى الرأسماليّة، بدأ التقسيم الجندريّ للعمل – وبالتالي التقسيم في العلاقات الجندرية في وسط الطبقة – باتّخاذ شكلٍ جديدٍ ينسجم مع احتياجات رأس المال. وبعض هذه العلاقات الجديدة تضمّنت التالي:

أولًا، نشأة «الأجور»: الأجر هو نموذج القسر الرأسماليّ، فكما توضّح ماريا ميز في كتابها «الأبويّة والتراكم على مستوىً عالميّ»، استبدل الأجر القنانة وملكيّة العبيد كأسلوب لفرضِ عملٍ مغترِبٍ عن العمّال (بمعنى أنّ العمل الذي تنفّذه العامِلة لا تقوم بِه لنفسها بل لشخصٍ آخر). وتحت نمط الإنتاج الرأسماليّ، لا تملك المنتِجات (وهنّ العمّال) وسائلَ الإنتاج، ولذلك يتطلّب عليهن العمل لشخصٍ يملك وسائل الإنتاج (وهم الرأسماليّون). ولذلك على العمّال أن يبيعوا الشيء الوحيد الذي يملكون، ألا وهو قدرتهن على العمل – أو ما يسمّيه ماركس بـ«قوّة العمل» – للرأسماليين. وهذا أمرٌ جوهريّ لأنّ العمّال لا يُدفع لهن قيمَةَ عمِلهن المحسوس، أو قيمةَ عملِهن في الإنتاج، بل قيمة قُدرتِهن على العمل. هذا الانفصال ما بين العمل وقوّة العمل يُنتِج ظهور تبادلٍ متساوي للقيمة؛ فقد يبدو أنّ العامِلة تحصل على أجرٍ مساوٍ للقيمة التي أنتجتها، لكن الواقع هو أنّها لا يُدفع لها إلّا قيمةَ عملها لفترةٍ معيّنة. علاوةً على ذلك، فـ«يوم العمل» ذاته يُقسّم إلى قسمين: وقت العمل الضّروري وفائض وقت العمل. فأمّا وقت العمل الضّروري فهو الوقت الذي يحتاجه العامل (في المعدّل العام) كي ينتج قيمةً كافية لشراء كلّ سلعة يحتاجها لإعادة إنتاج نفسه (كل شيء، من عشاءه وحتى الـ«آيفون» الخاص به)، وأمّا فائض وقت العمل هو الوقت الذي يعمله العامِل ما بعد وقت العمل الضروريّ. وبما أنّ السعر الجاري للقوّة العاملة هي قيمة كلّ البضائع التي تحتاجها العاملة لإعادة إنتاج نفسها، ففائض العمل هي القيمة التي تذهب مباشرةً لمحفظةِ الرأسماليّين.

وكيَ نأخذ مثالًا، دعنا نقل أنني أعمل في مصنعِ دمى ما، وأحصل على 10 دولاراتٍ في اليوم وأعمل 10 ساعات، وأُنتج 10 دمياتٍ يوميًا، وقيمة كلّ دُمية 10 دولار. في هذه الحالة، لا يدفع لي الرأسماليّ إلّا سعر ساعة واحدة من قدرتي على العمل يوميًا كَي أنتج قيمة كافية لإعادة إنتاج نفسي (دمية واحدة = ساعة واحدة من العمل = 10 دولار). إذًا، فَوَقْتُ عملي الضروري هو ساعة واحدة وفائض وقت العمل الذي أعطيتُ قيمَتَه للرأسماليّ هي 9 ساعات. ولكنّ الأجر يحجب هذه الحقيقة عن أنظارنا. دعنا نستذكر أنّه تحت النظام الرأسمالي، يظهر لنا أننا نحصل على قيمةٍ مساوية لما نُنتج، ولكن في الواقع هو أنّنا لا يُدفع لنا إلى قيمة وقت العمل الضروريّ، أو أقلّ مقدارٍ نحتاجه لنعيد إنتاج أنفسنا. وهذا الوضع كان مُختلفًا تحت النظام الإقطاعي حين كان مقدار العمل الذي يقضيه الإنسان لنفسه ومقدار العمل الذي يقضيه لغيره جليًا. على سبيل، قد يعمل قنٌّ خمس ساعاتٍ أسبوعيًا يحرث فيها الأرض لتنتج طعامًا للسّيد الإقطاعيّ، ويقضي وقت عمله الباقي لنفسه. ونشأةُ الأجر أمرٌ جوهريّ لأنّه فرض التقسيم الجندريّ للعمل قسرًا.

ثانيًا: فصلٌ ما بين الإنتاج وإعادة الإنتاج. حصل فصلٌ ما بين الإنتاج وإعادة الإنتاج جنبًا إلى جنب مع إنتاج السلعة. ولنكون واضحين، لا تشير عبارة «إعادة الإنتاج» لإنتاج الأطفال فقط، وإنما تشملُ تلبية الحاجات المتنوّعة تحت النظام الرأسماليّ مثل طبخ الطعام وتنظيف المنزل والاستماع لزوجك والإمساك بيده حين يشتكي من يومٍ سيّء، ويشمل أيضًا الاعتناء بالصغار وبالمرضى وبكبار السّن والأفراد المُقعَدين في المجتمع. مع نموّ الرأسماليّة – بشكلٍ عام – غالِبًا ما صَاحَبَ العمل المُنتج (أو المُنتِج للقيمة) أجرٌ ما، بينما أعمال إعادة الإنتاج لم تصاحبها أجورٌ (أو كانت أجورها ضئيلة جدًا)، إذ أنّها – في الظاهر – لا تنتج فائض قيمة للرأسماليين. وبذا أُقصيت النساءُ غالبًا من ميدان الإنتاج وبالتالي لم تتسلّمنَ أجورًا لأعمال إعادة الإنتاج التي نفّذنها. وذلك أعطى الرجال مِقدارًا معيّنًا من السلطة على النساء، وخلق خصوماتٍ داخل الطبقة العاملة أسّسها التقسيم الجندري للعمل. تسمّي سيلفيا فديريتشي ذلك في كتابها «كاليبان والساحرة» بمسمّى «أبويّة الأجر» (ص:97-100).

ثالثًا: النشوء المتناقض للعائلة النووية. مع نشوء الرأسماليّة والصناعة واسعة النطاق، اتّخذ جوهر العائلة النووية منحىً متناقضًا. فمن جهة – كما بيّنت مُنظِّراتٌ كسلمى جيمس ومارياروزا دايا كوستا في مقالهما «قوّة النساء وتخريب المجتمع» – زادت قوّة العائلة النووية عن طريق التقسيم الجندري للعمل الذي كوّنه الأجر، وأُقصِيَ النساء والأطفال من الأجر وحُصِرَ عملهم في أعمال إعادة الإنتاج، واستلم الرجال أجرًا وخُصِّص لهم العمل الإنتاجيّ. عنى ذلك أنّ الرجال احتاجوا النساء والأطفال ليعيدوا إنتاج أنفسهم، بينما النساء والأطفال احتاجوا الرجال ليجلبوا أجرًا كَي يتمكّون من إعادة إنتاج العائلة ككُل (هذا الأجر بالطّبع يُضافُ له أحيانًا ما تحصل عليه النساءُ من أجرٍ ضئيل من عملِهنّ كخادماتٍ أو تحت أيّ نوعٍ آخر من وظائف إعادة الإنتاج). إذًا، فمن هذه الناحية، عمل نموّ الرأسمالية على تعزيز العائلة النووية.

