الاقتصاد الرايكالى، الاقتصاد الماركسي، واقتصاد ماركس

Posted: 1 ديسمبر 2016 in بدون تصنيف

جاين هاردى

ترجمة:-  محمد رمضان

الناشر: موقع مجتمع ديمقراطي

نشرت هذه المقالة فى مجلة international socialism ، وهى مجلة ربعية مختصة فى التحليل الماركسى والرؤى النقدية حول الاقتصاد والسياسة والاجتماع ، تصدر فى لندن ، تصدر المجلة بالتعاون مع حزب العمال الاشتراكى البريطانى .   . ويمكنكم الاطلاع على النص الأصلى للمقالة والهوامش المرفقة بها من خلال الرابط التالى :- Radical economics, Marxist economics and Marx’s economics  

والمقالة هى للبروفسير :- جاين هاردى  ، وهى أستاذة الاقتصاد السياسي في جامعة ( هيرتفورد شير ) ”  Hertfordshire ”  في لندن .
عضوة قسم بحوث الاقتصاد والاجتماع والاداره  في جامعة إنديانا بالولايات المتحدة الأمريكية .تركز عملها حول  التنمية القطاعية ، هجرة العمالة خاصة من دول شرق اوروبا ،  العلاقة بين الجندر والاقتصاد ، ودور الطبقات في التغيير الاقتصادي في دول شرق أوروبا  أيضا .

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

لقد حفزت الأزمات الاقتصادية العالمية الأخيرة –  منذ منتصف السبعينات وحتى الأزمة المالية الأخيرة في 2008-2009 – النقاشات الدائرة في أوساط الطبقة الحاكمة حول أفضل السياسات الاقتصادية لإدارة الرأسمالية ، لكن في أوساط النشطاء الاجتماعيين أخذ النقاش منحى أخر ، كان السؤال الدائر حول ماهية  “إصلاح الرأسمالية ” وإلى أي مدى يمكن أن يكون هذا الإصلاح مجدياً من أجل تدعيم نظام اجتماعي اكثر عدالة وإنسانية ؟  ، ففي منتصف السبعينات ومع نهاية حقبة الازدهار الكبرى[1] في الخمسينات والستينات قرعت أجراس الجنائز معلنة موت الاقتصاد الكينزى ، وفى 2008 جعلت الازمة الطاحنة التي كادت أن تسقط النظام الاقتصادي العالمي ، جعلت تلك الأزمة المحللين يتساءلون ويتشككون حول جدوى السياسات “النيوليبرالية ” وخاصة في قطاعي التمويل والائتمان ، ومنذ 2008 عادت أطروحات الاقتصاد الراديكالي للعمل مرة أخرى ، فسيل من المقالات والتحليلات الاقتصادية والكتب التي تنتقد الرأسمالية النيوليبرالية قد جرى في النهر ، من تلك الكتب على سبيل المثال عمل توماس بيكيتى (( رأس المال في القرن الواحد والعشرين )) .
لقد تجذرت تلك النقاشات بفضل مساهمات اقتصاديين راديكاليين وماركسيين جعلوا ينظرون لفكرة أن  الركود العظيم في 2008 (( great recession   )) سوف يتحول مع الوقت لركود أعظم ، وهذا الركود الجديد سوف يحاكى فترات ما بعد الحرب العالمية الأولى ، ومع اشارات قليلة للتحسن في المستقبل القريب يبدو أن هؤلاء يمتلكون طرحا وجيها ، هذا على الرغم من معدلات الفائدة الصفرية والحكومات التي تطبع النقود على ناق واسع عن طريق سياسات التيسير الكمي (( quantative easing  )) [2] .
هذا النقد الراديكالي  الموجة نحو النيوليبرالية دفع بالاقتصاد  ” العلم ” لأن يعبر عن كثير من السخط عن المنهجية التي يدرس بها في المدراس والجامعات ، هذا السخط بدأ عن طريق الجمعية العالمية للاقتصاد (WEA ) والمعروفة سابقا باسم حركة اقتصاد ما بعد التوحد (( Post-autistic economics movement  )) والتي أسسها طلاب في باريس عام 2000 ، وسرعان ما انتشرت في دول أخرى ، وفى 2014 كون طلاب في جامعة مانشستر جمعية  أسموها (( مجتمع إقتصاد ما قبل السقوط –post- crash economics society  )) للمطالبة بتعيين أساتذة ومحاضرين في الجامعة ممن يملكون رؤية أوسع للاقتصاد عن طريق توسعة نطاق الأفكار الخاصة به ، والاعتراضات الأساسية للمجموعتين السابقتين وغيرهم هو أن الاقتصاد الرسمي غدا مجتزءا بدرجه كبيرة ، وسار فرعا من علم الرياضيات مبتعدا عن العلوم الاجتماعية الاخرى ، مما يعزز العزلة عن الواقع التي يعيشها علم الاقتصاد الرسمي الحالي ، كما أن طبيعة البحث الاقتصادي في الجامعات غدت  أكثر حصرية ، حيث أنها تحصر مراجع معينة وتحدد عددا من الدوريات العلمية وكل  تلك المراجع والدوريات تدور في فلك النماذج الرياضية والمنفصلة كليا عن الواقع كما أنها تستبعد وترفض أى منطق أخر .
لقد عززت الأزمة المالية الاخيرة من الموقع الذى تحتله مثل تلك الخطابات النقدية  “للنيوليبرالية ” ، فلقد دافعت “النيوليبرالية” بمنطق أيدلوجى صرف كثيرا عن حرية السوق وتقليل الرقابة على الأسواق في الثمانيات والتسعينات وهو ما جعل أفكار من نوعية السوق الفعال  (( effective market hypothesis )) والتي تفترض أن لدى السوق القدرة الذاتية على تصحيح ذاته تبدو حمقاء وسطحية وعاجزة عن تفسير الأزمة الاخيرة في 2008 .

