عن أصول الشرطة ودورها في حماية الرأسماليّة -ديفد وايتهاوس

Posted: 12 يوليو 2016 in مختارات سياسية, عمال وجماهير
الوسوم:, , ,
ديفد وايتهاوس
فريق الترجمة
الناشر: مدونة ما العمل؟
المصدر: ووركس إن ثيوري

اختُرِع جهاز الشرطة في إنكلترا والولايات المتحدة الأمريكية بفارقٍ زمني يقدّر بعقودٍ قليلة، وقد كان ذلك ما بين عام 1825 وعام 1855 تقريبًا. هذه المؤسسة الجديدة لم تُخترع كردّة فعلٍ على تزايد نسبة الجريمة، بل إنها في الواقع كوّنت طرقًا جديدة للتعامل مع الجريمة. كانت أكثر الطرق التي استخدمتها السلطات لحلّ الجرائم شيوعًا أن يُعلِم السلطات شخصٌ ما بهوية مرتكِب الجريمة – وذلك قبل وحتى بعد اختراع الشرطة. إضافةً لذلك، الجرائم كانت تعنى أفعال الأفراد، بينما اختراعُ النخب الحاكمة للشرطة الحديثة كان استجابةً للتحدّيات التي شكلّها النشاط الجماعي السياسي. باختصار، يمكن القول أنّ السلطات اخترعت الشرطة الحديثة كردّة فعلٍ لقمع تحرّكات جماهير كبيرةٍ شوساء. أعني بذلك: إضرابات في إنكلترا، وأعمال الشغب في شمال الولايات المتحدة، والخوف احتمالية تمرّد العبيد في جنوبها.

إذًا فاختراع جهاز الشرطة كان ردّ فعلٍ على هذه الحشود لا على الجرائم.

سأركّز في هذا المقال كثيرًا على هويّة هؤلاء الحشود وكيف أصبحوا يشكّلون تحديًا بهذا الشكل، وسنرى أنّ أحد المصاعب التي واجهها الحكّام – علاوةً على نمو الاستقطاب الاجتماعي في المدن – كان انهيار الطرق القديمة لمراقبة الفئات العاملة بشكلٍ شخصي. وبذلك تدخّلت الدولة في هذه العقود لتملأ هذه الفجوة الاجتماعيّة. سنرى أنّه في شمال الولايات المتحدة، كان اختراع الشرطة أحد أجزاء جهود الدولة تجاه إدارة وتشكيل القوّة العاملة على أساسٍ يوميّ. وسّعت الحكومات أيضًا أنظمة الإعانة الاجتماعيّة للفقراء لكي تنظّم سوق العمل، وأنشأت نظام التعليم العام لكي تضبط وتنظّم عقول العمّال. سأقوم بربط هذه النقاط مع الشرطة لاحقًا، ولكنّي سأركّز غالبًا على كيفية نشأة جهاز الشرطة وتطوّره في لندن ونيويورك وشارلستون (كارولينا الجنوبيّة) وفي فيلاديلفيا.


سيساعدنا في فهم ما يختصّ به جهاز الشرطة الحديث عن سابقيه الحديث عمّا كانت عليه الأوضاع أثناء نشأة الرأسماليّة. دعنا نتحدّث بالخصوص عن الـ«market towns» [أي المدن التي تقام فيها السوق المركزيّة] في نهايات القرون الوسطى، أي قبل 1000 عام. لم تكن الطبقة المهيمنة في تلك الفترة متواجدة في المدن، فملّاك الأراضي الإقطاعيّون كانوا متمركزين في الريف. ولم يكن لديهم شرطة، فكان بإمكانهم أن يتعاونوا لتشكيل قوّات مسلّحة تُرهِب الأقنان (وقد كان هؤلاء الأقنان مستعبدين تقريبًا) وبإمكان هذه القوى المسلّحة أن تحارب نبلاء آخرين، ولكنّ هذه القوّات لم تكن محترفة ولم تعمل بدوام كامل. أمّا سكان المدن فقد كان أغلبهم أقنانًا [سابقين] اشتروا حرّيتهم أو – ببساطة – هربوا من أسيادهم. عُرِف هؤلاء في ذلك الوقت بالبرجوازية، أي «سكّان المدن». وهؤلاء البرجوازيّون أصبحوا روّاد علاقاتٍ اقتصادية عُرِفت لاحقًا بمسمّى الرأسمالية. ولأغراضِ نقاشنا هذا، دعنا نقل أنّ الرأسمالي هو شخصٌ يستخدم المال لكي يحصل على المزيد من الأموال. في البداية، كان الرأسماليّون المهيمنون تجّارًا. يأخذ التاجر المال لكي يشتري بضائعًا بغرض بيعهم بسعرٍ أعلى. وهنالك أيضًا رأسماليّون لا يتعاملون إلّا مع الأموال – ألا وهم أصحاب البنوك – وهم يُقرِضون مقدارًا معيّنًا من الأموال لكي يحصلوا على مبلغٍ أكبر حين يستردّون المبلغ الأصلي. [ربا] بإمكان الرأسماليّ أيضًا أن يكون حِرفيًا يشتري موادًا ليصنع بِهم غرضًا معيّنًا – كالأحذية – ويبيعهم بسعرٍ أعلى من سِعر المواد. في نظام النقابات، كان رئيس العمّال الحرفيين يشرف ويعمل مع صنّاعٍ المهرة (journeymen) وتلامذة.

كان الرؤساء يتربّحون مِن عمل مَن يُشرِفون عليهم، وذلك يعني وجود استغلالٍ في هذه العلاقة، ولكنّ الصنّاع المَهرة والتلامذة كانت لديهم آمالٌ واقعيّة بأن يصبحون هم أيضًا رؤساءَ يومًا ما. فالعلاقات الطبقية في المدن – إذًا – كانت تمتاز بالسيولة، خصوصًا حين نقارنها مع العلاقة بين السادة والأقنان. علاوةً على ذلك، تعمل النقابات بطرقٍ تضع بعض الحدود على الاستغلال. إذًا، لقد كان التجّار هم – واقعًا – من يراكمون رؤوس الأموال في ذلك الوقت. في فرنسا – في القرنين الحادي والثاني عشر – عُرِفت هذه المدن بـ«الكميونات». تشكّلت هذه الكميونات في ظروفٍ مختلفة، بعضها تشكّل بموافقة السادة الإقطاعيين، ولكن غالبًا ما كان يُنظر لها ككيانات ذات حكم ذاتي، أو حتّى كمدن بشكلِ دول (city-states). ولكن لم يكن في هذه الكميونات شرطة.

كان لدى هذه المجتمعات محكمتاهم الخاصة – وكانت لديهم قوّات مسلّحة صغير مكوّنه من سكّان المدينة أنفسهم. ولم يكن لهذه القوّات عمومًا علاقة برفع تهمٍ على أحد. إن سطا عليك أحد أو اعتدى عليك، أو خُدِعت في صفقةٍ تجارية، كان عليك أنت – المواطن – أن توجّه التُهم. أحد الطُرق على هذا النوع من العدالة التي تنفّذها بنفسك – وهي طريقة ظلت تُستخدم لقرون عدّة – كانت تُعرف بـ«صيحة الغضب» (cry and hue) وهي تُنفّذ كالتالي: إن كُنت في السوق ورأيت شخصًا ما يسرق، فعليك أن تصيح قائلًا: «قِف أيها اللّص!» وتقوم بملاحقة اللّص. وبقيّة القصة هي أن أيّ شخص يراك تقوم بذلك من المفترض أن يصيح هو أيضًا بنفس المقولة ويلاحق اللّص معك. لم تكن المدن بحاجة للشرطة، ويعزّى ذلك لوجود مستوىً عالي من المساواة الاجتماعيّة مما أعطى الجميع إحساسًا بالالتزام المتبادل. اشتدّت الصراعات الطبقية في المدن مع مرور السنين، ولكنّ مع ذلك ظلّت المدن متماسكة – وذلك بسبب عداوةٍ مشتركة لسلطة النبلاء وبسبب الروابط المستمرّة للالتزامات المتبادلة. ولمئات السنين ظلّت فرنسا تحمل ذاكرةً مثاليّة عن مدن الكميونات هذه – كمجتمعاتٍ مكونّه من أفرادٍ متساوين يحكمون أنفسهم. ولذلك لم يكن من المفاجئ أبدًا أنّه في عام 1871 حين استولى العمّال على باريس، سمّوها «كومونة باريس» (the commune). ولكنّ الحديث عن ذلك يعني القفز لنقطة سنتحدّث عنها لاحقًا.