ولكن من ناحية أخرى، عملت هذه العلاقات الرأسماليّة على تقويض وإضعاف العائلة النووية. فكما تشير كلٌ من جيمس ودايا كوستا عن التقسيم الجندريّ للعمل:

«[هذا التقسيم] متجذّر في إطار المجتمع الرأسماليّ نفسه: النساء في المنزل والرجال في المصانع والمكاتب، منفصلين عن بعضهما البعض طوال اليوم…رأس المال – بينما يعلّي من الميول الجنسيّة الغيريّة ويجعلُ منها دينًا وعقيدة – فهو في الواقع يجعل من الاستحالة للرجال والنساء أن يختلطوا مع بعضهم البعض، جسديًا أو عاطفيًا – وبذلك يقوّض الميول الغيريّة كانضباطٍ جنسيٍّ واقتصاديّ واجتماعيّ». (جيمس، الجنس والعرق والطبقة، ص: 56)

رابعًا: نشوء «الهويّة» وعلاقتها بالتغريب. يقبلُ جون دي إميليو بمفهوم النموّ المتناقض للعائلة النووية، مجادلًا أنّ «الهويّة المثليّة (وبإمكاننا شملُ «الهويّة الأنثويّة») كـ«فئة» نتجت من خلال هذه الحركة المتناقضة للعائلة النووية. فهو يدعو لخلقِ تفريقٍ ما بين السلوك المثليّ والهويّة المثليّة، إذ يقول:

«لم يكن هنالك – ببساطة – أي “فضاءٍ اجتماعيّ” في النظام الإنتاج الاستعماريّ يسمح للرجال والنّساء بأن يكونوا مثليين. فالسعي للبقاء على قيد الحياة بُنيَ حول المساهمة في العائلة النووية. كانت هنالك بعض الممارسات المثليّة – اللواط ما بين الرجال، و”الرذيلة” ما بين النساء – قام بها بعض الأفراد، ولكنّ [هيمنة]العائلة كانت متفشّية جدًا لدرجة أنّ المجتمع الاستعماريّ افتقر للتصنيف الفئوي لوصف شخصٍ بمثليّ أو سحاقيّة…وبحلول النصف الثاني من القرن التاسع عشر، كان هذا الوضع في حالة تغيّرٍ ملحوظ إذ استحكم نظام العمل الحرّ تحت نمط الإنتاج الرأسماليّ. وفقط حين بدأ الأفراد بكسب معيشتهم عن طريق العمل المأجور – عِوَضًا عن كونهم أجزاء مِن عائلة ذات اتّكالٍ متبادل – أصبح بإمكان الرغبة المثليّة بأن تندمج مع الهويّة الشخصيّة – هويّةٌ مبنيّة على القدرة على البقاء خارج العائلة الغيريّة وبناء حياة شخصيّة مبنيّة على استهواء أصحاب الجنس المماثل». (الرأسماليّة والهويّة المثليّة، ص:104-105)

إن فهم دي إميليو هذا لـ«الهويّة» مفتاحٌ لفهم سياسات الهويّة ونظريّة التقاطعيّة؛ ولكنّي أرغب بتغيير إطار عمله هذا بعض الشيء. ففي تمييزه ما بين «السلوك» و«الهويّة»، يتعرّض دي إيميليو لما يمكن شمسه داخل التصنيفين الماركسيين: «العمل» و«الاغتراب». ولهذا الغرض سأستطرد لإيصال هذه الفكرة.

إنّ العمل بالنسبة لماركس هو تصنيفٌ أو فئة مجرّدة تُعرِّف التاريخ البشري، وفي نصوصه الأولى يشير ماركس للعمل كنشاطٍ ذاتيّ أو نشاط حياتي. وفي نصّ «العمل المغترب»، يكتب ماركس:

«وذلك في المقام الأول لأن العمل – نشاطُ الحياة، الحياة الإنتاجية ذاتها – يبدو للإنسان مجرد وسيلة لإشباع حاجة – الحاجة إلى المحافظة على الوجود الجسدي. غير أن الحياة الإنتاجية هي حياة النّوع (species)، إنها حياة تولد حياة، وطبع أيّ نوع – بطبع كونِهِ نوع – يحويه طابعُ نشاط حياته، والنّشاط الحُر الواعي هو طبع نوع الإنسان. والحياة نفسها لا تظهر إلا كوسيلة للحياة».

النشاط الحياتي – أو العمل – هو تجريدٌ يسمو فوق نماذجه المحدّدة أو نمط الإنتاج المحدد الذي يقع تحت (الرأسماليّة، الإقطاع، أو القبليّة…إلخ). ولكنّ العمل لا يمكن أن يُفهم إلّا داخل سياق هذه النماذج والتنظيمات الاجتماعيّة المختلفة لِعَمَلِنا التي ينخرط فيها البشر في عمليّة تلبية احتياجاتهم الآخذة في التوسّع، مُستحدِثةً حاجاتٍ جديدة وخالِقةً طُرقًا جديدة لتلبية احتياجاتهم. يشملُ العمل كلّ شيء من وظائفنا تحت النظام الرأسماليّ وحتى الحراثة تحت النظام الإقطاعيّ، وحتى خلق الفنّ والشعر، وتشمل أيضًا ممارسة الجنس وإنجاب الأطفال. فمن خلال العمل وتعبيراته أو نماذجه العديدة، ننخرط نحن مع العالم المحيط بنا، مُغيّرينَ العالَم وأنفُسنا أثناء ذلك.

داخل النظام الرأسماليّ، هنالك تفرقة ما بين العمل وبين إرادة العمّال الواعية. فحين يقول ماركس أنّ «الحياة ذاتها لا تبدو أكثر من مجرّد وسيلةٍ للحياة»، يُشير بذلك لهذا التناقُض. كما أشرت آنفًا، ضِمْنَ النظام الرأسماليّ، يُفصل العمل عن وسائل الإنتاج، ولذلك يجب علينا أنّ نعمل لمِنْ يملِكون وسائلَ الإنتاج، فنحن نخرط في نموذجِ العمل ذاته طوال اليوم وكلّ يوم، ونستلمُ أجرًا مقابل هذا النّشاط لكي نستبدله ونلبّي حاجاتنا. نحن ننتج «قيمةً» كي نستبدلها بـ«قيمةٍ استخداميّة» نحن بحاجة لها من أجل البقاء. فهذه المِهنة التي تبدو تحت الرأسماليّة كمجرّد وسيلة لتلبية حاجاتنا، هي في جوهرِها إذًا ممارسة الحياة نفسها (العمل). وبسبب هذا الشقاق ما بين عملنا وإرادتنا الواعية، يُغرّبُ عملنا تحتَ الرأسماليّة، بمعنى أنّه لا يُستخدم لإثرائنا الذاتيّ، وإنما نحن نهديه للرأسماليين، ويُصبِح عملنا متعددُ الجوانب عملًا ذو جانبٍ واحد، إذ يُختزل في مِهنتنا. وفي كتاب «الإيديولوجيا الألمانية»، يكتب ماركس: «حالما يستحكم توزيع العمل، يصبح لكلِّ إنسانٍ إطارٌ معيّن حصريّ من النشاط يُجبَرُ عليه ولا يمكنه الهرب منه. فهو صيّاد أو صائد سمك، أو راعي مواشي أو ناقد، ويجب عليه أن يبقى كذلك إن لم يرغب في خسارة وسيلة معيشته» (ص:53). فنحن لا نكون أبدًا بشرًا كاملي القوّة، ننخرط في كلّ أشكال العمل التي نرغب في المشاركة بها، بل يخصّص لنا نوعٌ واحد من العمل بغرض استبداله لتلبية حاجاتنا؛ فالفرد يكون عامل مركز اتّصالات، أو مصّفف شعر، أو ممرضًا أو معلمًا، وما إلى ذلك. فأُحاديّة الجانب هذه – كشرطٍ لقدرتنا على تلبية حاجاتنا – يتماز بها نمطُ الإنتاج الرأسماليّ.

بإمكاننا القول أنّ الممارسات المثليّة – عن طريق تطبيقِ تصنيفاتِ ماركس هذه على شرحِ دي إيميليو للمثليّة – هي تعبيرٌ عن العَمل أو النشاط الذّاتي والهويّة المثليّة هي شكلُ عملٍ مُستغرِب وأحاديّ الجانب تختصُّ بِه الرأسماليّة. فهو ما يميّز الفارق ما بين الشخص الذي يمارِسُ النشاطاتِ المثليّة بِوَعْيه وبين شخصٍ يتمّ تصنيفُه أو تعريفُه عن طريق نوعٍ واحد من العمل، فهو بذلك: مثليّ. تمرُّ النساء والأقلّيات العرقيّة بتجربةٍ مشابهة أثناء تطوّر الرأسماليّة؛ نقلةٌ من ممارسة أنواعٍ معيّنة من العمل لممارسة أشكالٍ خُصِّصَت للإناث أو لأعراق محدّدة. ولتوضيح ذلك بطريقةٍ أخرى، فتحت الرأسماليّة يتمّ قولبتنا في قالبٍ محدّد: نحن سائق/ساقة حافلة، أو مصفّف/مصفّفة شعر، أو امرأة. فهذه نماذِجُ مختلفة من العمل – أو تعبيراتٌ مختلفة لنشاطنا الحياتيّ (أي الطريقة التي نتفاعل بها مع العالم المحيط بنا) – تعملّ على الحدّ مِنْ قدرتنا على أنّ نُصبِح بشرًا متعدّدي الجوانب.