تنوعات الاقتصاد الراديكالي .

يعتبر الاقتصاد الراديكالي  بمثابة تأطير مفاهيمي  واسع لكل هؤلاء الذين يمتلكون رؤية نقدية للمدرسة النيوكلاسيكية الرسمية المعتمدة للتدريس في المدارس والجامعات ،والذى يقدم تبرير نظري للسياسات النيوليبرالية  وداعموها من المؤسسات المالية الدولة كصندوق النقد الدولي والبنك الدولي  ، وللتبسيط في هذا المقال سوف نقسم هؤلاء الاقتصاديون الراديكاليون لثلاثة مجموعات .
المجموعة الأولى :- الأكثر شعبية والاكثر مصداقية في الولايات المتحدة ، والذين قدموا تفسيرات مختلفة للرأسمالية وأزماتها وعلى رأسها هذا الكساد التضخمي لجمهور أوسع من دوائر الاقتصاد ، أمثال بول كروجمان  ، جوزيف ستيجلتز ، ومؤخرا لورانس سومر ، الذين أسماهم  جيمس جلبيرث بأنهم إعادة انتاج حديث لكينز (( modern avatars of Keynes ))     يروون أن المشكلة هي كالتى :-
” نقص الطلب الكلى الفعال ، وبالتالي الحل يكون في زيادة الإنفاق في كل من القطاع  الحكومي ، وقطاع الاعمال وقطاع الاستثمار الأجنبي وكذلك القطاع العائلي  . وتهدف هذه الحجة البسيطة إلى تقليل هستيريا الدين ومعالجة عجز الموازنة ، والتي شكلت في الفترة الأخيرة قيودا على العلاقات المحاسبية والمراكز المالية وجعلت الجميع يعيش في خوف من سوق السندات والبنوك المركزية في العالم ”  .

لقد وضح هذا جليا في المناظرة العامة الأخيرة بين سومرز والرئيس السابق للاحتياطي الفيدرالي ( بن برنانكى ) والذى يمتلك كل منهم تفسير مختلف للازمة وبالتالي حلول مختلفة ، فبينما أكد برنانكى على فعالية السوق وأن أي تدخل للحكومة يعنى نقص تدفق رأس المال العالمي وانخفاض في حركة التجارة، أكد سومرز على ما سماه ب (( secular stagnation ))أى ( الركود الائتماني )   ، والذى صاغة الكاتب في محاولة لتقدير مظاهر الضعف الاقتصادي التي أدت  للأزمة الأخيرة ومحاولا تقديم حلول مستقبلية تتمثل في إبطاء النمو السكاني وخفض التوقعات على أرباح الاستثمار الخاص ، وهذا الحل هو روشته كينزية تقليدية من أجل تشجيع الحكومات على الاستثمار في الاقتصاد ( البنية التحتية على سبيل المثال ) من أجل حفز الطلب الكلى .
قام كل من كروجمان وستيجلتز وسومرز  بتأليف العديد من الكتب ونشرا  الكثير من المقالات منتقدين فيها سياسات التقشف ، وانعدام الرقابة على الأسواق ، وعلى الرغم من ذلك وبالرجوع لمنشوراتهم قبل 1990 تجد أنهم جميعا أتوا من خلفيات اقتصادية مدرسية ، لكنهم تبنوا ما أسموه اقتصاد ما بعد كينز ، والذى سوف نتعرض له لاحقا .

المجموعة الثانية من الاقتصاديين الراديكاليين هم هؤلاء الذين يأخذون مواقف أكثر انتقائية فيما يتعلق بأزمة الرأسمالية والكساد التضخمي ،  على سبيل المثال  روبرت شيلر ( الحائز  على جائزة نوبل في الاقتصاد عام 2013 عن كتابة  “وفرة لاعقلانية “) والذى يولى أهمية كبرى لعوامل نفسية وثقافية في شرح ميكانيكية التحول السيئ للأسواق وتولد الفقاعات في أسواق الأسهم وأسواق الملكية على حد سواء . فشيلر يرى أن التفاعل الناتج عن الانتصار الرأسمالي فيما تلى سقوط الاتحاد السوفيتي  ، وقواعد تقديس السوق بعقلية الاعلام والقطيع ، والتي أثرت على عقلية المستثمرين هي المسبب الأكبر للازمة .
جيمس جلبيرث ( الذى نصح يانس فورفاكيس حينما كان وزيرا للمالية في اليونان ) يوضح أن التركيز على ان المشكلة هي نقص الطلب الكلى هو بمثابة ” تبسيط مخل ” للازمة ، ويقدم جلبيرث أربعة عقبات تحول دون النمو والاستقرار الاقتصادي وهى التشكك في أسواق الطاقة والتكاليف العالية فيها ، تصاعد المنافسة مع الاقتصاديات النامية وخاصة الصين ، استراتيجيات تقليل العمالة والاستعاضة عنها بالتكنلوجيا ، وايضا انتهاء عصر أن تكون أسواق المال هي قاطرة للنمو الاقتصادي .  في المملكة المتحدة نجد  ( ها جون شانج ) وهو اقتصادي راديكالي يقول عن نفسة أنه اقتصادي انتقائي بحيث أنه ينقب في النظريات الاقتصادية بمنطق نفعى بحت ولكنه في العام داعم أساسي لتدخل الحكومة في السوق .

