بروفات ثورية (1) تشيلي 72 – 1973: العمال والثورة والعسكر – مايك جونزاليس

Posted: 1 أكتوبر 2016 in فعاليات واحتجاجات, مختارات سياسية, خبرات نضالية, عمال وجماهير
الوسوم:, , , , , , , ,
بروفات ثورية (1) تشيلي 72 – 1973 العمال والثورة والعسكر PDF
مايك جونزاليس
ترجمة يحيى مصطفى كامل
الناشر وحدة الترجمة – مركز الدراسات الاشتراكية
سبتمبر 2016

1- مقدمة

لم يكف التاريخ عن تذكيرنا دوما بالحقيقة التالية: لا نجاح لأية ثورة اجتماعية دون وجود حزب ثوري يمثل القيادة السياسية لها، ويحمل معه تطلعات الطبقات الصاعدة في هذه المرحلة التاريخية أو تلك، ويضعها قيد التنفيذ من خلال برنامج سياسي واضح قادر على أن يحشد خلفه كل من له مصلحة في نجاح الثورة وهدم العالم القديم.

إلا أن هذا الحزب لا يمكن بناؤه وإرساء أسسه وتمتين قواعده فقط في خضم الثورة ومعمعة الأحداث، فرغم كل ما يتيحه المد الثوري من فرص للحزب الثوري في النمو والانتشار، إلا أن ذلك لا يمكن أن يتم على نحو صحيح إلا من خلال البناء على قلب صلب سابق في تكوينه على اندلاع الثورة نفسها، أي يُبنى وينضج بصبر ودأب في فترات الجزر والتراجع.

وبهذا المعنى تكون الثورة بالنسبة للحزب هي فترة نمو وحصاد لما تم غرسه وإنباته خلال سنوات الجزر في تربة الصراع الطبقي.

لعل هذا الدرس هو من أهم ما يقدمه لنا تاريخ الثورات – ومن بينها ثورة تشيلي. إلا أن أهمية دراسة الثورة التشيلية 1972 – 1973 لا تقف عند هذا الحد، خاصةً إذا وضعنا في الاعتبار الظروف السياسية التي نمر بها في مصر منذ صعود الإخوان المسلمين للسلطة كنتيجة مباشرة للمكاسب الديمقراطية التي حققتها الموجات الأولى لثورة يناير 2011، وحتى انتصار الثورة المضادة على خلفية انقلاب يوليو 2013.

بالطبع الإخوان المسلمين ليسوا هم تحالف الوحدة الشعبية الفائز في انتخابات 1969 في تشيلي، ولا محمد مرسي الذي انقلب عليه السيسي هو سلفادر آيندي الذي انقلب عليه بينوشيه، وبالتأكيد الطبقة العاملة المصرية المتعثرة في تحقيق أبسط أشكال التنظيم النقابي المستقل ليست هي الطبقة العاملة في تشيلي التي بلغت أعلى درجات الوعي والتنظيم في عامي 1972 و1973، إلى الدرجة التي شكلت فيها “الكردونات” كأشكال جنينية للسلطة العمالية البديلة.

إلا أن هذا لا ينفي وجود الكثير من التقاطعات الهامة بين الحالة المصرية بعد ثورة يناير وخبرات الثورة التشيلية، فالدور الذي لعبته الإصلاحية في وأد الثورة وإجهاضها يظهر واضحًا جليًا في الحالتين، وهو ما مهد الطريق لانقلاب الثورة المضادة، وسحق الإصلاحية نفسها والإطاحة بها من السلطة في الحالتين أيضًا بالطبع.

كذلك الدور التخريبي المعتاد الذي لعبته الأحزاب الستالينية في تضليل الطبقة العاملة وتشتيت أنظارها بعيدًا عن عدوها الرئيسي والتشويش على حقيقة الصراع، ففي الوقت الذي كان فيه آيندي يرفع رواتب الضباط ويضع الجيش في صدارة المشهد، ويستدعيه حتى لحل الكثير من القضايا والإشكالات الاجتماعية القائمة، كان الحزب الشيوعي التشيلي يهاجم التيارات الأكثر جذرية بين العمال ويطلق عليها “اليسار المتطرف”، ويصفها بأنها العدو الحقيقي، وعلى الجانب الآخر يعلن في رطان ستاليني بائس، أن الجيش قد تم كسبه بعيدًا عن البرجوازية، وأنه يدعم العمال في نضالهم ضد الاستغلال!

لم يأت الانقلاب العسكري الدموي في تشيلي إلا نتيجة لغياب الحزب الثوري المستقل الذي كان بمقدوره أن يقود العمال نحو الاستيلاء على السلطة، بدلًا من المحاولات الفاشلة لإصلاح تحالف الوحدة الشعبية أو دفعها يسارًا. كما أن السفاح بينوشيه – الذي كان وزيرًا في حكومة آيندي – لم يكن بمقدوره أن ينقض على السلطة بدباباته إلا بعد تمهيد الطريق له من الإصلاحيين أنفسهم، وبعد تجييش قطاعات كبيرة من الطبقة الوسطى المرتعبة ضد هؤلاء الإصلاحيين غير القادرين في نظرهم على الإمساك بزمام الأمور وإنهاء تلك الحالة من القلاقل والاضطراب.

لقد أتت الانتخابات في تشيلي عام 1969 بمن تنتظر وتتوقع منه الطبقة العاملة الكثير والكثير، لم تكن هذه هي مشكلة البرجوازية، لكن مشكلتها حقًا كانت في الحالة الثورية التي جاءت فيها هذه الانتخابات وأدت إلى وصول تحالف الوحدة الشعبية وسلفادود آيندي إلى السلطة. تمثل الديمقراطية في هذه الحالة تهديدًا لمكاسب البرجوازية، ليس لأن برنامج الوحدة الشعبية كان ثوريًا أو جذريًا، ولكن لأن استمرار وجوده في السلطة في هذه الحالة الثورية يفتح الباب أمام احتمالات حدوث تغييرات اجتماعية عميقة وجذرية حقًا، وفي هذه الحالة يكون اعتماد الإصلاحيين على مؤسسات الدول القديمة، من جيش وشرطة وقضاء وخلافه، للحفاظ على وجودهم في السلطة خطأ قاتل، هو ما لا يعيه الإصلاحيون ولن يعوه أبدًا.

2- تقديم

في 27 أكتوبر عام 1972، أغلق أصحاب اللوريات في تشيلي شاحناتهم مُعلنيين بذلك عن اتخاذهم موقفًا واعيًا من العداء الطبقي للحكومة الاشتراكية. لم يكن المُضربون سائقين يعملون بالأجرة، بل كانوا مالكي شاحنات رأسماليين، يمتلك بعضهم أساطيل كاملةً تسيطر على نقل البضائع على الطرق السريعة في ذلك البلد الطويل والنحيف جغرافيًا. كان هذا الإضراب إضراب رجال أعمال، أعطتهم محدودية حجم شبكة القطارات الوطنية أصحاب اللوريات مركزًا اقتصاديًا حاسمًا في تشيلي، وقوةً حقيقية – اختاروا استعمالها في تلك الأيام العصيبة.

منح قرارُ حكومة “سلفادور آيندي” الاشتراكية في بداية هذا الشهر، بتأميم شركة نقلٍ صغيرة في بلدة أيسن في أقصى جنوب البلاد، الذريعةَ للسيد ليون برييلان، رئيس اتحاد أصحاب اللوريات، ليعلن عن قرار الإضراب. كان بيلارين نفسه سياسيًا معروفًا بانتمائه لليمين المتطرف. لم يكن الإضراب رغم ذلك نتاج مجرد مؤامرةٍ صغيرةٍ من اليمين، بل كان خطوةً رئيسيةً في استراتيجية كاملة للبرجوازية، أُسند فيها لأصحاب الشاحنات دور قوات الصاعقة للطبقة الحاكمة بأسرها، وهي الطبقة التي كانت مُصممة على استعادةِ السيطرة على الدولة التشيلية، التي شعرت في تلك الأيام أنها بدأت تفقدها.

كان إضراب أكتوبر الخطوة الثانية في تلك الاستراتيجية السياسية والاقتصادية للطبقة الحاكمة. وكانت الشهور السابقة قد شهدت تصاعدًا مُستمرًا في حشد وتعبئة الطبقة الوسطى ضد الثورة، كما شهدت عددًا من الانتصارات السياسية لليمين ضد الحكومة الاشتراكية.

توصل قادة المعارضة اليمينية، مع حلول شهر أكتوبر، إلى قناعة بأن الوقت بات مناسبًا للبدء في مرحلة الهجوم لإسقاط حكومة آيندي.

ولكن كما تبين فيما بعد، فقد أخذت الأحداث، بعد فشل إضراب أكتوبر، منحى غير متوقع للبرجوازية التشيلية وبنفس القدر لحكومة سالفادور آيندي.

دفع نجاح آيندي في انتخابات 1970 الرئاسية بسلسلة الأحداث للتصاعد. حمل آيندي إلى السلطة موجةً من نضال الطبقة العاملة، لم تملك البرجوازية حيالها ردًا. شرع آيندي بعد تقلده الرئاسة بصورة رسمية في ديسمبر 1970، في تنفيذ سلسلة محدودة للغاية من إجراءات الإصلاح الاجتماعي والاقتصادي لصالح العمال والفقراء، لم تضر تلك الإصلاحات في حد ذاتها إلا بمصالح قطاعات محدودة من الطبقة الحاكمة القديمة. لكن البرجوازية التشيلية رأت في هذه الاصلاحات خطرًا سياسيًا هائلًا على سلطتها، ليس بسبب جذرية مضمونها، وإنما بسبب السياق الذي نُفّذت من خلالِه.

لقد جاء انتخاب آيندي للرئاسة في 4 سبتمبر 1970، نتيجةً لتنامي الثقة السياسية لدى الطبقة العاملة في السنوات القليلة التي سبقت 1970، و ضاعف انتصاره من شعور العمال والجماهير بتلك الثقة وبإمكانياتهم.

أصيبت القيادة السياسية للبرجوازية طيلة الشهور التسعة الأولى لحكومة آيندي بحالة من الشلل وعدم الاتزان، فقد اقتصر ردها على محاولات بائسة لتعطيل أي إصلاحات تخدم مصالح الجماهير من خلال المحاكم والبرلمان، بالإضافة إلى محاولات حشد طبقتها في حركات احتجاجية وتظاهرات ساخطة.

ولكن مع أواخر 1972، توصل قادة اليمين من أمثال بيلارين إلى قناعة بأن دعم آيندي من قبل الطبقة العاملة قد بدأ يخبو، فالنجاح الاقتصادي للعام الأول – الذي استفاد منه العمال إلي حد ما – حلت محله أزمة اقتصادية عميقة، عبّرت عن نفسها في زيادة معدلات التضخم، وانسحاب الاستثمارات، والتعطيل المتعمد من قبل الرأسماليين لعملية الإنتاج.

وجدت حكومة آيندي نفسها بصورة متزايدة في صراعٍ مع العمال والفلاحين الذين صوتوا لها، حيث إنه مع تنامي رعب الحكومة من اليمين، سعت لطمأنة البرجوازية بكونها على استعداد لتقديم تنازلات في شأن أيٍ من وكل الإصلاحات المقبلة.

أخذت الحالة الاقتصادية تزداد صعوبةً بصورة متزايدة، كما أن الاستراتيجية الدفاعية للطبقة الحاكمة، والمتمثلة مبدئيًا في الإبطاء الممنهج لكلٍ من الإنتاج والتوزيع المقترنين برفض الاستثمار، هذه الاستراتيجية كانت قد أخذت تخلي مكانها لمحاولةٍ دؤوبة لخلق فوضى اقتصادية. وكان إضراب أصحاب الشاحنات جزءًا من هذا المحاولة. وكان من الممكن أن تنجح استراتيجية الطبقة الحاكمة، لولا أن الطبقة العاملة انبثقت على مسرح السياسة وقامت بالسيطرة على الشوارع والمصانع.

وللمرة الثانية في أقل من عام، أخذت منظمات الطبقة العاملة زمام المبادرة السياسية وهزمت البرجوازية المُعبئة في مواجهاتٍ مباشرة، وللمرة الثانية أثبت القادة السياسيون التقليديون للعمال أنهم يخشون قوة وتنظيم العمال التشيليين أكثر من خوفهم من أعدائهم الطبقيين.

عبرت أحداث تشيلي عن مفارقةً درامية. مارست الطبقة العاملة سلطتها مباشرةً في الدفاع عن مكتسباتها، لكن بقدر ما كان ذلك الدفاع ينمو ليشكل تحديًا للدولة البرجوازية ذاتها، تمثل رد القيادة التقليدية للطبقة العاملة في استدعاء العسكر، لاستعادة سلطة تلك الدولة. هكذا خُلق السياق الذي تحركت فيه الطبقة الحاكمة الموزعة في اتجاه أكثر الحلول فظاظةً وبربريةً للصراع الطبقي – انقلاب الحادي عشر من سبتمبر 1973.

استُخدم النموذج التشيلي حول العالم، في السنوات التي أعقبت الانقلاب، من قبل الأحزاب الشيوعية والاشتراكية الديمقراطية على حد سواء، كدليلٍ على أنه في الظروف الحالية يتعين على أي عملية تغييرٍ أن تلتزم بحدود ما هو مقبول من قبل البرجوازية – “الحل الوسط التاريخي”.

وفق هذه المعطيات، استُخدمت تشيلي لتبرير نبذ هذه الأحزاب للنضال لوصول الطبقة العاملة للسلطة. إلا أن الاستنتاج الذي توصلت إليه تلك الأحزاب يتضمن تزييفًا وتحريفا للتجربة الحقيقية في تلك الحقبة الدرامية من الصراع الطبقي.

3- وعد “الوحدة الشعبية”

وصل سالفادور آيندي للسلطة في عام، كممثلٍ لتحالفٍ من ستة أحزاب أُطلق عليه “الوحدة الشعبية” (UP)، كان ذلك سادس ظهورٍ لآيندي كمرشحٍ لجبهة عريضة من هذا النوع. كون الحزب الاشتراكي، الذي كان آيندي عضوًا فيه، والحزب الشيوعي التشيلي الكتلتين الرئيسيين في الوحدة الشعبية. تزعمت هاتان المنظمتان بجدارة القيادة السياسية للطبقة العاملة التشيلية. جاءت هيمنتهما داخل الطبقة العاملة كمحصلةٍ تاريخ متسق من النضال البروليتاري، بدايةً من الإضرابات البطولية لعمال النايترات في العقد الأول من القرن العشرين.

أُسُس الحزب الشيوعي التشيلي في عام 1920 من قبل لويس إميليو ريكابارين، أحد أهم منظمي أمريكا اللاتينية الثوريين. أما الحزب الاشتراكي فقد تأسس في بدايات أربعينات القرن العشرين وكان يطرح أيضًا – مثل الحزب الشيوعي – مشروع الثورة العمالية – حتى أن دستوره حتى عام 1970 كان مازال يعلن عن التزامه بالإطاحة المسلحة بالدولة الرأسمالية.

إلا أن الحزبين – الاشتراكي والشيوعي – أبديّا التزامًا صميمًا باستراتيجية الاعتماد على التحالفات الانتخابية للوصول للحكم من أجل تحقيق الاشتراكية، مُؤسسين تنظيماتٍ جبهوية عريضة لكل انتخاباتٍ رئاسية كل ست سنوات لانجاح استراتيجيتهم. على الرغم من ذلك، ظلت جذور الحزبين في أوساط الطبقة العاملة عميقة، وهو الأمر الذي ساعد آيندي على الحصول على 36 بالمائة من الأصوات الشعبية في انتخابات 1970.

بالتأكيد لمّا لم يفز آيندي بأغلبية الاصوات، فإن فوز ائتلافه، الوحدة الشعبية، أُرجع إلى الانقسامات داخل البرجوازية. بالتأكيد، لقد سقطت تنظيمات البرجوازية في المشاحنات و”الشللية” بعد فشل “ثورة الحرية” – برنامج التنمية المحدودة والإصلاح الذي وعدت به حكومة الديمقراطيين المسيحيين تحت قيادة إيدواردو فراي (1964 – 1970). لكن تفسير فوز آيندي بأنه نتيجة فشل معطيات البرجوازية فقط، هو تفسير يتجاهل الدور النشط الذي لعبته الطبقات العاملة خلال تلك السنوات.

دفع فشل حكومة فراي، في تطبيق إصلاحاتها الموعودة، الطبقةَ العاملة في طريق نضال جذري متصاعد. ففي 1967 على سبيل المثال، تزامن رفع الحكومة الحظر على تكوين النقابات العمالية الريفية مع صدور تشريع للإصلاح الزراعي، وقد قوبل ذلك الإجراء بمقاومة عنيدة من قبل الأوليجاركية المالكة للأراضي، تلك الطبقة التي لم يكن فراي مستعدًا أو راغبًا في مواجهتها.

صُمم ذلك الإصلاح الزراعي، والذي كان الهدف منه خلق طبقة مُستقرة من صغار المزارعين، لتهدئة التوترات الطبقية في الريف، لكن جاءت النتيجة عكس ذلك تمامًا. فأولئك الذين كان لديهم أمل في الاستفادة من الإصلاح الزراعي – وصوتوا للديمقراطيين المسيحيين من أجل هذا الغرض – شعروا الآن بأنه تم الاحتيال عليهم. من ناحيةٍ أخرى، فإن الفلاحين الذين لم يمتلكوا أي أرض، والذين لم يُوعدوا بأي شيء من البداية، كانوا قد بدأوا موجةً نضال من أجل احتلال الأراضي الزراعية.

كان فراي قد وعد بنمو الصناعة، وقد جذب ذلك الوعد العاطلين الريفيين للمدن. كانت الموجات الأسبق من المهاجرين الريفيين للمدن قد استقرت في أحياء الطبقة العاملة، وبنى هؤلاء المهاجرين مدنًا عشوائية بوضع اليد في المساحات الخالية، كما كانوا قد بدأوا في التنظيم والنضال من أجل حقهم في أرض للإسكان والمرافق الأساسية.

لقد لعبت تنظيمات المهاجرين الريفيين دورًا مهمًا في أحداث 1972 و1973. لم يكن كل من الفلاحين المعدمين وواضعي اليد على الأراضي ضمن التنظيمات التقليدية للطبقة العاملة وقيادتها. ولذلك فقد كانوا منُفتحين على النفوذ السياسي لقطاعٍ ثالث تكفلت المرحلة بدفعهم للراديكالية – الحركة الطلابية.
تطورت الحركة العامة للإصلاح التعليمي في 1968 – 1969 في تشيلي، وبلغت ذروتها في مسيرةٍ ضخمة على العاصمة سانتياجو من كل ركنٍ في البلد. لكن تياراتٍ أخرى اشتركت في تلك الحركة أيضًا.

إن جيلًا من الشباب الثوريين تأثر بثورة 1959 الكوبية، وبالرومانسية الثورية التي رمز لها تشي جيفارا. وجد ذلك التيار في تشيلي تعبيرًا عنه بتأسيس الحركة الثورية لليسار (MIR) عام 1965. وإذا كانت تجربة فراي الإصلاحية قد قُصد منها تقديم بديلٍ غير ثوري للتغيير، فإن فشلها أنتج مجموعةً ثانيةً من الشبان الإصلاحيين الذين صاروا راديكاليين: منظمون في حركة العمل الشعبي المتحدة (MAPU) واليسار المسيحي، موجهين طاقاتهم الأساسية لتنظيم برنامج الإصلاح الزراعي، وحين بدا أن حكومة فراي ستتخلى عن التزامها بهذا البرنامج انضمت (MAPU) للوحدة الشعبية (UP).

لم تؤثر أزمة حكومة فراي فقط في القطاعات التي كانت غير منظمة من قبل، بل أثرت أيضا داخل الحزب الاشتراكي حيث عاد انقسام داخلي قديم الأزل يؤكد نفسه في جدال حول أيهما من المفترض أن يحتل الصدارة في أنشطة الحزب: التنظيم النقابي أم الانتخابات البرلمانية. ذلك الجدال القديم داخل الحزب لم يُعاد من قبيل الصدفة، ولكنه عاد للظهور تحت ضغط التطورات في حراك الطبقة العاملة.