كانت هنالك ممارساتٌ مثليّة كثيرة وأنواعٌ متعدّدة من التعبير الجندريّ وبعض التقسيمات المبنيّة على لون الجلد في المجتمعات ما قبل الرأسماليّة، ولكنّ «الهويّة» كتصنيفٍ فردانيّ أمرٌ تختصُّ بِه الرأسماليّة.

وإن نظرنا لـ«الهويّة» من وجهة النّظر هذه، سنناضِلُ لأجل مجتمعٍ لا يقيّدنا داخل مسمّياتٍ كـ«سائق/سائقة حافلة” أو «امرأة» أو «كوير»، وسنسعى لمجتمعٍ يسمح للجميع بأن يستخدموا نشاطهم الحياتيّ متعدد الجوانب كيفما شاءوا. بتعبيرٍ آخر، سنناضِلُ لأجلِ مجتمع يلغي تمامًا أو يتجاوز «الهويّات». وسأُسهب في هذه النقطة لاحقًا.

ما هي نظريّة التقاطعيّة وكيف نشأت؟

لم يُصبِح مصطلح «التقاطعيّة» مصطلحًا شائعًا حتى أوائل ثمانينات القرن الماضي، وحسب روايات أغلب المؤرّخات النسويّات، كانت كيمبرلي ويليامز كرينشو أوّل من صاغ هذا المصطلح في سلسلة من المقالات كتبتها ما بين 1989 و1991 تقريبًا (أنظر مثلًا لـ«رسم خرائط الهوامش»). كسبت نظريّة التقاطعيّة شعبيّةً بعدئذ مِنْ قِبل العديد من منظّري العرق والجندر النقديين. وعلى الرّغم من المكان الذي صيغَ فيه هذا المصطلح، تعود جذور نظريّة التقاطعيّة على وجه التقريب لحركات النضال الطبقي في الستينات والسبعينات في الولايات المتحدة وأوروبا، إذ تتميّزُ هذه المرحلة عمومًا بنضالاتٍ مستقلّة مبنيّة على التقسيم العرقيّ والجندريّ للعمل، وكان السّودُ في طليعة النموذج النضاليّ هذا، مُنشئين أنواعًا عديدة من المنظمات، من أحزابٍ ثوريّة كـ«حزب الفهود السود» حتى منظّماتِ عملٍ ذات غالبيّة سوداء كـ«حركة نقابة دودج الثوريّة» (Dodge Revolutionary Union Movement). وأثّرت النماذج النضاليّة هذه على فئاتٍ أخرى مثل النساء البِيض، واللاتينيّون والمثليّون والسحاقيّات، وكوّنوا تنظيماتٍ مشابهة مبنيّة على اصطفافاتٍ عرقيّة وجندريّة وجنسانيّة (بينما وُجِدَت مشاريع متعدّدة الإثنيّات في هذه الفترة الزمنيّة، ووُجِدت تناقضاتٌ عديدة في داخل هذه المنظمات نفسها، بالإمكان القول أنّ هذه الفترة وهذا المكان بالتحديد غلبت عليها نزعة للتنظيم بناءً على هذه التصنيفات). وكان ذلك بسبب التقسيم الجندريّ والعرقيّ للعمل، إذ حوصِرَ أو خُصِّص للسّودِ أحياءٌ معيّنة وأنواعٌ محدّدة من العمل، وكانت قيمة عملِ الإنسان الأسود أقلّ من قيمة عمل الإنسان الأبيض، ونمت هرميّة مُطلقة مبنيّة اجتماعيًا على لون الجلد وفُرِضَت بالقوّة ونشأت عداءاتٌ مماثِلة لها في وسط الطبقة. أن تكون أسودًا يعني أن تكون «شيئًا» [لا «شخصًا»]، ويُخصّصُ لك نوعٌ واحد من العمل: أن تنتج وتعيد إنتاج «السّواد». كانت حركة «القوّة السوداء» بالتالي نضالًا ضدّ اغتراب وأحاديّة الجانب الخاصة بـ«السّواد»، نضالٌ لتحرير العمل وإطلاق العنان لتعدّد جوانِبه، موحّدًا العمل مع إرادته الواعية.

قامت النساء بشكلٍ مماثل على تنظيم مواجهة للتقسيم الجندري للعمل سعيًا لكسر قيود اغتراب «الأنوثة» (womanhood). على سبيل المثال، ناضلت النساء لأجل حرّياتهنّ الجنسية والتكاثريّة سعيًا للسيطرة على وسائل الإنتاج (أجسادهنّ). تصف ماريا ميز طبيعة كون أجساد النساء وسائلَ إنتاجهنّ تحت المنظومة الرأسماليّة، قائلةً بأنّ «أوّل وسائل الإنتاج التي يتصرّف بها الإنسان طبيعيًا هو جسده» وكتبت لاحقًا أنّ «النساء بإمكانهنّ أن يمرّوا بتجربة جسديّة كاملة، ليس فقط أيديهنّ وعقولهنّ. فمن خلال أجسادهنّ يُنتجن أطفالًا جدد وينتجن معهم أوّل طعامٍ لهؤلاء الأطفال» (الأبويّة والتراكم على مستوى عالميّ، ص:52-53). ولأنّ توظيف النساء لأجسادهنّ هو شكلٌ فريدٌ منْ نوعه مِنَ أنواع العمل المغترب للنساء تحت الرأسماليّة، فهو – تاريخيًا – موقع نضالٍ لتحرّرهن. ولكن، هنالك نزعةٌ وسط الموجة النسوية الثانية أيضًا سعت لإعادة إنتاج العلاقات الرأسماليّة، داعيةً لأجل «أجورٍ متساوية للعمل المتساوي». وكلٌ من هاتين النزعتين عملتا في مواجهة العلاقات الاجتماعية المجندرة تحت النظام الرأسمالي وكلٌ منهما شاركتا منهجية سياسات الهويّة، مجادلاتٍ أنّ النساء بإمكانهن الاتّحاد بناءً على تجربة «المرأة» المشتركة، أو بناءً على «الأنوثة».

وفي وسط هذه المجريات استحكمت نظريّة التقاطعيّة. ومع بداية انحسار نضالات الستينات والسبعينات المستقلة، بدأت مجموعاتٌ مثل «جماعة نهر كومباهي» بالاستجابة للتقسيمات الماديّة في وسط الحركة، وجادلن بأنّ حركة الموجة النسوية الثانية البيضاء موضوعيًا استبعدت نساء غير البِيض[*] (women of color) عن طريق افتراضها بأنّ تجربة المرأة البيضاء بالإمكان تعميمها لتشمل هؤلاء النساء، وتفترض ملائمة النساء البِيض للتحدث باسم نساء من غير البِيض، وجادلن في المقابل لوجوب تعلّم الممارسة الثوريّة من تجربة المرأة السوداء السحاقيّة، إذ صرّحن بالتالي:

«يتجسّد هذا التركيز على ظُلمنا الخاص في مفهوم سياسات الهويّة، فنحن نؤمن أنّ أكثر السياسات بلاغةً ولربما أكثرها راديكاليّة تنتج مباشرةً من هويّتنا، خلافًا للعمل على إنهاء ظُلمِ شخصٍ آخر. وفي حالة النساء السّود، هذا المفهوم مفهومٌ معارِض وخطيرٌ ومتوعّدٌ وبالتالي ثوريٌ أيضًا وذلك بسببٍ يتجلّى حين ننظر لكلّ الحركات السياسيّة التي سبقتنا، ففي نظرها كلُّ الناس اكثرُ استحقاقًا منّا للتحرّر». («تصريح جماعة نهر كومباهي»)

وما نتج جرّاء ممارسة حزمة سياسات الهويّة الخاصة بـ«جماعة نهر كومباهي» (السياسات المتمحورة حول المرأة، السحاقيّة، السوداء العاملة) تمّ تعزيزه نظريًا مع نشوء نظريّة التقاطعيّة. عبّرَت منظّرات ومنظّرو التقاطعيّة اللاتي ظهرن في أواخر السبعينات وأوائلِ الثمانينات بحقٍّ عن العداوات في وسط الطبقة العاملة، مجادلاتٍ أنّه من غير الممكن للفرد أن يناقش الجندر بدون أن يناقش العرق والطبقة والجنسانية والإعاقة والعمر وما إلى ذلك.