مرّت الرأسماليّة بتغيّرات كبيرة أثناء نموّها في المجتمع الإقطاعي. أولًا، زاد حجم أرصدة رؤوس الأموال. تذكّروا أنّ هذا هو الهدف: أنّ تحوّل أكوامًا أصغر من الأموال لأكوامٍ أكبر من الأموال. وحجم أرصدة رؤوس الأموال هذا بدأ بالنمو بأرقامٍ فلكيّة أثناء غزو الأمريكيّتين، حيث تمّ سرقة الذهب والفضة من العالم الجديد واختُطِف الأفريقيّون ليعملوا في المزارع. وبذلك زاد عدد الأشياء المُنتجة بِغرض بيعها في السوق، والخاسرون في تنافس السوق بدأوا بخسارة استقلالهم كمُنتِجين ووجب عليهم أن يحصلوا على وظائف بِأجور. ولكن في أماكن كـإنكلترا، كانت أكبر قوّة دفعت الناس للبحث عن وظائف بِأجور هي الحركة الدافعة لطرد الفلّاحين من الأراضي [الزراعيّة]، وكانت هذه الحركة مؤيَدة من قِبل الدولة. ازداد حجم المدن إذ لجأ الفلّاحون هناك من الريف وازداد التفاوت المعيشي في داخل المدن، وأصبحت البرجوازيّة الرأسماليّة شريحةً اجتماعيّة أكثر تميّزًا – عمّا كانت عليه سابقًا – من العمّال. وكان للسوق تأثيرٌ مُفسِد للتضّامن داخل النقابات الحرفيّة (وهذا أمرٌ سأتحدث عنه أكثر حين أتكلّم عن نيويورك). ازداد حجم ورشات العمل أكثر فأكثر، إذ أصبح بإمكان رئيس إنكليزي واحد أن يشرف – لربما – على عشرات العمّال. أتحدّث هنا عن منتصف القرن الثامن عشر، عن الفترة التي تسبق البداية الحقيقية لمصنعةَ معامل الإنتاج (factory industrialization). ومع ذلك لم يكن هنالك شرطة، ولكنّ الطبقات الأغنى بدأت باللجوء إلى عنفٍ متزايد لقمع الفئات الفقيرة، وكان يُؤمر الجيش أحيانًا بأن يطلق النار على الحشود المتمرّدة، وقام المجنّدون أحيانًا باعتقال وشنق القادة. كانت تلك إذًا بدايات احتدام الصراع الطبقي، ولكنّ الأوضاع بدأت بالتغيّر حقيقةً حين أقلعت الثورة الصناعيّة في إنكلترا.


مرّ الفرنسيون في الفترة ذاتها بثورةٍ سياسيّة واجتماعيّة خاصّة بهم، بدأت عام 1789. كان ردّ فعل الطبقة الحاكمة البريطانيّة أن فزعوا حول احتماليّة اتبّاع العمّال الإنكليزيّين خُطى أقرانهم الفرنسيين، وبذلك قاموا بحظر نقابات العمّال وحظروا أيّ تجمعٍ لأكثر من 50 شخصًا. على الرغم من ذلك، نظّم العمّال الإنكليز مظاهراتٍ وإضراباتٍ أكبر فأكبر، وكان ذلك منذ 1792 حتّى 1820. كان ردّ فِعل الطبقة الحاكمة هو إرسال الجيش للتصدي لهذه المظاهرات، ولكنّ لم يكن لدى الجيش إلّا خياران وكلاهما سيئان. بإمكانهم أن يرفضوا إطلاق النار على المتظاهرين وبذلك سيتمكّن المتظاهرون من أن يفلتوا بأفعالهم. والخيار الآخر هو أن يطلقوا النار على الحشود وبذلك يصنعون شهداء للطبقة العاملة. وهذا بالتحديد ما حصل في مانشستر سنة 1819. أُرسِل الجنود للتصدي لحشدٍ قدرُه ثمانون ألفًا،وأصابوا المئات وقتلوا منهم إحدى عشر شخصًا، لم يؤدّي هذه الفِعل – المعروف بمجزرة بيترلو – إخضاع هذه الحشود، بل أدّى لإثارةِ موجة من الإضرابات والمظاهرات.

وحتى تكتيك شنق قادة الحركة العتيق أتى بنتائج عكسيّة. إنّ إعدام القادة قد يخيف جمعًا قدره 100 شخص، ولكنّ الحشود الآن تصل للخمسين ألفًا من مؤيدّي الرّجل المدان، والإعدامات هذه لا تدفعهم إلّا للقتال. إنّ نمو المدن البريطانية ونموّ الاستقطاب الاجتماعي في أوساطها – وهاذان تغيّران كميّان – بدءا بإنتاج اندلاعٍ نوعيّ جديد للنضال. احتاجت الطبقة الحاكمة تشكيل مؤسساتٍ جديدة للسيطرة على الوضع، أحدها كان شرطة لندن – حيث أُسِّت سنة 1829، بعد عشر سنوات فقط من مجزرة بيترلو. صُمِّمت قوّات الشرطة خصيصًا لكي تُلحِق ضررًا غير مُميت بالحشود، بهدف تفرقِتهم وتحاول أثناء ذلك – عمدًا – تجنّب صنع أيّ شهيد. إن أيّ قوات تنظّم لممارسة العنف كروتين ستقتل بعض الناس بالتأكيد، ولكن مقابِل كلّ شخصٍ تقتله الشرطة، هنالك مئات أو آلاف الممارسات العنفيّة غير المميتة التي تمارسها الشرطة – وهي محسوبة ومُعايَرَة بحيث تروّع الجموع ولا تؤدّي لردّ فعل جماعي غاضب. حين لا تُجمَّع شرطة لندن في فِرق للسيطرة على الحشود، يتم تفريقهم داخل المدينة لكي يراقبوا ويضبطوا حياة الطبقة العاملة والفقراء اليوميّة. وذلك يلخّص الوظيفة الثنائيّة المتميّزة لجهاز الشرطة الحديث: أن تكون على شكلٍ متفرّق يراقب ويروّع الناس باسم محاربة الجريمة، وهنالك الشكلّ الآخر المركّز لأعمال التصدّي للإضرابات وأعمال الشغب والمظاهرات الضخمة.


سأبدأ هنا بموضوعٍ عام وهو الصراع الطبقي حول استخدام الفضاءات الخارجيّة، وهي مسألة مترابطة منطقيًا بالنسبة للعمّال والفقراء. الفضاءات الخارجية مهمّة للعمال لأجل:

  • العمل
  • الترفيه في أوقات الفراغ والاستمتاع
  • مهمّة كمسكن، إن لم يكن لديك منزل