نظم اتحاد نقابات عمال تشيلي في بدايات 1968 إضرابًا عامًا احتجاجًا على خطط فراي لتوقيع عقود مع النقابات تمنع الإضرابات. وفر نجاح الإضراب وقودًا لنضالية الطبقة العاملة: في 1968 و1969 واجه العمال ارتفاعًا في الأسعار بلغ قرابة الخمسين بالمائة، وتزايدت البطالة التي صُحبت بردود قمعية من الحكومة. زاد عدد الإضرابات من 1939 إضراب يشمل 230,725 عامل في 1969 إلى 5295 إضراب يشمل 316,280 عامل في 1970.
كان هذا إذن هو المناخ الذي وصل فيه آيندي إلى الرئاسة في 1970.

حاول برنامج الوحدة الشعبية (UP) السياسي الموائمة بين المصالح المتضاربة أحيانًا للقوى السياسية التي اعتمد عليها التحالف. وفي كل الأحوال فقد اقترح آيندي تفعيل الإصلاحات فقط، التي كان من الممكن تمريرها في ظل التشريعات القائمة والتي تستطيع أن تحظى بموافقة كونجرس يسيطر عليه اليمين. وضع ذلك قيودًا شديدة على ما هو ممكن من الناحية الفعلية، وهي القيود التي سمحت لليمين بتحديد سرعة التغيير.

وإذا أخذنا بعين الاعتبار منظوره “الانتخابوي” الحازم، فإن آيندي لم يكن يستطيع أن يفعل أي شيء من شأنه تنفير أصوات الطبقة الوسطي التي أعتمد عليها إلى حد ما في انتصاره، والتي كانت تستطيع أن تعطيه أغلبية برلمانية. لكن المفارقة تمثلت في أنه كان يستطيع أن يحافظ على تأييد هذه القطاعات فقط بمقدار ما تستطيع الحكومة أن تقوم به، لتبرهن على مقدرتها على السيطرة على الطبقة العاملة وتحجيم حركتها.

في الاقتصاد، شرعت الوحدة الشعبية في استكمال برنامج فراي غير المُنجَز للنمو والتحديث، برفع الاستهلاك عن طريق رفعٍ عام للأجور، ومن ثم إعادة تفعيل الكثير من مقدرة تشيلي الصناعية غير المستغلة. وفي الزراعة، تعهد آيندي بتنفيذ قانون الإصلاح الزراعي لعام 1967 كما هو، بما يشمله ذلك من التزام الحكومة دفع تعويضات سخية للمالكين، مقرونة بالتعهد لهم على إبقائهم على أخصب 500 فدان لاستخدامهم الشخصي بالإضافة إلى أفضل الآلات الزراعية.

غير إن العنصر المحوري من تلك الحزمة كان التأميم دون تعويض لمناجم النحاس المملوكة لأمريكا. فعلى الرغم من مضي سنوات دون أن تستثمر الشركات الأمريكية فيها أي شيء، فإن التأميم منح حكومة آيندي السيطرة على أكبر صناعات التصدير التشيلية. من ناحيةٍ أخرى، فإنه في حين أن برنامج الجبهة الشعبية الكامل شمل تأميم المصالح الصناعية والمالية الأساسية، إلا أنه ترك أغلب الشركات في أيدي الملكيات الخاصة. تمثل تصور الجبهة الشعبية في ضم 150 شركة صناعية فقط للقطاع العام من أصل 3500 شركة، وهو ما مثل 40 بالمائة من الناتج الإجمالي، وقد خُفّض لاحقًا هذا الرقم.

لم يكن ثمة شيء ثوري في حزمة سياسات الوحدة الشعبية على الرغم من تأكيدات الإعلام العالمي أن تشيلي قد انتخبت لتوها أول رئيسٍ ماركسي للبلاد. لم يختلف برنامج الوحدة الشعبية كثيرًا من حيث المضمون عن برنامج فراي الإصلاحي، كونه خطة “كينزية” أرثوذكسية لإعادة تشغيل الاقتصاد. لم يحوِ برنامج الوحدة الشعبية أي تحدٍ لسيطرة رأس المال الخاص، على النقيض من ذلك فقد أعطى البرجوازية الصناعية جملةً من الضمانات ومنح لمالكي الأرض تعويضات سخية.

كان الفارق الحقيقي بين الوحدة الشعبية وفراي يكمن في علاقة الوحدة الشعبية بالطبقة العاملة. كانت المساهمة الكبرى للوحدة الشعبية في إعادة تنشيط الاقتصاد التشيلي هي مقدرتها على السيطرة على الطبقة العاملة والحصول على دعمها لبرنامج النمو الاقتصادي. لكن حتى هذا لم يكف لإزاحة شكوك البرجوازية، لذا، وكدليلٍ نهائي على احترامه للدولة البرجوازية والتزامه ببقائها، وكمقابل لسماح الأحزاب اليمينية له بتولي الرئاسة في نوفمبر 1970، فإن آيندي قام بتوقيع “ميثاق الضمانات”. وقد وعدت هذه الوثيقة بأن حكومة آيندي سوف تحترم الدولة وهياكلها وسوف تترك كل تلك الأدوات التي طورتها البرجوازية لحماية مصالحها الطبقية متماسكة – النظام التعليمي، الكنيسة، الإعلام، والقوات المسلحة.

ظل “الميثاق” ساريًا من الناحية العملية رغم أنه لم يُعرض أبدًا على أنصار الوحدة الشعبية للتصويت أو المناقشة. جعل استمرار العمل بالميثاق من تأكيدات بعض منظري الحزب الشيوعي بأن الوحدة الشعبية قد “أحكمت قبضتها على جزء من السلطة”، بما يمكنها من شن هجومٍ على مؤسسات الدولة الباقية، جعلها تأكيدات جوفاء وهزلية. في حقيقة الأمر، لقد كان الإعلان بمثابة وعد من آيندي لرأس المال بعدم محاولة القيام بأي تحول جوهري في المجتمع التشيلي.

من ثم كانت استراتيجية الوحدة الشعبية تفترض التعاون بين رأس المال الخاص والدولة لتحقيق النمو الاقتصادي. كان سيتم تأميم بعض المصارف وشركات التأمين بالإضافة إلى مناجم النحاس، مع منح الحكومة رأس المال الخاص جملة من الإعانات من الدولة. كان هدف آيندي طويل الأمد يتمثل في بناء اقتصاد مختلط من ثلاث قطاعات – عام وخاص ومختلط.

و قد شملت استراتيجية الوحدة الشعبية بالطبع تعاونًا موازيًا على المستوى السياسي بين حكومة آيندي والبرجوازية. حين كان آيندي يتحدث عن “السلطة الشعبية” في خطبه الرئاسية، لم يكن بالتأكيد يشير إلى أي مبادرة على مستوى القاعدة الشعبية، أو لأي نضال من أجل السلطة العمالية. لقد كان من شأن “الإعلان” والحوار المستمر بين آيندي والبرجوازية – المقترنين بنداءاته المستمرة للطبقة العاملة بكبح الجموح والانضباط الذاتي – أن يتركا زمام المبادرة السياسية مع البرجوازية.

كانت منظمات كتلك التي أنشئت بدعمٍ حكومي في الشهور الأولى من 1972 في الأساس أدوات للحصول على دعم شعبي لإنجاح إجراءات الحكومة – كلجان الإمداد والتوزيع المحلية أو اللجان المحلية للوحدة الشعبية. وبالطبع، فإن إشارات آيندي العديدة لـ”السلطة الشعبية” في شهوره الأولى في الحكومة، لم يُراد بها إلا قبولًا من الجماهير الكادحة وبدون مساءلة لقرارات قيادة الوحدة الشعبية.

4- همهمات الاستياء

ظلت مصداقية آيندي متماسكة في العام الأول من حكومة الوحدة الشعبية بشكل كبير. غير أن التوترات التي لم تُحل ظلت تقبع تحت السطح مباشرة، إذ لو كان النصر الانتخابي جاء كنتيجة لدرجةٍ متزايدةٍ من النضال، فإنه أيضا شجع الفكرة القائلة بأن المكاسب تُصنع فقط عبر النضال. لم تر قطاعات عديدة من العمال والفلاحين سببًا يجعل من وصول آيندي إلى قصر الرئاسة مبررًا لوقف تعبئتهم الذاتية.

إن تنظيمات الفلاحين المعدمين، مثلا، والتي شجعها التزام الوحدة الشعبية بالإصلاح الزراعي كثفت من مصادرتها للأراضي. في مايو 1971 طالبهم آيندي بالتوقف عن احتلال الأراضي وانتظار عملية التقاضي، ودعا أيضا قيادة MIR التي كانت تتمتع بنفوذ داخل صفوف الفلاحين وتنظيمات المدن العشوائية ووبخهم على عملهم خارج نطاق القانون.

كان آيندي راغبًا في مناقشة الأمر، لكن زادت كثافة هجومه وزملائه على هذه وغيرها من المبادرات المستقلة مع مضي العام الأول. في المقابل، فإن منظمات الطبقة العاملة أظهرت قدرًا أكبر من الطاعة. بالفعل لم تقع إلا بعض المناوشات القليلة بين العمال المنظمين والحكومة في النصف الأول من 1971. من ناحية، فإن أحزاب الوحدة الشعبية كانت تسيطر بحسمٍ على النقابات العمالية، ومن ناحيةٍ أخرى، فإن النقابات كانت المستفيد الأساسي من زيادة الرواتب والوظائف الجديدة التي نتجت عن تنشيط الاقتصاد. في العام الأول من انتخاب آيندي زادت رواتب العمال اليدويين بنسبة 38 بالمائة، ولذوي “الياقات البيضاء” بنسبة 120 بالمائة. انخفضت البطالة لما دون العشرة بالمائة وزاد الناتج القومي في الإجمال بنسبة 8 بالمائة.

مثّل الهدوء النسبي للشهور الأولى لحكومة آيندي ببساطة “الهدوء الذي يسبق العاصفة”. كانت البرجوازية تتحين وقتها لا أكثر، وتُضمد جراحها مُنتظرة اللحظة المناسبة للهجوم المضاد. لم يدع رجال أعمال تشيلي 1971 يمر بهم هكذا، فقد صدروا كل ما قدروا عليه من رأس مالهم للخارج ولم يستثمروا شيئًا في الداخل – وفي أحيانٍ كثيرة كانت الإعانات الحكومية هي الأموال الوحيدة التي تصل إلى المصانع. أدى ارتفاع مستوى معيشة العمال إلى ارتفاع مهول في الطلب الاستهلاكي وبالتالي لنقص في السلع، فاقم منه التخزين الممنهج من قبل الطبقة الوسطى، ووفر مناخ الندرة وانعدام الأمان للبرجوازية الظروف المناسبة لشن أول تحد لآيندي.

اختيرت لحظة الهجوم بعناية. في نوفمبر 1971، قام الرئيس الكوبي فيدل كاسترو بزيارة تشيلي. وفي ثاني أيام زيارته، استُقبل كاسترو بمظاهرة يمينية سُميت “مسيرة الأواني الفارغة”. تحت قيادة الأحزاب اليمينية، خرجت مئات من سيدات الطبقة الوسطى إلى الشوراع يلوحن بطناجر فارغة من قبيل الرمز لنقص السلع. تمثّلت المفارقة هنا في اصطحاب الكثيرات من المتظاهرات لخادماتهن معهن – على الأغلب ليساعدنهن في حمل الأواني والطناجر التي كانت قلة منهن تستخدمها بنفسها.

بيد أنه وراء الاحتجاجات على نقص السلع الاستهلاكية كان يكمن غرض آخر أبعد أثرًا، ألا وهو حشد الطبقة الوسطى وتحذير البرجوازية على نطاق أممي من المعارك المقبلة، وللتعبير عن شك البرجوازية في قدرة الوحدة الشعبية على احتواء الطبقة العاملة.

فقد كان من الصحيح أنه على الرغم من مناشدات الوحدة الشعبية للعمال بضبط النفس وهجماتها المستترة بصورة هزيلة على المضربين والمستولين على الأراضي بوضع اليد، فإن آيندي لم يستطع السيطرة على حركة الطبقة العاملة كليةً. وصل عدد الإضرابات ما بين يناير وديسمبر عام 1971 إلى 1785 وكان هناك 1278 عملية غزو من الفلاحيين المعدمين للأراضي الزراعية. ردت البرجوازية بالهجوم على الحكومة والسعي لعزل ومحاكمة وزير الداخلية هوزيه توها وحجب إجراءات التأميم في البرلمان. وخارج البرلمان اشتكوا من ” الاحتلالات غير القانونية” التي لم تكن من صنع اليسار المتطرف، وإنما كانت أيضًا عملًا عفويًا من قبل الفلاحين والعمال وعمال المناجم.

إن المُدهش حقًّا أن آيندي وأعداءه اتفقوا على هذه النقطة: إن أكثر تهديدٍ يواجه الحوار المستمر بينهما – الذي اعتمدت عليه استراتيجيته – كان النضال المستمر للطبقة العاملة ذاتها! لقد نُوقشت خطة الوحدة الشعبية الاقتصادية، لعام 1971 بصورة مطولة مع مجموعات المعارضة والمنظمات المهنية والتكنوقراطية، لكنها لم تناقش في أي مرحلة بصورة علنية ولا قُدمت للنقابات العمالية للموافقة عليها. ولم يكن من المُستغرب بأي حال أن يرد العمال على نمو السوق السوداء ونقص السلع وتجدد التضخم عن طريق إعادة تنشيط منظمات نضالهم التقليدية وبالأخص النقابات لحماية المكاسب التي حققوها.

5- شقوق في التحالف

مع بداية الوحدة الشعبية لعامها الثاني في السلطة، أثار هجوم اليمين، ورد فعل الطبقة العاملة المستقل عليه، جدلًا جديدًا. وفي حين تمثل رد فعل آيندي على هذه التطورات في التحرك لتهدئة مخاوف البرجوازية، فإن ذلك خلق توترًا في علاقة الوحدة الشعبية بأنصارها، وأثار تساؤلاتٍ جوهرية عن “الطريق التشيلي للاشتراكية” المزعوم.

ثمة استراتيجيتان مختلفتان تمامًا تعايشتا داخل الوحدة الشعبية، وتطلبت الأحداث حلا لهذا التناقض. هل ينبغي على الوحدة الشعبية دعم العمال في نضالهم للدفاع عن مستويات معيشتهم والحيلولة دون تقويض البرجوازية لمكاسب العام الماضي أم لا؟ وإن فعلت الوحدة الشعبية هذا، فأي استراتيجية سياسية يستتبعها القيام بذلك؟

كان هذا هو السؤال المركزي الذي واجه الممثلين السياسيين للمنظمات التي تكونت منها الوحدة الشعبية أثناء لقائهم في مؤتمر “إل آرَّايان” في فبراير 1972، ومرةً أخرى في مؤتمر إعادة في “لو كورُّو” في يونيو. تركز الجدل حول استراتيجية الوحدة الشعبية المستقبلية في شأنٍ أُشير إليه في الخيار بين تدعيم موقعهم القائم أو التقدم للأمام. ارتأى الجناح اليميني وقف عملية الإصلاح، وتدعيم المكاسب التي حُقّقت، والسعي وراء تحقيق دعمٍ انتخابي أوسع قبل المضي قدمًا. من الناحية الفعلية كان ذلك يعني رهن “الطريق التشيلي للاشتراكية” لأهواء قطاعات الطبقة الوسطى التي أغرقها اليمين بقدر كبير من الاهتمام. بينما دافع اليسار في الوحدة الشعبية عن ضرورة الإسراع بخطى الإصلاح وتعميق عملية التأميم والاعتماد على النضالات الحقيقية للجماهير.

جادل اليسار بأن الطبقة العاملة قد برهنت على استعدادها دفع الصراع قُدمًا ووجه السؤال لليمين: هل سيقتدي قادة الطبقة العاملة السياسيون بالطبقة؟
لكن طيلة الجدال، لم يقترح أي شخصٍ بأنه يتعين على أي منظمة التحرك خارج نطاق الوحدة الشعبية. دار النقاش دائمًا حول ما ينبغي أن تفعله الوحدة الشعبية من موقعها داخل الدولة.

رأى الحزب الشيوعي والجناح اليميني للحزب الاشتراكي تحت قيادة آيندي بأن على الحكومة ألا تمضي أبعد من ما قطعت في توسيع القطاع العام، وأن عليها أن تعيد تأكيد استعدادها للتفاوض مع البرجوازية عن طريق إظهارها في مجال الممارسة أنها قادرة على السيطرة على الطبقة العاملة، وأن عليها السعي لتحقيق توافق عريض على سياساتها. وكان من المرجو أن يؤدي حل وسط كهذا بالبرجوازية إلى احترام المكاسب التي حُقّقت بالفعل – حتى على الرغم من كون الأحداث كانت قد أظهرت أن العكس هو الذي كان يحدث.

جاءت الحجة المضادة من (MAPU) واليسار المسيحي ويسار الحزب الاشتراكي ( وكانت مدعومةً أيضًا من MIR وإن لم يكونوا ممثلين في النقاشات) بأنه يجب توسيع القطاع العام وإعادة تأكيد التزام الوحدة الشعبية الأصلي بتأميم 90 شركة كبرى – بقرار حكومي كان قد خُفِّض هذا الرقم ل 43 – وفي الخوض عمليًا في الصراع الأيديولوجي لكسب الدعم الجماهيري لهذه السياسات.

ولكن جاءت خلافات اليسار مع اليمين داخل الوحدة الشعبية في الكم أكثر منها في الكيف. لم تقدهم “راديكالية الأرقام” التي طرحوها كبديل لأرقام اليمين أبدًا للتساؤل عن العلاقة بين الدولة ورأس المال الخاص، ولا طرح مسألة من يملك السلطة بالفعل حتى تلك اللحظة وما هي الرؤية لشكل وتوجه الاقتصاد ككل.

اتفق اليسار ككلٍ على أن “أجزاء من السلطة” قد كُسبت “بالفعل”، لم يعبر أحد عن القلق على “الأجزاء الأخرى” من السلطة التي ضمنها آيندي للبرجوازية. وظل الخطاب المرتبك هو النمط اليومي. فمثلا، دعت (MAPU) الحكومة لاستخدام “جهاز الدولة القائمة بأسلوب جماهيري”!! كان انعدام حسم (MAPU) قد تكشف في مؤتمرها القومي في يناير 1972 حين أعطت دعمًا قويًا لخطة جديدة مشتركة بين الوحدة الشعبية واتحاد النقابات CUT، لمشاركة العمال في ادارة في الصناعة، وهو الاقتراح الذي مثل من الناحية الفعلية تراجعًا عن سياسة التأميم، كما ضمت MAPU صوتها لصوت الوحدة الشعبية في إدانة ” اليسارية – المتطرفة” لحركة MIR. فهل كانت ولاءات MAPU مع اليسار أم مع اليمين؟

إنّ أي نظرة تُلقى على النقاشات والجدالات التي كانت تدور في مؤتمرات الوحدة الشعبية تعطي القارئ شعورًا بسذاجة ولامعقولية ما كان يُطرح فيها. فالخطب الجيدة والمُلهبة للمشاعر في تلك المؤتمرات تجاهلت تماما حقيقة أن الاتجاه المستقبلي للعملية السياسية التشيلية كان يُحدّد خارج الكونجرس وبعيدًا للغاية عن القصر الرئاسي في حي “لامونيدا”.

كان آيندي في يناير1971، وقبيل انعقاد مؤتمر “إل آرَّيان”، قد سلم بالفعل للمطالب بعزل ومحاكمة الوزير “هوزيه توها” لإهانته القوات المسلحة وقبل استقالته. وفي مارس، عندما دعت شركة النحاس الأمريكية كينيكوت – والتي كان قد أُمّمَ فرعها التشيلي – لحظرٍ عالمي على النحاس التشيلي وتقدم السيناتور المسيحي الديمقراطي كارلوس هاميلتون بأول مشاريع قوانين لمنع أي تأميماتٍ مقبلة.

كان رد آيندي من الضعف بمكان اضُطر معه في إبريل للقيام بإجراء تحركٍ تصالحي صوب يسار الوحدة الشعبية، فاتحًا مباحثاتٍ رسمية مع MIR في إيماءة لليسار بصفةٍ عامة – على الرغم من أنه لم يعرض حلًا وسط لخلافاته الاستراتيجية مع MIR.

