إعادة تشكيل الطبقة العاملة العالمية – بيفرلي سيلفر

Posted: 3 أكتوبر 2016 in مختارات سياسية, عمال وجماهير
الوسوم:, , , , ,
بيفرلي سيلفر
المصدر: مجلة رور
ترجمة: فريق الترجمة
الناشر: مدونة ما العمل؟

اعتبر النهج السائد في العلوم الاجتماعية منذ عام ١٩٨٠ أنّ الحركات العمالية والطبقية أصبحت من مخلفات الماضي. انتشر القول بأن «العولمة» أطلقت عنان المنافسة الشديدة بين العمال في جميع أنحاء العالم، وأدّت إلى انخفاض مستمر في مستوى قوّة العمال ورفاهيّتهم، كما قيل إن إعادة هيكلة خط الإنتاج، نحو: إغلاقٍ للمصانع، وإسناد الأعمال لشركاتٍ خارجية، وأتمتةٍ، وضمّ حجمٍ هائل من العمالة الرخيصة إلى الاقتصاد العالمي، عملت كلها على تقويض الطبقات عاملة العريقة في مجال الإنتاج الشامل في الدول المتقدمة، وخلق حواجز منيعة للتحرّكات العمالية الجديدة في كل مكان.

عُرفت هذه الدعوى بأطروحة «السباق إلى القاع». ولكن هذه الأطروحة لم تمكن أنصارها من فهم تصاعد الاضطرابات العمالية في العالم والتحركات الطبقية التي حدثت منذ عام ٢٠٠٨. اتخذ هذا التصاعد الحديث نماذجًا متعددة منها: موجات من الإضرابات قام بها عمال المصانع في الصين وأنحاء أخرى من آسيا، وإضرابات غير قانونية ذات روحٍ نضالية عالية في مناجم البلاتين في جنوب أفريقيا، وموجات احتلال شبابٍ عاطلين عن العمل والعاطلين جزئيًا لساحات عامة امتدّت من شمال أفريقيا وحتى الولايات المتحدة الأمريكية، وتقابلها احتجاجاتٌ مناهضة لسياسات التقشف في أوروبا. وهذه ليست سوى أمثلة قليلة على الدلائل المشيرة إلى تقلّب الأمور، فمن المرجح، بالفعل، أننا لا نزال على أعتاب انتفاضة عالمية حديثة من العمل والحراك الطبقي.

تصاعدٌ عالمي للحراك الطبقي

في سبيل فهم الأحداث المتكشّفة أمام أعيننا، نحن بحاجة إلى نهج يراعي الأوجه التي قامت من خلالها الثورات المتتالية في طرق تنظيم الإنتاج، الأمر الذي ميز تاريخ الرأسمالية، على تدمير الطبقات العاملة العتيقة، وليس ذلك وحسب، بل على تشكيل طبقات عاملة جديدة على مستوى العالم أيضًا.

مرارًا وتكرارًا، وعلى مدى العقود العديدة الماضية، مال الزاعمون بموت الطبقة العاملة والحركات العمالية إلى التركيز بقصور على جانب التدمير من عمليّة تشكّل الطبقات، ولكن إذا انتهجنا منطلق أنّ الطبقات العاملة في العالم، ومعها الحركات العمالية، تُنظّم، وتُدمّر، وتُجدَّد، مرارًا وتكرارًا، سنملك حينها ترياقًا فعال ضد هذه النزعة، التي تسود في كل وقتٍ تُدمَّر فيها طبقة عاملة معينة في التاريخ، إلى الإعلان السابق لأوانه بموت الطبقة العاملة بأكملها. فقد قِيل ذلك بشأن موت الحركة العمالية في أوائل القرن العشرين حين انبثقت طرق الإنتاج الشامل وقوِّض من استقرار العمّال الحرفيين، وتكرّر ذلك في أواخر القرن العشرين.

بتركيزنا على تشكيل، وتدمير، وتجديد الطبقات العاملة، سنكون مستعدين لترقب اندلاع نضالاتٍ جديدة، تقوم بها إما طبقاتٌ عاملة جديدة في طور التكون، أو طبقاتٌ عاملة عريقة تواجه عمليّة تدمير، أي: من يجابهون، على التوالي، جانبيّ عملية تراكم رأس المال، الخلاق منهما والتدميريّ. لقد دعوت هذين النوعين من النضالات بالاضطرابات العمّاليةماركسيّة الصنف (Marx-type)، والاضطرابات العمالية بولانية الصنف (Polanyi-type). يتكون صنف ماركس للاضطرابات العمالية من التالي: كفاح طبقات عاملة ناشئة حديثًا، يقوم فيها العمال بتحدي ومحاولة تغيير وضعهم/ن الراهن كعمالة رخيصة وسهلة الانقياد؛ أما نوع بولاني للاضطرابات العمالية فيتكون من التالي: كفاح طبقاتٍ عاملة عتيقة، دفاعًا عن سبل حياتهم/ن ومعيشتهم/ن، بما في ذلك الدفاع عن الامتيازات التي أحرزوها/أحرزنها من الطبقة الرأسمالية ومن الدولة في الموجات المبكرة من النضال.