تصف باتريشيا هيل كولنز نظريّة التقاطعيّة كـ«تحليلٍ يزعم أنّ منظومات العرق والطبقة الاجتماعيّة والجندر والجنسانية والإثنية والأمة والعمر تشكّل سِماتٍ بانية لبعضها البعض، مكوّنةً تجربة النساء السود، وبالتالي يتمّ تكوينها مِنْ قِبل النساء السود» (الفكر النسوي الأسود، ص:299). وباستخدام هذا التعريف وكتابات المنظِّرات البارزات لنظرية التقاطعية، قُمت بتشخيص أربعة عناصر جوهريّة لنظريّة التقاطعيّة: أولًا: سياسات الاختلاف، وثانيًا: نقد منظّمات النساء ومنظّمات الأقليات العرقيّة، وثالثًا: الحاجة لتنمية أكثر الناس اضطهادًا وجعلهنّـ/ـم همـ/ـن القادة، ورابعًا: الحاجة لسياساتٍ تضع كلّ الاضطهادات بعين الاعتبار.

أولًا: سياسات الاختلاف. يجادل منظّرو ومنظّرات التقاطعية أنّ هوياتنا المتنوّعة، مثل العرق والطبقة والجندر والجنسانية وما إلى ذلك، تجعلنا بالضرورة مختلفين عمّن لا ينتمون لتلك الهويات. فبالتالي، لدى الرجل الأسود المثليّ من الطبقة الحاكمة تجربةٌ مختلفة وبالتالي سياساتٌ مختلفة عن امرأة بيضاء غيريّة من الطبقة العاملة. ومن جانبٍ آخر، سيكون لدى الأشخاص ذوي الهويات المشتركة (مثل أن يكونوا سودًا أو سحاقيات) تجربة مشتركة توحّدهم عضويًا كأفراد، وبعض هذه الهويات المشتركة أكثر قابليّة بأن توحّد الناس من غيرها، كما تشرح كولنز:

«من ناحية، تواجه كلّ النساء الأمريكيات-الأفريقيّات تحدياتٍ متشابهة نتجت عن عيشهنّ في مجتمعٍ ينتقصُ تاريخيًا وروتينيًا من النساء ذوات الأصول الأفريقيّة، وعلى الرّغم من أنّ النّساء السود الأمريكيات تواجهن تحدياتٍ مشتركة، فذلك لا يعني أنّ كلّ امرأة أفريقيّة-أمريكيّة لديها نفس التجارب ولا يعني ذلك أنّنا نتّفق على أهمّية تجاربنا المتنوّعة. وبالتالي، ناحية أخرى، على الرغم من التحديات المشتركة التي تواجه النّساء السّود الأمريكيات كفئة، تميّزُ معرفة أو موقف هذه الفئة ردودُ فعلٍ متنوّعة لهذه المواضيع الرئيسيّة. على الرغم من الاختلافات في العمر والميول الجنسية والطبقة الاجتماعية والمنطقة والدين، تواجه النّساء السود الأمريكيات ممارساتٍ مجتمعيّة تقيّدنا وتفرض علينا منازل وأحياء ومدارس ووظائف دونيّة ومثيلها في التعامل الاجتماعيّ، وتُخفى هذه الاعتبارات التميزيية خلف مجموعة من المعتقدات الشائعة حول ذكاء النّساء السود وعاداتهنّ الوظيفية وجنسانيّتهن. هذه التحديات المشتركة تنتج بدورها أنماطًا متكررة من التجارب لكلِّ فردٍ منتمٍ لهذه الفئة». (ص: 25)

هذه الفكرة تشكّل حجر أساسٍ لنظريّة التقاطعيّة: بعض الأفراد أو الفئات يختلفون عن الأفراد أو الفئات الأخرى بناءً على تجاربهم وتجاربهنّ، وبالإمكان فصل ذلك استنادًا لاصطفافاتٍ هويّاتية مختلفة.

ثانيًا: نقد منظّمات النساء ومنظّمات الأقليّات العرقيّة. كانت نساءُ من غير البِيض مهمّشاتٍ في منظّمات النساء و«القوّة السوداء» و«التشيكانويّة» [الأمريكيّون من أصول مكسيكيّة]، وغيرها من تنظيمات الأقليّات. يعزّي أغلبُ منظّرو ومنظّرات التقاطعية ذلك لما تملكه النساء من غير البِيض (وبالتحديد السّود منهنّ) من تجربة فريدة من نوعها مع العرق والطبقة والجندر وغيرها من أنواع الاضطهاد. تجادل كولنز على سبيل المثال أنّ النساء من غير البِيض امتنعن عن الانضمام للمنظّمات النسويّة الخاصة بالبِيض على أساس كون البِيض «عنصريّات ولا يهمّهن سوى بقضايا النّساء البِيض من الطبقة المتوسطة» (ص:5). وتجادل أيضًا بشكلٍ مماثل أنّ دراسات السّود أُسِّسَت عادة على «روحٍ ثقافيّة مُعرّفة بالذكور» وتتضمّن «غالبًا انحيازًا ذكوريًا»(ص:7) على الرّغم من انضمامها التاريخيّ وإحساسها بالتهميش في المنظّمات الأفريقيّة-الأمريكية.  نُعيد مرّةً أخرى بأنّ هذا الهدف والوضع التاريخيّ هو ما تعزّيه مُنظِّرات التقاطعيّة لاختلافاتٍ على خطوطٍ هويّاتيّة.

ثالثًا: الحاجة لتنمية أكثر الناس اضطهادًا قياديًا وجعلهنّـ/ـم همـ/ـن القادة. بعد هذا التحليل، تجادل مُنظِّرات التقاطعيّة أن تجربة الإنسان المضطهد تضع الفرد في موضعٍ فريدٍ في تميّزه لأجل النضال. أي، بعبارةٍ أخرى، إن كُنت قد عانيت من اضطهاداتٍ متعددة مبنيّة على الهويّة، فأنت تشكّل الطليعة في النضال ضدّها. إذ تكتبُ بيل هوكس:

«تحتلُّ النساء السّود – كفئة – موقعًا غير اعتياديّ في المجتمع، وذلك ليس لكوننا نقع جمعيًا في قاع السّلم الوظيفيّ فحسب بلّ لكون حالتنا الاجتماعيّة الكليّة أدنى من حالة أيّ فئة أخرى. ولاحتلالنا هذا الموقع، فقد تحمّلنا أعظم شدائد الاضطهاد الجنسيّ والعرقيّ والطبقيّ. وفي الوقت نفسه، نحن الفئة ذاتها التي لم تنشأ اجتماعيًا لتتخذ دورَ المُستغلّ والظالم، وذلك لأننا لا يُسمح لنا بوجودِ “آخر” مُؤَسَّس بإمكاننا استغلاله أو اضطهاده…فنحن النساء السّود – اللاتي لا يملكن “آخر” مُؤَسَسًا بإمكاننا التمييز ضدّه أو استغلاله أو اضطهاده – كثيرًا ما عشنا تجارِبَ تتحدّى البنى الطبقيّة والعنصريّة الجنسيّة والعرقيّة الغالبة مباشرةً والإيديولوجيا التي تصاحِبها. هذه التجربة المعيشيّة قد تشكّل وعينا بطريقةٍ تجعل نظرتنا للعالم مختلفة عمّن يمتلكون درجةً من الامتيازات (مهما كانت نسبيّتها داخل النظام القائم). ولذلك من الجوهريّ لأيّ نضالٍ نسويٍّ مستمرّ أن ندرك نحن النساء السّود وجهةَ نظرنا الخاصة التي يوفّرها لنا التهميش الذي نعاني منه وأن نوظّف هذه النظرة لانتقاد الهيمنة العنصريّة والطبقيّة والجنسيّة القائمة وأن نتصوّر ونخلق هيمنةً مضادّة». (النظريّة النسوية من الهامش إلى المركز، ص:16)

هذه النّقطة تبرّر الحاجة لتنمية الـ«كوير» والنساء والأقليّات العرقية كقياداتٍ للحراك الاجتماعيّ، وتسمح هذه النقطة أيضًا لمنظّري التقاطعية بأن يفسّروا لِم – تاريخيًا – مال أكثر الناس مواجهة للاضطهاد لأن يكونوا أعلاهم في الروح النضاليّة.