تكشف بوضوحٍ في 12 مايو شكل ما هو آتٍ في واقعة في مدينة كونثبثيون الصناعية. فعندما أعلنت منظمة طلابية يمينية نيتها عن القيام بمسيرة خلال المدينة، ردت عددٍ من التنظيمات اليسارية بما فيها MIR لتظاهرة مضادة ضد اليمين. وفي هذه الأجواء المتوترة فرض العمدة الشيوعي حظرًا على كل المسيرات أمر شرطة مكافحة الشغب للتدخل ضد التظاهرة المضادة. خلف العنف الناتج عن ذلك قتيلًا من أنصار MIR. وجاء رد الحكومة عبر المتحدث الرسمي باسمها الشيوعي “دانييل بيرجارا” مجرد إدانة العنف “سواءً من اليسار أو اليمين”.

أيضًا في مايو رفض مؤتمر قومي لعمال الغزل والنسيج مجرد مشاركة العمال في إدارة الشركات وعوضًا عن ذلك طالب بسيطرة العمال على الصناعة ومحاسبة كل المسؤولين. جاء الرد على ذلك في يوينو بإعلان وزارة جديدة للوحدة الشعبية خلت بصورة لافتة من “بيدرو بوسكوفيك”، اليساري المستقل الذي جعل منه تأييده لسياسة المزيد من التأميم هدفًا مفضلًا لليمين.

أعاد مؤتمر الوحدة الشعبية، في نفس الشهر، الاجتماع في لو كوررّو بعد أن ضمن يمين الحركة اليد العليا. كان فقدان اليسار لأي بديلٍ واضح ليقدمه أحد أسباب ذلك الوضع، حتى إذا كان الجناح اليساري من الاشتراكيين قد دفع في لو كوررّو مناقشة بعض مطالب “السلطة الشعبية” التي بدأت في الظهور من مؤتمر عمال الغزل والنسيج.

استأنف آيندي في نفس الوقت المباحثات من المسيحيين الديمقراطيين (والتي كانت قد عُلقت لفترة وجيزة قبل ذلك بشهر)، وأعاد التصريح بالتزامه بالسعي وراء السلم الاجتماعي وحكم القانون. وكُشِف عمّا عناه هذا الالتزام في التطبيق العملي في منطقة “ميليبيّا” الريفية بالقرب من العاصمة “سانتياجو” أثناء يونيو 1972.
كان هناك في منطقة ميليبيّا عددٌ من المزارع من الكبر بمكان يسمح بمصادرتها وفق قانون الإصلاح الزراعي، لكن القاضي المحلي، أولاتي، وضع بصورة متكررة عراقيل قانونية في طريق إعادة توزيع الأرض وتعاون بصورةٍ متسقة مع مالكي الأرض المحليين.

أدت تظاهرة للفلاحيين في وسط مدينة ميليبيّا في الثاني والعشرين من يونيو إلى اعتقال اثنين وعشرين عضوًا قياديًا في تنظيم العمال الزراعيين. تلى ذلك سلسلة من تظاهرات الاحتجاج، وفي الثلاثين من نفس الشهر أُغلقت كل الطرق السريعة المؤدية للمدينة. ثم في 12 يوليو سارت تظاهرة جماعية من ميليبيّا إلى سانتياجو مُطالبةً بإطلاق سراح الاثنين وعشرين، والفصل الفوري للقاضي أولاتي. إلا أن الحكومة رفضت التدخل.

كان لأحداث ميليبيّا مغزىً أعمق مما بدا للوهلة الأولى. فخلال الاحتجاجات في ميليبيّا تضامن العمال من منطقة ثيرييوس المجاورة مع رفاقهم الريفيين في النضال. وجدت ثيرييوس نفسها غارقة في سلسلة من النزاعات الصناعية التي لم تحسم، ففي أواخر يونيو قام العمال في مصانع بيرلاك وبوليكرون للغزل والنسيج ومعامل لاس أميريكاس للألومنيوم ومصنع ثيرييوس للدجاج بالإضراب. وانضم بذلك المضربون لإخوانهم وأخواتهم في ميليبيّا.

قال عامل زراعي لصحفي أثناء الأحداث: “لدينا أناسٌ لنطعمهم وأسر لنحافظ عليها. وقد نفد صبرنا تمامًا” – ولاحظ محاوره أن العمال الحضريين والزراعيين الذين كان يخاطبهم وافقوا على أن “البرلمان لا يمثل مصالحهم”. أما المحتجون، فبينما أعربوا عن دعمهم لآيندي، فقد اشتكوا من كون مجلس النواب والمؤسسات الأخرى شكلت العقبة الرئيسية لتنفيذ برنامج الوحدة الشعبية.
غير أن التحرك المشترك من قبل العمال الزراعيين والصناعيين فتح المجال لاحتمالاتٍ جديدة ومختلفة تمامًا. إذ برز من النضال المشترك تنظيمٌ من نوعٍ جديد، تشكل في سياق إضرابات ثيرييوس، وسمي نفسه “الحزام الصناعي” أو “الكوردون”. ثم تطور “كوردون” آخر في منطقة “بيكونا ماكينّا”.

وقد نشر كوردون ثيرييوس بيانًا في أوائل يوليو مطالبا بسيطرةٍ عمالية على الإنتاج واستبدال البرلمان بمجلسٍ عمالي. تخطت مطالب كردون ثيرييوث بمراحل أي شيءٍ كان قد تمت مناقشته علانيةً من قبل أحزاب اليسار حتى تلك اللحظة.

غير أن الكردون حتى ذلك الوقت كان يُوصف من قِبل الصحيفة الراديكالية ” تشيلي أوي” كمجرد لجنة لاستمرار الإنتاج وتطبيق قرارت الحكومة في الاقتصاد. ولم تكن قدرة الكردون الكامنة كقاعدة بديلة للتنظيم الاجتماعي والسياسي قد دخلت رأس الكل بعد.

أمر الحزب الشيوعي والجناح اليميني للحزب الاشتراكي أعضاءهم بمقاطعة “الكوردونات”. وقد كان من رأيهم أن كل التحركات لابد من تنسيقها عبر قيادة الاتحاد العام للنقابات الرسمية (CUT). عكس ذلك الخط “التدعيمي” – الذي خرج منتصرًا من مؤتمر لو كوررو. لقد كان أن قرر أنه لن تكون هناك تعديات أخرى على رأس المال الخاص ولا تحديات للدولة، وقد روج آيندى لمقولة أن التنازلات للبرجوازية ستضمن احترامهم للعمليات الدستورية.

بدا أن العمال أنفسهم هم الوحيدون الذين أدركوا أن الصراع الطبقي لا يتوقف، وأن الطريقة الوحيدة للدفاع عما اكتسبوه هي تكثيف هذا الصراع، وأن البديل لذلك كان السماح للبرجوازية بالقتال لاستعادة ما فقدته.

بصورةٍ مفارقة، فإن الدعم الشعبي المتزايد للحركة الشعبية، كما عكسته كلٌ من الانتخاب التشريعية التكميلية في كوكيمبو، وانتخابات المكتب التنفيذي لاتحاد النقابات (CUT)، عبر عن ذلك الإدراك لدى العمال. لكن الجناح اليميني فسر ذلك الدعم بصورةٍ مختلفة – فسره كتعبيرٍ عن الموافقة على استراتيجية الحركة الشعبية الملتزمة بالتعاون الطبقي.

صارت تناقضات الموقف أكثر وضوحًا، حيث وضعت واقعةٌ إثر الأخرى الحكومة في مواجهةٍ مع قطاعاتٍ من العمال والفلاحين والطلاب وساكني مدن الصفيح. قُبض في يوليو على أعضاء مجموعة يسارية متطرفة، قاموا بالإغارة على مصرفٍ وعُذبوا من قبل قوات الأمن، التي كان على رأسها “كونتريراس” المعين من قبل آيندي شخصيًا. تعاملت الحكومة، في مناطق أعمال التنجيم، مع الإضرابات بخصوص شئونٍ محلية عن طريق استدعاء حالة طوارئ، وكانت النتيجة وضع مناطق المناجم تحت السيطرة العسكرية المباشرة.

أغارت الشرطة والجيش في 18 أغسطس على مجمع مدن الصفيح في لو أورميدا في سانتياجو. ظاهريًا، كانت القوات تبحث عن أعضاء آخرين في مجموعة يسارية متطرفة، ولكن في واقع الأمر، كانت لو أورميدا من الناحية السياسية منطقة لا وجود فيها للجبهة الشعبية على الأرض. هنا، كما في باقي الأحياء الفقيرة، تمتعت MIR بسيطرة سياسية تامة عن طريق منظمات جبهوية محلية مثل حركة “مدن الصفيح الثورية” (MRP). وبالتالي قوبلت عملية الشرطة بمقاومة جماعية، فانسحبوا وعادوا في اليوم التالي ب 400 رجلٍ مسلح. وترك هجوم القوات هذه المرة قتيلا، واثنى عشر جريحًا و160 معتقلًا.

على الرغم من أن آيندي قدم اعتذارا لاحقًا لـ” لو أورميدا “على هذه الغارة، تظل الحقيقة أن الحكومة استغلت الواقعة للهجوم على اليسار الثوري، ولتوجيه تحذير إلى كل أولئك الذين بدأوا يعملون خارج الإطار الدستوري، ولطمأنة البرجوازية على تصميم الحكومة على حفظ القانون والنظام.

كانت هجمات مثل تلك، بالنسبة للبرجوازية نفسها، في” لو أورميدا ” مناوشات مبكرة لتجربة “عضلاتها العسكرية” ومقدرتها على العمل المباشر.

بالنسبة لآيندي، كان الأمر المحوري هو هيمنة الحركة الشعبية سياسيًا. ففي حين حافظت الحركة الشعبية دون جدال على الهيمنة السياسية داخل حركة الطبقة العاملة، فإن الصراع نفسه طرح أسئلة سياسية لم يكن من الممكن الإجابة عليها في إطار إصلاحية الحركة الشعبية.

فلو تم، مثلا، تسريح تنظيمات العمال والفلاحين لوقوعها خارج سيطرة الحركة الشعبية، فما هي الضمانات التي تستطيع الحكومة تقديمها في المقابل بأن الحق في الاحتجاج والتظاهر لن يُهدّد من قبل الشرطة أو المجموعات اليمينة المسلحة؟ هل سيواجه آيندي أصحاب المصانع سواء في إغلاقهم للمصانع أو تخريبها لو لم يوقفهم العمال أنفسهم؟ هل سيقود آيندي العمال في الصراع الطبقي لدى اشتداده، أم أنه سيستمر في لعب دور الحكم؟

تسيدت هذه الأسئلة الجمعية الشعبية Popular Assembly التي عقدت في مدينة كونثيبثيون في آخر يوليو حين اجتمع حوالي 3000 آلاف مندوبٍ، يمثلون نطاقًا واسعًا من تنظيمات اليسار والنقابات والطلاب لمناقشة الظرف السياسي. كان الغائب الوحيد في هذا الاجتماع هو الحزب الشيوعي الذي أدان اجتماع كوسبثيون واصفًا إياه بأنه “مناورة من قبل الرجعية والإمبريالية تستخدم فيها عناصر من اليسار المتطرف كغطاء”. كرر آيندي نفسه في تصريحٍ صدر في 31 يوليو فكرة الحزب الشيوعي اليميني نفسها:

“للمرة الثانية خلال ثلاثة شهور أصبحت كونثيبثيون مسرح لعملٍ عصبوي، كان من أثره تقويض تجانس حركة الوحدة الشعبية. لا يوجد شك في ذهني أنها كانت عملية تخدم مصالح أعداء القضية الثورية”

أكد آيندي في الخطبة نفسها مرة أخرى وبوضوحٍ تام “التزامه بالديمقراطية البرجوازية ومعارضته لتطوير السلطة المزدوجة Dual Power بين العمال والبرجوازية “التي نشأت في مواقف تاريخية مختلفة عن ظروف تشيلي، لمعارضة هيكل قوى رجعية لم يكن لها لا قاعدة اجتماعية ولا دعم”.

رأي آيندي أن محاولة خلق أجهزة سلطة مزدوجة في تشيلي كان يعد عملًا يتصف باللامسؤولية التامة، لأن الحكومة التشيلية – في نظره – كانت تمثل مصالح الطبقة العاملة ككل. خَلُص أيندي “إلى أنه ليس بالإمكان تصور أن أي ثوريٍ عاقل يمكنه أن يتجاهل النظام المؤسسي الذي يحكم مجتمعنا والذي يشكل جزءًا من حكومة الوحدة الشعبية. أي شخصٍ يقترح عكس ذلك يجب اعتباره من معسكر الثورة المضادة”.

كانت هناك اختلافات داخل الجمعية نفسها، خاصةً فيما يتعلق بالعلاقة مع آيندي. ففي حين طرح كل من (MAPU) ويساريي الحزب الاشتراكي أنه من المفروض أن تقوم الجمعية بممارسة ضغط منظم على الحكومة للمضي قُدمًا في برنامجها فإن MIR دعت لتطوير برنامج ثوري. ولكن حتى MIR كانت مُحافظة في تعريف مغزى دعوتها، ولم تطالب في أي وقت بتشكيل منظمة ثورية جديدة توحد منظمات النضال المُمثلة في الجمعية.

على الرغم من ذلك لم يستخلص أي من المشاركين حقيقة أن خُطى النضال المتسارعة والمعمّمة على عرض البلاد، كانت تتطلب في هذه اللحظات أكثر من مجرد دعم النضالات. كان منطق الأحداث يطرح على الثوريين سؤالا ملحًّا عن المحتوى الطبقي للدولة نفسها: ما هي المصالح التي كانت الدولة تمثلها وتحميها؟ إلا أنه لم يكن من الوارد أو الممكن أن يطرح هذا السؤال المحوري إلا قيادة ثورية مُستعدة لوضع قضية الاستيلاء على السلطة على جدول الأعمال.

أخذ تطور الأحداث، في خلال أسابيع، في (لو إيرميدا) مغزىً جديدا أكثر شؤما، إذ قُيّمت بأثر رجعي، في حين فرُضت حالةُ الطوارئ مرة أخرى، هذه المرة في مقاطعة (بيو بيو) حيث تحرك المتظاهرون للدفاع عن محطة إذاعة مناصرة للحكومة تعرضت للهجوم من قبل اليمين. كان من الواضح أن آيندي على استعداد لاستخدام الدولة ضد أنصاره، واستدعاء الجيش والشرطة للدفاع عن القانون القائم والوضع (البرجوازي) الراهن.

لكن على الرغم من محاولاتهم عرقلة العملية، فإن الصراع الطبقي كان يفلت بسرعة من تحت سيطرة آيندي والوحدة الشعبية. رأت البرجوازية تذبذبه كعامل في مصلحتها، ونظمت بصورة علنية حملة معارضة سياسية وتخريب اقتصادي. وفي القناة التاسعة على التلفاز، في آخر يوليو، كان القسيس اليميني المتطرف الأب آسبون قد شرع في إصدار دعوات لانقلاب عسكري ضد آيندي.

كان قياديو الوحدة الشعبية -الذين أدانوا العنف والحرب الأهلية- يطالبون الطبقة العاملة بترك الأمر للحكومة للرد على تحركات اليمين، غير أن الحكومة، والتي كانت قد برهنت بالفعل على أنه ليس لديها أي نية في الرد على هذه التهديدات، تراجعت ببساطة أمام تهديدان اليمين ووضعت ثقتها في الشرطة والجيش.

لذلك حين أعلن آيندي في آخر سبتمبر عن مشروع قانون “السيطرة على الأسلحة” فإن المستهدف به من هذا الإجراء كان بوضوح تنظيمات العمال، وترك للجيش مهمة تجريدهم من السلاح. لم تأتِ أي من هذه التنازلات بالنتائج التي زعم آيندي أنها ستتحقق، بل على النقيض من ذلك، ففي كل مرة أعلنت فيها قيادة العمال عدم استعدادها للقتال ازدادت ثقة البرجوازية ويقينها بأن الطبقة العاملة لن تقوم بالرد على هجماتها.

تواجدت بالتأكيد ثمة ثقة في دوائر الطبقة الحاكمة في تلك اللحظات، ولذا أطلق أصحاب المحلات في سبتمبر إضرابًا احتجاجيًا ضد التسعيرة الجبرية ونقص السلع. ظلت تلك الثقة في التعمق وحفزت أصحاب الشاحنات على بدء إضرابٍ مفتوح في 11 أكتوبر.

أصيبت الطبقة الحاكمة عند هذا المنعطف بصدمة قاسية – لا على أيدي آيندي وحلفائه -الذين استمروا في إنكار أن صراعًا جوهريًا على السلطة أصبح أمر واقع الآن – ولكن على أيدي الطبقة العاملة التي قامت بالسيطرة المباشرة على آليات الصراع، ومن ثم ولدت نطاقًا من أنماط التنظيم التي منحت بصيصًا عن الكيفية التي ينبغي أن يخاض بها النضال من أجل سلطة العمال وتحقيق ذلك.

6- انتفاضة البرجوازية

خُطِّط إضراب مالكي الشاحنات جيدًا، فعلى الرغم من كونه حظي بموافقة البرجوازية كلها إلا أن منظمة (بارتيا ي ليبرتاد) الفاشية هي التي تولت التنظيم اللوجستي للإضراب. قام أعضاء هذه المجموعة بتوزيع حرس مسلحين في كل التجمعات السكنية المحصنة على أطراف كل مدن تشيلي الرئيسية، حيث ركن سائقو الشاحنات مركباتهم في 11 أكتوبر.

لم يكن الإضراب أمرًا غير متوقع ولا سري بصورة خاصة. كان إضراب أصحاب المحلات في سبتمبر، مع استمرار المقاومة اليمينية المنظمة في الكونجرس لكل مبادرات الوحدة الشعبية، بمثابة رسائل إنذار مبكرة من البرجوازية. كانت جريدتان يساريتان قد عرضتا معلوماتٍ تفصيلية عن استعدادات اليمين للإضراب (والذي أختاروا له الاسم الكودي “خطة سبتمبر”) قبل أن يبدأ بأسبوعين كاملين. ولو أنه تبقى ثمة أي شك في نوايا البرجوازية لكان قد تبدد بعد مظاهرة اليمين الحاشدة في 10 أكتوبر في سانتياجو، والتي تميزت بجوها المحموم وبنداءاتها من خطيب تلو الآخر بالتحرك الجماعي ضد الحكومة. وكان أحد هؤلاء المتحدثين المحرضين فوجل، عضو الحزب المسيحي الديمقراطي و نائب رئيس اتحاد النقابات (CUT).

بيد أنه لا آيندي ولا الوحدة الشعبية قاما بالرد على الإطلاق. في الشهور السابقة حل آيندي كل كارثة محتملة عن طريق استدعاء الجيش لاستعادة النظام. لكن الآن، مع اقتراب موعد بدء إضراب أصحاب الشاحنات، بدا كما لو أن آيندي كان يتجاهل عن عمدٍ تجهيزات اليمين متظاهرًا بأن لا شيء يحدث، بدا أن خوف آيندي من النشاط الجماهيري المستقل كان أكبر من قلقه بصدد المعارضة اليمينة لحكومته.

كان من الممكن أن يكون أثر الإضراب سلبيا وفوريا، كان من الممكن أن يوقف شلل حركة النقل على الطرق السريعة وصول أي سلع للشعب -من الطعام وقطع الغيار والمواد الخام، بالإضافة إلى ذلك لم يقع إضراب أصحاب الشاحنات في سياق معزول، فقد دعم أصحاب المحلات إضراب أصحاب الشاحنات بإغلاق حوانيتهم، وحاول أصحاب المصانع إيقاف تشغيل ماكيناتهم بكل الطرق حتى التخريب، كما أنضمت التنظيمات المهنية كالأطباء والمحامين وأطباء الأسنان للإضراب وأوقفوا كل أنشطتهم؛ ليضيفوا لجو الهلع.

كانت استراتيجية اليمين لضرب اليسار والعمال كالآتي: استخدام قوتهم الاقتصادية – تلك القوة التي كانت مازالت متماسكة بصورة كبيرة-؛ لخلق حالة من النقص في السلع والفوضى الاقتصادية. راهن اليمين على أن الهلع الذي سيترتب على تلك الحالة إما سيجبر آيندي على الاستقالة، وإما (وهو الأفضل) سيضطره وهو مازال في السلطة لفرض إجراءات التقشف الضرورية على الفقراء بنفسه، ومن ثم يخسر تماما القاعدة الجماهيرية للوحدة الشعبية، وهي الخسارة التي ستؤدي في النهاية إلى هزيمة مدوية للوحدة الشعبية في انتخابات الكونجرس في مارس 1973.