المجموعة الثالثة :- ” إقتصاديو مابعد كينز” ، منخرطين بشكل أكبر في الاطار الأكاديمي أكثر منه في الدوائر السياسية وأقل شهرة من سابقيهم ، لكنهم في غاية الأهمية لأن أفكارهم وأطروحاتهم تعتبر بمثابة الحجر الذى ترتكز علية الديمقراطية الاجتماعية ، وهناك ثلاث أجيال منهم ، الأول هو جيل مدرسة كامبريدج للاقتصاد والذين عاصروا كينز لفترة ما ، والأكثر شهرة فيهم هو جوان روبنسون وأيضا مايكل كيلاكى وتوماس بلاف  ، يقدم هؤلاء طرح أكثر راديكالية من كينز مع الاستعانة بإشارات من ماركس .
الجيل الثانى من ” إقتصاديو ما بعد الكينزية ”   يشمل  اكاديميين على غرار (( فيليب ارستيس ، مالكوم سواير ، جان توبروفسكى ) هم جميعا في المملكة المتحدة ، ويركزون على استكمال ما بدأه كينز من أطروحات حول سوء التوزيع  ، والتمويل ، وفى الولايات المتحدة أيضا هناك ( هايمن مينسكى )  الذى يركز أطروحاته حول الاضطرابات الحالية في الرأسمالية . وهناك جيل حديث من ” إقتصاديو ما بعد الكينزية ” تركزت أعمالهم على تحليل أسباب الأزمة الأخيرة في 2008 مع ربطهم هذا التحليل بالأصول الرأسمالية الأخرى مثل سوء التوزيع و الأمولة . وسوف نستعرض معظم هذه الافكار لاحقا في هذا المقال  .
نتيجة للسخط الزائد على الطريقة الرسمية في تدريس الاقتصاد في الجامعات ،والأزمات المتتالية للنيوليبرالية ، فتح ذلك الباب للاقتصاديين الراديكاليين من أجل تطوير وإعادة إنتاج الأطروحات الكينزية ، جادل هؤلاء الاقتصاديون في أطروحات ظلت المدرسة النيوكلاسيكية تروج لها بروح الاعتياد  اليومي ، على غرار تقليل الرقابة على البنوك والقطاع المالي ، وايضا جادلوا أن التقشف ليس فقط يضيف اعباءاً على الطبقة العاملة لكن أيضا يمنع تعافى الرأسمالية ، لم تكن الجدالات السابقة ثورية لحد كبير ، لكنها في الوقت ذاته دفعت بتساؤلات كثيرة نحو السطح ، خاصة تلك المتعلقة بالأمولة [3]وسوق توزيع الثروة في الرأسمالية ، وأيضا السؤال الكبير حول إمكانية إصلاح الرأسمالية وجدوى هذا الاصلاح ؟ .

على الرغم من ان هدف المقالة هو توضيح لأهم الأفكار التي طرحها الاقتصاد الراديكالي منذ الأزمة المالية الأخيرة في 2008 ، لا يجب علينا أن نجتزأ تلك الأفكار من سياقها التاريخي  ، وهناك اطروحتان ماركسيتان حول الاقتصاد البرجوازي من بعد 2008 الأولى تخص ( كريس هارمان ) ومقالة في هذه المجلة تحت عنوان (( أزمة  الاقتصاد البرجوازي )) والذى يتعقب فية هارمان التغيرات والانتقادات في كل من الكينزية  والنيوكلاسيكية فيما تلى الأزمة المالية الاخيرة ، والأطروحة الثانية هى في كتاب ( جيوفر ىبيلنج ) المعنون ب ( أزمة الاقتصاد الكينزى ) وهو رؤية ماركسية واضحة للتأريخ للكينزية ودورها في إدارة رأسمالية ما بعد الحرب العالمية الثانية .

الاقتصاد البورجوازى قبل كينز .

قبل كينز سيطرت أفكار المدرسة النيوكلاسيكية ( الحدية ) والتى ترسخت أطروحاتها فى سبعينات وثمانينات القرن التاسع عشر (( 1870 – 1880 )) ، الاقتصاديون قبل ذلك كانوا متأثرين بشكل كبير بأطروحات القرن الثامن عشر الاقتصادية عند ( أدم سميث وديفيد ريكاردو ) والتي كانت تتركز حول الأسئلة الكبرى في الاقتصاد على غرار كيف يمكن أن ينمو الاقتصاد ؟! وكيف يتم توزيع فائض الانتاج بين الطبقة الرأسمالية وطبقة ملاك الأراضي ؟ لقد رأؤا أهمية كبيرة للبحث في مثل تلك الموضوعات وتأطير هذا البحث ، لكن ( النيوكلاسيكيين ) كسروا هذا الطوق الذى وضعة ( الكلاسيكين ) حول ماهية الاقتصاد كما يوضح كريس هارمان
(( ما كان يهمهم ليس كيفية خلق الثروة وتوزيعها بين الطبقات المختلفة لكن إيضاح أن الأسعار التى تتعدل ذاتيا بفعل السوق وبدون تدخل واعى من الانسان هى وحدها القادرة على إدراة الاقتصاد بكفائة كبيرة لمدة أطول . لذلك تخلى هؤلاء عن النظرة القديمة لقانون القيمة مع التركيز على عوامل الانتاج مثل عنصر العمل ))