رابعًا: الحاجة لسياساتٍ تضع كلّ الاضطهادات بعين الاعتبار. أخيرًا، يؤيّد منظّرو ومنظّرات التقاطعيّة الحاجة لتحليل كلّ نوعٍ من أنواع الاضطهاد، باستخدام عبارة «نظامِ اضطهاداتٍ متشابِك» (interlocking system of oppressions) أو «مصفوفة هيمنة» (matrix of domination) أو صياغاتٍ أخرى لذلك. الفكرة هي أنّه من المستحيل أن ننظر لهويّة أو فئة من الاضطهاد بدون النظر لكلّ الفئات والهويات الأخرى. وعلى حدّ وصف باربرا سميث، فإنّ «الاضطهادات الرئيسيّة…مرتبطة ترابطًا وثيقًا» (الحقيقة لا تؤلم أبدًا: كتابات حول العرق والجندر والحرية، ص: 112)؛ أيّ أنه من غير الممكن فصلهم عن بعضهم البعض.

قد يبدو في بادئ الأمر أنّ نظريّة التقاطعيّة تتجاوز حدود سياسات الهويّة، ولكنّها في الواقع تعجز عن ذلك. سيبيّن الجزء القادم كيف أنّ نظريّة التقاطعيّة هي بالفعل أيديولوجيا بورجوازية.

نقد ماركسي لسياسات الهويّة ونظريّة التقاطعية

سياساتُ الهويّة هي سياساتٌ متجذّرة في تمظُهرٍ أحاديّ الجانب للرأسماليّة، وهي بالتالي ليست سياساتٍ ثوريّة. كما أُشيرَ آنفًا، بالإمكان مساواة «الهويّة» مع العمل المغترب؛ فهي تعبيرٌ أحاديّ الجانب لمجموع إمكانيّاتِ الجنس البشريّ.

ناقَش فرانز فانون شيئًا مماثلًا في خلاصة كتابة «بشرة سوداء، أقنعة بيضاء»، حيث كتب: «الرّجل الأسود، مهما كان بليغًا، هو عبدٌ للماضي. ولكنّني رجل أيضًا، ومن هذه الناحية فالحرب البيلوبونيسية مُلكي بقدر ما هو اختراع البوصلة» (ص: 200). يشيرُ فانون – من ناحية – لتمظهرٍ خاصٍّ أحاديّ الجانب ألا وهو «السواد»، ومن ناحية أخرى، يُشير للجوانب المتعددة لإنسانٍ يتّصف بعالميّةٍ مُمكنة. إذًا، فانون هو كلٌ من هذين الشيئين في وقتٍ واحد: رجلٌ أسود، ورجل (أو – بشكلٍ أعم – إنسان)، فَلَهُ تصنيفٌ خاصّ وتصنيفٌ عالميّ. تحت الرأسماليّة، نكونُ نحنُ كلًا مِن العامِل المغترب والعَمَل نفسِه، ولكن الاختلاف هو أنّ التصنيف العالميّ لم يتمّ تحقيقه بكليّته.

تخلط سياساتُ الهويّة التي نتجت في الستينات والسبعينات لحظةً معيّنة – أو نُقطةً حاسمة – في علاقاتِ الرأسماليّة مع العالميّ المُحتمَل. وهي علاوة على ذلك تعمل على إعادة إنتاج الشِقاق ما بين المظهر والجوهر. تحت الرأسماليّة، هنالك تناقضٌ ما بين الخاص والعالميّ؛ المظهر والجوهر. فنحن نَظْهَرُ كأفرادٍ مغتربين (سائق حافلةٍ، مصفّف شعر، امرأة، إلخ)، مع أننا في الجوهر أفرادٌ متعدّدو الجوانب قادِرون على أشكالٍ متعدّدة مِنَ العمل. ولكنّ سياسات الهويّة تضخّم جاِنبًا واحد من هذا التناقُض، داعيةً لأجل نضالٍ جماعيّ مبنيٍ على أساس «الأنوثة» أو «السواد» أو الهويّة «السحاقيّة السوداء» وما إلى ذلك. ولكي نستعير مِن فانون، إنّ سياساتُ الهويّة تصرّح بالآتي: «أنا رجلٌ أسود» أو «أنا امرأة» أو «أنا امرأة سوداء سحاقيّة» وما إلى ذلك، وهذه هي الخطوة الأولى. ونضيف على ذلك ما كتبه في الفصل النقديّ من الكتاب نفسه، «التجربة الحيّة للرّجل الأسود»: «أخيرًا اتّخذت قراري؛ لقد قررتُ إن أطلق صرختي الزنجية» (ص:101)، مُتبِعًا ذلك قائلًا: «في نهاية الجهة المقابلة من عالم الإنسان الأبيض وجدتُ عالم السّود السحري يدعوني مُرحّبًا. تمثالًا زنجيًا! لقد بدأتُ وجنتاي تتورّد فخرًا، هل هذا هو خلاصنا؟» (ص: 102) وقال:

«يقفُ الزنجي – بعد إعادة تأهيله – على سدّة الحكم، حاكِمًا العالم بحدسه، معادًا اكتشافُه، مُمتلِكًا لذاتِه، تحت الطّلب، ومقبولًا، ولكنّه ليس أيّ زنجي، إنه “الزنجي”. إنه الزنجي الذي يُثير قرون الاستشعار الخصبة للعالم، ويُوضع تحت الأضواء العالمية، ويُمطر العالم بقوّته الشعريّة، “منفتحًا على كل أنفاس العالم”، صارِخًا: أنا أحتضن العالم! أنا العالم! الرجل الأبيض لم يفهم في عمره مثل هذا البديل السحري.

الرجل الأبيض يريد العالم، يريده لنفسه فقط. يرى في نفسه الزعيمَ القدريّ للعالم؛ هو يستعبدُ هذا العالم. علاقتهُ بالعالم علاقة استيلاء. ولكن هناك قيمٌ أخرى تناسب من هم مثلي أنا فقط. لقد سلبتُ كالساحر، من الرجل الأبيض نوعًا معينًا من العالم، بعدَما كنت فقدتُه وأخذه الرجل الأبيضُ وأبناء جِلدته مني. وحين سلبتُ هذا العالم، شَعَرَ الرجل الأبيض بضربة قاصمة لا يعلم من أين أتته، ولا كيف يردّها لأنه في الأصل لم يَعْتد على هذا النوع من الضربات». (ص: 106-107)

وفي عدّة صفحات، يجادل فانون داعيًا لوجوبِ اعتناق السّود لسوادِهم، وأن يناضِلوا على أساسِ كونِهم سودًا وذلك من أجل إبطال العلاقات الاجتماعيّة المُتّصفة بالتفوّقية البيضاء (white supremacist social relations). ولكن إن توقّفنا هنا فذلك سيعيد إنتاج وجودِنا أحاديّ الجانب وسيعيد إنتاج أنواع المظهر في الرأسماليّة، حيث أنّ سياساتُ الهويّة تجادِلُ قائلة: «أنا رجلٌ أسود» أو «أنا امرأة»، دونَ أن تملأ الجانب الآخر من هذا التناقض: «وأنا إنسانٌ أيضًا». فحين تكون نقطة البداية ونقطة النهاية هي ذاتُها، لن تكون هنالك إمكانيّة لإلغاء العلاقات الاجتماعية ذات الطبيعة الجندريّة والعرقيّة. وبالنسبة لمؤيدي سياساتِ الهويّة (على الرّغم من زعمهم وزعمهنّ عكس ذلك) فالأنوثة – وهي نوعٌ من أنواع المظاهر في المجتمع – تُختَزل لـ«هويّة» ثابتة وطبيعيّة، وتصبحُ العلاقات الاجتماعيّة مثل «الأنوثة» – أو الجندر – أشياءً ثابتة أو «مؤسسات»، وبذا يُصنّف المجتمع وينظّم كمجموعةِ أفراد، أو فئاتٍ سوسيولوجيّة بخصائص طبيعيّة. وبالتالي، تُبنى الإمكانيّة الوحيدة للنضال تحت سياسات الهويّة على التوزيع المتساوي أو الفردانيّة (والتي سأسهب في شرحها لاحقًا)، وبالتالي هي إيديولوجيا بورجوازية لكونها تستنسخ الفرد المُغترب الذي اخترعه المنظّرون والعلماء البورجوازيون ودافعوا عنه (وفَرَضوه بالقوّة الماديّة) منذ ولادة الرأسمالية.