يرجع الفشل الكلي لهذه الاستراتيجية للطبقة العاملة. فبالنسبة للعمال، كانت خطورة الوضع على نفس القدر من الوضوح. كانت المهمة المباشرة للعمال هي إبقاء عمل منظومة المواصلات، وتشغيل المصانع، وتأمين إمدادات الطعام والسلع الضرورية. خرجت مجموعات من العمال للشوارع في أول يوم، تمت السيطرة على كل وسيلة متاحة للمواصلات وتسييرها من قبل متطوعين. وفي المصانع شُكّلت لجان متطوعين لحفظ الأمن ومنع التخريب واستمرار الإنتاج.

نظمت الطبقة العاملة، في الأحياء السكنية العمالية، طوابير طويلة هادئة خارج المحلات والمتاجر الكبيرة، وإما أُقنِع أصحاب المحلات بفتحها، وإن لم يحدث ذلك فقد فُتحت وأبُقيت مفتوحة من قبل أهل المنطقة أنفسهم الذين أقاموا حراسةً دائمة حول المحلات. في قلب سانتياجو، تطوع أكثر من 8000 شخصٍ كسائقين، بينما أرسلت العديد من الكوردونات مجموعات من الناس لـ”إعادة تملك” الشاحنات.

جاء رد الفعل الأول من قبل الحكومة حائرًا ومُحيرًا. طالب آيندي باستمرار الإنتاج لكنه مباشرةً اتجه للتفاوض مع أصحاب الشاحنات. أثبت وسيطه المختار للتفاوض – منظمة مالكي أتوبيسات البلدية – أنه أقل من أن يعتمد عليه، فقد انضموا أنفسهم لإضراب أصحاب الشاحنات لاحقًا بعد أسبوع. تمثل الخط العام للوحدة الشعبية في الدعوة للانضباط والهدوء وإطاعة المنظمات النقابية والسياسية الرسمية. إلا ان قيادة الوحدة الشعبية وقيادات CUT لم يقدموا أي توجيهات ملموسة للعمال. ثم تراجع آيندي عن الدعوة الأولية للحراك العام للرد على الإضراب بعد يومين فقط من إطلاقها.

إلا أن القضايا والمهام التي طرحها الإضراب كانت تتطلب حلولا فورية. لم يكن من المستغرب أن الحل الأكثر حزمًا وحسمًا جاء من تلك المناطق التي كانت قد طورت بالفعل تنظيمات مشتركة للطبقة العاملة. كانت المصانع التي اشتركت في الكوردونات الأولى قادرةً على التنظيم السريع وقيادة تنظيم الآخرين: إيليكميتال في كوردون بيكونا ماكينا، وبيرلاك، ولوكتشيتيباستا ومصانع كريستاليرياس تشيلي من كوردون ثيرريوس – مايبو. كانت مطالبهم راديكالية ومحددة، تنفيذ البرنامج الذي تم وضعه أول مرة في يونيو: التحرك الفوري ضد أصحاب الأعمال بما في ذلك التأميم الفوري.

طور العمال في نفس الوقت ردودًا سريعة ومبدعة على مختلف تكتيكات الرأسماليين، في مصنع زجاج كريستاليرياس تشيلي، على سبيل المثال، حيث جمدت الإدارة رصيد الشركة المصرفي، رد العمال بتطوير نظامٍ للتوزيع المباشر. كما شرح أحدهم: ” الآن نحن نبيع مباشرة للتعاونيات والشركات الصغيرة، وهؤلاء يدفعون لنا نقدًا مما يمكننا من دفع الرواتب دون الحاجة إلى استخدام المصارف على الإطلاق”.

أنهي العمال إضرابًا لهم في مصنع إلميلون للأسمنت في طور التنفيذ فورًا وعادوا للشغل. في مصنع بيرلاك للمنسوجات، قام العمال بتنظيم وجبة حساء ذي قيمة غذائية عالية لأطفالهم لتعويضهم عن نقص الحليب الوارد من الريف. أخذ عمال بوليكرون منسوجاتهم للأحياء العمالية وباعوها مباشرةً. بدأ تبادل المواد الخام والسلع المصنعة بين المصانع، ولكن أيضًا بين العمال والفلاحين.

وحين أعلنت تعاونية الأطباء دعمها للإضراب في 17 أكتوبر، شُكلت لجنة من عمال المستشفيات لإبقاء المستشفيات في العمل وعلاج المرضى، وعلى خلفية مظاهرة لدعم عمال المستشفسات أكد أحد المنظمين النقابيين: “على الرغم من الإضراب الذي أمر به اليمين، سيرى 600 ألف شخص من الذين يعتمدون على خدمات هذا المستشفى أننا نستطيع توفير خدمات أفضل وأكثر كفاءة عن طريق العمل المشترك مع اللجان الصحية المحلية التي تشمل أشخاصًا من مناطق الطبقة العاملة”.

خصصت نقابة الصحفيين، في اليوم ذاته، اجتماعها لشجب دور الصحافة البرجوازية والمطالبة بمبادراتٍ جديدة ضد الإعلام اليميني. انتقد أحد المتحدثين في الاجتماع، هيميه مونيوث، ميثاق الضمانات الذي وقع عليه آيندي في 1970، والذي تكفل باحترام الملكية القائمة لوسائل الإعلام الجماعي. قارن المتحدث بين دور الإعلام اليميني في تنظيم الإضراب ورد العمال في جريديتين كانت إدارتهما تحرضان دائما ضد حركة الطبقة العاملة – لا مانيانا من تالكا وسور في كونثيبثيون – حيث احتل العمال مباني الجريدتين، وسيطروا على مكاتبهما. وختم الصحفي الثوري كلمته معلنًا “إن ميثاق الضمانات الوحيد الذي نعترف به هو ميثاق الضمانات الذي أعطيناه للطبقة العاملة”.

ولأنه كان ثمة اتفاقٌ ضمني بين منظمات اليسار بعدم ذكر الميثاق فقد كانت هذا الموقف من أوائل المرات التي أشير فيها لهذه الميثاق السافر. وفي أعقاب أكتوبر، أصبح موضوع عودة الجريديتين المُؤممتين موضوعًا أساسيًا في جدال اليسار.

كان هناك سبب آخر للنمو السريع للمنظمات المستقلة وهو الدفاع عن النفس. ففي حين اقتنعت أغلبية البرجوازية باستخدام قوتها الاقتصادية ضد العمال، فإن أقصى اليمين تحت قيادة الوطن والحرية نظم مجموعات إرهابية لنقل مسرح المعارك إلى الشوراع. بدأت تلك العصابات، والتي تشكلت من شبان الأسر الأكثر ثراءً، سلسلةً من الهجمات الجسدية المباشرة ضد اليسار والعمال.

هُجم على مسئولي الحزبين الاشتراكي والشيوعي، في 12 أكتوبر، في بونتا آريناس أقصى مدن تشيلي الجنوبية، وفي 13 أكتوبر قُطع شريط القطار الموصل لآريكا الواقعة 2000 ميل نحو الشمال، في نفس اليوم هوجم عددٌ من الأشخاص والعربات في مدن بالباريزو وكونثبثيون وبينيا. في الأيام اللاحقة استمر نمط الهجمات المباشرة.

في المصانع قاوم العمال محاولات التخريب من قبل أرباب العمل وقاموا بالسيطرة على الإنتاج. في معمل غزل ونسيج سومار في سانتياجو، على سبيل المثال، حين حاول المالك إزالة أجزاء من الآلات أوقفه العمال وأُلقوا به خارج المصنع. لم يكن التفاوض بالنسبة للجان العمال مع المخربين أمرًا مطروحًاـ ففي نهاية المطاف لقد كانت الحكومة بذاتها هي التي جعلت من استمرار الإنتاج أولويةً مطلقة.

طرحت امرأةٌ شابة عاملة في الثانية والعشرين من عمرها من فابريلانا هذا الموقف بوضوح شديد:

“أعتقد أن الرفيق آيندي كان رخوًا للغاية، هو يقول أنه يريد تجنب العنف، ولكنني أعتقد بأنه ينبغي أن نرد بقوة أكبر، أن نرعبهم حتى الموت. إنهم يحاولون انتزاع ما كسبناه”.

و ردد العمال في ألوزا، أحد مصانع التعبئة في المدينة، نفس الموقف:

“اتصلت الإدارة بعمال المكاتب وقاموا بوقف العمل بالفعل، لكننا رفضنا هذه المناورات. لن يخبرنا الرؤساء ما ينبغي فعله.. فتحنا غرف التخزين، وأخذنا المواد الخام، وظللنا ببساطة ننتج، لم يتوقف الإنتاج هنا لحظةً واحدة. ولن نتوقف الآن أو أبدًا. تستطيع أن ترى الناس يعملون بسعادة حقيقية. أعتقد أننا أدركنا في هذه الأيام الأخيرة أن ما ندافع عنه هو أمر أكبر من مجرد طبق من الفاصوليا.

لم يُعف أحد من إمكانية الهجوم. شكل العمال في سلسلة محال باتا للأحذية، على سبيل المثال، لجانًا للدفاع في كل منافذ البيع ال 113.

“لقد شكلنا لجانًا للدفاع عن النفس في كل منفذٍ لصد الهجمات. لقد اضطررنا لمواجهة بعضها، خاصةً في المحال الواقعة في أحياء الطبقة العليا والوسطى. لكننا لم نغلق ولا يومًا واحدًا. نحن ضد هذا الإضراب، نحن في لحظة مفترق طرق ولن نتنازل لأحد. لقد طفح الكيل”.

لخص عامل من معمل ريدي – ميكس للخرسانة التجربة بإيجاز ووضوح:

“ينبغي علينا أن نشكر الفاشستيين على ذلك على أية حال فقد جعلونا نرى أنك لا تستطيع القيام بثورة عن طريق لعب “البلي”. حين تكون هناك مشكلة فعلينا نحن العمال أن نكون في الصفوف الأمامية. لقد تعلمنا في هذه الأيام القليلة أكثر من كل السنتين السابقتين”.

وتوصلت الجماهير العريضة لاستنتاجات مشابهة في أماكن أخرى، خاصةً في أحياء الطبقة العاملة حيث أفرزت معارك سابقة – على التوزيع والإسكان وما أشبه – تنظيمات لعبت دورًا كاملًا وحيويًا في صراعات الطبقة العاملة في أكتوبر.

أصبحت لجان التوزيع المحلية -والتي شكلتها في الأصل الحكومة- هي القلب التنظيمي للعديد من المنظمات المحلية والمجتمعية – لجان أحياء، ومجموعات للأمهات، وتعاونيات لمالكي الأرض بوضع اليد، وتحملت كل هذه التنظيمات عبء المقاومة في الأحياء. الأهم من كل ذلك، لقد تمخض من نضالات أكتوبر اتصال مباشر بين كل تلك المنظمات المجتمعية و العمال وأصبح العمل الموحد واقعًا.

أصبح الكوردون الآن مركزًا تنظيميًا لعدد من النضالات، كما كان يبشر منذ ظهوره ككيان، مُنسقًا فيما بينها وموفرًا لها قيادةً من الطبقة العاملة.

من شبه المؤكد أنه لو لم يتحرك العمال بصورة مباشرة لكانت البرجوازية قد نجحت في حملتها، ولكان الاقتصاد قد شُل، ولتعين على آيندي الانصياع لمطالب أصحاب العمل كما حددتها قائمة مطالبهم المعروفة بقائمة “بلييجو دي تشيلي”. عوضًا عن ذلك، استحوذ العمال على وسائل المواصلات وحافظوا على حركة الاقتصاد. قوبلت الهجمات المادية من قبل “الوطن والحرية” بالمقاومة المنظمة للعمال، سواءً كان ذلك من لجان دفاع المناطق أو من لجان المراقبة اليقظة المُشكلة في المصانع.

حدث بالفعل تغير جذري في طبيعة ودور التنظيمات الجماهيرية من خلال عملية النضال، إذ في حين أن الكردونات بدأت في الأصل كلجان مهمتها فقط الرقابة على الإنتاج فقد تغيرت وظيفتها أثناء إضراب رؤساء العمل، وصارت أجهزة لسيطرة العمال على المصانع. أما لجان التوزيع المحلية والتي بدأت في الأصل كلجان مهمتها فقط الرقابة على التوزيع فقد نمت لتصبح منظمات نضالية للسواد الأعظم، تقوم بشراء وتوزيع المواد التموينية، وأبقت المحال والمتاجر الكبيرة مفتوحة ودافعت عنها من هجمات اليمين، واضطلعت أيضًا ببعض الوظائف المنزلية بشكل جماعي في الأحياء الفقيرة، وبخاصة في إطعام الأطفال في مطابخ جماعية.

لا يوجد أي شك في أنه في أعقاب أكتوبر لم يستخلص العمال ا لاستنتاجات السياسية المناسبة من تجربتهم الملموسة في إيقاف اليمين. إن تعميم الأفكار من ملابسات معينة لا يحدث بصورة عفوية، وإنما يحتاج للتدخل الواعي من قبل اشتراكيين ثوريين يستطيعون أن يقدما إطارًا وفهمًا للصراعات السابقة للطبقة العاملة حتى تنضج الحركة. لكن في تشيلي حجمت التنظيمات السياسية المتعددة من الناحية الفعلية من قدرة العمال على تطوير المعرفة السياسية، وعلى الرغم من ذلك فقد منحت تجربة اكتوبر الطبقة العاملة حسًا جديدًا تمامًا بإمكاناتها الجماعية، ومثل تطور هذا الحس مشاكل جدية لآيندي والوحدة الشعبية.

لقد أسست الوحدة الشعبية نداءها الأول للطبقة العاملة للتحرك دفاعًا عن الحكومة مفترضين أن منظمات العمال سيظل على “ولائها” للقيادة الرسمية، أي اتحادات النقابات (CUT) والوحدة الشعبية نفسها. لكن في واقع الأمر قامت الطبقة العاملة بالتحرك بشكل مستقل للدفاع عن الحكومة دون انتظار التعليمات. في تلك الظروف كان من الممكن أن يستنتج العمال ببساطة أن العمل الثوري ضروري لحل الوضع الكارثة في تشيلي، ولم يكن أحد أكثر إدراكًا لتلك الإمكانية من آيندي نفسه.

تردد آيندي وتذبذب بعد 11 أكتوبر. لكن بات الشك ضئيلًا في مسألة أي اتجاه سيمضي فيه آيندي حين يقتضي الأمر. لقد كان قد قالها بنفسه مرات كثيرة: لقد رهنت الوحدة الشعبية مستقبلها السياسي بقدرتها على السيطرة على الطبقة العاملة، وتحقيق برنامجها للتغيير بالتعاون مع أغلبية البرجوازية.

بيد أن آيندي ورفاقه في قيادة الوحدة الشعبية السياسية بدوا غير مدركين بصورة مزرية أن حاجزًا تاريخيًا قد تم تخطيه في أكتوبر، وأن البرجوازية قد فقدت اهتمامها بالتعاون معهم منذ زمن بعيد. بمعنى ما، لقد أصبحت حكومة آيندي مجرد متفرجٍ في ساحة الصراع الطبقي، تحاول عبثًا إعادة فرض نفسها على الأحداث من موقعها داخل الدولة.

قدمت نضالات الطبقة العاملة أكتوبر 1972 الدليل الأكثر إثارة ودرامية عن احتمالات تحقيق سلطة العمال. لم تتغلب الطبقة العاملة على ترددات قيادتها بعملها المستقل فحسب، وإنما تم التغلب على انقساماتٍ قديمة في واقع الصراع اليومي ضد أصحاب الشاحنات وداعميهم، كما تشكلت قيادة جديدة لم تكن مكبلة باسترتيجيات حلول الوسط السياسية، ولا ولاءات مختلف قطاعات القيادة القديمة للنقابات.

وقد عكس هذا التطور في جزء منه صعود مجموعات من العمال على الساحة السياسية كانت حتى ذلك الوقت مُستبعدة من النقابات وسائر المنظمات، عمال أقل تأثرًا بانضباطات عضوية الحزب والنقابة. وقعت كثرةٌ من المصانع الصغيرة خارج نطاق نفوذ (CUT)، لوجود أقل من 25 عامل في تلك المنشآت على سبيل المثال. هنا مثلت الكوردونات تحالفًا بين العمال المنظمين وغير المنظمين وساكني مدن الصفيح والعمال الزراعيين وبعض منظمات الطلاب.

كان الطابع السياسي للكردونات أقل وضوحًا في الذهن العام. زعمت قيادة (CUT) أن الكردونات مثلوا ببساطة تنظيماتها القاعدية ولكن تحت مسمًى آخر، غير أن المصاعب التي واجهت قيادات (CUT) في فرض أي نوع من الانضباط على الكوردونات – مُقترنةً بهجمات هذه القيادات المتكررة على قيادات الكوردونات – رجحت أن طبيعة العلاقة بينهما اختلفت عن مزاعم (CUT).

وصفت (MAPU) بغموضها المعتاد الكوردونات بـ”اللجان الوطنية”. ووصفها الحزب الاشتراكي، محاولًا كعادته التوفيق بين تقليدين سياسيين متضاربين داخل صفوفه، بـ”مدارس نشطة للجماهير من أجل مناقشة المشاكل وممارسة النقد البناء والتخطيط للحلول وتنسيق المبادرات”.

كانت (MIR)، وهي التنظيم الذي تمتع بالتأكيد بنفوذ يعتد به وسط القطاعات الأكثر تهميشًا من إجمالي السكان عن طريق تنظيماتها الجبهوية المتعددة، كانت هي الأكثر وضوحًا في نقدها لمحاولات الجبهة الشعبية لشل الكوردونات والمنظمات القاعدية الأخرى والتلاعب بها، ورغم أن MIR استخدمت في بعض اللحظات خطابًا ثوريًّا، إلا أنها لم تبلور استراتيجية بديلة للوحدة الشعبية. في النهاية، شاركت (MIR) سائر منظمات اليسار في ضعف تحليلها للوضع من الأساس: اعترف الكل بفشل الوحدة الشعبية في قيادة نضال الجماهير المضاد ضد رؤساء العمل، لكنهم توصلوا لخلاصة مفادها أنه يتعين على الوحدة الشعبية إصلاح نفسها في ضوء نقدهم حتى تكون أفضل؛ استعدادًا لقيادة النضال في المرة القادمة.

لم ير أحد في اليسار مواقف الوحدة الشعبية المتناقضة أثناء أكتوبر على حقيقتها: التعبير الأمين لمنظورها السياسي. وكنتيجة لذلك ظل اليسار مُشتتًا في وجه تطورات جديدة وصادمة.

ففي مواجهة إضراب من قبل الطيارين في 31 أكتوبر ومع رفض أصحاب الشاحنات في اليوم اللاحق إنهاء حركتهم، قرر آيندي دعوة مجموعة من الجنرالات للانضمام لوزارته. في نفس الوقت، أعلن حالة طوارئ في كل البلاد، واضعًا بذلك حكومة تشيلي فعليًا في أيدي العسكر طيلة فترة الطوارئ.

وضع نضال العمال طيلة أكتوبر لهزيمة الهجمة البرجوازية الطبقة العاملة التشيلية على المسرح السياسي كفاعل مستقل، ولعدة أسابيع تطورت يوميًا ممارسات العمال في الحكم الذاتي بصورة كانت تزداد وضوحًا وبشكلٍ مطرد. لذلك، وبدون أي مجال للتساؤل، كان معنى قرار آيندي باللجوء للجيش هو أن الوحدة الشعبية كانت تحاول و بقوة سحب المبادرة التاريخية من أيدي الطبقة العاملة تحت ستار لجم البرجوازية.

تم تبرير قرار آيندي بأثر رجعي من قبل بعض المؤرخين عن طريق وصف الحالة في تشيلي في بداية نوفمبر بكونها “قريبة من الفوضى”، و”انهيار النظام والقانون”. في الواقع لم يكن ما يحدث انهيار النظام وإنما كان أزمة عميقة لنظام. ومع تطور أشكال للتنظيم والنشاط وسط العمال تضاءلت مقدرة التنظيمات التقليدية على احتوائهم في إطار معادلة التفاوض القائم من قبل بين رأس المال والقوى العاملة.