هذه المدرسة النيوكلاسيكية شكلت حجر الأساس في الاقتصاد الرسمي الى سيطر على المدارس والجامعات طيلة القرون الماضية ، فالأفراد يقيسون القيمة الموضوعية للأشياء بمقدار ما رضاهم عن السلع والخدمات المقدمة لهم ( قانون المنفعة ) ، ومع الأخذ في الحسبان تكلفة العمالة ورأس المال قرر الرأسماليون تعديل عرض السلع حسب السعر ، فالعرض والطلب وتقاطعهما معا في نقطة التعادل هو ما يحدد ذلك ،ولو أن مزاج المشترين تعدل فمنحنى العرض والطلب سوف ينحرف لتكوين نقطة تعادل جديدة .
التوظيف والعمالة يتم التعامل معهم بنفس الطريقة التي نتعامل بها مع البرتقال والتفاح في السوق الشعبي ، فلو أن العمال طالبوا بأجور أعلى  ( من نقطة التعادل ) فسوف يتم توظيف عدد أقل ، مما يخلق مشكلة بطالة . وسوف يضطر العمال  للقبول بأجور أقل في المستقبل ( من نقطة التعادل ) مما سوف يؤدى للتوظيف الكامل ، كل هذا يخضع لقانون السوق says law )) )) ،  القانون الذى ينص على أن الأجور والأرباح التي تدفع في عملية الانتاج تساوى الطلب الكلى على السلعة المراد إنتاجها . والتي بالضرورة لابد أن تباع ، بالتالي فالإنتاج ما هو إلا عملية استجابة للطلب وبالتالي  فالإنتاج الكلى هو استجابة للطلب الكلى ، وبالنسبة لقانون السوق ليس هناك مجال لتدخلات خارجية من عنصر العمل عن طريق نقابات عمالية من أجل الضغط لزيادة الاجور .
المنطق الحاكم عن النيوكلاسكيين هو أن نظام السوق  هو أفضل ما يمكن تقديمة لإدارة الاقتصاد ، لأنه يقدم الطريقة الأفضل لتوزيع الموارد بين الفاعلين الاقتصاديين وبالتالي الطريقة المثلى لعملية الإنتاج ككل  ، وبالنسبة للمدافعين عن (حرية السوق ) مثل فريدرك فون هايك ولودفيج فون ميس وميلتون فرديمان لم تكن تلك الحرية الاقتصادية سوى تعبير عن نظيراتها السياسية ( الديمقراطية ) والتي يصوت بها البائعون عبر أموالهم من أجل ميكانيكية تحديد السعر في السوق .
هذا الفهم السطحي المتعالي للسوق هو حجر الأساس في الفكر النيوليبرالى فتحت شعار حرية المستهلكين يتم تقديم التبريرات العديدة للأسوقة ( marketization ) والخصخصة وما يسمونه مرونة سوق العمل  ، فقد جادل  الاقتصاديون النيوليبراليون كثيرا أن السوق هو كيان إدماجي اعتباطي قادر على إصلاح ذاته  في سبيل تحقيق مصالح المنتجين والمستهلكون على حد سواء ، وأهمل هؤلاء عوامل أخرى مثل التوزيعه الطبقية وسوء توزيع الثروة وقوة الشركات الكبرى في الاقتصاد  ، فالتأكيد على الادارة الذاتية والرقابة الذاتية للسوق بعيدا عن الدولة ظل أساسيا في الأيدولوجيا النيوليبرالية .

إسهام كينز الثورى .

في كتابة ( النظرية العامة للشغل والفائدة النقود ) والذى نشر في العام 1936 يهاجم كينز بشدة الأرثوذوكسية النيوكلاسيكية ( neoclassical orthodoxy ) في التعامل مع سوق العمالة  ، والذى كان يمثل في لجوئهم لاقتطاعات من الأجور في الكساد الكبير ، لقد تحدى(  قانون  سايس ” says law  ” ) والذى يقول بضرورة تقليل الأجور من أجل تخفيض معدلات البطالة ، أشار كينز أن الناس قد يلجئوا لادخار النقود بدون إنفاقها أو استثمارها ، وهذا سوف يجعل الشركات غير قادرة على بيع السلع وبالتالي على إنتاج أخرى ، أيضا أشار أن معدل الاستثمار يرتبط بمدى الربح المتوقع من العملية الاستثمارية التي ينتظرها الرأسمالي ، لقد أكد  كينز على الغريزة الحيوانية ( animal spirits  ) فعندما تنخفض التوقعات على الربح المستقبلي ، بالتالي لن يحدث الاستثمار ، وبالتالي فاقتطاعات الأجور لن تعيد معدلات التوظيف الكاملة لأن العمال حينها لن يملكوا المال الازم لتمويل الانفاق العائلي . هذا بالتراتب سوف يقود لانخفاض الطلب في الاقتصاد ككل ، وايضا سوف يقود لأن يفقد المزيد من العمال وظائفهم ، وهو ما يعنى أن التأثير المزدوج ( multiplier effect )  ) سوف يعمل بشكل عكسي ، هذا سوف يترك الاقتصاد  – نظرياً-  فى نقطة تعادل مع معدلات عالية من البطالة .