بل وأنّ هذه الفردانية هي سِمة اللحظة الاجتماعيّة الحاليّة، كما أشارت المنظّرة الشيوعيّة اليساريّة لورين غولدنر، لقد كانت الرأسماليّة في أزمةٍ دائمة خلال الأربعين عامًا الماضية، وهي أزمةٌ تمّ امتصاصها ظاهريًا من خلال الاستراتيجيات النيوليبراليّة (من ضمن استراتيجياتٍ أخرى)، ومع مرور الوقت، ستُجبر الرأسماليّة على الاستثمارِ في الآلات عوضًا عن العمّال من أجل مواكبة عمليّة الإنتاج التنافسيّة، ونتيجةً لذلك يتمّ طرد العمال من عمليّة الإنتاج. وبإمكاننا رؤية ذلك بوضوح في أماكن مثل «ديترويت»، حيث أدّت الأتمتة مُدمجةً مع تقويض الصناعة لبطالة مئات الألوف من الناس. وآثارُ هذا التناقض في الرأسماليّة هو أنّ العمّال يُجبرون على العمل في أوضاعٍ متأرجحة، مُجبرين على الانتقال من وظيفةٍ لأخرى كَي يكسبون قدرًا كافيًا من المال ليُعيدوا إنتاج أنفسهم. تسمّي غولدنر هذه الحالة بـ«العامل الفرديّ المفتّت»، وهذه الزيادة في الفردانية – كما كتبت غولدنر في مقالةٍ أخرى – قادت لسياسات الاختلاف، حيث النساء والـ«كوير» والأقليّات العرقيّة وغيرهم لا يملكون أمرًا مشتركًا فيما بينهم.

شخّص منظّرو ومنظِّرَات التقاطعيّة هذه المشكلة في سياسات الهويّة وانتقدوها بشكلٍ صحيح. على سبيل المثال، كتبت بيل هوكس في نصّها السجاليّ ضدّ النسويّة الليبراليّة بيتي فريدان:

«كانت فريدان إحدى المقولِبات الرئيسيّات للفكر النسوي الحديث. وقد أصبح المنظور أحاديّ البُعد عن واقع النساء المُقدّم في كِتابها سِمةً رئيسيّة في الحركة النسويّة الحديثة. والنساء البِيض المهيمنات على الخطاب النسويّ اليوم – مِثل سابِقتهم فريدان – نادرًا ما يشكّكن فيما إذا كان منظورهن عن واقع النساء ينطبق على التجارب المعيشيّة للنساء كفئة جمعيّة أم لا، ولسن واعياتٍ بمقدار انعكاسِ انحيازاتهنّ الطبقيّة والعرقيّة على هذا المنظور…». (ص: 3)

هوكس محقّة في قولها إن بناء سياساتٍ كاملة على أساسِ تجربة محدّدة واحدة – أو حزمةٍ محدّدة من الاختلافات – تحت الرأسماليّة هو أمرٌ إشكاليّ. مع ذلك، فنظريّة التقاطعيّة تستنسخ هذه المشكلة ببساطة عن طريق إضافة لحظاتٍ محدّدة أو نقاطٍ حاسمة؛ إذ أنّ هوكس تدعو لشملِ العرق والطبقة في تحليلٍ نسويّ. وليس ذلك فحسب، بل إن نظريّات «المصفوفة الاضطهادات المتشابكة» تصنعُ بشكلٍ مماثل وببساطة قائمة من الهويّات المُطبّعة، والمجردة من سياقها المادّي والتاريخيّ، وهذه المنهجيّة مساوية في لا تاريخيّتها ولا اجتماعيّتها لمنهجيّة بيتي فريدان.

نعيدُ القول بأنّ الأبويّة والتفوّقية البيضاء ليستا أشياءً أو «مؤسسات» وُجدِت على مرّ التاريخ، بل هي تمظهراتٌ محدّدة لعملنا لنشاطنا الحياتيّ، وهي مرهونة بنمطنا الإنتاجيّ، ونمطُنا الإنتاجيّ مرهونٌ بها أيضًا. يصف كارل ماركس في «رأس المال» العمل بـ«عمليّة الأيض» ما بين البشر والعالم الخارجيّ؛ فالأبويّة والتفوقيّة البيضاء – كمنتجاتٍ لعملنا – هي أيضًا أوضاعٌ نعملُ في وسطها. نحن نتفاعل مع العالم بشكلٍ مستمرّ، مغيّرين العالم ومغيّرين أنفسنا من خلال عملنا «الأيضي». فالأبويّة والتفوقيّة البيضاء إذًا – مثلهما مثل بقيّة علاقات العمل الاجتماعيّة – تتغيّران وتتحوّلان.

تتّخذ الأبويّة قالبًا محدّدة تحت الرأسماليّة يختلف عن العلاقات المجندرة تحت النظام الإقطاعي والقبلي وغيرهما، وهنالك تداخلٌ وتشابه في كيفيّة تمظهر الأبويّة تحت أنماط الإنتاج المختلفة، فالظروف الموضوعيّة للإقطاع أسّست قواعد نشوء الرأسماليّة المُبكّرة، والتّي أسست قواعد نشوء الرأسماليّة الصناعيّة وما بعدها. ولكنّ هذا التشابه والتداخل لا يعني أنّ كلّ علاقةٍ أبويّة محدّدة ستسمو على وتتجاوز نمط الإنتاج. فعلى سبيل المثال، تحت كلٍ من الإقطاع والرأسماليّة كانت هنالك علاقاتٌ مُجندرة في وسط العائلة النووية، ولكنّ هذه العلاقات اتّخذت أشكالًا مُختلفة جدًا مختصّة بنمطِ الإنتاج الذي وُجِدت في إطاره. فداخل العائلة النووية تحت النظام الإقطاعيّ – كما تصف سيلفيا فيديريشي – لم تكن هنالك مُفاضَلة كبيرة بين الرّجال والنساء، إذ كتبت:

«بما أنّ مزارع السَخَرَة كانت مُنظّمة حول أساسٍ كفافيّ، فالتقسيم الجندريّ للعمل لم يكن متجليًا وتمييزيًا بمستوى نوعِه الرأسماليّ…عمِلت النساء في الحقل، بالإضافة لتربيّة الأطفال والطبخ والغسيل والغزل ورعاية حدائق الأعشاب. ولكنّ أعمالهنّ المنزليّة لم يحطّ من قيمتها ولم تتضمّن علاقاتٍ اجتماعيّة مختلفة عن تلك المرتبطة بالرجال كما أصبح الأمرُ عليه في الاقتصاد الماليّ حين لم يعد يُنظر للعمل المنزليّ كعملٍ حقيقيّ». (ص: 25)

يتطلّبُ الفهم التاريخيّ للأبويّة فهمَها ضِمن حُزمةٍ من العلاقات الاجتماعيّة المبنية على نوعِ العمل. أي، بتعبيرٍ آخر، ليس بإمكاننا فهم نوعِ المظهر – ألا وهو «الأنوثة» – بشكلٍ مُنفصِل عن الجوهر، ألا وهو الإنسان العالميّ.