للأسف، لم يعنِ ذلك أن الطبقة العاملة كانت تعد للاستيلاء على السلطة تحت قيادة ثورية، حتى أولئك الذين اعتبروا أنفسهم اشتراكيين ثوريين كانوا هم أنفسهم يعانون من حالة من الفوضى النظرية الشاملة. لم يكن لديهم أي موقفٍ متماسك بخصوص أي من مشاكل الساعة الملحة: مشكلة التنظيم الحزبي، وطبيعة ودور القوات المسلحة، وهل كان من الضروري الانشقاق عن الوحدة الشعبية (و لم يُأخذ حتى هذا الخيار بعين الاعتبار في هذه المرحلة). ولذلك لم تكن القوى الثورية في موقعٍ يسمح لها بتقديم أي قيادة متماسكة للحركة. وحين ناشدت (CUT) الطبقة العاملة بدعم القوات المسلحة في استعادة النظام -داعمة بذلك آيندي- لم يرتفع أي صوتٍ منظم من الثوريين بالمعارضة. في تلك اللحظة الحرجة، أثبت اليسار التشيلي أنه مُشوش ومشلول.

جاءت المطالبة بالتدخل العسكري من عضو الكونجرس المسيحي الديمقراطي، رافايل مورينو، لكنها ظهرت أول الأمر ضمن قائمة المطالب التي تقدم بها اليمين في بداية إضراب رؤساء العمل. صحب إعلان آيندي عن الوزارة الجديدة المشتركة بين الوحدة الشعبية والعسكر في 3 نوفمبر خطابًا منه للعمال شكرهم فيه على جهدهم الداعم للحكومة ومطالبًا إياهم بالعودة إلى العمل وإعادة المصانع لمالكيها.

وحيث أن أصحاب الشاحنات قد عادوا للعمل مع دخول القوات المسلحة الحكومة، كان من المؤكد أن مهمة الجيش الأساسية ستكمن في ارجاع العمال للمصانع. أقر براتس قائد الجيش أقر هذا الهدف بنبرة مدروسة حيادية:

“طالما وجدت دولة مؤسسات فمن المُحتم على القوات المسلحة أن تحترمها.. بالطبع القوات المسلحة هي الأداة الشرعية تحت تصرف الرئيس ليستخدمها ضد أي شخص يهدد النظام العام.”

بيد أن طبيعة التهديد كانت ستتضح للغاية مع بدء فرض حالة الطوارئ. استُخدم حظر التجوال الصارم للسيطرة على حركة العمال، واستُدعيت السلطات الواسعة الممنوحة للعسكر لإعادة الجريدتين المحتلتين في تالكا وكونثبثيون إلى ملاكهما الأصليين. وسُجن قادة لجان دفاع مصنع باتا للأحذية لأكثر من شهر. وفي 13 نوفمبر أعلن وزير الاقتصاد إعادة 20 من أصل 28 مصنعًا تم الاستيلاء عليها من قبل العمال إلى أصحابها.

لكن ربما كان نظام التوزيع هو المجال الذي خرج أكثر من غيره من سيطرة الدولة، ولهذا السبب تم وضع عملية التوزيع تحت السيطرة العسكرية المباشرة. وأُسندت وكالة توزيع التموين الحكومية الدولة للجنرال باشيليه من القوات الجوية.

شملت الوزارة الجديدة بالإضافة إلى الجنرالات ثلاثة وزراء من الوحدة الشعبية، اثنان من الحزب الشيوعي -ميياس في وزارة الميزانية وفيجاروا رئيس CUT كوزير للقوى العاملة، وواحد من (MAPU) – فلورس لوزراة الاقتصاد.

وبما أن حالة الطوارئ منحت السيطرة الفعلية للعسكر، فلم يكن دور هؤلاء الوزراء الدفاع عن الطرح الاشتراكي داخل الوزارة، وإنما الدفاع عن وجهة نظر العسكر في صفوف الطبقة العاملة. الوزير فيجاروا، على سبيل المثال، حاول بشدة إقناع عمال المصانع في أريكا بأنه ينبغي عليهم السماح لموظفي المكاتب الذين أضربوا دعمًا لأصحاب الشاحنات بالعودة للعمل، ودفع مرتباتهم كاملةً عن فترة الإضراب، كخطوة نحو المصالحة..

أوجز عامل من إكس – سومار، أحد أكثر المصانع نضاليةً، الوضع الجديد كالآتي:

“أعتقد أن التنازلات التي قدمتها تلك الحكومة تعني أنها تحولت لليمين. كان ثمة بديل آخر متاحًا لديها: أن تنشُد الدعم الشعبي وتطبق البرنامج الذي تقدمت به في الأصل. لكنها لم تنوِ أبدًا أن تطبقه. لذا تركت الجماهير على هامش النقاشات والقرارات، وحين حاولوا مواجهة المشاكل، تم قمعهم بوحشية. لا بد أن اليمين يحتفل الآن – تستطيع أن تستنتج أنهم في قمة السعادة من مجرد سماع محطاتهم الإذاعية”.

7- حكومة بجنرالات

لم تستطع وزارة الوحدة الشعبية والجنرالات أن تحقق كل ما تريد، فالوضع بعد نوفمبر بقي شائكا، ولم يكن من السهولة بمكان تقويض الثقة التي اكتسبها العمال في الفترة السابقة. وجد فيجاروا، على سبيل المثال، أن سلطته المزدوجة – كرئيس (CUT) وكوزيرٍ للقوى العاملة – لم تكن غير مُنازعة كما كانت من قبل. لم يقتنع عمال أريكا بحججه وظلوا رافضين العمل مع موظفي المكاتب في 24 نوفمبر. وحين حاول فيجاروا إقناع عمال أريكا بقبول أمر الحكومة، أعاد العمال احتلال المصنع ورفضوا التحرك منه. وفي النهاية استُدعيت الشرطة لإجلائهم.

تكررت نفس التجربة في أماكن أخرى حيث رفض العمال التفريط في ما كسبوه في أكتوبر مُشتكين أن تنازلات كتلك ستمسح ببساطة كل ما تم كسبه وستقدم النصر للبرجوازية على طبق من ذهب..

بيد أن أعمال المقاومة العفوية وغير المنظمة من قبل الطبقة العاملة لم تكن أبدًا محل أي محاولاتٍ للتنسيق أو التطوير، فقيادة اليسار السياسية على سبيل المثال لم تعطِ أي إرشادات أو اقتراحات للحركة. والشيء المذهل هو أن صوتًا واحدًا من اليسار لم يرتفع ضد وجود العسكر في الوزارة. أطلقت (MAPU)، على سبيل المثال، شعار أن الوزارة الجديدة هي “الحكومة والشعب يعملان كواحد”، في حين أنها كانت تدعو في الوقت ذاته لتعميق “سلطة الشعب”.

تطابق الحزب الشيوعي مع الحكومة في مديحهما للتفاني الوطني للقوات المسلحة واصفين الوزارة الجديدة كمؤشرٍ بأن الجيش كُسِب بعيدًا عن البرجوازية (في نفس الوقت الذي كان التاريخ فيه يخبئ إحدى سخرياته الأكثر وحشيةً في كم قميصه):

“… إن تواجد القوات المسلحة في الحكومة سويًا مع قادة اتحاد النقابات سيقوي الحكومة وسوف يسمح لها أخيرًا بتنفيذ حكم الإعدام على الإضراب اليميني الذي رفضه العمال بالفعل وبشدة”.

الأكثر إثارةً للدهشة كان مقال مانويل كابيسيس في جريدة (MIR) بونتو فينال (خط النهاية) والذي أعلن فيه:

“إن للقوات المسلحة دورًا وطنيًا وديمقراطيًا تلعبه مع الشعب داعمين للعمال في نضالهم ضد الاستغلال.. هذا هو ما ينبغي أن يحدث، وهذا ما تتوقعه الطبقة العاملة حين ترى القوات المسلحة كجزءٍ من الحكومة”.

لم يحدث أبدا في التاريخ أن جيشًا محترفًا ساعد الطبقة العاملة في نضالها ضد الاستغلال، وبعبارةٍ أخرى في إسقاط الدولة البرجوازية التي يشكل الجيش فيها العامود المركزي. ورغم غرق الكاتب في مثل هذه السذاجة المذهلة، ظلت MIR تدافع عن وجوب استمرار الكردونات.

كانت أكثر النبرات اتساقًا في تصريحات وتحليلات اليسار تتصف في أحسن الأحوال بالارتباك والتذبذب. كان ثمة افتقار مذهل للوضوح في كيفية الرد على تصميم الوحدة الشعبية على تفكيك التنظيمات الجماهيرية في أكتوبر. حتى أكثر التصريحات نضاليةً كخطب آلتاميرانو سكرتير عام الحزب الاشتراكي توجهت للحكومة مُطالبةً إياها بالعمل ضد طابعها السياسي، أن تكون ثورية لا إصلاحية. وبدلا من كشف حدود “الإصلاحية” وتمزيق الحجاب عن أعين أولئك الآلاف من العمال الذين كانت ما تزال لديهم أوهام في آيندي، فإن خطب آلتاميرانو حاولت إفهام الجماهير أنه مازال من الممكن أن تتصرف الوحدة الشعبية بطريقة ثورية.

وأضاف ثيوتونيو دوس سانتوس، أحد المساهمين المنتظمين في جريدة تشيلي أوي (تشيلي اليوم) للإرتباك: “إذا أرادو الحفاظ على المكاسب التي تحققت، فلا بد على الحكومة والعمال أن يعمقوا هذه المكاسب ويوسعوها مُستغلين الآليات القائمة ومُعمقين جذور السلطة الشعبية.”

حتى بين أكثر الأصوات راديكاليةً لم يعلو ولو صوت واحد كان على استعدادٍ لتقديم طرح أن التطور السياسي لحركة الطبقة العاملة بعد أكتوبر كان يتطلب أن تنفصل الطبقة عن قيادتها التقليدية في الوحدة الشعبية، وأن الوحدة الشعبية قد أصبحت عقبة أمام التطور النوعي للصراع الطبقي، وأن الطريقة الوحيدة لضمان ما تم كسبه هو المضي قدمًا.

لم تقدم أي منظمة من اليسار استراتيجية مستقلة عن الوحدة الشعبية، لم يقترح أحد القطيعة مع الوحدة الشعبية. تحرك تنظيمٌ واحدٌ فقط – وكان للأسف الأصغر بين التنظيمات الثورية – اليسار المسيحي – تحرك في هذا الاتجاه رافضًا الاشتراك في الوزارة الجديدة مُستخلصا أنه:

“لا يبدو أن التقدم في وعي الطبقة العاملة قد وصل لقيادتها السياسية. القاعدة أكثر ثراءً بمراحل من القيادة. أن (CUT) والكوردونات أكثر كفاءةً في مستواياتهم القاعدية من الوحدة الشعبية على المستوى السياسي.. لو أن القوى الاجتماعية [من أنصارالوحدة الشعبية] جرى تنظيمها بصورة مُنسقة على مستوى المصنع والأحياء، وفي أجهزة دفاع، لسوف يتحرك الوضع قُدمًا وسيصبح من غير الممكن إيقافه”.

كانت الطبقة العاملة نفسها تطالب بمثل هذا التحليل.

في 13 نوفمبر اجتمع مائة مندوب من كوردونات سانتياجو في كريستاليرياس تشيلي لتنسيق مقاومة عودة المصانع لمالكيها السابقين، ولم تلاقِ مبادرتهمأي صدىً لدى اليسار. وكما اشتكى رئيس كوردون أوهيجنس، أحد أكثر الكوردونات تقدمًا:

“الصحافة اليسارية تتجاهلنا ببساطة.. لذا ينبغي للكوردونات أن تضطلع بمهمة مساعدتنا معرفة بعضنا البعض بصورة أفضل، لتفهم نضالات بعضنا البعض ولكي نصل إلى وعي ما بقوتنا.”

جلبت أحداث أكتوبر 1972 مجموعاتٍ جديدة من العمال، كثيرٌ منهم لم يكونوا منظمين من قبل، إلى قلب الصراع. كما أنها طرحت أيضًا أشكالًا أخرى للتنظيم كان من الممكن من خلالها بناء منظمةٍ سياسية مستقلة ودائمة. أصبحت تجربة الكوردونات الشأن المحوري في المناقشات السياسية مع اقتراب عام 1972 من نهايته. بيد أن أحدًا من اليسار لم يصل إلى أي استنتاجاتٍ سياسيةٍ ملائمة للحظة.

بالتأكيد، كان استيلاء الطبقة العاملة على السلطة في نوفمبر أمرا مستحيلًا. كان الكثير من العمال قد سُرحوا، وكان آخرون محبطين ومرتبكين، صعبت حالة الطوارئ حتى عقد الاجتماعات. غير أنه ظل واضحا للجميع وبنفس القدر أن الوضع لم يُحسم بصورة نهائية لمصلحة أيٍ من الرأسماليين أو العمال. كان ثمة جوٌ من الترقب في كل مكان، وكان كلا الطرفين يناقش علنًا الاستراتيجيات المستقبلية.

في مناخٍ كهذا لم تكن المهمة المباشرة للاشتراكيين الثوريين هي التنظيم للاستيلاء على السلطة، وإنما تطوير المناقشة السياسية المبدئية والصبورة داخل حركة الطبقة العاملة مع أولئك الذين كانوا يقودون النضال عمليًا، مع بناء التنظيم السياسي الثوري والمشاركة المستمرة في النضالات اليومية للطبقة حيثما كانت تقاتل.

لكن شيئًا من ذلك لم يحدث.

دار داخل اليسار جدلٌ لانهائي، وكثيرٌ منه كان شيقًا للغاية، لكنه كان دائمًا يتجنب السؤال الأساسي – الطبيعة السياسية للوحدة الشعبية.

و قد جاءت المناسبة الأولى لكل منظمات اليسار لمناقشة تجربة أكتوبر 1972 في مناظرة عامة نظمتها في سانتياجو منظمة يسارية كاثوليكية تدعى “مسيحيون من أجل الاشتراكية”. غادرت ميريا بارترا ممثلة الشيوعيين القاعة سريعًا بعد بداية المناظرة، منددةً ب “اليسار المتطرف” ووصفته ب ” العدو الأساسي”. هنا عرف ميجيل إينريكيث السكرتير العام ل(MIR) الفترة بال”قبل – ثورية” ودعا لإنشاء “نُواة للسلطة الشعبية”. كانت المهمة الأساسية كما جادل (عن صواب) هي تحقيق سيطرة العمال، غير أنه في النقاشات والمجادلات التي تلت ذلك، لم يحاول أي ممثلٍ عن (MIR) إيضاح كيفية تنظيم ذلك وتحقيقه.

الاستعدادات للمعركة

ظلت الوحدة الشعبية تحتفظ بثقلٍ سياسيِ معتبر وسط الجماهير – إلا أن هذا الثقل أصبح أقل بكثير من النفوذ المطلق الذي كانت تتمتع به في بدايتها. ولم تنجح كل محاولاتها في اجتثاث تنظيمات العمال الجديدة. على العكس، تسببت تصرفات حكومة الوحدة الشعبية في عودة ظهور هذه التنظيمات في بدايات 1973.

أثار الجدال عقب إضراب البرجوازية انشقاقًا في (MAPU) بين اليسار الذي احتفظ باسم الحزب واليمين المناصر لآيندي والذي أطلق على نفسه (MAPU العمال والفلاحين) بقيادة هايمي جاثموري.

في يناير 1973 تحدى وزير الاقتصاد فيرناندو فلوريس من (MAPU) الحكومة واقترح تجميد الأسعار وضوابط صارمة على المضاربة وضرورة تفعيل سلة مشتروات للجماهير تتضمن المتطلبات الأساسية بأخفض الأسعار، لاقى طرح فلوريس ترحيبا شعبيًا فوريا. في 15 يناير، قامت 300 عائلة في عشوائيات مدينة لو إيرميدا بمحاصرة سوبرماركت محلي كان قد أغلق ابوابه (مُدعيًا نقص السلع) وطالبوا بإعادة فتحه. ومباشرةً حضر وسطاء حكوميون وحاولوا تفريق المتظاهرين ولكنهم فشلوا. وفي الثانية صباحًا فُتح المتجر وتولت المنظمات المحلية مهمة توزيع السلع وفقًا للحاجة. وحدث نفس الشيء في مدينة عشوائية أخرى،مثل نويبا لا هابانا وفي كوردون بارَّانكاس.

في هذا المناخ أعلن أورلاندو مييّاس الوزير المسؤول عن الميزانية والعضو في الحزب الشيوعي (يمين الحكومة) “الخطة الاقتصادية” الجديدة، التي اقترحت إعادة 123 مصنعًا لمالكيها الأصليين بما فيها تلك المملوكة لأحد أكثر معارضي الحكومة نشاطًا وهي أسرة يارور القوية. بالإضافة إلى ذلك طرح مييّاس إبقاء 49 منشأة صناعية فقط ملكيةً عامة، الأمر الذي كان يعني فعليًا خلق قطاع رأسمالية دولة يعمل بالتنسيق مع رأس المال الخاص، ومن هذا المنطلقٍ، أُعلنت الجكومة عن إعادة فتح المناقشات السياسية مع الديمقراطيين المسيحيين. و مثلت تلك الخطة بوضوح تنازلًا شبه كامل لمطالب البرجوازية.

استقبلت الطبقة العاملة الخطة اليمينية بغضب. استيقظت الكوردونات مرةً أخرى وردت فورًا. أغلق عمالٌ من كوردون ثيرييوس – مايبو الشوارع احتجاجًا، ثم قادوا مظاهرةً مشتركة من كل كوردونات العاصمة نحو وسط المدينة. أعلن إيرمان أورتيجا رئيس الكوردون أنه : “لن يكون هناك حل وسط مهما كانت الضغوط”. وفي مصنع منسوجات تيكستيل بروماك أعاد ثلاثة عشر عضوًا في الحزب الشيوعي بطاقات عضويتهم للحزب احتجاجًا. وكان أهم شي في كل ذلك هو أن كوردون بيكونيًا ماكينّا بدأ في نشر جريدة للكوردونات تحمل اسم تاريا أورهينتي (مهمة عاجلة) وحمل عددها الأول تصريحًا ذا دلالة هائلة:

“لكل العمال: إن عمال هذا الكوردون ليهيبون بالطبقة العاملة التنظيم للدفاع عن مساحة الملكية العامة المؤممة من الاقتصاد والمصانع التي استُولي عليها خلال إضراب رؤساء العمل. إن القانون الذي يقترح تسليمها لهم مرةً أخرى لا يعكس مشاعر أغلبية العمال المستعدين لمواصلة النضال للدفاع عن حقوقهم حتى النهاية.”

وبناء على ذلك، مرر أعضاء هذا الكوردون في جمعيتهم في 28 يناير هذا القرار: 1) لن تتم إعادة أي مصنعٍ تم الاستيلاء عليه أثناء إضراب البرجوازبة لمالكيه 2) أننا نرفض بالاجماع تلك الخطة التي يسمونها “خطة مييّاس” التي لا تمثل أفكار الطبقة العاملة الحقيقية.. لا بد أن نتقدم للأمام دون حلول وسط. ولا يجب إعادة ولا حتى مصنعٍ واحد.. هناك مصانع أخرى كثيرة لابد من الإستيلاء عليها.

في سياق شبيه طالب أعضاء كوردون بان آمريكانا نورتيه بمعرفة:

إلى متى سيظل السياسيون يديرون “البرغي” في الاتجاه الخاطئ؟ لقد بدأ هذا يثير أعصابنا، وإننا لنقدم إنذارًا أن مشروعًا واحدًا لن يعاد للبرجوازية.. ومن الآن فصاعدًا سنظل في حالة من الاستعداد الدائم للدفاع عن حقنا في إصدار القرارت التي تؤثر على شكل حياتنا.