…ومهمّة أيضًا لأجل السياسة. أولًا، العمل: بينما يتمكّن التجار الناجحون من التحكم بفضاءات الأماكن المغلقة، توجّب على ذوي الموارد المحدودة أن يصبحوا باعة متجوّلين. نظر التجّار الناجحون لهؤلاء كمنافسين ولذا طلبوا من الشرطة أن يزيحوهم من على الشوارع. كان الباعة المتجوّلون مروّجين ناجحين للبضائع المسروقة وذلك لأنهم جوّالون ومجهولون. لم يكن النشّالون ولصوص المنازل فقط من استفادوا مِن الباعة المتجوّلين، وإنما كان الخدم ورقيق الطبقات المتوسطة هم أيضًا يسرقون من أسيادهم ويبيعون هذه البضائع على الباعة المحلّيين. (ظلّت العبوديّة في مدينة نيويورك – على فِكرة – حتى عام 1827). إنّ «تسرّب» الثروة هذا من منازل المدينة المريحة كان أحد الأسباب التي جعل الطبقة المتوسطة تطالب بإجراءاتٍ ضدّ الباعة المتجوّلين. كانت الشوارع أيضًا – ببساطة – المكان الذي يقضي فيه العمّال وقت فراغهم، وذلك لأن منازلهم غير مريحة. كانت الشوارع هي المكان الذي يحصلون فيه على صداقاتٍ وتسليةٍ مجانيّة، وهي أيضًا – اعتمادًا على الوقت والمكان – مكانٌ ينخرطون فيه في دينٍ معارِض أو في السياسة. يلخّص المؤرّخ الماركسي البريطاني إدوارد بالمر تومبسون كلّ هذا حين قال أنّ شرطة إنكليز القرن التاسع عشر كانوا «غيرَ متحيّزين في محاولتهم لتنظيف الشوارع مِن باعة الشوارع والمتسوّلين والبغايا وفنّاني الشوارع والمتظاهرين والأطفال الذين يلعبون كرة القدم والمفكّرين الأحرار والمتحدّثين الاشتراكيّين، كلٌ سواسية. وكان ذلك غالبًا بذريعة صدور شكوى من مالِك متجر». أغلب الاعتقالات في طرفيّ المحيط الأطلنطي كانت متعلّقة بجرائم لا ضحايا لها، أو جرائم على النظام العام. أشار مؤرّخ ماركسي آخر، ألا وهو سيدني هارينغ أنّ «تعريف علماء الجريمة لـ(الجرائم على النظام العام) متقارب بشكلٍ خطير لوصفِ المؤرّخين لـ(نشاطات وقت فراغ الطبقة العاملة)».

إنّ النشاطات التي تجري في الهواء الطلق كانت – ولا تزال – مهمّة خصوصًا لسياسات الطبقة العاملة، فبإمكان السياسيّين الراسخين ورؤساء الشركات أن يلتقوا داخل مبانٍ ويتّخذوا قراراتٍ لها عواقب كبيرة، وذلك لأن هؤلاء الناس يرأسون المكاتب الإداريّة ويرأسون القوّة العاملة. ولكن حين يلتقي العمّال ويتّخذون قراراتٍ عن كيفيّة تغيير الأمور، فذلك غالبًا لن يحقّق شيئًا إن لم يجمعوا عددًا من المؤيّدين في الشوارع، سواءًا أكان ذلك بشكل إضرابٍ أو مظاهرة، فالشارع هو ميدان اختبار لكثيرٍ من سياسات الطبقة العاملة، والطبقة الحاكمة تدرك ذلك تمامًا. ولذلك يضعون الشرطة في الشوارع كقوّة مضادّة متى ما أظهرت الطبقة العاملة قوّتها. وهكذا بإمكاننا أن نرى الروابط ما بين الشكلين الرئيسيّين لعمل الشرطة – الدوريّات الروتينيّة والسيطرة على الحشود. إنّ القيام بدوريّاتٍ بشكلٍ يوميّ يعوّد الشرطة على استخدام العنف واستخدام تهديد العنف، وذلك يجعلهم مستعدّين للقيام بممارساتِ قمعٍ ضروريّة للتصّدي لنهوض العمّال والمظلومين في جموع على مستوىً واسع. المسألة ليست مسألة تعوّد على استخدام الأسلحة والتكتيكات، إنمّا عمل الدوريّات الروتينيّة ضروريّ لخلق عقليّة معينة لدى الشرطة وهي أنّ ما يقومون بهِ غرضه تحقيق المصلحة العامة. إنّ العمل اليومي هذا يتيح لقيادات الشرطة أيضًا أنّ يميّزوا أولئك الذين لا يتوارون عن الإلحاق الضرر بالناس – وبذلك يعيّنونهم في الصفوف الأماميّة عندما يتعلّق الأمر بحملة قمع. في الوقت ذاته، إنّ «الشرطي الجيد» الذي من المحتمل أن تقابله في جولته يوفّر غطاء علاقات عامّة ضروريّ جدًا للعمل الوحشي الذي يجب على «الشرطة السيّئين» أن يقوموا بِه. ومن الممكن للعمل الروتيني هذا أن يكون مفيدًا في أوقات الاضطرابات السياسيّة حيث الشرطة قد قضت وقتًا كافيًا في الأحياء السكنيّة محاولةً معرفة القادة والراديكاليّين.


بإمكاننا الآن نعود للرواية التاريخيّة متحدّثين عن مدينة نيويورك.

سأبدأ بالحديث عن نقطتين عن تقاليد الحشود قبل الثورة [الأمريكيّة]. أثناء العصر الاستعماريّ، كانت الحشود تثير الصخب في بعض الأحيان، ولكن غالبًا ما تجسّد ذلك الصخب بأساليبٍ توافق عليها النُخب الاستعماريّة أو على الأقل تتحمّلها. كانت هنالك العديد من الاحتفالات التي وقعت ضمن تصنيف «الفوضى»، حيث قُلِبت المناصب الاجتماعية وتظاهرت الطبقات الدنيا بأنها على القمّة. كانت هذه إحدى الطرق التي استخدمتها الطبقات المُخضَعة للتنفيس عن أنفسها عن طريق السخرية من الأسياد – وهي طريقة تُقِرّ في باقي أيّام السنة بحقّ النخبة بقيادة الناس. كانت هذه «الفوضى» كتقليد رمزي تسود خصوصًا في أيام عيد الميلاد وأيام رأس السنة، وحتّى العبيد سُمِح لهم بالمشاركة.

وكان هنالك احتفالٌ سنوي بـ«يوم البابا»، حيث يسير المنتمون للأغلبية البروتستانتية حاملين دُمىً – أحدُها دُمية على شكلِ البابا – وينتهي الأمر بأن يحرقوا كلّ الدمى. هذا الاستفزاز الطائفي – «بغرض التسلية» – كان مقبولًا من آباء المدينة، ففي ذلك الوقت، لم يؤدّي «يوم البابا» عادةً لأعمالِ عنفٍ ضدّ الكاثوليكيّين، وذلك لأن أعدادهم لم تتجاوز إلّا مئاتٍ قليلة ولم تكن هنالك أي كنيسة كاثوليكية في نيويورك قبل الثورة.

تقاليد الحشود هذه كانت صاخبة وصاحبتها أعمال شغب أيضًا، ولكنّ نيّتها كانت تعزيز الصّلة بين الطبقات الدنيا والنخبة، ولم تقصد كسر هذه الصلة.

كانت الطبقات الدُنيا مرتبطةً بالنخبة أيضًا عن طريق الإشراف الشخصي المستمر، وذلك ينطبق – بالطبع – على العبيد والخدم المنزليّين، بل ينطبق أيضًا على الحرفيين المهرة والتلامذة؛ حيث عاش هؤلاء أيضًا في نفس المنزل مع رئيسهم. لم يكن الكثير من هؤلاء الناس المرؤوسين إذًا يجولون في الشوارع في كلّ الأوقات. واقِعًا كان هنالك مرسومٌ استعماري لفترة معينة نصّ على أنه لا يُسمح للعمّال بأن يجولوا في الشوارع إلّا إذا كانوا متّجهين للعمل أو عائدين منه.

هذا الوضع جعل من البحّارة والعمّال المياومين [أي العامِل يوميّ الأُجرة] أكثر الفئات غير المُشرف عليها صخبًا، ولكنّ البحّارة قضوا أغلب أوقاتهم قُرب الواجهة البحريّة والعمّال – أعني طبقة العمّال المأجورين المنتظمين – لم يكن عددهم كبيرًا في ذلك الوقت.