تصوّرٌ ماركسيّ للنسويّة

يجدر بي الإشارة هنا والتوضيح جليًا أنّ حدود سياسات الهويّة ونظريّة التقاطعيّة هذه هي نتاجُ زمنها. لم تكن هنالك ثورة في الولايات المتحدة عام 1968، وتقدّمات حركة «القوة السوداء»، وتحرّر النساء وتحرّر المثليين، وحركاتهنّ بذاتها تمّ امتصاصها داخل رأس المال. ومنذ سبعينات القرن الماضي، كانت الدوائر الأكاديمية مُحكِمةً قبضتها على النظريّات، وانعدام وجود صراعٍ طبقيّ ترك فجوةً في الإنتاج النظريّ، والمثقفون الأكاديميّون لم يكن لديهم ما يستسقون مِنه سوى سياسات الهويّة الناشئة قبل عدّة عقودٍ مضت. ونحن الآن بحاجة مُلحّة لسياساتٍ جديدة تتوافق مع أنواعٍ جديدة من النضال. مع ذلك، فالمنهجيّة الماركسيّة بإمكانها أن توفّر رؤية ما لكيفية خلق سياساتٍ تتجاوز حدود سياسات الهويّة.

يوفّر ماركس طريقةً تضع الخاصّ في جدلٍ مع كليّ العلاقات الاجتماعيّة؛ حيث المظهر متّصل بالجوهر. فلنأخذ استخدامه لمفهوم «اللحظات»: يستخدم ماركس هذا المفهوم في «الإيديولوجيا الألمانيّة» ليصف تطوّر التاريخ البشريّ ويصِفُ اللحظات الثلاث التالية بـ«العلاقات الاجتماعيّة الرئيسيّة، أو الجوانب الأساسيّة للنشاط البشريّ»: أولًا، إنتاج وسائل تلبية الحاجات، وثانيًا، نشوء حاجاتٍ جديدة، وثالثًا، إعادة إنتاج [ولادة] بشرٍ جديدين وبالتالي حاجاتٍ جديدة ووسائل جديدة لتلبية الحاجات الجديدة. جوهرُ هذا الفكرة هو أنّ ماركس يميّز ما بين «اللحظة» و«المرحلة»، إذ كتب: «هذه الجوانب الثلاث من النشاط الاجتماعيّة يجب بالطّبع ألّا تُفهَم كمراحل ثلاثٍ مختلفة، وإنما كثلاثة جوانبٍ فقط، أو كَي نوضّح ذلك للألمانيين، كثلاث «لحظات» تواجدت معًا منذ بداية التاريخ والإنسان الأوّل، واللاتي لا تزلن تفرضن أنفسهنّ على التاريخ اليوم». (ص: 48). وتفاصيل هذه الدعوى ذاتها غير مهمّة، ما هو مهمّ هو استخدام ماركس لـ«اللحظات» المحاذي لـ«المراحل»، ويقوم ماركس بهذه التفرقة ليُبعِد نفسه عن نوعٍ من الحتميّة يَنْظرُ للتطوّر التاريخيّ بطريقة سكونيّة خطّية، على عكس نظرته للتطوّر التاريخيّ كتطوّرٍ سَلِس وديالكتيكي. يرجع ماركس في كتاباته العديدة لهذا المصطلح – أي مصطلح «اللحظات» – ليصف العلاقات الاجتماعيّة المخصوصة في التاريخ، أو – لنكون أدق – لتمظهرات العمل المحدّدة. ومفهوم «اللحظات» هذا يساعدنا أيضًا على ملئ فكرة ماركس حول أنماط الإنتاج السلِسة. فكما أُشيرَ آنِفًا، بالنسبة لماركس، لا يوجَد نمطٌ إنتاجٍ إقطاعيّ نقيّ أو نمطُ إنتاجٍ رأسماليّ نقيّ، بل كلّ علاقات الإنتاج متحرّكة ويجب أن تُفهم تاريخيًا.

يساعدنا هذا المفهوم على إدراك أنواع وجودنا المغتربة المتنوّعة تحت الرأسماليّة، حيث يكتب ماركس – على سبيل المثال – في «نقد الاقتصاد السياسي» (Grundrisse):

«حين ننظر للمجتمع البورجوازي نظرةً بعيدةَ المدى وننظر له بِكُليّته، حينها تظهر النتيجة النهائية لعمليّة الإنتاج الاجتماعي دائمًا كالمُجتمع ذاته، أي الكائن البشريّ ذاته في علاقاته الاجتماعيّة. كلّ ما له صيغة ثابتة، مثل المنتوج وما إلى ذلك، يبدو كمجرّد لحظة، كلحظةٍ زائلة في هذه الحركة. والأفراد الآنيّون، وهم ليسوا سوى أفرادٍ في علاقة متبادلة يقومون بإعادة إنتاجها وإنتاجها مُجددًا بشكلٍ متساوي. هذا العمليّة المستمرّة لتحرّكاتهم الخاصة يقومون فيها بتجديد أنفسهم حتى مع تجديدهم لعالم الثروة التي يخلقون». (ص: 712)

أن تكوني «امرأة» تحت المنظومة الرأسماليّة لهُ معنىً خاصٌ جدًا، وما يزيده خصوصيّة هو أن تكوني امرأةً في الولايات المتحدة الأمريكيّة عام 2013، وما يزيده خصوصيّةً أكثر هو أن تكوني امرأة سوداء سحاقيّة في الولايات المتّحدة عام 2013، ويزداد ذلك خصوصيّةً أيضًا لكلّ امرأة. ولكن، بالمعنى العالميّ، أن تكوني «امرأة» يعني أن تُنتجي وتعيدي إنتاج حزمةٍ من العلاقات الاجتماعيّة من خلال عملِك أو نشاطِك الذاتيّ. كي نحذو حذو فانون، يجب أن تدعو طريقتنا للتالي: أنا امرأةٌ وإنسان. يجب أن نُدرِك الخصوصيّ في جدلٍ مع الكلّي، يجب أن ننظر للحظة، أو للتمظهر الفرديّ للعمل في علاقةٍ مع العمل ذاته.

ومن المهمّ أن نشير لكون منظّرات ومنظّري سياسات الهويّة والتقاطعيّة لم يكونوا مُخطئين بِلْ إن ما قالوه ناقِص، فالعلاقات الاجتماعيّة ذات الطابع الأبويّ والعرقيّ هي علاقاتٌ حقيقيّة ومحسوسة وماديّة، كما هي التناقضات ما بين الخاصّ والعالميّ، وما بين المظهر والجهور. ويستوجب أن يُبنى الحلّ على هذه التناقضات ويستوجب أن نمضي بِها قُدمًا. نرجع للاستعارة من فانون، إذ بإمكاننا القول «أنا امرأة وإنسان» أو «أنا إنسانٌ أسود وإنسان»، فالمهمّ هو أنّ نشدّد على جانبيّ التناقضين. أن نعتنق الأنوثة، وأن ننظّم على أساسِ السّواد، وأن نبني سياساتٍ خاصّة بـ«الكوير» لهو جانبٌ جوهريّ من تحرّرنا، وهو نقطة الانطلاق الماديّة لنضالنا. يصف فرانز فانون – كما أسلفت – هذه الحركة في فصل «التجربة الحيّة للرجل الأسود” من كتاب «بشرة سوداء، أقنعة بيضاء»، ومع ذلك، وفي نهاية الفصل، يترك فانون هذا التناقض دونَ حلٍّ ويتركنا باحثين عمّا هو أكثر، قائلًا: «بدونِ ماضٍ “أسود”، وبدون مستقبلٍ “أسود”، كان من المستحيل لي أن أعيش سوادي. فلست أبيضًا بَعْد ولم أعد أسودًا بالكامل، فقد حُكِمَ عليّ باللعنة»، (ص: 117) ومِنْ ثمّ أضاف: «حين فتحت عيني بالأمس رأيت السماء في تقلّبٍ تام، حاولت أن أنهض ولكنّ الصمت المحروم اندفع نحوي بأجنحة مشلولة، إذ لم أعُدْ مسؤولًا عن أفعالي، وفي مفترقِ طرق ما بين العدم واللا تناهي، بدأت بالنحيب». (ص: 119) إذ يُشير فانون هنا للتناقض ما بين الشكل الخاص للمظهر، ألا وهو سوادُه، والجوهر العالميّ، ألا وهي إنسانيّته.