في 5 فبراير تجمعت مظاهرة ضخمة من العمال وواضعي اليد على الأراضي ومنظمات سكان مدن الصفيح والمجموعات الأهلية في الاستاد الوطني للتعبير عن معارضتهم ل”خطة مييّاس”، وقد نقلت “بونتو فينال” مضمون لافتة في الاستاد حذرت، بحسٍ تاريخي حاد، ” إن شعبًا غير مسلح هو شعبٌ مقهور”. وبات من الواضح أن الصراع الطبقي كان يدخل مرحلةً جدية ويكتسب حدةً جديدة.

لكن ظلت الصلة ضئيلة بين إيقاع الصراع الطبقي ومشاغل الأحزب السياسية الرئيسية. كانت انتخابات الكونجرس في مارس 1973 تقترب وكان يتم النظر إليها من كلٍ من اليمين وأحزاب الوجدة الشعبية كاختبارٍ محوري لمقدرة الحكومة على البقاء. اتفقت كل منظمات اليسار على كون الانتخابات أولوية مطلقة، بما فيها (MIR)، التي دعمت للمرة الأولى مرشحي الحزب الاشتراكي في الانتخابات البرلمانية.

في النتيجةالنهائية ارتفع التصويت للوحدة الشعبية إلى 44 بالمائة. كان ذلك في المناخ السائد بمثابة شهادةٍ على مرونة الطبقة العاملة ودليلًا على أنه تم كسب قطاعاتٍ من البرجوازية الصغيرة.

في ما يخص اليمين، مثلت النتائج تراجعًا خطيرا: الفشل في تقويض دعم الوجدة الشعبية الانتخابي. بدأ اليمين فورا في مناقشة استراتيجياتٍ بديلة للإطاحة بحكومة آيندي. ومن بين الخيارين المقدمين، تم استبعاد اختيار الانقلاب العسكري الذي دافعت عنه بعض القطاعات، لصالح استراتيجية “المارشالات الروس” التي دافع عنها إيلوين، رئيس الحزب المسيحي الديمقراطي، بين آخرين. كانت تلك استراتيجية ” حرق الأرض اقتصاديا”، وتهدف لتدمير الاقتصاد عن طريق سحب الاستثمارات والتكديس والتحريك الواعي للدعم الدولي بما يخلق حالة حصار داخلية وخارجية.

لو كان الحراك الجماهيري قد مر بحالة تراخٍ في أثناء فترة الانتخابات، فقد استأنف العمال النضال مرةً أخرى بعد إنتهاء التصويت. في نهاية مارس 1973، ترك الجنرالات الوزارة وتم التنازل عن خطة مييّاس. أعلن آيندي تأميم 45 مشروعًا إضافيًا، إلا أنه أعقب ذلك الإعلان بصورة شبه مباشرة، في 6 إبريل، بشن هجومٌ شرس على اليسار الثوري وعلى تنظيمات العمال التي لم تُعد المصانع للبرجوازية عقب احتلالات أكتوبر. في ضوء ذلك الهجوم، كان من الصعب رؤية قرار آيندي إدماج 45 مصنعًا في القطاع العام كأي شيءٍ أكثر من مجرد لفتة رمزية.

و بغض النظر عن كم نقد آيندي لأولئك الذين “استفزوا” البرجوازية بأفعالهم، كان هو المُصاب بالعمى عن مدى حدة الصراع الطبقي، ففي حين صمم على التشبث ببرنامجه الأصلي من التغيير المتدرج وأدان منظمات العمال والفلاحين بتهديدههم لهذا التغيير بتصرفاتهم المتعجلة، كانت الأحداث قد تخطته بالفعل. كانت البرجوازية تناقش بشكلٍ عملي استراتيجيات غير برلمانية للإطاحة به.

وفي حين ظل آيندي والوحدة الشعبية مُصممين على إن سرعة التغيير يتم تحديدها في البرلمان، كانت كل من البرجوازية و الطبقة العاملة قد تخطتا تلك الأوهام. كان العمال ينظمون أنفسهم لنضالٍ قائمٍ بالفعل في الشوارع والمصانع وعلى الأراضي الزراعية. لم يعد الأمر يتعلق بما إذا كان من المفترض السماح للصراع بأن يحدث – كانت فقط نتيجته هي القضية التي تحتاج للحسم.

جاء ارتفاع التصويت للوحدة الشعبية انتخابات مارس بمثابة مطلب صريح من العمال للوحدة بالتحرك. لكن لو لم تقد الوحدة الشعبية هذا النضال فكان سيحدث على أية حال، وخارج سيطرتها. لم تستطع قيادة الوحدة الشعبية إدراك ذلك. كانت قيادة اليسار تناقش الأزمة بكل تأكيد، لكن ظل منظورها محصورًا في مطالبة الوحدة الشعبية في التصرف بطرقٍ أخرى. ولكن كان المطلوب حلًا آخر أكثر راديكاليةٍ بمراحل – من النوع الذي كان موضوعًا بالفعل على الأجندة التاريخية للطبقة العاملة بنفسها.

في تلك اللحظة مثل قرار بتشكيل لجنةٍ تنسيقيةٍ للكوردونات وثبةٍ نوعية في أنماط القيادة للنضال العمالي. لكن لم يتضمن هذا القرار كسر مع الوحدة الشعبية. لماذا؟ كان التيار السياسي السائد في قيادة الكوردونات – بلا جدال – هو يسار الحزب الاشتراكي. وعلى الرغم من خطابه اليساري المتطرف التي باتت سمةً مميزةً له، لم يكن هذا الجناح مستعدًا بعد للانشقاق عن الوحدة الشعبية أو لتحدي الجناح اليميني في حزبه بقيادة آيندي علنًا.

أعتبر آلتامارينو، قائد الاشتراكيين والذي كان ينظر إليه بصورةٍ عامة على كونه من اليسار، أن تطور المنظماتٍ المستقلةٍ في الصراع الطبقي يشكل وسيلة ضغط ستساعد على حسم معركة من يقود الحزب: يمينه أو يساره.. جذب هذا المنظور المحدود أولئك الاشتراكيين اليساريين الذين كانوا يقودون الكوردونات. ولذلك أضحت إن اللجنة التنسيقية للكوردونات، والتي كان في مقدورها أن تصبح بمنتهى البساطة شكلًا جنينيًا لسلطة الطبقة العاملة، أضحت عوضًا عن ذلك فصيلًا داخل الحزب الاشتراكي.

كانت القوة السياسية الأخرى داخل الحركة الجماهيرية هي MIR. رغم أن MIR نشأت في بداية الستينات إلا انها بدأت توجه نفسها صوب تنظيم العمال فقط منذ 1969 – 1970. وفي حين أنها اكتسبت قاعدةً معقولة في وسط العمال غير النقابيين، إلا أن تأثيرها الأساسي كان في أوساط منظمات المسيطرين على الأراضي بوضع اليد وفي الحركة الطلابية. في حين دفعت MIR بمرشحين في انتخابات النقابات، ومن الناحية الفعلية كان لديها أعضاء منتخبون في اللجنة التنفيذية لاتحاد النقاباتCUT، فلم يكن لها أي وجودٍ منظم في قواعد النقابات.

أختارت MIR عدم الدخول في الوحدة الشعبية، وفي أحيانٍ كانت انتقاداتها للوحدة علنية، لكنها لم تستطيع تقديم بديل للوحدة في نطاق الأولويات والمهام.
تفاعلت MIR بصورة براجماتية مع الواقع المتغير للصراع الطبقي، موليةً أهميةً خاصة لصراعها من أجل القيادة السياسية للنضال ككل. ظهر ذلك اكثر ما يكون وضوحًا في الجدل حول الكوردونات. أحيانًا، حين كانت الكوردونات تجمع في عضويتها عددٌ من المنظمات المختلفة، كانت تلك الكوردونات تقوم بتشكيل لجانٍ تنظيميةٍ مشتركة “كوماندوس كوميونايلس”. ورغم أن MIR كانت تؤيد بشدة دور هذه ال “كوماندوس” كأجهزةٍ قيادية في الصراع الطبفي إلا أنها ظلت في نفس الوقت على موقفها في إدانة وجود الكوردونات من الأصل، مُتذيلةً بذلك موقف اتحاد النقابات (CUT) الرافض للكوردوانت على أعتبارها “تنظيماتٌ موازية ومُضعفة” للنقابات.

كان هذا الموقف من MIR تجاه الكوردونات هراءً بالطبع، فقد كانت الكوردونات تنظيماتٍ مستقلة حظي فيها العمال بدورٍ رياديٍ معترفٍ به. المفارقة هنا كانت في أنه على الرغم من التزام MIR بهدف “هيمنة الطبقة العاملة”، بدت MIR غير مُستريحة للدور القيادي الذي لعبته بعض تنظيمات الطبقة العاملة والتي لم تحتل هي MIR نفسها فيها أماكن قيادية.

كذبت دعوات MIR لتحويل الكوردونات إلى منظماتٍ عريضة تمثل بتساويٍ واضعي اليد على الأراضي ومنظمات توزيع السلع والطلبة وآخرين مع العمال، كذبت تلك الدعوات زعم MIR بأنها منظمة ماركسية: ففي الممارسة، نفت إدانة MIR للكوردونات، التي كان يؤسسها ويقودها العمال أنفسهم، الدور المحوري للطبقة العاملة في الصراع على سلطة الدولة. وفي كل الأحوال لم تتعدى شعارات MIR المدوية أكثر من كونها مجرد شعارات، حيث لم تؤدِ إلى نتائج تنظيمة صلبة.

في نفس الوقت لم ينتظر الصراع الطبقي طويلًا.

استمر الصراع الطبقي يتصاعد بحدة متزايدة في الأسابيع التي أعقبت انتخابات الكونجرس. صعد اليمين هجماته ولم تقدم الحكومة أي بديل لوقف هجوم اليمين. لكن حركة الطبقة العاملة كان لديها رد في تلك اللحظات.

8- تحدي عمال المناجم

لعب عمال مناجم النحاس دورًا محوريًا في تاريخ العمل في تشيلي. لذا فقد كان أمرًا بالغ الدلالة حين قام عمال أكبر منجمٍ للنحاس في العالم، إيل تينيينتي، بالإضراب في 19 إبريل.

بدأ الإضراب بهدوء. كانت العزلة الجغرافية للعمال في منطقة جبلية من البلاد تعني بأن أثر الإضراب على بقية الحركة لم يكن مباشرًا. ولم يكن اليسار مُهتما بصفةٍ خاصة برفع درجة الجدل العام حول الإضراب. فالأمر الذي أدى إلى الإضراب كان إشكاليًا. في بداية 1973 منحت الوحدة الشعبية زيادةً في المرتبات لمواجهة معدل التضخم. إلا ان عمال المناجم كان لديهم اتفاقهم الخاص المستقل الذي وفر لهم ضمانات بزيادات في الأجور لمواجهة ارتفاع سعر المعيشة وسلسلة أخرى من الزيادات كل عام. وعندما رفضت الحكومة صرف تلك الزيادات أضرب العمال، متهمين الحكومة عن حق أنها خرقت اتفاقهما المشترك.

استمر الإضراب خلال مايو ويونيو، على الرغم من رجوع بعض العمال للعمل تحت الضغك المكثف من كل منظمات اليسار بما فيها MIR التي جادلت بأن الأضراب برمته تم التحريض عليه من قبل البرجوازية والإمبريالية.

كانت الاتهامات التي وجهت لعمال المناجم مألوفةً بما فيه الكفاية. تم شجب العمال بسبب “اقتصادويتهم” ودفاعهم عن مصالحهم الفئوية الضيقة فوق مصالح الطبقة ككل. من الناحية الفعلية كان اليسار يطالبهم بالتضحية ب”علاوة” بدل غلاء المعيشة التي حاربوا بشدة من أجلها من أجل”الصالح العام”.

بالطبع كان المستفيدون الوحيدون من أي تنازلات من جانب عمال المناجم في واقع الأمر هم البرجوازية – وكانت الحكومة تدرك هذه الحقيقة تمامًا. كان عمال المناجم مستمرون في الإنتاج، ولكن سعر السوق العالمية للنحاس كان مستمرا في الهبوط. هل كان يتعين على عمال المناجم تقبل تبعات ذلك الهبوط، كما حثت الوحدة الشعبية، أم كان يحق لهم أن يدبروا شؤونهم كأي مجموعةٍ أخرى من العمال المنظمين الذين يدافعون عن مستويات معيشتهم؟

في كل الأحوال، لم تعد تُقنع الحجة القائلة بأن عمال مناجم النحاس كانوا مُطالبين بتقديم تضحياتٍ للصالح العام – وأن ثمرة إيثارهم ستكون الاشتراكية – لم تعد تُقنع أحدًا الآن. فعلى أرض الواقع كانت مكاسب العمال من قرارات الوحدة الشعبية في عامها الأول، وهي المكاسب التي لم يكن هناك أي شك فيها، كانت قد تآكلت في أثناء المرحلة التي توسطت الأحداث بفعل التضخم وارتفاع الاسعار، حتى أن القوة الشرائية لرواتب العمال كانت قد هبطت فعليًا مع عام 1973 لما دون مستوى عام 1971.

وعلى عكس تردي مستوى معيشة العمال، كانت البرجوازية تستفيد من الناحية الفعلية من الوضع، أو على الأقل جدًا فقد كانت مُحصنة ضد أسوأ تبعات الوضع المتدهور تحديدًا بسبب استعداد الوحدة الشعبية مُطالبة الطبقة العاملة بتحمل الثمن.

لم تكن حكومة آيندي من البداية نصيرة العمال، لقد سعت للتفاوض مع رأس المال على سعر العمل، ولاستخدام الدولة كأداة للوساطة – على خلفية ضماناتٍ سابقة أعطيت للطبقة الرأسمالية.

في وضعٍ كذلك، كان ينبغي أن يكون دور أي تنظيم عمالي واضحًا: الدفاع عن مستوى معيشة أعضاء الطبقة – إلا أنه للأسف لم تعتبر أي من التنظيمات التي كانت موجودة أن ذلك كان مهمتها. كان التركيز الأحادي الذهنية لمجمل اليسار على الصراع الداخلي في الوحدة الشعبية يعني أن اليسار حشد للهجوم على عمال المناجم لتمثيلهم تهديدًا للحكومة.

ولو كانت نقطة الانطلاق لليسار في الفهم من أجل الحركة هي تقييم تطور الصراع الطبقي، ربما كان تعامل مع اضراب عمال المناجم بطريقةٍ إيجابية، ولكن، على النقيض، شجب اليسار قائد عمال المناجم ميدينا واتهموه بأنه “شخصية نازية” كما أتهموا عمال المناجم أنفسهم بأنهم “أرستقراطية عمالية” أنانية.
وحين قام عمال المناجم بمسيرة للعاصمة سانتياجو في يونيو للمطالبة بمحادثات مع الحكومة تم إيقافهم والهجوم عليهم بمدافع المياه من قبل جروبو موبيل، وهي شرطة مكافحة الشغب التي كان المرشح آيندي قد وعد في حملته الأنتخابابية في 1970 بتفكيكها فور تولى المنصب.

لم يكشف إضراب عمال المناجم فقط عن نقاط ضعف اليسار التشيلي وإنما كشف أيضا، وهو الأمر الأخطر، عن ضعف الكوردونات نفسها. لقد غابت القطاعات التي كانت تقليديًا الأفضل تنظيمًا من العمال عن الشبكة الوطنية للكوردونات. مثلت نقابات هذه القطاعات القلب الصلب للوحدة الشعبية، وكان انضباط عضويتها ثمرة سنواتٍ من النضال. وبالتالي لما كانت قيادات النقابات قد أدانت الكوردونات ككل، فإن قطاعاتٍ عديدة من العمال تم إقناعها بالانسحاب من المشاركة في الكوردونات، وقد بذل اتحاد النقابات (CUT) مجهودات شاقة لمنع جدوث أي اتصالٍ مباشر بين هؤلاء العمال -و أغلبيتهم الساحقة في القطاع العام من الاقتصاد – والقطاعات المنظمة في الكوردونات.

هنا، أدت العزلة الجغرافية والسياسية لعمال المناجم بأن كثيرًا من العمال على المستوى القومي عرفوا بأمر إضراب المناجم ولكن من خلال الإعلام اليميني. كانت تنظيمات البرجوازية قد سارعت في استغلال التناقضات في موقف الوحدة الشعبية وبدأت في تنظيم حملة تبرعاتٍ لعمال المناجم المُضربين (وهو الحدثٌ النادر بقدر ما هو غريب). أدى ذلك إلى أن الوضع أصبح أكثر تشويشًا، ولكنه أعطى قيادات CUT وأحزاب الوحدة الشعبية الفرصة ل”إثبات” أن إضراب عمال المناجم كان مخطط يميني لتقويض حكومة آيندي.

كان ذلك إهانةً لأكثر قطاعات الطبقة العاملة التشيلية نضاليةً – عمال المناجم – ومثالًا للانتهازية الأكثر تجردًا من المبادئ من قبل كلٍ من اليمين والحكومة. وإذا كان اليمين قد نجح في استغلال الإضراب، فقد نجح في ذلك بالتحديد لأن كل اليسار فشل في فهم السخط المبرر لعمال إيل تينيينتيه وفشل في التعامل الإيجابي معه.

كانت الأحداث في مجمل الصورة تتحرك بصورةٍ أسرع.

في نهاية إبريل جذبت مظاهرة لاتحاد النقابات (CUT) عشرات الآلاف إلى شوارع العاصمة، وفي لحظة مرور المسيرة أمام مكاتب حزب المسيحيين الديمقراطيين في العاصمة دوت طلقة وقتل عامل.

واستمرت نضالات محلية أخرى عديدة في أماكن مختلفة.

في أوائل مايو أقدم خمسون عاملًا في في مصنع صغير لنشر الأخشاب في انتريه لاجوس بالسيطرة على مكان عملهم لدى إعلان صاحب العمل إغلاق الورشة. وحين أتى مندوبي (CUT) مقترحًين ملكيةً مشتركة بين العمال مع المالك القديم كحل وسط رفض العمال: “نعتقد أنه بدعم كل سكان انتريه لاجوس نستطيع كسر هؤلاء الناس الذين يعقتدون أنهم يستطيعون استخدام أموال الحكومة لبناء المصانع للسادة وترك العمال خارجها”. وحين حاول ممثلو الحكومة تحقيق نفس النتائج عن طريق الخداع، حُذروا من الاستهانة بالعمال.

وتكررت تجارب مماثلة في معمل IEMO ومكابس INAPIS وكلاهما في مدينة سانتياجو. وفي آريكا حين سيطر العمال على مصنع SALFA للمكونات الكهربائية في قطعت الحكومة الدعم الذي كان المصنع يتلقاه حين كان قيد الملكية الخاصة.

لعل أكثر النضالات دراميةً وقع في مدينة كونستيتوثيون الساحلية في 10 و11 مايو حيث عاشت المدينة ليومين تحت السيطرة غير المنازعة للتنظيمات الجماهيرية. بدأت المواجهة في أواخر 1972 بتأسيس حي سكني من متملكي الأراضي بوضع اليد. كانت كونستيتوثيون تمر في يناير 1973 بنفس تجارب الصراعات الدائرة في معظم الأراضي التشيلية الأخرى – على التوزيع واستعادة المصانع ونقص اراضي السكن الملائمة. مع ذلك كان الرد على هذه الأمور في هذه المدينة غير تقليدي.

اجتمع سكان البلدة في 21 فبراير في “جمعية جماهيرية للشعب” لتحديد المشاكل التي يشارك في المعاناة منها كلٌ من متملكي الأراضي بوضع اليد والفلاحين والعمال.

اجتمعت الجمعية مرةً أخرى بعد شهرين، في 10 إبريل، وقررت مُطالبة المحافظ الإقليمي بالاستقالة حيث قاوم كل محاولاتهم لإيجاد حلول وتجاهل كل مطالبهم. ما تلا ذلك كان مذهلًا. قلد سكان البلدة بأكملهم، حوالى 25,000، قلدوا أنفسهم السلطة، ببساطة. نُصبت المتاريس في الطرق السريعة الرئيسية. أُنشئت لجانٍ صحية ولجان حراسة لتنظيم المنشآت الصحية والحفاظ على النظام. كان المطلب بسيطًا: إقالة المحافظ واستبداله بالرئيس المنتخب للجنة المشتركة للعمال المؤسسة في أول جمعية جماهيرية. ظلت الجمعية الجماهيرية منعقدة بصفةٍ مستمرة على مدار يومين، تم إبقاء المحال مفتوحة وكل البارات مغلقة، وفي ساعة متأخرة من ليلة 11 أبريل، استجابت الحكومة لمطلبهم الرئيسي.