كان أغلب الناس في هذه الأوضاع يقعون تحت إشراف أسيادهم أثناء النهار، فلذا لم يكن هنالك حاجة لقوّات شرطة نظاميّة. كان هنالك الحرّاس الليليّون [العسس]، وكانت وظيفتهم تشمل منع تخريب الممتلكات واعتقال أيّ شخص أسود لا يـ/تستطيع إثبات كونهـ/ـا حرّ/ة. لم يكن الحرّاس الليليّون محترفين بأيّ شكلٍ كان، بل كان لدى كلٍ مِنهم أعمالٌ نهاريّة وكانوا يتناوبون على الحراسة بشكلٍ مؤقّت، فلذا لم يقوموا بدوريّات في مناطِق منتظمة – وكلّهم كانوا يكرهون القيام بهذا العمل. كان الأغنياء يدفعون ليعملَ أشخاصٌ آخرون في الحراسة عِوضًا عنهم. عمِلَ عددٌ صغير من المجنّدين في النهار ولكنّهم لم يقوموا بدوريّات، بل كانوا عملاء للمحكمة ينفّذون أوامرَ قضائيّة كالاستدعاءات ومذكّرات الاعتقال، فلذا لم تكن التحقيقات ضِمن وظائفهم. في القرن السابع عشر وفي بدايات القرن الثامن عشر، اعتمد النظام بشكلٍ كامل تقريبًا على مخبِرين مدنيّين يُوعدون بحصّة معيّنة من أي غرامة قد يدفعها المذنبون.


غيّرت الفترة الثوريّة بعض الأمور المتعلّقة بدور الحشود والعلاقة ما بين الطبقات. في ستينات القرن السابع عشر، وابتداءً من الغضب حول قانون الطوابع، أيّدت نخبة التجّار وملّاك الأراضي التجسّدات الجديدة للحراك الشعبي: المظاهرات الصاخبة الجديدة وأعمال الشغب التي استعارت من التقاليد الموجودة – ومن الأشياء التي استعارتها هو استخدام الدمى، وعوضًا عن حرق [دمية] البابا، حرقوا إمّا [دمية] الحاكم، أو الملك جورج.

ليس لديّ وقتٌ كافٍ لأدخل في تفاصيل ما قاموا بِه، ولكن من المهمّ أن نلاحظ التشكيلة الطبقية لهذه الحشود. قد يحضُر تلك الفعاليّات أفرادٌ من النخب، ولكن أغلبهم كانوا من العمّال المهرة (المعروفين كجماعة بمسمّى «الميكانيكيون»). ذلك يعني أنّ السيّد يخرج لينضمّ للحشد مع حرفيِّيه المهرة ومع تلامذته، وكان أبناء الطبقات العليا ينظرون لرؤساء الحرفيّين كمساعديهم في تحشيد بقيّة الميكانيكيّين.

ومع اشتداد الصراع مع البريطانيّين، أصبح الميكانيكيّون أكثر راديكاليّةً وبدأوا بتنظيم أنفسهم بمعزلٍ عن النخبة الاستعماريّة. ومع وجود بعض الخلافات ما بين الميكانيكيّين والنخبة، لم يحصل انقطاع علاقةٍ تام ما بينهم.

وبطبيعة الحال، حين هُزِم البريطانيّون وأسّست النخبة حكومتها الخاصة، ضاقت الأخيرة ذرعًا بثوَرانِ الشارع. استمّرت الانتفاضات وأعمال الشغب في الولايات المتحدة المستقلّة حديثًا، ولكن هذه الأحداث بدأت تأخذ شكلًا جديدًا – وكان ذلك جزئيًا بسبب التغيّرات الاقتصادية التي كسرت وحدة الميكانيكيّين أنفسهم.


سأتّجه الآن لتلك التطورات التي تبِعت الثورة – وهي تغيّراتٌ أنتجت طبقةً عاملة جديدة مِن خليطِ عناصر اجتماعية متقاتلة.

دعنا نبدأ بالعمّال المهرة. الانقسام ما بين الرؤساء والحرفيين المهرة احتدّ حتّى قبل الثورة. ولكي نفهم ذلك، يجب أن ننظر عن قرب للتأثير الجاثِم لنظام النقابات. لم توجد نقابات بشكلٍ رسمي في الولايات المتحدة ولكن العمّال المهرة ظلّوا يحملون بعض التقاليد النقابيّة.

النقابات السابقة كانت في جوهرها «كارتيلات»، فهي اتّحاد عمّالٍ يحتكرون حِرفة معيّنة تسمح لهم بالسيطرة على السوق، بإمكانهم أن يحدّدوا أسعارًا عرفيّة لِسلعهم وبإمكانهم حتى تحديد حجم السوق مُسبقًا.

سمح السوق المُسيّر لاستقرارٍ عرفي في علاقات عمّال الحرفة ذاتها. يأخذ السيّد تلامذةً من أهلهم كخدمٍ مرتبطين بعقودٍ طويلة الأمد، واعدًا الأهل بتعليمهم حِرفةً ما وأن يوفر لهم المسكن والمأكل لمدّة سبع سنوات. يتخرّج التلامذة كعمّالٍ ماهرين، ولكنهم كثيرًا ما يستمرون بالعمل عِند السيد ذاته طالما لا تتوفر الفرصة لكي يصبحوا هم أنفسهم أسيادًا. استلم هؤلاء العمال الماهرون أجورًا متعارفة بعقودٍ طويلة الأمد. ذلك يعني أنّ الأجور ستصلهم كيفما كان التفاوت الفصليّ في كميّة العمل، وحتى بدون الهيكل الرسمي للنقابات، ظلّت مجموعة العلاقات المتعارفة هذه متواجدة في الفترة ما قبل الثورية.

ولكن منذ 1750 وحتى 1850، كان هذا الهيكل المتعاون ضمن الحِرف الماهرة يمرّ بانهيار، وذلك لكون العلاقات الخارجية – أي تحكّم الحِرفيين بالسوق – بدأت بالانهيار. فمنتوجات الحِرف التي أتت من مدنٍ أخرى أو ممّا وراء البحار قوّضت قُدرة الأسياد على تحديد الأسعار، وبذلك أُدخِلت ورشات العمل لمنافسةٍ بين بعضها البعض (وذلك ما هو متعارفٌ عليه اليوم).

دفعت المنافسة رؤساء العمّال الحرفيين للتصرّف كرجال الأعمال، حيث اتّجهوا لإيجاد اختراعاتٍ تقلّل من توظيف اليد العامِلة ومعاملة عمّالهم أكثر فأكثر كعمّالٍ مأجورين يمكن الاستغناء عنهم. أصبحت المشاريع أكبر ولم يعد الرؤساء يستثمرون فيها من جهودهم الشخصيّة كالسّابق – أي أنها أصبحت كالمصانع، تحتوي عشرات الموظّفين.

في العقد الأول من القرن التاسع عشر، لم يخسر الموظّفون عقودهم طويلة الأمد فقط، بل خسِروا مكان عيشهم في منزل رئيسهم. وجد التلامذة في هذه التجربة تجربةً تحرّرية، حيث لم يعد هؤلاء الشباب تحت سلطة أبويهم ورؤسائهم، فالآن أضحوا يتجوّلون كما يحلوا لهم وقابلون الفتيات الشابّات ويكوّنون حياتهم الاجتماعية الخاصة مع أقرانهم. كانت النساء العاملات توظّفن في الخدمات المنزلية المتنوّعة إلّا إذا كانوا مومِسات.

تغيّرت الحياة خارج المنازل، إذ تخالط هؤلاء الشباب مع فئاتٍ أخرى من المجتمع الذي شكّل الطبقة العاملة الناشئة.

هذا التخالط لم يكن دائمًا سلميًا، إذ ازدادت هجرة الإيرلنديين الكاثوليكيين بعد سنة 1800، وبحلول 1829، أصبح حوالي 25 ألف كاثوليكي في المدينة – أي أنّ نسبتهم كانت واحد لكل 8 أشخاص [12.5% من عدد السكان]. عاش الإيرلنديّون في أحياءٍ مفصولة عن باقي السكّان، وكثيرًا ما كانوا يعيشون بجانب السود – الذين شكّلوا في ذلك الوقت 5% من السكان. في 1799، أحرق البروتسـتانـتـيّون دميةً للقدّيس باتريك، وأدّى ذلك لمواجهةٍ مع الإيرلنديين. حدثت معارك في السنين التالية، وكان من الواضح للإيرلنديين أن المجنّدين والحرَس يصطفّون ضدّهم.