نرى في هذه الانتفاضة الحالية كلا هذين النوعين من الاضطرابات العمالية، حيث نجد في موجة إضرابات الطبقة العاملة من المهاجرين في الصين أقرب نموذج لنوع الطبقات العاملة الواقعة طور التكون، وفي الاضطرابات المناهضة لسياسة التقشف في أوروبا أقرب نموذجٍ لنوع الطبقات العاملة العتيقة الواقعة في طور الانهيار.

النضالات في موضع الإنتاج

تعدّ موجة الإضرابات الجارية في الصين أحدث مظهر من مظاهر دينامية يمكن تلخيصها في العبارة التالية: أينما يذهب رأس المال، سرعان ما يتبعه صراعٌ عمّالي-رأسمالي. وبعبارة أخرى، أدى الانتشار الجغرافي المتعاقب للإنتاج الشامل في كافة أنحاء العالم، منذ منتصف القرن العشرين وحتى الوقت الحاضر، إلى موجات متتالية من تشكيل طبقات عاملة جديدة، ومعها اضراباتٍ عمالية ماركسيّة الصنف. يمكننا أن نرى النسق ذاته يتكرر في مشهد انتقال الطبقة الرأسمالية الصناعية إلى مواقع جغرافية جديدة، بحثًا عن عمالة أرخص وأكثر إذعانًا. وبالرغم من إضعاف قوّة العمال في المواقع التي هجرتها هذه الطبقة، كانت النتيجة، بدلًا من خلق سباقٍ مباشر إلى القاع، هي تشكيل طبقات عاملة جديدة وحركات عمالية قوية في كل موقع جديد خاص بالإنتاج تستحسنه الطبقة الرأسمالية هذه.

كانت هذه الدينامية واضحة، إذ أن «المعجزات التصنيعية» في البرازيل وجنوب أفريقيا في الستينات، وكوريا الجنوبية في السبعينات، وفي غضون جيل واحد، تلاها نشوءُ «معجزاتٍ عمّالية» فككت الأنظمة القامعة للعمال والضامنة عمالةً خاضعة ورخيصة، وذلك الأمر ذاته هو ما نشهده اليوم في الصين.

جاء رد الرأسماليين على موجة الاضطرابات في الصين بجهود ترمي إلى تحويل عملية الإنتاج إلى مواقع عمل أكثر رخصًا، فالمصانع اليوم تُنقَل من المناطق الساحلية إلى المحافظات الداخلية في الصين، وإلى الدول الأكثر فقرًا في أنحاء آسيا، مثل: فيتنام وكمبوديا وبنغلاديش. ولكن، وفي طرفة عين، أكّدت أطروحة «أينما يذهب رأس المال، يتبعه الصراع» صحّتها مجددًا مع تقارير حول اضطرابات في المواقع المفضلة الجديدة للاستثمار. ويبدو أكثر وأكثر أنه لم يعد هناك من مكان يمكن لرأس المال أن يهرب إليه.

كما جاء رد آخر من الرأسماليين، وهو تسريع التوجه طويل الأمد نحو أتمتة الإنتاج، أي أنهم يحاولون حل معضلة ضبط العمالة عن طريق إزاحة العمال من عملية الإنتاج. ومع ذلك لا تزال الاضطرابات العمالية في موضع الإنتاج تمثل عنصرًا مهمًا في صلب الاضطرابات العمالية بصورة عامة، فالاستئصال التام للعمل البشري من عملية الإنتاج لا يزال أمرًا بعيد المنال. علاوة على ذلك، زادت عملية إعادة تنظيم طرق الإنتاج الما بعد فوردية[1] من قدرة العمال على الإخلال بالنظام في موضع الإنتاج في بعض القطاعات، وذلك رغم شيوع نزعة التركيز حصرًا، في الأدبيات المنشورة، على الأساليب التي أضعفت من خلالها هذه التغييرات قوة العمّال.