كان هدف الحملة في كونستيتوثيونا محددًا وغير ذي خطورة في حد ذاته على الحكومة. إلا أن الخطورة الحقيقية للحملة كانت تكمن في الشكل الراديكالي – وبصورةٍ غير عادية – الذي اتخذته، والثقة والتنظيم اللذين أتسمت بهما.

يعطي هذا النضال في بلدة ريفية، لا تقاليد نضالية خاصة بها، فكرة عامة عن مستوى الوعي في أوساط العمال التشيليين في هذه المرحلة. كما يُظهر أيضًا أن الصراع نفسه وضع العمال في مركز قيادة الحركة الجماهيرية الأوسع. وأنه ساعد العمال بصورة متزايدة في التغلب على أو تجاوز الانقسامات الفئوية والعصبوية التي كانت موجودة في القمة – داخل الوحدة الشعبية وCUT – على مستوى القاعدة، في اللحظات التي اتحد فيها العمال لمواجهة مشاكل محددة. كانت تلك المشاكل تتعلق بصورةٍ متزايدة بسؤال “لمن تكون السيطرة؟”. عبر عن ذلك الوضع قائد أحد الكوردونات حين أعلن أن حل تلك المشاكل طرح على العمال “مهام للجماهير، مهام للحكم” تطلبت أشكالًا جديدة للتنظيم.

كانت استخلاصات جماهير من تجربة نضالاتها ذاتها تتطور بسرعة، مُتخطية السلطان المطلق للمنظمات القديمة على العمال، بدأت CUT تجد صعوبةً متزايدة في الاحتفاظ بسلطتها على الأرض، وفي حين ظلت الوحدة الشعبية مُعترفًا بها بمعنًى عام باعتبارها القيادة السياسية للطبقة، إلا إن قراراتها التكتيكية وتوجيهاتها كان يتم تجاهلها من أنصارها بصورة متزايدة.

مع اقتراب الفصل النهائي، بدا كما لو أن الدراما التشيلية قد وصلت إلى نوعٍ ما من الجمود. على الأرض كان ثمة نشاطٌ مكثف، كانت هناك نضالات تقع بصورة مستمرة، بعضها طويل ومرير، وكثير ٌ منها يشمل قطاعاتٍ كثيرة ومتعددة من العمال. إلا أنه لم يكن هناك قوة سياسية مركزية تربط بين النضالات المختلفة وتُعمم خبراتها على المستوى الوطني.

وفي حين كان عددٌ من التنظيمات الجماهيرية – القاعدية والمحلية – تحاول القيام بمبادرات باتجاه عمل مُتحد ضد البرجوازية، كان اليمين قد توحد على عرض البلاد حول هدف مركزي ومنظورٌ شاملٌ – الإطاحة بآيندي واستبداله – وكان يعمل علنا من أجل تحقيق هذا الهدف. أما منظمات اليسار، كما بدا في بعض الأحيان، ظلت عالقةً في سلسلةٍ لا نهاية لها من الجدالات عن التوحيد، وظل تركيزها مُنصبًا على التغيير من داخل الوحدة الشعبية نفسها بدلا من بناء بديل للوحدة الشعبية، بديل يوحد وينظم المبادرات المستقلة التي يقوم بها العمال.

من جانبه كان آيندي يقود الآن تحالفًا – الوحدة الشعبية – لم يعد يقوم بأي وظيفة أو أي دور كقيادة سياسية بأي معنى من المعاني، في تلك اللحظات الحاسمة، كان آيندي قد تخلى عن حتى محاولة لعب مثل هذا الدور القيادي، وأختار أن يركزعلى ويُغرق نفسه في جولة تلو الأخرى من المناقشات والمفاوضات مع الأحزاب اليمينة.

أصبح النقاش في كل مكان يدور حول الأزمة والمواجهة السياسية القادمة حتميا – لكن لم يبدو أن أحدًا كان قادر على التننبؤ بالشكل الذي قد تتخذه الأزمة بالتحديد.

و قد انكشفت الهوة واضحةً بين الوحدة الشعبية والجماهير بصورة مؤثرة وحادة في بدايات يونيو حين اجتمعت الوحدة الشعبي للمرة الأولى كتنظيمٍ واحد وعقدت مؤتمرها الأول في تياترو مونيسيبال في العاصمة سانتياجو. لم يحضر أي قياديٍ في الحزب المؤتمر، حلقت النقاشات والقرارات في المؤتمر على أعلى درجات التجريد، وعكست القرارات الختامية للمؤتمر بأهمية الحفاظ على وحدة التنظيم ذاته رغبة مندوبي الحزب الاشتراكي فقط بعدم المخاطرة بالانقسام. بعبارةٍ أخرى، ففي الواقع كانت وحدة (الوحدة الشعبية) وحدة سلبية وغير حقيقية، واعترافًا من التنظيم بالعجز في وجه العاصفة المتجمعة في الخارج.

كانت الأحداث قد تجاوزت”قرارات” مؤتمر الوحدة الشعبية، فقد صارت مؤتمرات العمال في كل صناعة لمناقسة احتمالات خلق تنظيمٍ مُشترك شاملٍ للصناعات كلها، وهي المؤتمرات التي بدأت بالانعقاد في نهاية مايو، أهم بكثير من أي شيء تعلن عنه الوحدة الشعبية.

جمعت أول ثلاث مؤتمرات عمالية من هذا النوع في شهر مايو عمال صناعات الغزل والنسيج و الصيد والغابات. وفي مقاطعة مايبو – في 19 مايو – دعا الفلاحون، الذين كانوا يخوضون صراعًا طويلًا على الأرض المملوكة لأسرة السياسي اليميني بيريث ثوهوبيك (الذي كان قد أُغتيل)، دعوا عمال ثيرييوس لدعمهم. هنا أرسلت الحكومة الشرطة لتفريق التظاهرة الموحدة للعمال والفلاحين والتي نتجت عن دعوة الفلاحين. وفي مقاطعة نوبليه في نهاية الشهر نفسه أسفرت معركة مُماثلة لمعركة مايبو – صاحبها هذه المرةاحتلال الفلاحين مركز توزيع الطعام المحلي – عن مزيد من التنازلات المباشرة من الحكومة.

في 21 مايو ألقى آيندي بخطابٍ غريبٍ للغاية أعرب فيه لأول مرة عن ترحيبه بوجود الكوماندوس كومينواليس. ومباشرةً عقب ذلك طلب الحزب الشيوعي (الموالي لآيندي) من أعضائه المشاركة فيها.

كان الغريب في خطبة آيندي أنه في ما قبل كان قد قد هاجم بصورةٍ متسقة تلك التنظيمات وتعامل معها مثلما كان يتعامل مع الكوردونات التي لم يكن سعيد بوجودها أصلا. الآن بدا كما لوأنه كان يحاول أن يفرق بينهما محاولًا كسب شئٍ من النفوذ للوحدة الشعبية في التنظيمات الجماهيرية الجديدة. وأضفى على الأمر الغرابةً مضاعفة هو اتفاقMIR مع آيندي في هذا الشأن، وإصرارها على تنفيذ اقتراح الحزب الاشتراكي بتأجيل عقد مؤتمرٍ للجان التنسيقية للكوردوناتإلى بعد أن يتم عقد اجتماعٍ على المستوى الوطني للكوماندوس كومينواليس.

لم يعقد المؤتمر المقترح أبدا. كان التفكير في عقد هذا المؤتمركان أقرب شيء فعله اليساركخطوة في طريق تشكيل منظمة مستقلة من الثوريين، وقيادة سياسية بديلة للوحدة الشعبية. ربما أعطت خطبة آيندي مصداقيةً جديدة لوهم اليسار أنه باستطاعته كسب مركز قيادة داخل الوحدة الشعبية، ربما لم يكن حل الخلافات الداخلية ممكنًا، ببساطة. أيًا كانت الأسباب، لم تُتخذ تلك الخطوة. لذا، حين ألقت الأحداث على الطبقة العاملة للمرة الثانية مهمة الدفاع عن الطبقة ضد البرجوازية، لم يكن هناك اتجاه سياسي واضح، ولا تنظيم يستطيع أن “يمركز” أو يقود نضال الطبقة نحو تغييرٍ ثوري.

9- السلطة المزدوجة والفصل الختامي

في صباح يوم 29 يونيو 1973 حرك كولونيل روبيرتو سوبيرقائد كتيبة مدرعات سانتياجو دباباته ووزعها في شوارع العاصمة مُعلنا استيلاءه على السلطة. وصلت الأخبار لمعمل EASTON وهو جزء من كوردون بيكونا ماكيننا في التاسعة صباحًا.

“في التاسعة والربع أطلقنا صفارة المصنع ودعونا لاجتماعٍ عام. اتفقنا أن نظل جميعًا في المصنع وأن نبعث بـ”قوات سريعة” للتواصل مع أماكن العمل الأخرى”.

شُكلت “قيادة مشتركة” في كوردون ثيرييوس، وتم نشر أربع بياناتٍ بفاصلٍ زمني مدته ساعاتان طيلة اليوم.
حدد البيان الأول المهام المباشرة:

التعليمات:
1) الاستيلاء على كل المصانع
2) تنظيم كتائب من 11 رفيق، وقائدٍ واحد، ويتولى قادة كل كتيبة سويًا مع المنظمين النقابيين مهمة تنظيم المصنع.
3) تتم داخل كل مصنع تعبئة ومركزة كل المركبات والمواد التي قد تكون مفيدة في الدفاع عن المصنع والطبقة العاملة والحكومة.
4) على رأس الساعة، كل ساعة، سيطلق كل مصنع صفارته ليشير إلى أن كل شيٍ على ما يرام. إذا احتيج إلى المساعدة، ينبغي إطلاق الصافرة بشكل مستمر.
5) ضبط المذياع بصورة دائمة على موجة راديو كوربوريشن.
6) وضع حارس على أكثر نقطة مرئية في المصنع.
7) الاحتفاظ بتواصلٍ مستمر مع المصانع المجاورة وتعيين رفاق للقيام بدور المراسيل.
8) الإخبار بمكان تمركز القيادة ومكان اجتماع الرفاق القياديين إذا استحال الدخول للمصنع.
9) تنظيم اجتماعات دورية وإبقاء كل العمال على دراية بالتطورات.

تكررت هذه التجربة على طول البلاد وعرضها، مع تشكيل كوردونات وكوماندوس في خلال ساعات من محاولة سوبير الانقلابية. في الواقع، كان سوبير شخصية مغامرة وغير نمطية و ذا صلاتٍ علنية مع حزب الوطن والحرية اليميني المتطرف. وكان يُنظر إليه بقدرٍ معتبرٍ من الشك من قبل قيادات الجيش العليا فلم تكن تلك أول محاولة له للانقلاب.

لم تكن محاولة سوبير الانقلابية أكثر مما أسماه برييتو “حركة من أجل الدعاية المسلحة”، وكانت ناجحةً في تحقيق هذا. عارض قيادة العسكر فقط توقيت حركة سوبير، كانت الدوائر اليمينة، والتي كانت تضم معظم القادة العسكريين، تناقش بشكلٍ عملي منذ بعض الوقت تنظيم انقلاب عسكري. ومن وجهة نظر هذه الدوائر، أنهى رد الطبقة العاملة العنيف على انقلاب سوبير أي امكانية للحديث عن حل السياسي.

أثار رد الفعل الجماهيري، داخل القوات المسلحة، لمحاولة سوبير مناقشةً عاجلة عن الحاجة لتدخل عسكري.

بمعنىً ما، كان آيندي نفسه مسئولًا عن الثقة والاعتداد بالنفس الذي شعر به العسكر في تلك اللحظات: ألم يدعُهم بصورة متكررة لحل النزاعات الاجتماعية؟ ألم يوافق على زيادات هائلة (وغير معلنة) في مرتبات للعسكر في نفس التوقيت الذي كان يدعو الطبقة العاملة تُدعى لضبط النفس.

الآن، في صبيحة 29 يونيو، سيظهر آيندي مرةً أخرى إيمانه في – واعتماده على – القوات المسلحة. في حين كانت الكوردونات منهمكة في تنظيم مقاومة الطبقة العاملة ضد انقلاب عسكري، كان “رئيس الطبقة” يجتمع مع القائد الأعلى للجيش من أجل النقاش. أوضحت هذا التباين أن الوحدة الشعبية لم تكن تمتلك أي دفاعات وكانت عاجزة تماما أمام استنفار البرجوازية وتحركها.

في الأيام التالية أصدرت (MIR) و(MAPU) والحزب الاشتراكي نداءاتٍ مدوية للعمال للاستعداد للدفاع عن الحكومة، وبحمل السلاح. حتى مسئولي الحزب الشيوعي كانوا يشجعون العمال الصناعيين على استخدام مخارطهم لتصنيع الأسلحة، كما امتلأت خطب آيندي بتهديداتٍ مقَّنعة. وتعود الصورة الشهيرة لآيندي وهو يتدرب على استخدام السلاح في مضمار رماية للمسدسات، وهي الصورة التي ألهبت غضب اليمين، تعود إلى هذه الفترة.

إلا أنه لا ذلك ولا دعوات اليسار لبناء سلطة الشعب كانت تعني أي شيء طالما اقترنت بإعادة إقرار السياسات القديمة وإعلانات الولاء لقيادة الوحدة الشعبية. حتى في هذه المرحلة، حين كانت الطبقة العاملة أفضل ما تكون تنظيمًا وأكثر ثقة من أي وقت مضى، وحين تواجدت تنظيمات موجدة بطول البلاد، وحين كان أفضل الثوريين في موقعٍ قيادي لا لبس فيه، حتي في هذه المرحلة لم يسلك اليسار طريق محاولة الاستيلاء على السلطة، فقد كان ذلك من شأنه أن يضعهم في مواجهة مع الوحدة الشعبية نفسها.

لذا، وكما كان الحال في بيان ثيرييوس، اختلطت النداءات لتفعيل أعلى درجة من الاستقلال في حركة الطبقة العاملة بتكرار إعلان الولاء لآيندي. بالنسبة لبعض المعلقين، مثل ذلك الولاء قوةً، وعاملًا مهمًا في كسب المعركة الأيديولوجية داخل الجيش. بالنسبة للإصلاحيين، كانت تلك هى الطريقة التي بها تُكسب المعركة – بإفراز قيادةٍ جديدة وتقدمية للجيش. في الواقع كان من الممكن فقط أن يقع انشقاقٌ في الجيش لو أمكن للجنود العاديين أن يتحركوا من منطلق التضامن الطبقي مع إخوانهم وأخواتهم متحدين المحولة للاستيلاء على السلطة. لقد أدرك الجنرالات ذلك، أما آيندي فلم يدرك ذلك. أدرك الجنرالات أن الجيش المحترف موجودٌ كخط الدفاع الأخير عن الدولة البرجوازية، أما آيندي فلم يدرك ذلك.

لم يكن ذلك الوهم الأثر بأن الجيش سيخوض الصراع الطبقي نيابةً عن العمال محصورًا في الإصلاحيين -ففي عددها الصادر يوم 30 يوليو، دعت بونتو فينال، جريدة MIR- العمال للنضال من أجل ديكتاتورية مشتركة من الشعب والقوات المسلحة.

بالرغم من هذه الشعارات المتناقضة من اليسار، كانت نقلةً نوعية في الحركة والوعي الجماهيري تحدث في الشوارع والمصانع، وكانت خطى الأحداث آخذة في التسارع، وكان كل يوم جديد يأتي بتنظيمات جديدة تشكل جنين نظام بروليتاري.

وحد كوردون جديد، سانتياجو ثينترو، الموظفين الحكوميين وساكني الأحياء الفقيرة. في بارانكاس تُرجمت سلسلة من الاستيلاءات على المصانع مباشرةً إلى تشكيل كوردون جديد بعد أن كون ممثلي العمال عن كل مصنع في لجنة تنسيقية مشتركة.

أينما حاول أصحاب المحال إغلاق متاجرهم، تم فتحها من قبل الجماهير التي قامت فورا بتنظيم توزيعٍ مباشرٍ للسلع. وعندما أضرب أصحاب الشاحنات مرةً أخرى، مُتظاهرين بالاحتجاج على خطة لخلق نظام لنقل حكومي، سيطر العمال على الشاحنات مباشرة وقاموا بتسييرها بأنفسهم. واستولي العمال على المستشفيات وشكلوا لجان قاعدية لتسيير العمل بها وتقديم الخدمات الصحية للمواطنيين.

وبشكل ما مثل الرد الجماهيرى على محاولة سوبير الانقلابية تكرارًا لمشهد نضالات العمال في أكتوبر 1972. إلا أنه كانت توجد اختلافات مهمة بين اللحظتين. أولًا، في صيف 1973 كان لدى الطبقة العاملة تراكم من خبرة عدة شهور من التنظيم الذاتي تستطيع أن تبني ردها عليها. ثانيًا، كان العامل العسكري محوريًا الآن. ثالثًا، أصبح ما تستطيع حكومة آيندي أن تقدمه الآن من قبيل الدعم للعمال أقل من ما كانت تقدر عليه العام السابق.

باختصار، كانت المخاطر التي تهدد الثورة في صيف 1973 أكبر والوقت أقصر. ولكن كانت احتمالات انتصار العمال على البرجوازية أيضا أعظم بمراحل من أكتوبر 1972.

قامت مجموعة من النساء، في مصنع ملبوسات إيل آس، دون أي سابق أي خبرة في العمل السياسي، بالاستيلاء على المصنع، و أعربت العاملات عن دهشتهن حين تضامن معهن القائد النقابي المحلي، وكان عضوًا في الحزب الديمقراطي المسيحي، وعن ابتهاجهن حين دُعين لعضوية كوردون أوهيجنز. هكذا وصفت إحدى العاملات الموقف والوعي في المصنع:

“كان موقف القيادات النقابية فيCUT لحل الأزمة دائما هو التفاوض مع الرأسماليين والوصول إلى اتفاقٍ معهم، وإعادة المصانع مرةً أخرى لهم. لم أكن أبدًا ممن يختلطن بالسياسة، لم نكن نتحدث كثيرًا عن العملية [السياسية]، لكن الآن أصبحنا جميعًا مشاركات في النضال ونفهم ما يعنيه الأمر، ونستطيع أن نقول جميعًا أن إعادة مصنعنا للملاك هو خيانة للطبقة العاملة. ربما يكون مصنعنا مصنع صغير.. لكن في الأساس، والمهم هنا أمر سياسي وليس أمر اقتصادي فئوي، أننا إذا أردنا نحن العمال السلطة، فلن نحصل عليها أبدًا عن طريق إعادة المصانع للرأسماليين، بغض النظر عن مدى صغرها”.

تجمعت كل عناصر الأزمة الثورية على أرض الواقع في صيف 1973: آلت وظائف الإنتاج والتوزيع والدفاع عن العمال والخدمات الاجتماعية إلى أيدي تنظيمات عمالية، كانت البرجوازية تعبء قواتها للمواجهة، وكانت الدولة القائمة عاجزة عن العمل بحسم في وضع لم تعد قادرة على التحكم فيه.

بعد انقلاب سوبير بثلاثة أيام، أعلن آيندي مرةً أخرى حالة الطوارئ، لم يكن هذا الإعلان أكثر ولا أقل من دعوة للجيش بحل الأزمة بالطريقة التي يرونها أفضل. لم تضم الوزارة الجديدة التي أُعلن عنها في 4 يوليو ممثلًا عسكريًا. ولم يكن تأكيد آيندي بأن ذلك كان بهدف “عدم تعريض حيادية القوات المسلحة للخطر” مُقنعًا للغاية. على النقيض، بدا كما لو كان آيندي يمنح الجنرالات حريةً قصوى في الحركة بإعفائهم من أي سيطرةٍ سياسية عليهم.

كان عمل العسكر الأول، كسابق عهدهم، هو التحرك ضد كل الجرائد والمحطات التلفيزيونية المتعاطفة مع العمال. صُودر أحد أعداد بونتو فينال من باعة الجرائد وفرضت الرقابة على محطة التلفاز الحكومية، وسمح الجيش باستمرار بث القناة 13 التي يديرها الديماجوج اليميني الزاعق الأب آسبون والت كان يستخدمها كمنبر للدعوة لانقلاب عسكري على مدار الساعة. كما فُرض الجيش حظر التجوال، مانعًا العمال من الناحية الفعلية من تنسيق أنشطتهم أثناء الليل. أما خارج سانتياجو فإن التقارير كانت تؤكد أن العسكر كانوا بالفعل يتحركون لفرض سيطرتهم بشكل كامل على كل الأمور.