إذًا، فحتّى قبل وجود قوّات الشرطة الحديثة، كان «رجال القانون» يقومون بالتنميط العنصري. لاحظت نخبة المدينة قِلة احترام الإيرلنديين للحرَس – وذلك بشجاراتهم الدائمة معهم – فكان ردّ فعلهم أنّ وسّعوا في جهاز الحراسة جاعلين دوريّاته تستهدف مناطِق محددة. أتى ذلك جنبًا إلى جنب مع تركيز الشرطة المتزايد على الأفريقيين، وهم كانوا يعيشون في نفس المناطق مع الإيرلنديين وكثيرًا ما اتّخذوا نفس المواقف من السلطات.

كانت الأسباب الخفيّة لهذه الخلافات العرقيّة والطائفية هي المنافسة الاقتصادية، إذ كان العمّال الإيرلنديّون أقلّ مهارةً فبالتالي استلموا أجورًا أقل من العمّال الحِرفيين. في الوقت ذاته، كان رؤساء الحرفيين يحاولون أن يقلّلوا من المهارات المتطلّبة للوظائف في ورشات العمل. وبهذه الطريقة، أصبح التلامذة الإنكليز جزءًا من سوق عملٍ حقيقي حين خسروا عقودهم طويلة الأمد. عندما حدث هذا الأمر، وجد التلامذة أنفسهم أعلى بدرجةٍ واحدة على سلّم الأجور من المهاجرين الإيرلنديين، أمّا العمّال السود الذين عمِلوا كخدمٍ منزليّين أو عمِلوا في وظائف عامّة، كانوا أقلّ بدرجةٍ أو درجتين من العمّال الإيرلنديين.

في ذاتِ الوقت، كان الجزء القديم غير الماهر من الطبقة العاملة المأجورة – المتركّز حول الموانئ وبناء المباني – يتوسّع مع توسّع هذين القطاعين بعد الثورة.

ازداد عدد السكان بشكلٍ كلّي باطّراد. كان عدد سكّان نيويورك 60 ألفًا عام 1800، وتضاعف ذلك العدد بحلول 1820. في عام 1830، تعدّى تعداد سكّان نيويورك 200 ألف نسمة – ووصل لـ 312،000 نسمة عام 1940.


وهذه لمحة مُختصرة تقريبية للطبقة العاملة الجديدة في نيويورك.

في هذه العقود، اتّجه كلّ جزءٍ من الطبقة للعمل الجمعي لمصلحتِه الخاصة. إنّها قصّة شديدة التعقيد، وذلك بسبب عدد الأعمال وتشظّي الطبقة. ولكن بإمكاننا هنا أن نبدأ من تعميمٍ يقول بأن أكثر النشاطات النضاليّة شيوعًا كان أكثرها جوهريةً، ألا وهو أعمال الشغب.

والآن نتّجه لبعض التفاصيل. منذ 1801 وحتى 1831، قام السود النيويوركيّون بأعمالِ شغبٍ أربعَ مرّات لمنع إعادةِ عبيدٍ سابقين لأسيادهم القاطنين خارج المدينة. فشلت هذه الجهود عمومًا حيث كانت ردّة فعل الحرّاس عنيفةً وحُكِم على المشاركين في الأعمال بأحكامٍ قاسية على نحوٍ غير اعتيادي. شارك الإلغائيّون البيض [أي المطالبون بإلغاء العبوديّة] في إدانة أعمالِ الشغب هذه. إنّ أعمال الشغب هذه إذًا تمثّل نشاطاتٍ شعبيّة ذاتيّة على الرغم من عدم رِضى النُخب – ناهيك عن تبيينها للتفاوت العرقي في تطبيق القانون.

كانت هنالك أيضًا مضايقاتٌ من قِبل البِيض للكنائس والمسارِح الخاصة بالسود، وهذه المضايقات كانت تصل أحيانًا لمستوى أعمال الشغب. شارك المهاجرون الفقراء في هذه الأعمال، وشارك – أحيانًا – أغنياءُ بِيض ومجنّدون أيضًا. أحدُ أعمالِ الشغب المعادية للسود اندلعت عام 1826 مستمرّةً لثلاثةِ أيام، حيث وقعت أضرارٌ على منازل وكنائس السود – ومعهم منازل وكنائس القسيس البِيض الإلغائيين.

ولكنّ الصراع لم يكن بمجملِه ما بين العمّال السود والبيض، ففي 1802، أضرب بحّارون بيضٌ وسود مطالبين برفع الأجور. ومثل أغلب الإضرابات في تِلك الفترة، كانت الطريقة المستخدمة هي ما سمّاه المؤرّخ إيريك هوبسبام: «المفاوضات الجماعيّة عن طريق أعمال الشغب». في هذه الحالة، عطّل المُضرِبون السُفن التي توظّف بالأجور المنخفضة، واتّحد عمّال أحواضِ السُفن عبر الصفوف العرقيّة والطائفيّة للقيام بإضراباتٍ محارِبة في عاميّ 1825 و1828.

إنّ الأنشِطة الوظيفيّة للعمّال المهرة (كالـحِرفيين المهرة) لم تتطلب اللجوء لمثِل هذا الشراسة الجسدية؛ وذلك لاحتكارِهم المهارات المتطلّبة لعملِهم، ولكنّ على الرغمِ من ذلك، ازدادَت الروحُ المحارِبة للحرفيّين المهرة في تِلك السنوات. حدثت الإضرابات في المِهن الماهِرة في ثلاث موجات، بادئةً في 1809 وتبِعتها موجاتٌ أخرى في 1822 و1829. وكانت شراسةُ كلِّ موجهة وروحُها المحارِبة أكثر من سابِقتها – ومثالٌ على ذلك هو استهدافُ هذه الموجات للعمّال المهرة الآخرين الكاسرين للتّضامن. في 1829، قاد الحِرفيّون المهرة حركةً للحدّ من ساعات العمل اليوميّة لـ10 ساعات وأنشأوا حزب الرجال العُمّال. انهار الحزب في العام ذاته، ولكنّه قاد لتأسيس نقابة العمّال العمومية في 1833.

بينما نمى وعيُ العمّال بأنفسهم كـطبقة، بدأوا أيضًا في المشاركة أكثر فأكثر بأعمالِ شغبٍ اعتياديّة أينما تجمّعت حشود، في الحانات أو المسارح أو الشوارع. لربما لم يكن لأعمالِ الشغب هذه أيّة أهدافٍ سياسيّة أو اقتصاديّة واضحة، ولكنّها كانت لحظاتٍ توكيد الذاتِ الجمعية من قِبل الطبقة العامِلة – أو مِن قِبل قِسمٍ عرقيّ أو إثنيّ من هذه الطبقة. وفي العقود الأولى من القرن الثامن عشر، جرت أعمالُ شغبٍ بمعدّل أربع مرّاتٍ في كلّ عام، ولكن في فترة ما بين 1825 و1830، أشعل النيويوركيّون أعمال شغبٍ بمعدّل مرّة في كلّ شهر.

أحد المرّات التي قام بها هؤلاء بأعمالِ شغب أقلقت النُخبة. لقد عُرِفت بأعمال شغب عيد الميلاد لعام 1828، ولكنّها جرت واقعًا أثناء رأس السنة. جلب حشدٌ صاخِب قدرُه 4000 عامِلٍ إنكليزيٍ شاب طبولهم وأدواتٍ محدثة للضوضاء واتّجهوا لـ «برودوي» حيث يسكن الأغنياء. وفي طريقهم حطّموا كنيسة أفريقيّة وضربوا أعضاء الكنيسة. قام الحرّاس الليليون باعتقال عددٍ من المشاركين، ولكنّ الحشد أنقذهم وجعل الحرّاس يهربون.