لذلك كان كينز ناقدا شديدا على المنطق الخاص بالنخب الحاكمة والقائل بأن السوق الحرة من الممكن أن تحل كل المشاكل الاقتصادية ومنها البطالة ،  دافع كينز عن تدخل الحكومة في سوق المال من أجل تعديل  معدلات الفائدة ، مما سوف يشجع الناس على الادخار بنسبة اقل والاستثمار بنسبة أعلى ، وايضا من الممكن أن تستثمر الحكومة استثمارا مباشرا من خلال إدارة عجر الموازنة والذى سوف يكون له تأثير إيجابي حيث يدفع الكثير من العمال للإنفاق على منتوجات وسلع قام بإنتاجها عمال أخرون .
ولكن على الرغم من أن أفكار كينز بدت ثورية ومخترقة لحد كبير للطرح الأرثوذوكسى الاقتصادى السائد في عصرة ، فقد كان بعيدا كل البعد على أن يكون اشتراكيا . كينز ذاته لم يكن متعاطفا مع ماركس وكان على جهل تام بأطروحاته ، فالماركسية في بدايات الثلاثينات من القرن الماضي جذبت كثر من الطلاب الجامعيين وكانت مهمه كينز هى إنقاذ هؤلاء الطلاب من ” براثن الماركسية السخيفة المعقدة “ على حد تعبيره  ، لقد كان يقول لطلابه ايضا أن الماركسية ما هي إلا محاولة لرفع البروليتاريا فوق الطبقة البرجوزاية الأذكى والأقدر على تسيير شئون البشرية . لقد وقف أيضا بجانب الليبراليين ضد حزب العمال وعلى حد تعبيره ( أنا لا أقف مع حزب طبقى  وخاصة إذا لم تكن تلك الطبقة الاجتماعية هى الطبقة التي أنتمى إليها  ، فعند حدوث الصراع الطبقي سوف تجدونني دائما بجانب البرجوازية ) .

الكينزية وطفرة ما بعد الحرب .

التأثير على المنظومة الفكرية للديمقراطية الاجتماعية .
بالرغم من ان كينز لم يكن إشتراكيا الا أنه كان صاحب أثر أكبر  على التفكير الاشتراكي فيما بعد الحرب من أي اقتصادي أخر ، لقد أثرت أفكاره على قطاعات كبيرة من اليسار الانجليزى في الخمسينات والستينات ، بالأخص حزب العمال وكتاب على غرار أنتونى كروسلاند وجون ستارتشى  الذى جادل بأن :-

” من السهل أن نرى الإرتباط الوثيق بين الكينزية والفكر الراديكالى ، فالدفاع الحاد عن الملكية الفردية  ، بالتلازم مع دعوة لاستثمار اجتماعي سوف يوفر الكثير من رأس المال  العام، بينما يستمر رأس المال الخاص في النمو ، وبالتالي سوف تتهاوى ادعاءات رأس المال الريعى . ”  

بالتالى في  هذا العالم الكينزى  ” اليوتيوبى ”  سوف يقود تطبيق أطروحات كينز للحد من سوء التوزيع الجمعي للثروة ( كينز ذاتة كان مع إعادة التوزيع عن طريق فرض الضرائب وتحفيز الاستهلاك ) . أيضا لن يوجد ربح لرأس المال غير المنتج( القطاع المالي مثلا) وسوف تكون دائما معدلات التشغيل أقرب للتوظيف الكامل عن طريق استثمارات القطاع العام ، مع ذلك سوف يبقى رأس المال الغير مراقب يسبب أزمات من الحين لآخر لكن الدولة في مقدروها الحفاظ على تلك الأزمات من التمدد نحو مساحات اقتصادية  واجتماعية  اسوأ .
ما أطلق عليه ( الكينزية ) سيطر على المجال الاكاديمي في المدرسية الاقتصادية بدءا من الخمسينات وحتى بدايات السبعينات ، ويبقى الافتراض الأساسي للكينزية ان الحكومة من الممكن أن تتدخل في الاقتصاد من أجل تحفيز الطلب الكلى عن طريق فرض الضرائب وزيادة الانفاق الحكومي ، أصبح الاقتصاديون أكثر ميلا للتقنية الشديدة في التعامل مع الأدوات الكلية للاقتصاد والتي يمكن من خلالها الإدارة الكلية للرأسمالية . في الجزء التالي من المقال سوف نناقش الاشكالية الواقعية لتلك الأطروحات الكينزية ، محاولين بيان إذا كانت طبقت كما دافع كينز عنها أم لا !

هل كانت الكينزية وراء الازدهار الطويل ( long boom  ) ؟

الاعتقاد الراسخ بأن أفكار كينز كانت المحرك الاول لعقود الازدهار الاقتصادي فيما بعد الحرب مقبول من الجميع بما فيهم الماركسيين  ، وكما يشير كريس هارمان :-
( لقد قدم ديفيد هارفى صورة للرأسمالية التى تتوسع عن طريق المساومة الخلاقة بين العمل ورأس المال ، والتي من خلالها تستطيع الحكومة التركيز على التوظيف الكامل والنمو الاقتصادي ورفاهية المواطنين في توازى  السياسات المالية والنقدية التي تعمل على الحفاظ على الدورة الاقتصادية في المتناول ، والتأكد من التوظيف الكامل ) .