على سبيل المثال: عزّز نظام الإنتاج في الوقت المحدد[2] من القدرة المُعرقِلة للعمال في موضع الإنتاج؛ وذلك عن طريق إزالة الإنتاج الاحتياطي وكافّة العمليات الاحتياطية من عملية الإنتاج. ففي قطاع صناعة السيارات، يتم إيصال قطع الغيار «في وقت المحدد» من المُورِّد إلى مصانع التجميع، أي: في الوقت الذي يحتاجها فيه المصنع. ومع إزالة الإنتاج الاحتياطي من قطع الغيار، يمكن لإضراب يوقف الإنتاج في أحد المصانع الرئيسية لقطع الغيار أن يوقف عمليات التجميع في كافة أنحاء الشركة بغضون أيام أو أقل. هذا بالضبط ما حدث في الصين في عام ٢٠١٠ حين أضرب مصنع قطع غيار سيارات، مما أدى، خلال فترة وجيزة، إلى إيقاف كافة عمليات شركة هوندا الصناعية في الصين.

وبالمثل زادت عولمة التجارة والإنتاج من القوّة التفاوضية للعمال في قطاعي النقل والاتصالات، كما أثارت الإضرابات في هذه القطاعات شبح تعطيل الاقتصادات الإقليمية والوطنية، إلى جانب سلسلة التوريد العالمية كلها. بالتالي، بينما تركز القصة الاعتيادية للانتفاضة المصرية، في فبراير من عام ٢٠١١، على الاحتجاجات في الشوارع واحتلال ميدان التحرير، لم يتنازل الرئيس حسني مبارك عن منصبه إلا عندما قام عمال قناة السويس بالإضراب، إذ أضربوا رغم كل الآثار المترتبة على التجارة الدولية والوطنية.

نضالات الشوارع

في حين أنه من الخطأ أن نستهين بالدور الحالي والمستقبلي لنضالات العمال في موضع الإنتاج، سيكون أيضًا من الخطأ الاستهانة بدور النضالات في الشوارع. يمكننا حقًا أن نشتق الطبيعة المتشابكة لموقعيّ النضال هاذين من المجلد الأول لكتاب «رأس المال».

إن ما يحدث في «المخبأ السري للإنتاج [في المصانع]»، من جهة، ركز عليه ماركس في منتصف المجلد الأول لـ«رأس المال»، حين فهرس الصراع العمالي-الرأسمالي المستوطن حول طول مدة العمل وشدته وتيرته. لا تزال طبيعة هذا الصراع المستوطنة في موضع الإنتاج ذات أهمية حتى يومنا هذا. من جهة أخرى، وضّح ماركس في الفصل الخامس والعشرين من كتاب «رأس المال» أن منطق التطور الرأسمالي لا يؤدي فقط إلى صراعات مستوطنة في مقرّات العمل، بل يؤدي أيضًا إلى صراع على المستوى المجتمعي الأوسع، إذ يتراكم رأس المال و«يتراكم البؤس» معه، وبسببه، خصوصًا على صورة توسيع الجيش الاحتياطي من العاطلين عن العمل، والعاطلين جزئيًا، والعمال ذوي الوظائف غير المستقرة.

لا تميّز الرأسمالية التاريخية، حين ننظر لها من هذا المنظور، العملية الدورية للهدم الخلاق[3] وحسب، بل يميّزها أيضًا وجود ميل طويل الأمد لتدمير سُبل العيش الحالية بوتيرة أسرع من وتيرة خلقها سبلًا جديدة. وهذا الأمر يؤدي إلى ضرورة وضع تصور لصنف ثالث من الاضطرابات العمالية، نضيفه إلى احتجاج الطبقات العاملة الواقعة في طور التكوّن، أي صنف ماركس، والواقعة في طور الانهيار، ألا وهو نوع بولاني. هذا الصنف الثالث، وهو صنفٌ لا يحمل اسمًا، متكوّن من التالي: احتجاج العمال المتجاهَلين والمستبعَدين جوهريًا بواسطة رأس المال، أي: أفراد من الطبقة العاملة لا يملكون شيئًا لبيعه سوى قوة عملهم، ولكن لا تسنح لهم الفرصة لبيعها خلال فترة حياتهم إلا نادرًا.