ازداد عدد المشاركين واتّجه الحشد تجاه المنطقة التجاريّة حيث حطّموا المتاجِر. وفي «مُنتزه باتري» كسروا نوافِذ بعض أغنى البيوت في المدينة، ومن ثَمّ عادوا متّجهين لـ«برودوي» لِعلمهم بأنّ الأغنياء كانوا يقيمون احتفالهم الخاص في فندق «سيتي». وهناك، منع الحشدُ العرباتِ من المغادرة.

ظهر جمعٌ كبير من الحرّاس، ولكنّ قياداتٍ الحشد طالبوا بهدنة لمدّة خمس دقائق، سمحت هذه المدّة للحرّاس بالتفكير مليًا بما سيواجهون، فلذا حين انتهت الخمس دقائق، تنحّى الحرّاس الليليّون جانبًا وسار الجمع الصاخِب مرورًا بِهم وباتّجاه «برودوي».

منظر تمرّد الطبقة العاملة هذا حصل بمرأى العوائل التي أدارات مدينة نيويورك. طالبت الصُحف مباشرةً بتوسيعٍ كبير لجهاز الحراسة، وبذا سرّعت أعمال شغب عيد الميلاد بتقديم إصلاحاتٍ تدريجيّة قادت في النهاية لصنع قسم شرطة مدينة نيويورك عام 1845.

ضخّمت إصلاحات 1845 جهاز الشرطة، وأضفت لهم صِفة احترافيّة ومركزيّة مضيفةً لذلك سلًما قياديًا ذا طابعٍ أكثر عسكريّةً من السابق. توسّع عمل الحرّاس ليصبح 24 ساعة في اليوم، ومُنِع رجال الشرطة من العمل في وظائف أخرى. تم رفع الأجور ولم يعد الشرطة يستلمون حصّةً من الغرامات المُستخرجة من المُدانِين.

عنى ذلك أنّ الشرطة لم يعودوا يتّجهون لدوريّاتهِم باحثين عن وسيلةٍ لكسبِ رزقِهم، وهذه عمليّة قد تقود لاختياراتٍ غريبة في إجراءاتِهم الوظيفيّة. فبإلغاءِ هذا النظام أصبح للقادةِ حريّةٌ أكبر في تحديد السياسات والأولويّات – وبذلك أضحى قِسم الشرطة أكثر تجاوبًا للاحتياجات المتغيّرة للنُخبة الاقتصاديّة.

هكذا بدأت شرطة نيويورك.


تختلف قصة الشرطة في الجنوب تختلف قليلًا كما هو متوقّع.

نشأت إحدى أولى أجهزة الشرطة ذات الطابع الحديث في مدينة «تشارلستون» في ولاية جنوب كارولينا، وكان ذلك قبل تحوّل قوّات الشرطة النيويوركيّة لقوّاتٍ كامِلة الاحترافيّة. لا يعود أصل قوّات شرطة تشارلستون لمجموعةٍ مِن الحرّاس الليليّين المدينيّين كما هو الحال في نيويورك، بل أصلهم يعود لدوريّاتٍ عمِلت في الريف لمراقبة وضبط العبيد، وسُميّت هذه الدوريّات بـ«دوريّات العبيد» (slave patrols). وحسب تعبير أحد المؤرّخين: «في كلّ أرجاء الولايات [الجنوبيّة، قبل الحرب الأهلية] كانت هنالك دوريّات شرطة مسلّحة جوّالة تجوب الريف ليل نهار، وتروّع وتُرهِب وتعنّف العبيد لإخضاعهم وإخناعِهم».

كانت هذه القوّات غالبًا مكوّنةً من متطوعّين من المواطنين البِيض يعملون بأسلحتهم الخاصة، وتمّ إدماج هذا النظام مع مرورِ الوقت في الحياة المدينية. لم يزدد تعدادُ سكّان تشارلستون باطّراد كمدينة نيويورك، ففي عام 1820 قطن في المدينة الكارولينيّة أقل من 25 ألف نسمة، ونِصفهم كانوا من السّود.

وكانت طريقة الجنوب الوحيدة للتمكّن من البدئ بمصنعةٍ حقيقيّة للإنتاج هي بالسماح للعبيد بالعملِ بوظائفَ مأجورة في المُدن. كان بعض العبيد مملوكين مباشرةً مِن قِبل مُلّاك مصانِع، خصوصًا في أكبر المدن الصناعية في الجنوب، مدينة ريتشموند. ولكنّ أغلب العبيد في المدن كانوا مملوكين من بيضٍ قرويّين استخدموهم للخدمات الشخصية وقاموا بـ«تأجيرِهم» لأربابِ أعمالٍ مأجورة.

في البداية، وجد الأسيادُ وظائفَ لعبيدهم واستحوذوا على أجورِهم كاملةً. ولكنهم اكتشفوا سريعًا أنّ من الأيسر لهم أن يتركوا لعبيدهم مسؤوليّة البحث عن وظائف لهم بينما يأخذُ الأسياد رسومًا ثابِتة من العبيد على الوقتِ الذي يقضونه بعيدًا عنهم.

هذا التحوّل في الإجراءات غيّر طبيعة العلاقة ما بين العبيد وأسيادِهم على نحوٍ جوهري – ناهيك عن التغيّر في العلاقات ما بين العبيد أنفسهم. فـلِفتراتٍ طويلة من الوقت، لم يعد العبيد تحت إشراف أسيادِهم المباشر، وتمكّن العبيد من الحصول على أموالٍ لأنفسهم تفوق وتتجاوز الرّسوم التي دفعوها للأسياد، إذ أصبح بإمكان العديد من الأمريكيين من أصولٍ أفريقيّة تحمّل نفقات العيش خارج منازِل أسيادهم، وأضحى بإمكانهم الزواج والمعاشرة باستقلالٍ عنهم. وبحلولِ العقد الأول من القرن التاسع عشر، كان هنالك في تشارلستون ضاحيةٌ للسّود أغلب قاطنيها كانوا من العبيد وكان بعضهم مُعتقين.

كان البيضُ في الجنوب – في كلٍ من المُدن والريف – يعيشون في خوفٍ دائم من خطرِ تمرّد العبيد. ولكنّ السُودَ في الريف كانوا يعيشون تحت مراقبةِ أسيادِهم الدائمة، ولم تكن هنالك فُرصٌ كثيرة لدى العبيد تحت نظام العمل القاسي هذا كي يكوّنوا علاقاتٍ اجتماعيّة واسعة. ولكنّ قِلّة الرقابة في المُدن عنَت أنّ على الدولة التدخّل لتقوم بِمهمّة القمعِ، التي نفذها مُلّاك العبيد أنفسهم في الريف.

نشأ جهاز «حرّاس وخفَر تشارلستون» عن طريق التعلّم بالتجربة والخطأ ليُصبحَ بحلولِ عشرينات القرن التاسع عشر جهازَ شرطةٍ حديث تُديرُه المدينة، وكانت قوّات الحراسة هذه تنفّذ عملين: أولهما المضايقة اليوميّة للسكّان السّود، والثاني هو أن يكونوا على تأهّبٍ دائم للتحشيد السريع بغرض السيطرة على الحشود. وتلقّى هذا الجهاز دفعةً قويّة تجاه المِهنيّة عام 1822 حين اكتُشِف وجود مخطّطٍ لتمرّد منسّق بين العبيد. سُحق التمرّد، وضُخِّم بعدها حجم القوّات.

كانت القوّات الجنوبيّة أكثر عسكرةً مِن قوّات الشمال حتّى قبل تمهينِها. فإذا كان خيّالة الشُرطة استثناءً في الشمّال، فقد كانوا في الجنوب هُم القاعدة. حمَلَ شرطةُ الجنوب بنادِق مزّودةً بِحراب.

إنّ قصص تكوّن قوّات الشرطة تختلف في كلّ المدنِ الأمريكيّة، ولكن لكونهم واجهوا مشاكِلَ متشابهة أثناء قمعِهم لعمّال المُدن والفقراء، فقد مالوا جميعًا لاتّخاذِ حلولٍ مؤسسيّة متشابهة. التجربة الجنوبيّة تعزّز النقطة التي اتّضحت في تجربة الشمال: أنّ العنصريّة المُعادية للسّود كانت جُزءًا من بِناء عملِ الشرطة الأمريكيّة منذ يومِها الأول.