مؤخرا كما يشير هارمان فإن الحقيقة المؤكدة عن تلك الفترة التى سيطرت فيها الأيدلوجيا الكينزية الرسمية على الاقتصاد ، كانت تلك الحقيقة تتمحور حول السيطرة على حدود الازمة التي تنتجها الرأسمالية ، ولكن لم يكن المديرون التنفيذيون للشركات يمتلكون هذا الحماس نحو الكينزية ، فقد حاربوا كثيرا تلك الأطروحات الكينزية حول الارتفاع بمستوى الاجور والا رتقاء بالمستوى المعيشي للعمال ، كانوا دائما يقدمون أطروحات بديلة عن ربط الاجر بالإنتاج . لقد كانت معدلات الربحية العالية فيما تلى الحرب العالمية الثانية هي التي دفعت الرأسمالية لزياده معدل الاستثمار ، في الولايات المتحدة مع تصاعد الانفاق العسكري فيما بعد الحرب كانت السياسات المالية هي ما يجعل الأمر في نصابة السليم ، وأثناء الحرب العالمية الثانية خسر رأسمال العالمي ما قيمته الخمس من مقدار ما كان علية قبل الحرب ،وفى الدول المهزومة ( ألمانيا- اليابان ) كانت نسبة الخسارة أعلى ، وعلى الرغم من أن الانفاق العسكري ليس محفزا مقبولا  في الكينزية كما يقول (هارمان) ، الذى ينطلق من نقطة ان الانفاق الزائد على الجيوش ليس مبررا جيدا لأزمة الرأسمالية ، لكن على المدى الطويل فإن هذا الاقتصاد الحربى يقلل من الموارد المالية التي يمكن استخدامها في الاستثمار في تراكم رأسمالي أوسع ، لذلك فهو يقلل على ناحية أخرى من الاستثمار التكنولوجي الذى يبطئ من عملية التحول نحو ( الأتمته)[4] الكاملة لقوى العمل واستبدال العمال بالألات وهو ما يطلق علية ( مركب رأس المال العضوى ” (the organic composition of capital) ، ومن ثم يقلل معدل الربح وهو ما سنناقشه تفصيلا في  جزء قادم من المقال .

نهاية الإجماع الكينزى وبزوغ نجم النيوليبرالية . 


في 1976 والذى – نظريا – هو العام الذى كانت فيه الرأسمالية تدار من قبل حكومات عمالية أو محافظة لا يوجد فرق كبير في طريقتهم في الادارة ، وبالتالي لم يعد يجدى هذا التماهي الأيدلوجى  . فمع  صعود الكساد التضخمي ( stagflation  ) والذى يتميز بمعدلات تضخم وبطالة مرتفعين بدا هذا بمثابة دق ناقوس الجنازة الكينزية  والذى شرعت حكومات اليمين واليسار على المشاركة فيها . كانت الساحة مفتوحة للاقتصادين الذين يروون في السوق الحل  .
على الرغم من أن موت الكينزية عادة ما ينسب لمارجريت تاتشر لكن جيمس كاليجان ( رئيس حزب العمال البريطاني ورئيس الحكومة لاحقا ) صرح في العام 1976 في المؤتمر العام للحزب بانه
لقد اعتدنا التفكير في انه يمكننا ان نحفر طريقا للخروج من الكساد الاقتصادي وزيادة معدلات التوظيف عبر الضرائب الحكومية وزيادة الانفاق الحكومى ، لكن بصراحة شديدة لم يعد هذا الخيار موجودا وأعتقد أنه كان خطأ من البداية، لقد وجد هذا الخيار فقط في الاوقات العصيبة حيث كان يمكن أن نحقن الاقتصاد بجرعات زائدة من التضخم متبوعة بمعدلات توظيف عالية كخطوة تالية .. لكن لم يعد هذا موجودا الآن ”  .
الربط بين السياسات النقدية ( تقليل عرض النقود لخفض معدلات التضخم )  وسياسات سوقية أخرى مثل الخصخصة واسواق العمالة المرنة تم دمجها لاحقا في الاقتصاد بحماسة شديدة وتنظيم شديد من قبل مارجريت تاتشر في 1979 ، تنسبت تلك السياسات للنيوكلاسيكيين وأصحاب المدرسة النمساوية للاقتصاد أمثال ( فريدرك فون هايك ، لودفيج فون ميس ) ، فباعتمادهم على الفردانية الشديدة وجه هؤلاء انتقادات عنيفة للكينزية ، لاحقا جادل ( ميلتون فريدمان ) أنه حتى أدنى تدخل من الدولة في الاقتصاد سوف يعمل على تشوية الاشارات السوقية للاقتصاد ، وبالنسبة لفرديمان فإن السوق هى أداه تصلح ذاتها وتعالج أخطاؤها ذاتيا ما لم يتم التدخل فيه ، وهذا أثر كثيرا على تاتشر في تبينيها لآراء المدرسة النقدية والتي دفعت لزيادة اسعار الفائدة لمعدلات غير مسبوقة مما جعل الصناعة البريطانية غير قادرة على المنافسة على الصعيد العالمي وساهمت في تدميرها على المدى الطويل .

الاقتصاد الراديكالى من 1945 وحتى 2008 .