كان الجنرالات يدعمون قوتهم وسلطاتهم بصورة مخيفة، كما كشف أنصار الوحدة الشعبية في القوات البحرية والقوات الجوية الذين كانوا يشاهدون بأعينهم الاستعدادات العلنية للانقلاب التي كان يتم القيام بها في عددٍ من المنشآت العسكرية الأساسية. ولاقت مناشدة أنصار الوحدة الشعبية داخل الجيش لآيندي بالتحرك فورا ضد استعدادات الجنرالات للقيام بانقلاب عسكري مجرد ” شكرًا رئاسيًا” على ولائهم بالإضافة إلى تصريحٍ من آيندي بأنه يتعين عليه، في ظل حالة الطوارئ، أن يترك للقيادة العليا للجيش أمر التصرف في هذا الشأن، وأكد لأنصاره أنه كان واثقًا من أن القيادات العليا للجيش ستقوم بالمطلوب. وبالفعل، وعلى طريقتهم، حاكم الجنرالات أنصار آيندي محاكمةً عسكرية وحكموا عليهم بفترات سجنٍ طويلة وعذبوهم.

10- اللعبة الأخيرة

انتهى تمثيل الفصل الختامي للدراما التشيلية في يوليو وأغسطس 1973. وفي شهر سبتمبر أغرق الانقلاب العسكري الذي أطاح بحكومة الوحدة الشعبية تشيلي في حمامات من الدماء.

حُسمت كل الأمور الثانوية بين العمال والبرجوازية في صيف 1973، ولم يتبق إلا أن تخاض المعركة النهائية بين الجانبين على السلطة. كانت معظم المصانع تحت سيطرة عمال المصانع، كانت مراكز توزيع السلع تحت السيطرة العمالية المباشرة، وكان قد تم إعادة تشكيل منظمات الدفاع المصنعية. كانت الطبقة العاملة مُستعدة للمعركة النهائية في الصراع الطبقي، لكن قادتها لم يكونوا مُستعدين.

بدا آيندي أكثر إتساقا وتصميمًا في الخطاب الذي ألقاه 25 يوليو، بعد تردده ودعمه غير المتوقع للكوماندوس كوميوناليس في تصريحاته السابقة،. مرةً أخرى عاد آيندي يوجه نيرانه ضد الكوردونات واليسار بصفةٍ عامة، مُتهمًا الاثنين بأنهم يدفعون البلد إلى حد الحرب الأهلية. يتضح الطابع السياسي الرجعي لخطابه ويغدو أكثر حقارةً من السياق الذي ألقاه فيه، فقد كانت الصحافة اليمينية الآن تدافع علنًا عن الإطاحة العسكرية بالوحدة الشعبية، كما كان من المقرر أن يبدأ الإضراب الثاني الشامل للبرجوازية بقيادة سائقي الشاحنات في اليوم التالي للخطاب.

كان الكونجرس عمليًا في حالة محلك سر، مشلولا بالنظر في سلسلة من المقترحات من اليمين لعزل آيندي وإزاحته من الرئاسة. كان الاقتصاد مشلولًا: هبطت قيمة صادرات النحاس، توقفت البرجوازية عن الاستثمار، وازدادت صعوبة الحصول على قطع الغيار والمواد الخام، كما خلق التكديس حالةً خانقة من نقص السلع.

كانت البرجوازية تستخدم كل أسلحتها الاقتصادية، كما كان اغتيال مساعد آيندي الشخصي، كابتن آرايا، إنذارًا كافٍ على استعدادها التام لاستخدام أسلحة حقيقية.

إلا أنه حين مُرر قانون التحكم في الأسلحة أخيرًا في بداية أغسطس، لم يكن الغرض منه استخدامه كمظلة قانونية لاتخاذ إجراءات ضد أولئك الذين كانوا يحضرون للإنقلاب أو ضد العصابات اليمينيةٍ المتطرفة المسلحة. على النقيض من ذلك، مثل القانون الوسيلة التي أتاحت للجيش والشرطة – في ظل حالة الطوارئ التي أعلنها آيندي – القيام بضرباتٍ استباقية ضد التنظيمات الجماهيرية.

تمت قيادة تلك العملية بطريقةٍ منسقة وممنهجة على مستوى البلد. في 7 أغسطس وصفت تقارير وقوع مدينة بونتو آريناس في أقصى الجنوب تحت الاحتلال العسكري الكامل، وقُتِل أحد العمال. في كوتين وتيموكو تمت مصادرة ممتلكات منظمات الفلاحين وقُبض على كثيرٍ من قادتها وعذبوا – وقد نشرت جريدة تشيلي أوي صورًا من علامات التعذيب في عددها في 30 أغسطس. في كل حالة من الحالتين السابقتين كانت عمليات العسكرة والقمع المباشر ممكنة لأن قانون التحكم في الأسلحة سمح لقيادات الجيش بفرض الحكم العسكري في أي مكان أو مدينة على حسب تقديراتهم. كان قرار فرض الحكم العسكري في مكان ما مازال يتطلب إذنًا رئاسيًا. وكان آيندي يمنح الجنرالات الضوء الأخضر لفرضه في كل مرة طلبوا منه ذلك.

وضعت حالة الطوارئ في بلدة سان أنتونيو في الصدارة الرجل الذي سيغدو رئيسًا لجهاز أمن الدولة سيء السمعة بعد الانقلاب، مانويل كونتريراس. إلا أن كونتريراس واجه مقاومةً عنيدة من التحركات الجماهيرية المنسقة.

في تياترو ديل بويبلو في أوسورنو التقت كل المنظمات المحلية تحت قيادة الكوردون المحلي ونشرت برنامجًا لإحكام السيطرة المباشرة على البلدة. تضمن هذا البرنامج المزيد من المصادرات للمصانع، ودعمًا لنضالات هنود المابوتشي المعدمين، والتزامًا بإعادة تنظيم الخدمة الصحية تحت سيطرة العمال، ودعوة للجنود العاديين بالفرار من الجندية والانضمام للعمال. حُدّدت الأمور بوضوح هنا في أوسور نو: كانت قرارات المنظمات الجماهيرية تحديًا مباشرًا للدولة البرجوازية.

أعلن آيندي، في 3 أغسطس، عن وزارةٍ جديدة تضم أعضاء من الوحدة الشعبية مع جنرالات. جاء هذا القرار مُتسقًا مع تحركات آيندي وتصريحاته في الأيام القليلة السابقة عليه. لقد تنازل آيندي وسلم تمامًا لفكرة أن القضية الرئيسية في تلك اللحظات كانت الدفاع عن الدولة البرجوازية والحفاظ عليها. وفي هذا اتفق مع أهداف البرجوازية.

فمن إذن كان العدو، من وجهة نظر الوحدة الشعبية، في تلك اللحظات الفارقة؟

وضح قائد الحزب الشيوعي لويس كوربالان هذا الأمر -من هو العدو؟- بما لا يترك المجال لأي شك، وذلك في خطبةٍ -تراجيدية- ألقاها في سانتياجو في 8 أغسطس. مدح كوربالان في الخطبة وطنية القوات المسلحة المتسقة وولاءها وندد -في نفس الخطبة- ندد باليسار المتطرف، الذي حمله مع العصابات الفاشستية مسئولية وقوع العنف. في الأيام الثلاثة السابقة، كان الجيش قد احتل بعض المصانع في كوردون ثيرييوس، واقتحمت القوات البحرية مستشفى بان بيورين في بالبارايسو. لذا، فحين كان كوربالان وآيندي يهاجمان “اليسار المتطرف”، كانا يوجهان سمومهما للقوة الوحيدة على الساحة التي كانت تناضل و تتحدى الدولة بجدية، الطبقة العاملة نفسها.

نادرًا ما وجدت منظمات اليسار نفسها أمام فرص واحتمالات دراماتيكية وخصبة للتغيير الثوري، مثلما وجدت في الفرص التي أتاحتها منظمات العمال -الكوردونات والكوماندوس- في تشيلي في يوليو وأغسطس من عام 1973. يُبذل العمل التمهيدي الطويل والصبور لأي منظمة ثورية من أجل لحظةٍ كتلك التي أتت في تشيلي في صيف 1973. لكن حين يتم الوصول لنقطةٍ كتلك، فإنها لا تترك أي مساحة من الوقت للتذبذب والجدال. إنها لحظة لا بد من اقتناصها فورًا وإلا تضيع. لكن للأسف لم يكن اليسار التشيلي كفؤا للقيام بهذه المهمة.

لم تكمن المشكلة في مسألة ضرورة تسليح العمال لأنفسهم فقط، والواقع كان يقول أن طبقة عاملة غير مسلحة في تلك اللحظة الحرجة لم تكن تستطيع مهما كان أن تجذب الجنود بعيدًا عن انضباط الجيش ولا تستطيع أن تقاوم عسكرًا واثقًا من نفسه. كان من الطبيعي والضروري تسليح العمال عند لحظة محددة، لكن القضية المحورية في تلك اللحظة كانت شيئًا آخر. تسليح العمال يرجّح كفتهم في الميزان فقط حين يُستخدم لتحقيق هدفٍ سياسيٍ واضح: الاستيلاء على السلطة والإطاحة بالدولة البرجوازية، وحين يُستخدم من قبل حركة منظمة ومنسقة تحت قيادة ثوريين بفهمون طبيعة اللحظة.

لا يعني هذا أن كل ما هو مطلوب لنجاح الثورة هو وجود مجموعة من الثوريين المُصممين ينتظرون في الخلفية متحينين فرصتهم وسلاحهم جاهز للحظة المناسبة. فنجاح الثورة يتطلب تطور حركة سياسية قادرة على قيادة الطبقة العاملة، منظمة مزروعة في نضالات الطبقة الحياتية ومبنية حول فهم ناضج للصراع الطبقي وامكانياته.

في غياب قيادة سياسية كهذه فإن الثورة الاجتماعية تغدو مستحيلة، بالتأكيد إن النداءات للنضال المسلح من النوع الصادر عن MIR أو ألتاميرانو سكرتير الحزب الاشتراكي في الأيام الأولى من أغسطس 1973 كانت نداءات غير مسئولة لأقصى درجة. وفي هذه المرحلة، حتى الحزب الشيوعي – في مقطوعة أخيرة من الانتهازية- كان يدعو العمال لتسليح أنفسهم. وهنا نقلت دعوة ألتاميرانو للجنود العاديين بإلقاء أسلحتهم مسئولية الإمساك باللحظة الثورية للجندي الفرد -حين كانت هذه المسئولية تقع بوضوح على التنظيمات الثورية، أو تلك التي كانت تدعي الثورية.

في أواخر أغسطس شاع جوٌ من الإحباط في صفوف الطبقة العاملة التشيلية. جاءت احتفالات الذكرى الثالثة لفوز آيندي في الانتخابات في 4 سبتمبر كئيبة ومحبطة – على الرغم من وجود نصف مليون شخص في الشوارع.

بدت نتيجة الانقلاب العسكري بعد أسبوع محسومة سلفًا. غير أنه الأمر كان من الممكن أن يسير في طريق آخر. كان العمال جاهزين للنضال ومستعدين لعواقبه، كانت الأجهزة التي يمكن أن تبنى عليها سلطة عمالية موجودة بالفعل. بيد أنه حتى النهاية، اعتمدت كل منظمة من اليسار في تشيلي على الوحدة الشعبية، ونظرت إلى الدرجة العالية من النضال الجماهيري فقط كنوعٍ من الضغط على الوحدة الشعبية، وتخاذلت عن توفير قيادة ثورية بديلة. ارتقى ذلك الفشل في محاولة لعب دور القيادة للصراع الطبقي لمستوى ترك العمال عرضة للانتقام الوحشي للبرجوازية، ويجب أن تتحمل كل منظمة من منظمات اليسار التشيلي المسؤولية في هذه الخطيئة.

فشل خطاب آيندي الأخير على هذه الخلفية، والذي أذاعه على الراديو ساعات معدودة قبل قتله في الانقلاب العسكري الذي أطاح به، فشل في فهم وتوضيح لماذا حدث ما حدث. لم يتعدَّ صياحه الغاضب الأخلاقوي ضد من قاموا بالإنقلاب وتأكيده على أن التاريخ “سيدين الجنرالات”، لم يتعدى كونه رفضًا منه – رفضًا لايمكن أن يغتفر له- لتحمل مسئوليته الشخصية في ضياع الثورة و الأمل ووقوع الكارثة، كما ترك خطابه الأخير أكاذيب عديدة عن ما حدث في تشيلي للأجيال التالية.

أعطت أحداث 1972 و1973 في تشيلي للعالم بصيصًا منشكل سلطة العمال وقدرتهم على تحمل تحديات الصراع الطبقي. وقد وضحت هذه الأحداث – بصورة تراجيدية – أن عدو الثورة في تلك اللحظة هو “الإصلاحية”، وهي سياسات ومواقف أولئك الذين اختاروا أن يكونوا الأكثر التزامًا بالدفاع عن الدولة البرجوازية بدلا من تغيير العالم.

في أعقاب كارثة تشيلي، أُعيدت كتابة التاريخ الحقيقي لحماية الإصلاحيين حول العالم من العواقب الحقيقية لسياسات المصالحة والمهادنة المزمنة. كان الانقلاب الذي وضع نهايةً لصراعات 1972 – 73 في تشيلي هزيمةً رهيبة ووحشية للطبقة العاملة، لكنه لم يكن نتيجة مواءمة عالمية، كما أنه لم يكن أمرًا حتميًا. كان ثمة احتمالٌ آخر على الأجندة التاريخية لا ينبغي أن نسمح بدفنها.

تظل أهمية ثورة تشيلي في 1972 – 73 في الميراث الغني والرائع من النضال الذى تركته لنا من أجل نضالات المستقبل.

11- الانقلاب

أسقطت العمليات العسكرية المشتركة التي بدأت في الصباح الباكر حكومة سالفادور آيندي في 11 سبتمبر 1973. قاد الانقلاب أوجوستو بينوشيه الذي كان عضوًا في وزارة آيندي العسكرية الثانية في اغسطس.

مع حلول التاسعة صباحًا، كانت الدبابات قد أحاطت بالقصر الجمهوري، مثلت هذا الفعل الخطوة الأخيرة في عملية الانقلاب، حيث أنه كان قد جُرّدت تنظيمات العمال والفلاحين والطلبة وساكني مدن الصفيح الأكثر نضاليةً من السلاح، ودمرتها خلال حالة الطوارئ السارية خلال الأسابيع السابقة.

ورغم انتشار إشاعات عن حدوث مقاومة شعبية للانقلاب لبضع ساعات، إلا أنه في الواقع، وباستثناء محاولات مقاومةٍ فردية متناثرة، لم يكن هناك أي نضال يذكر ضد الانقلاب. كان النضال الجماهيري قد خسر بالفعل، وكانت الحركة قد اُقتيدت لهزيمة فادحة على أيدي قادتها الإصلاحيين.

مع مضي اليوم، أُلقيَ القبض على مئات الناس، وأخذوا إلى منشآتٍ عسكرية وسجونٍ ومعسكرات اعتقالٍ مرتجلة. أُقتيد الآلاف إلى إستاد كرة القدم الوطني في سانتياجو، وأُبقوا هناك حتى نُقلوا لأماكن أخرى ليعذبوا أو يُقتلوا. لم يطل الأمر بالبعض إلى هذا الحد، فشخص مثل “بيكتور هارا” أشهر مغني الأغاني الجماهيرية في تشيلي، كُسرت يداه حين حاول أن يغني أغنيةً للمقاومة قبل أن يُقتل.

نُفذ الانقلاب بوحشيةٍ لا مثيل لها، الآلاف اغتُصبوا وتعرضوا لتعذيبٍ غير آدمي، وتم تجويعهم والتعدي الجسدي عليهم قبل أن يُقتلوا. قُتِل في العام الأول من الانقلاب 30,000 شخص. كانوا من أفضل وأشجع قادة الطبقة العاملة، تم انتقاء الضحايا بمنهجية بمساعدة استخباراتٍ خارجية متطورة. لم يقتلوا فحسب – لقد مُزقوا إربًا لتخويف الجماهير ولإعطاء إنذارٍ بياني للجميع بأن النظام الجديد لن يتسامح أو يعرف الرحمة.

كان ذلك مغزى الأجساد المشوهة التي طفت صبيحة كل يوم لى سطح نهر مابوتشو في سانتياجو. لم يجد أولئك اليساريين والليبراليين الذين لطالما أصروا وراهنوا على “رساخة عمق” التقاليد الديمقراطية في تشيلي، كآيندي نفسه، وعلى “حرفية وحيادية” قواتها المسلحة مُستبعدين تماما أن يقوم الجنرالات بأي انقلابات، لم يجد هؤلاء أي تفسيرٍ لوحشية الانقلاب وساديته.

ظل الإصلاحيون حول العالم يرددون سردًا عمّا حدث في تشيلي في 1972-1973، مكنهم من أن يصنفوا الانقلاب على كونه مجرد انحراف شاذ عن “التقاليد الديمقراطية لتشيلي”، سردًا غطى على الخطأ القاتل في تحليهلم لطبيعة الجيش، سردًا يحمي الوحدة الشعبية من سخط الأجيال التالية وإدانة التاريخ.

حاول هؤلاء الإلقاء باللائمة على مؤامرة من تدبير وكالة الاستخبارات المركزية الأمريكة CIA. لكن الحقيقة كانت شيئًا آخر. لقد حدث الانقلاب، ليس نتيجة لمجرد مؤامرة خارجية من CIA، بل لأن الدرجة المتصاعدة من الصراع الطبقي في تشيلي في 1972-1973 اقتربت من تهديد وجود المجتمع البرجوازي. وكالعادة في تلك اللحظات الأخيرة والحاسمة من الصراع الطبقي، فإن الطبقة الحاكمة لا تعرف الرحمة أو التسامح، بغض النظر عن تقاليدها تلك المزعومة.

إن الديمقراطيات الغربية نفسها، بعد كل شيءٍ، تدافع بقوة على تقاليد “الديمقراطية” حتى أقصى درجة، حتى إذا اقتضى الأمر استخدام أسلحة دمارٍ شاملٍ رهيبة.

لم يكن انقلاب الجنرالات في تشيلي أمرًا استثنائيا. لم يصدر عنف العسكر التشيليين عن دوافع للانتقام الشخصي، وإنما إستهدف الاجتثاث المنهجي لأفضل قادة الطبقة وأكثرهم شجاعةً.

وبعد أن انتهى الجنرالات من هذه المهمة، حولوا تشيلي إلى ساحة تجارب للسياسات الاقتصادية النيوليبرالية تعصف بمكاسب وحياة الطبقةٌ عاملة. كان منطقهم هو منطق وهدف الرأسمالية وقد نزعت ُقفازيها: مجرد حد أدنى لمستوى معيشة العمال، وبطالة دائمة وهيكلية، وغياب تام للخدمات الاجتماعية، ومناخ رعب دائم، ومدارس تُدرس فيها الوطنية الشوفينية والسمع والطاعة.

إن المفارقة هنا أن الإصلاحيين والوحدة الشعبية، وهم يحذرون العمال ضد النضال من أجل وصول الطبقة العاملة للسلطة عن أي طريق غير البرلمان؛ بسبب الضرر الذي قد يلحق بالجماهير من جراء ذلك، في الواقع كانوا يتركون الطبقة العاملة عزلاء وعاجزة في مواجهة الاتقلاب العسكري، الذي دمر واحدة من أعظم محاولات الجماهير للثورة في القرن العشرين.

12- دليل بأسماء الأحزاب والتنظيمات الواردة بالنص واختصاراته

UP – الوحدة الشعبية.

MIR – الحركة الثورية لليسار.

MAPU – حركة العمل الشعبي المتحدة.

CUT – الاتحاد العام للنقابات.

MRP – حركة مدن الصفيح الثورية.

MAPUOC – حركة العمل الشعبي المتحدة – العمال والفلاحين.

 

تسعدني تعليقاتكم

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s