سأتحدّث في النهاية عن فيلاديلفيا بعض الشيّء، ولكن قبلَ ذلك سأقوم باستخلاص بعض المواضيع التي تنطبق على كلّ هذه الحالات.

أولًا، يجب أن نضع النشاطات البوليسيّة ضمن سياق مشروع الطبقة الحاكمة لإدارةِ وتشكيل الطبقة العامِلة. قُلتٌ في البداية أنّ انبعاث ثورات العمّال تزامن مع انهيار الأساليب القديمة للمراقبة الفرديّة المستمرة على القوّة العاملة. وبذلك تدخّلت الدولة للإشراف عليهم. كانت الشُرطة جزءًا من هذه الجهود، ولكن في الشمال وسّعت الدولة برامج إعانة الفقراء والتعليم العام أيضًا.

تمّ إدماج عمل الشرطة في نظام إعانة الفقراء، حيث عمِل المجنّدون على تسجيل الفقراء وإدراجهم في «منازِل العمَل» (workhouses) [منازِل أُنشئت لتوفير العمل والمسكن لغير القادرين على إعالة أنفسهم]. وكان ذلك حتى قبل تمهين الشرطة، حيث قام المجنّدون بفرزِ «الفقراء المستحقّين» مِن «الفقراء غير المستحقيّن». فإن كان هؤلاء الفقراء عاطلين وغير قادِرين على العمل، سيُرسِلهم المجنّدون لمؤسساتٍ خيريّة تابعة إمّا للكنائس أو لحكومة المدينة ذاتها. ولكن إن كانوا قادرين على العمل، سيُحكم عليهم بأنّهم «متكاسِلون» وسيُرسلون ليعيشوا فظائع منازل العمل. [وصف فريدريك إنكلز دوافِع مؤسّسي هذه المنازل قائلًا أنّ هدفهم هو «إقحام الفقراء في سريرٍ بروكرستيّ لمفاهيمهم المُسبقة. ولكي يقوموا بِذلك، عاملوا الفقراء بوحشية لا تُصدّق».]

قدّم نظام إعانة الفقراء مساهمةً مهمّة لخلق سوقٍ للعملِ المأجور. فقد كانت الوظيفيّة الرئيسية لنظام الإعانة هو جعل البطالة أمرًا مؤلِمًا جدًا ومُهينًا جدًا بحيث يصبح الناس على استعدادٍ لأخذ وظائف عاديّة بأجورٍ منخفضة جدًا ليتجنّبوا البطالة. وبمعاقبِة أفقرِ الناس، تخلق الرأسماليّة حدًا أدنى مُنخفض لسلّم الأجور وتجرّ السلّم بأكمله للأسفل.

لم يعد الشرطة يلعبون دورًا مباشرًا في انتقاء من يحتاجون الإعانة كما كانوا سابقًا، ولكنّهم لا زالوا يُنزِلون على الناس مقدارًا كبيرًا من العِقاب. وكما نعلم، فالكثير من عملِ الشرطة يدور حول جعلِ الحياة غير مريحة أبدًا للناس العاطلين الذين يقضون وقتهم الشوارع.

إنّ نشأة الشرطة الحديثة تزامنَت أيضًا مع نشأة التعليم العام. تعوّدُ المدارِس الأطفال على التزام مقرّ العملِ الرأسماليّ، ومن ضمن هذه الالتزامات هو الخضوع لقوانين صارمة حول الوقت المناسِب للقيام بالأمور. هدفت حركة إصلاح التعليم في ثلاثينات وأربعينات القرن التاسع عشر أيضًا لقولبة طبيعة الطلّاب الأخلاقية. وكان التأثير المُفترَض لذلك هو أنّ الطلّاب سيخضعون للجهات ذات السُلطة بمحضِ إرادتهم، وأنهم سيكونون قادرين على العملِ بجدّ، وأن يمارسوا ضبط النفس، وأن يؤجّلوا إشباع رغباتِهم.

واقعًا، كانت مفاهيم المواطنَة الصالِحة التي نبعت مِن حركة إصلاح التعليم متوافقةً تمامًا مع مفاهيم علم الجريمة التي كانت قيد الاختراع لتصنيف الناس الذين يقضون وقتهم في الشوارع. فكان على الشرطة لا أن يُركّزوا على الجريمة بل على صِفات مُرتكبي الجريمة – وهي طريقة تشخيص مدعومة بما يُزعم أنّها مؤهلّات علميّة. فمفهوم «الأحدَاث الجانحين» على سبيل المثال هو مفهوم شائع في التدريس ونشاط الشرطة – وساعد هذا المفهوم على ربط هذين النشاطين عمليًا.

كان من المفترض أن يكون لأيديولوجيا المواطَنة الصالحة أثرٌ كبير على عقولِ الطلّاب، حيث تشجّعهم على الاعتقاد بأن مشاكِل المجتمع سببها أفعالُ «الأشرار». فأحد الأهداف الرئيسية للتعليم يجب أن يكون – حسب الإصلاحيّ «هوراس مان» – زرع نوعٍ معيّن من الوعي في الطلّاب – لكي يقوموا هم بضبطِ تصرّفاتهم ويضحون شُرطةً على أنفسهم. وعلى حدّ قولِ مان، كان الهدف هو أن يُفكّر الأطفال بـ«مهامِّ [الشُرطة] عِوضًا [عن التفكير برجالِ] الشرطة أنفسِهم».

ومن نافلةِ القول أنّ المخطّط التحليليّ لتقسيم المجتمع بين أخيارٍ وأشرار هو مخطّط مثاليّ لاختيار أكباشِ الفداء، بالخصوص العرقيّة منها. إنّ هذا المخطّط ذو النزعة الأخلاقيّة كان (ولا يزال) منافسًا مباشِرًا لرؤية العالم من وجهة نظر واعية طبقيًا، وهي وجهة نظر تعرّف خصومات المجتمع كصراعٍ بين مُستغـِلّين ومُستغَـلّين. فهنا نشاطاتُ الشرطة لا تقتصر على القمع فحسب، إنمّا يتلاحَم «تدريس» إيديولوجيا المواطَنة الصالِحة والمواطنة الطالِحة مع دروسٍ في الفصل الدراسي ومنزل العمل.

النقطة التي أريد إيصالها هنا هو أن اختراع الشرطة كان جزءًا من التوسّع الشامِل لنشاطات الدولة للسيطرة على السلوكيّات اليوميّة للطبقة العاملة. فالتعليم وإعانة الفقراء والشرطة عملِوا جميعًا على قولبة العمّال ليصبحوا نافِعين – وموالين – للطبقة الرأسماليّة.


النقطة العامة التالية تتعلق بأمرٍ كلّنا نعرِفه، وهي التالي:

هنالك القانون…ومن ثمَّ هنالك أمرٌ منفصِل عنه، ألا وهو ممارسات الشرطة.

سأتحدّث قليلًا في البداية عن القانون: على الرغم ممّا قد تعلّمتموه في فصل التربية المدنيّة، فالقانون ليس الإطار الذي يسير المجتمع داخِله، بل القانون هو نِتاج طريقة سيرِ المجتمع، ولكنّه لا يبيّن كيفيّة سيرِ الأمور بحقيقتها. والقانون أيضًا ليس إطارًا لما ينبغي للمجتمع أن يسير عليه، مع أنّ بعض الناس يعقدون آمالهم على ذلك.

إنّ القانون واقعًا مجرّد أداة من ضمنِ أدواتٍ أخرى في يد من لديهم القوّة لاستخدامِه، بغرضِ التأثير على مجريات الأحداث.  فلدى الشركات القوّة لاستخدام هذه الأداة لقُدرِتهم على توكيل محامين ذوي تكلفةٍ باهظة. ولدى السياسيين وأعضاء النيابة العامة والشرطة أيضًا القوّة لتوظيف القانون.