عدد كبير من الاقتصاديين أبرزهم ( جوان روبنسون ) من جامعة كامبرديج جادلوا في أن الكينزية التى صعدت بعد الحرب العالمية الثانية لم تكن هى الوجه الحقيقى للكينزية  ووصفت هذا الوجه على سبيل السخرية ( كينزية الأوغاد ” bastard Keynesianism ”   ) ،  يتمحور طرحهم حول استخدام الأدوات والمنهج الكينزى من اجل الحفاظ على النظام الرأسمالي  فيما تلى الحرب ، وقد أخفى ذلك الوجه المشوه من الكينزية  – على حد تعبيرها – الروح الثورية الحقيقة في النظرية الكينزية الحقيقية . وصفت ذلك بانه (زواج بين الكينزية وبين النيوكلاسيكية المفلسة والذى حولت الكينزية لمجموعة من التبريرات )  .
أيضا الاقتصادى الأمريكى ( هايمان مينسكى ) قال  عن النظرية العامة الكينزية :-
إن هذا العمل يحتوى على بذور عميقة لثورة ثقافية في المجال الاقتصادي ونظرة الاقتصاديين نحو المجمع ، لكن تلك البذور لم تؤتى ثمارها . هذه الثورة العلمية وأدت في مهدها عندما تم تحويل أفكارها للرطانة الأكاديمية التي استخدمت في التبرير لصناع السياسة العامة ” .

روبنسون ومينسكى وغيرهم من إقتصاديو ما بعد الكينزية كانوا ناقدين للأفكار في الكتب الأكاديمية الاقتصادية التي تتعامل مع الاقتصاد باعتباره ماكينة تدار بقوانين حتمية ، باعتبار الشفافية فقط في السوق هي القادرة على تحديد مدى استقراره ومدى قدرة الاقتصاديين على التوقع بناءا على تجارب سابقة . فلو أن عامل اقتصادي واحد توقف عن التدفق بنسب معقولة ( على سبيل المثال الاستهلاك الشخصي ) فإن هذا النقص يمكن تعويضه عن طريق تدخل الحكومة ومراقبة هذا العامل من خلال تحكمها في مستويات الضرائب والانفاق الحكومي . هناك أيضا علاقة ثابتة بين الانفاق الحكومي وبين الدخل ( وبالتبعية التوظيف الكامل ) ، ومن خلال الحشد المناسب لتلك العوامل المتدفقة في الاقتصاد يمكن الحصول على معدلات تشغيل عالية تتناسب مع الأهداف السياسية .
لقد أطلق ( توماس بلاف ) على هذا اسم ( الكينزية الهيدروليكية ” hydraulic Keynesianism ” )  حيث كتب :-
” صرح نظري ضخم قد تم تشييده، هذا الصرح مرتبط بالنظرية النيوكلاسيكية عن تناغم السوق ويساهم بقدر ما في توزيع الدخل ، فالتفاؤل القديم حول أن السوق مجردا من التدخل هو الأفضل للرأسمالية لم يعد موجودا ، فالرؤية الكلاسيكية لميكانيكية السوق حيث يتم الحفاظ على معدلات عالية من التشغيل مع توزيع متكافئ للمصادر تم استبدالها بثنائية ميكانيكية أخرى تعتمد على الاحتياطي الفيدرالي والبنوك المركزية ، هذا النظام الجديد المتسق ذاتيا تم دفعة للوجود بواسطة الفكرة القائلة بأنه يمكن للسياسيين أن يختاروا – في ظل معدلات جيدة من البطالة المنخفضة-   نموذج اقتصادى من مجموعة نماذج يقدمها لهم اقتصاديون قياسيون [5]  ، ويعبر هذا المعدل المريح من البطالة عن مدى رفاهية المجتمع طالما يمكن الحفاظ على معدلات التضخم في مستوى منخفض ” .
هذه  التناقضات انعكست على أطروحات إقتصاديو ما بعد الكينزية ، والذين انتقدوا بشدة التأويل الدوجمائى  في الكتب الأكاديمية للنظرية الكينزية ، وعلى الرغم من أن كينز نفسة قد أتاح هذا التأويل الدوجمائى عن طريق تصنيف أعماله  واحتسابها على نسخة الحديين من الاقتصاد ( الاقتصاد النيوكلاسيكى ) بدلا من احتسابها على نظرية القيمة عند ريكاردو أو ماركس . تجادل ( جوان روبنسون ) بأن التأويل الصحيح للنظرية الكينزية  يتبع  التقليد الكلاسيكي  في الاقتصاد مثل  اطروحات أدم سميث وديفيد ريكاردو لأنه يهتم بالمؤشرات الجمعية للاقتصاد  مثل الطلب الكلى والتشغيل الكلى ، وليس تلك النظرة الضيقة  للنيوكلاسيكين التي تتمحور حول اختيارات الأفراد في السوق .
ما بعد الكينزية قد تطورت كصرح كبير ومتنامي في الاقتصاد البورجوازي المعاصر ، فمنذ السبعينات ومع الموجة الاولى لاقتصاديو ما بعد الكينزية ( الذين كانوا معاصرون لكينز ) تطورت تلك الأطروحات عن طريق الجيل الثاني من الاقتصاديين ما بعد الكينزيين . وكلا الجيلين أقل رفضا لأطروحات ماركس من كينز بل أنهم أدمجوا بعض من أفكاره في اطروحاتهم . رغم الانقسام الداخلي  في الآراء  وتبنيهم منظورات فكرية مختلفة فإنهم يجتمعون على انهم يدفعوا في إجاه تعزيز التقليد الراديكالى في الاقتصاد الذى يربط التحليل الاقتصادي بالمشكلات الاقتصادية الواقعية . فالأفكار الى تصنف على أنها ما بعد كينزية لها تاريخ طويل ، وتلك الأطروحات تعكس التقليد الكلاسيكى في أعمال ماركس وكينز ومايكل كلايكى .
تتمحور المبادئ الرئيسية فيما بعد الكينزية فى

أولا :- الوضع الافتراضي للاقتصاد ليس التعادل ، لكن الاقتصاد هو ديناميكي متحرك من نقطة لأخرى من ( عدم التعادل ) .