إن جميع هذه الأصناف الثلاثة من الاضطرابات العمالية هي نتيجة تمظهراتٍ مختلفة لعمليات التطور الرأسمالي ذاتها. كل هذه الاًصناف جليّة في التصاعد العالمي الحالي للاضطرابات الطبقية والعمّالية، حيث نرى في احتجاجات الأعداد الكبيرة من الشباب العاطلين عن العمل في جميع أنحاء العالم كمثال نموذجي على الصنف الثالث. في النهاية يتشابك بشدة مصير هذه الأنواع الثلاثة من الصراعات مع بعضها البعض.

توحيد الطبقة العاملة

ركز تفاؤل ماركس حول الأممية العمالية والقوة التحويلية للنضالات البروليتارية مستندًا جزئيًا على افتراضه أن أصناف العمال الثلاثة، المُلحَقين إلى المنظومة كعمال مأجورين في ظل المرحلة الأحدث من التوسع المادي، والمطرودين منها نتيجةً للشوط الأحدث من إعادة هيكلة النظام، والفائضين عن حاجة رأسمال، كلها من الممكن أن تجدها داخل نفس الأسر والمجتمعات من الطبقة العاملة، فقد عاشوا معًا وناضلوا معا.

بعبارة أخرى، ارتأى ماركس أن الفروقات في داخل الطبقة العاملة، بين العاملين والعاطلين عن العمل، ألا وهم الجيش النشط للعمال والجيش الاحتياطي، وبعبارة أخرى: من يملكون القدرة على فرض تعطيلات مُكلِفة لرأس المال في موضع الإنتاج ومن لا يملكون سوى القدرة على إحداث الفوضى في الشوارع، كل هذه أمور لا تتداخل مع الانقسامات الجنسية أو العرقية أو الإثنية أو الجندرية. على هذا النحو، يشكّل هؤلاء العمال، المجسّدين هذه الأصناف الثلاثة المختلفة من الاضطرابات العمالية، طبقةً عاملة واحدة يتشاركون فيها القوّة والمظالم، ويمتلكون القدرة على تحقيق رؤية ما بعد رأسمالية تعد بتحرير الطبقة العاملة العالمية بمجملها.

ولكن، وبالنظر إلى التاريخ، نجد أن الرأسمالية قد تطورت جنبًا إلى جنب مع الاستعمار والعنصرية والنظام الأبوي[4]، عبر تقسيم الطبقة العاملة على طول خطوط المراتب الاجتماعية، نحو: تقسيمات المواطنة، والعرق/الإثنية، والجندر، وصد قدرتها على إنتاج رؤية تحرّرية للطبقة العاملة ككل.

ولدينا اليوم دلائل على أن هذه التقسيمات باتت أكثر صلابة، كبروز الآراء المعادية للمهاجرين، والنزعات الزينوفوبية (المعادية للأجانب)، وبجانبها الجهود المبذولة للحد من تدفقات الهجرة وتعزيز الامتيازات القائمة على المواطنة. بينما ظهرت مؤشرات أخرى أيضًا، في عدة جوانب، على أن هذه الانقسامات آخذة بالتلاشي إن لم تكن في طريقها إلى الانهيار بالفعل، فاتحة بذلك آفاقًا على المستوى المحلي، والوطني، والدولي، لتحركاتٍ اجتماعية تجمع على نحو تضامني أنصار كل أنواع الاضطرابات العمالية الثلاثة والتي تملك القدرة على استحداث مشاريع تحولاتٍ تحررية للقرن الواحد والعشرين.

ملاحظات فريق الترجمة:

[1] الما بعد فوردية: هو النظام السائد منذ أواخر القرن العشرين، على الإنتاج والاستهلاك الاقتصادي والظواهر الاجتماعية الاقتصادية المرتبطة بها في معظم البلدان الصناعية.

[2] نظام الإنتاج في الوقت المحدد (just-in-time production): هي استراتيجية جرد البضائع لشركات التوظيف من أجل زيادة الكفاءة وتقليص عدد المخلفات عن طريق استقبال البضائع عند الحاجة إليها فقط في عملية الإنتاج.

[3] الهدم الخلاق: مصطلح اقتصادي نشأ على يد جوزيف شومبيتر الذي اعتبره «الحقيقة الجوهرية حول الرأسمالية» يشير إلى المنتج الثابت وآلية عملية الابتكار التي تشكل وحدات إنتاج جديدة، تحل محل تلك التي عفا عليها الزمن.

[4] النظام الأبوي: نظام اجتماعي يركز على العادات والتقاليد وسلطة الذكور في المجتمع. يشير سياسياَ إلى حكومة مشكلة بأكملها من الذكور، ويدل على الهيمنة الذكورية على الأنظمة الثقافية والاجتماعية.

Advertisements

تسعدني تعليقاتكم

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s