يحلّ فانون في خلاصة الكتاب هذا التناقض داعيًا لتحرّكٍ نحو العالميّ، أي لمحوِ الأعراق التّام. إذ يكتُب:

«لا يتوجّب على الإطلاق أن تُستخلَص رِسالتي الأساسيّة مِن ماضي الشّعوب المُلوّنة، ولا يتوجّب عليّ أن أكرّس حياتي لإعادة إحياء حضارةٍ سوداء تمّ تجاهُلها ظُلمًا. لن أجعل مِنْ نفسي إنسانً مُكرّسًا لأيّ ماضي، ولا أريد أن أغنّي للماضي على حساب حاضِري ومُستقبلي». (ص: 201)

إذًا، فبالنسبة لفانون وبالنسبة لماركس، النضال لأجل التحرر يجب أن يتضمّن كلًا مِنً الخصوصيّ والعالميّ، كلًا مِنَ المظهر والجوهر. يجب أن نُبني على طرفيّ هذا التناقُض ونمضي بِهما قُدمًا.

بعض النتائج العمليّة

بما أنّ سياساتِ الهويّة – وبالتالي نظريّة التقاطعيّة – هي سياساتٌ بورجوازيّة، فإمكانيّات النضال هيَ أيضًا بورجوازيّة. تعيد سياسات الهويّة إنتاج مظهر الفرد المغترب تحت الرأسماليّة وبذلك يتّخذ النضال شكل السعي نحو المساواة ما بين الفئات المختلفة في أفضل الأحوال، أو أنواعًا مُفردَنة (individualized) مِن النضال في أسوئها.

من ناحية، تناضل فئاتٌ «سوسيولوجية» مجرّدة أو أفرادٌ مِنْ أجلِ صوتٍ متساوي، أو «تمثيلٍ» (representation) متساوي، أو موارد متساوية. مرّ الكثيرُ منّا بهذه التجربة في الفضاءات التنظيميّة حيث يجادل أحدهم حول عدم وجودِ عددٍ كافي من النّساء مِن غير البِيض أو الأفراد المعاقين، أو الأفراد الترانس* وغيرهم وأنّ ذلك يكبح من تقدّم الحملة. أحد الأمثلة المعاصرة لذلك هو نقدُ حركةِ «SlutWalk»[+] قائلين بأن أغلبيّتا نساءٌ بِيض، فهي بالتالي تتّسم بالتفوّقية البيضاء أو يُقال أنّها حركةٌ باطِلة اجتماعيًا. وأحد الأمثلة الأخرى هي أفرادٌ أو مجموعاتٌ تطالب بأنّ كلّ الحركات يجب أن تخضع لقيادات الأفراد الـ«كوير» من غير البِيض، بغضّ النظر عن مقدار رجعيّة سياسات هؤلاء الأفراد. نكرّر مرةً أخرى أنّ منظّرات ومنظّري التقاطعيّة شخّصوا المشكلة الموضوعيّة بحق، فهذه التقسيمات والعداوات في وسط الطبقة العاملة يجب معالجتها ماديًا مِن خلال النضال، ولكنّ اختزال هذا النضال ببساطة في مجرّد أعدادٍ ومساواةٍ في توزيع الموارد أو في «التمثيل»، يعزّز من الهويّات كتصنيفاتٍ ساكِنة مُطبّعة.

ومن ناحية أخرى، من الممكن لسياساتِ الهويّة أن تتخذ شكل نضالاتٍ مُفردنة ضدّ الأبويّة الغيريّة والعنصريّة العرقيّة وما إلى ذلك في داخل الطبقة العاملة. كان أغلب عمل «جماعة نهر كومباهي» – وِفقًا لـباربرا سميث – متمحورًا حول تعليم النّساء البيض كيف لا يكونوا عنصريّات عن طريق عقد ورشات عمل مناهضة للعنصريّة. (ص: 95) قد نرى اليوم مجموعاتٍ نِضالُها الوحيد هو تشخيص وسحق العناصر المجندرة، والفحوليّة، والشوفينيّة الذكوريّة، والعانصر الكارهة للنساء والأبويّة في الأوساط اليساريّة. ومِثالٌ آخر لذلك هو تذكير مستخدمي «Tumblr» المستمرّ للنّاس بأن «يراجعوا امتيازاتِهم» (privilege checking). نكرّر مرةً أخرى أنّه من المُهمّ أن نعالج هذه العناصر ونصحّحها، ولكنّ التناقضات والخصومات في وسط الطبقة العاملة لا يمكن تجاوُزها بمعزل عن النضال الأوسع، ومن المستحيل تجاوز التمظهرات الفرديّة للأبويّة بدون نضالٍ أوسع لتحرّر عملِنا. ولن نتمكّن أن نحرّر أنفسنا أبدًا مِنَ الفحوليّة في وسط الحركة بدون محو الجندر بأكمله، وبالتالي محو العمل المستغرب ذاته.

سيقوم أيّ نضالٍ نسويٍّ ثوريٍّ حق بالاهتمام بالمسائل التي تضع الخاصّ ونوع المظهر في جدلٍ مع العالميّ والجهور. عرضتُ في مقالٍ آخر هذه الأمثلة لمجالاتٍ ستقوم بهذا العمل:

  • الاضطلاع بالدفاع الشعبيّ عن عيادات الإجهاض و/أو لجنات عمّالية لا ربحيّة تبني تضامنًا ما بين العمّال و«زبائن» هذه العيادات.
  • تكوين مجموعات أحيائيّة تنخرط في نضالات المستأجرين وتحمل القدرة على التعامل مباشرةً مع العُنف ضدّ النساء في المجتمع.
  • إنشاء تحالفات ما بين الآباء والأمّهات والمدرّسين والطّلاب تناضِل ضدّ إغلاق المدارس أو خصخصتها ومع تغيير المدارس كيَ تنعكس عليها احتياجات الأطفال والآباء بشكلٍ أدقّ، على سبيل المثال: مراكز عناية بالأطفال في أماكن العمل، مناطق وفصول تتصّف بديموقراطيّة مباشرة، وتصغير حجم الفصول الدراسيّة وما إلى ذلك.
  • تكوين تعاونيّات لعامِلات الجنس تحمي النّساء من المعتدين عليهم ومن أفرادِ المجتمع الآخرين، وإنشاء مواخير مُدارةَ ديموقراطيًا مِن قِبل النساء والـ«كوير» بظروفِ عملٍ آمنة.
  • إنشاء منظّمات مقرّات عمل في أماكن العمل المؤنّثة (feminized workplaces) مثل المنظمات غير الربحية وقطاع الخدمات والصناعات ذات الأغلبيّة العمّالية النسائية وما إلى ذلك، أو مراكز عمل مختصّة بمقرّات العمل المؤنّثة والتعرّض للمسائل والتحدّيات التي تواجهها النساء بالخصوص.

هنالك العديد العديد من الأمثلة التي لا يسعني تنظيرها، وكما أسلفت، لا يمكن أن نُسقط أنواع النضال والنظريّات المقابلة لها بدون النشاط الجمعيّ والجماهيريّ للطبقة العاملة، ولكنّ عملنا كثورياتٍ وثوريين هو توفير الأدوات التي تساعد على إسقاط الحالة الراهنة، ومِن أجل القيام بذلك، يجب أن نعود لماركس والمنهج المادّي التاريخيّ، فلم يعد بإمكاننا الاتّكال على نظريّات بورجوازية لا تاريخية مِنَ الماضي لتفسير وظائف اليوم. وبالنسبة للنسويات، معنى ذلك أن نناضل ليس فقط كنِساء وإنما كبشرٍ أيضًا.


[*]ترجمة غير دقيقة لعبارة «women of color» أو «النساء ذوات الجلد الملوّن». يشير هذا التوصيف للأقليّات العرقيّة، إذ أنّ التصنيف العرقي في الولايات المتحدة الأمريكية المُعتمد على لون الجلد وَضَع الشخض «الأبيض» (الأوروربي) قِبال بقيّة الأعراق، وصنّف الباقين كـ«أصحاب جلد ملوّن» (أي غير أبيض). اخترت الترجمة المدرجة أعلاه لسهولة صياغتها وإن كان لديّ إشكالٌ مع تمركزها حول هويّة البِيض.

[+]حركة SlutWalk هي حركة عابرة للأمم بدأت عام 2011 في كندا تتظاهر ضدّ تبريرأو تفسير الاغتصاب بما يتربط لمظهر ولبس المرأة وتنادي بإنهاء ثقافة الاغتصاب.

Advertisements

تسعدني تعليقاتكم

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s