وفيما يتعلّق بالشرطة والقانون، ففي القانون بنودٌ أكثر بكثير مما يستخدمه الشرطة واقِعًا، ولذلك دائمًا ما يكون تطبيقهم للقانون انتقائيًا. وذلك يعني أنّهم دائمًا ما يقومون بتشخيص أيِّ جزءٍ من السكّان عليهم استهدافه ويختارون أيّ نوعٍ من السلوكيّات يريدون تغييرها. وذلك يعني أيضًا أنّ لدى الشرطة فرصُ فسادٍ مستديمة. فإن كانت لديهم حريّة التصرف فيمن ينتقون، فبإمكانهم المطالبة بمكافأة [رشوة] لعدم انتقاء هؤلاء الأشخاص.

أحد الطرق التي تبيّن لنا الفجوة ما بين القانون وأفعال الشرطة هي عن طريق اختبار الفكرة الشائعة عن كون العقاب يبدأ بعد أن يدان الشخص في محكمة. واقعًا، إنّ أي شخص تعامل مع الشرطة سيخبرك بأن العقاب يبدأ من اللحظة التي يضعون فيها يدهم عليك. فبإمكانهم اعتقالك ووضعك في السجن – بدون أيّ اتّهامات. هذا واقعًا عِقاب، وهم يعلمون بذلك. ناهيك عن احتمال اعتدائهم الجسدي عليك، أو الطُرق التي بإمكانهم استخدامها لمضايقتك حتى لو لم يعتقلوك.

إذًا، فالشرطة يتأمّرون على الناس كلّ يومٍ بدون أمرٍ من المحكمة، ويعاقبون الناس كلّ يومٍ بدون حكمٍ من محكمة. من الواضح إذًا أن بعضًا من وظائف الشرطة الرئيسية ليست مكتوبة في القانون، فهذه الوظائف جزءٌ من ثقافة الشرطة التي يتعلمّونها من بعضهم البعض بتشجيعٍ وتوجيهٍ من قادتهم.

يجلبنا هذا الأمر لموضوعٍ بدأت بِه في البداية. يتعامل القانون مع الجرائم، ويُتّهم الأفراد بارتكابِ هذه جرائم، ولكنّ الشرطة اختُرِعوا واقعًا ليتعاملوا مع ما يصبح عليه العمّال والفقراء في تعبيرهم الجمعي: يتعامل الشرطة مع الحشود والأحياء السكنيّة، ويستهدفون قطاعاتٍ من السكّان – وهذه كلّها كيانات جمعيّة.

قد يستخدمون القانون في تعاملهم هذا، ولكنّ تعليماتهم العامّة تأتي من سياساتٍ صاغها قادتهم أو من غريزتهم كشرطةٍ ذوي خبرة. وتوجيهات السياسة العامة كثيرًا ما يكون لها طبيعة جمعيّة – فعلى سبيل المثال، أن تصدر توجيهات لفرض السيطرة على حيٍّ مُنفلت. يقررّون القيام بذلك، ومن ثمّ يستنتجون أيَ قوانينٍ عليهم توظيفها.

هذا هو معنى سياسات «عدم التسامح» وسياسات «النوافذ المُحطّمة» – وهي سياساتٌ كانت في السابق تسمّى بشكلٍ صريح بسياسات «الزنجي المغرور». كان الهدف هو ترويع وفرض السيطرة على جمعٍ من الناس عن طريق اتّخاذ إجراءاتٍ ضدّة قلّة مِنهم. هذه التكتيكات أُدخِلت في عملِ الشرطة منذ البداية. إذًا، فالقانون هو أداة تُستخدم على الأفراد، ولكن الهدف الحقيقيّ هو السيطرة على سلوكيّات الجمعِ الأكبر.


وسأنهي هذا المقال بالحديث عن بعض البدائل المُحتملة.

أحد هذه البدائل هو نظام عدالة وُجد في الولايات المتّحدة قبل نشأة الشرطة، وهو موضوعٌ موثّق بشكلٍ جيّد في فيلاديلفيا، ولذا فهي المكان الذي سأتحدّث عنه. طوّرت فيلاديلفيا في فترة الاستعمار نظامًا سُمّي بـ«المحاكم الصغيرة» حيث جرت أغلب المحاكمات الجنائيّة. عمِل المحافِظ وأعضاء المجلس المحلّي كقُضاة – أي قُضاة الجرائم البسيطة. كان الفقراء يوفّرون بعضًا من الأموال ليتمكّنوا من دفع رسومٍ للقاضي ليسمع قضيّتهم.

كانت أغلب الجرائم في ذلك الوقت – كما هو الوضع الآن – تُرتَكب من قِبل الفقراء ضدّ الفقراء. وفي هذه المحاكم، يكون ضحيّة الاعتداء أو السرقة أو القذف هو المدّعي. وقد يقوم أحد المجنّدين بجلب المُتّهم للمحكمة، ولكنّ ذلك ليس مماثلًا للاعتقالات التي تقوم بها الشرطة. فالعمليّة بأكملها تدفعها رغبة الضحيّة، لا أهداف الدولة. وبإمكان المتّهم أن يرفع دعوى مضادّة.

لم يكن هنالك محامون لأيّ طرف، والتكلفة الوحيدة كانت الرسوم التي تُدفع للقاضي. لم يكن هذا النظام مثاليًا، فمن الممكن أن يكون القاضي فاسدًا، وحياة الفقراء لم تُصبِح أقلّ بؤسًا إذا ربحوا قضيّة ما، ولكنّ النظام هذا كان له شعبيّة وظلّ قائمًا لفترة من الزمن حتى بعد نشوء وتطوّر نظام الشرطة الحديثة ونظام المدّعين العامّين للدولة بشكلٍ موازيٍ له.

إنّ نشأة جهاز الشرطة – التي تزامنت مع نشأة المدّعين العامّين – عنَت أنّ الدولة ضغطَت بإبهامها على إحدى كفّات ميزان العدالة [أي أنّها حاولت التأثير في مجريات المحاكمات في صالحها]. في المحكمة، قد يكون لك أملٌ بأن تعامَل كبريء حتى تثبت إدانتك. ولكنّ حتّى قبل وصولك للمحكمة، عليك أن تمرّ بين أيدي الشرطة والمدّعين العامّين الذين لا يعاملونك – بالتأكيد – كشخصٍ بريء. فلدى هؤلاء الفرصةٌ ليضغطوا عليك أو ليعذّبوك بحيث يخرجون منك اعترافًا – وفي أيامنا هذه، يحصلون على اعتراف على شكلِ تفاوضٍ لتخفيف العقوبة – ويكون ذلك قبل وصولك للمحكمة حتى.

هذا هو المفتاح، بإمكاننا أن نوفّر بديلًا مرةً أخرى إن أبطلنا العلاقات الاجتماعيّة غير المتكافئة التي اختُرِع الشرطة للدفاع عنها. حين سيطر عمّال باريس على المدينة لشهرين في عام 1871، أسّسوا حكومةً تحت اسم «الكمونة». إنّ بدايات المساواة الاجتماعية في باريس أضعفت من الحاجة للقمع وسمح للـكمونيين بتجريب إلغاء الشرطة كقوّات دولة منفصلة عن المواطنين. ينتخب الناس ضبّاطهم الخاصّين للأمن العام، يحاسبهم المُنتخبون ذاتهم ويكونون عُرضةً لاستدعاءٍ مباشر.

لم يصبح هذا العمل أبدًا عملًا روتينًا مستقرًا لأن المدينة كانت تحت الحصار منذ يومِها الأول، ولكنّ كان لدى الكمونيين الفكرة الصائبة. للتّغلّب على نظام قمعِ الشرطة، كان العمل الرئيسيّ هو الرقي لمستوىً يناسب مسمّى «الكمونة» – أي بناء مجتمعٍ حاكمٍ لذاته مكوّن من أفرادٍ متساوين. ولا يزال هذا هو ما نحتاج أن نقوم بِه اليوم.

Advertisements

تسعدني تعليقاتكم

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s