ثانيا :- الاقتصاد النيوكلاسيكى يتم بناءه حول فرضية ( الرشد والعقلانية فى السوق ) والذى يمكن خلالها التنبؤ بحركية السوق وفصل سياقات تاريخية أخرى هامة مثل التنشئة الاجتماعية للأفراد . بالنسبة لما بعد الكينزيين فإن اتخاذ القرار في جو مشبع بانعدام الحتمية العقلانية هو أمر أساسي وأيضا ومعبر بشكل كبير عن الواقع الاجتماعى والاقتصادى للأفراد في السوق كما للمؤسسات والهياكل الاجتماعية والاقتصادية الأخرى .

ثالثا :- نقد صريح موجه للتحليل الاقتصادى النيوكلاسيكى للأسواق ، ويجادلون أن قانون الطلب لا ينطبق على المستويات الصغرى للاقتصاد بدرجة كاملة لذا لا يمكن بناء الطرح القائل بأن الخاص يعرف العام أو أن الاقتصاد الجزئي يفيد في تحليلات الاقتصاد الكلى  انطلاقا من تلك النقطة .

 رابعا:-  بينما يفترض النيوكلاسيكيون أن المال هو عامل محايد ، يفترض ما بعد الكينزيون أن المال والدين يقودون لتغييرات عميقة في التشغيل ومن ثم فالحياد هو وهم نيوكلاسيكى .

خامسا :- أولوية الطلب الكلى وخاصة الطلب الكلى على الاستثمار والذى يعمل كعامل أساسي في حالة الركود التضخمي . لذلك يجب أن تتدخل الحكومات في اوقات الركود الاقتصادي للتأكد من رفع الانفاق ( الاستثمار الحكومي ) .
علاوة على ذلك ، يجادل ( فيليب ارستيس ) أن ( ما بعد الكينزية ) لها أساس راديكالي لأنه على  حد تعبيره :-
نقطة هامة للتفريق بين الطبقات الاجتماعية بالمفهوم الماركسي وبين الطبقات الاجتماعية بالمفهوم النيوكلاسيكى الضيق ، لذلك فالعلاقات الاجتماعية هنا أساسية من أجل بناء التحليل الاقتصادي ، يبدو هذا التوجه متجذر بشكل أكبر في التقليد الماركسى حيث تلعب نماذج إعادة الانتاج دور أكبر ، وهو ما يعطى التحليل ( ما بعد الكينزى ) بعد واقعيا في التعامل مع المشكلة الاقتصادية ” .

ولكن رغم تبنيهم لمفهوم الطبقة والعدالة الاجتماعية تبدو ما بعد الكينزية مختلفة عن الماركسية من حيث تبنيهم للطرح القائل بأن الدولة كيان محايد احتمالي من الممكن أن يعمل من أجل مصالح الطبقة العاملة ، فعنصري ( العمل ورأس المال ) ليسوا متناقضين وبالتالي يمكن توفيق المصالح بين الاثنان من أجل الصالح العام .

الاقتصاد الراديكالى فيما بعد أزمة 2008 .

دفعت الازمة الاقتصادية في 2008 أصوات كثيرة لأن تعلو منتقده بشيء من الراديكالية التوجة النيوليبرالى للنيوكلاسيكية الاقتصادية ، فاقتصاديون مشهورون مثل ( بول كروجمان– وجوزيف ستيجليز ) قدموا انتقادات حادة لحكومة الولايات المتحدة واعتبروها مسئولا أساسيا عن الأزمة ومن ثم تحميل أعباء التقشف للشعب الأمريكي ( تجدر هنا الاشارة أن بعض الاقتصاديين اليمينين ارتفعت أصواتهم بأن الحكومة الأمريكية مسئولة أيضا وأن تحميل المشكلة على عاتق السوق وحدة هو شيء من عدم الانصاف ) .
فيما سبق من المقالة يمكن أن نستنتج أن النقاشات والجدال الحاد في الاقتصاد الراديكالى ، من وجهة نظر ما بعد الكينزية وأيضا من وجهة نظر الماركسيين الذين يرفضون تدنى معدلات الربحية أو يتغاضون عن ذلك ، فمن الصعوبة أن نقيم خطوطا فاصلة بين مكونات مختلفة ومتفاعلة مع بعضها بشكل كبير ، ومن هنا ومن أجل الوصول لنتيجة للنقاش يمكن أن نقيم خطوطا أو استنتاجات منطقية لتصنيف ثلاثة أنماط من التفكير هيمنت على الاقتصاد الراديكالي والاهم أنها هيمنت على التفكير التقدمي والمؤسسات المعادية للتقشف مثل ( الجمعية  الشعبية لمناهضة  التقشف )( People’s Assembly against Austerity ) .

اولا :-  كان هناك تركيز كبير على  “الأمولة”  وليس هذا مفاجئا من حيث أن العديد من الكوارث الاقتصادية الأخيرة نتجت عن غياب الرقابة على القطاع المالي  وتدفق الأدوات المالية الغير ضرورية للاقتصاد .

ثانيا :-  تنامى الحضور الكبير لقضايا اقتصادية اجتماعية مثل انعدام المساواة وسوء توزيع الثروة ، أخذت تلك القضايا اهتماما بالغاً سواء من قبيل أنها سيئة من أجل الرأسمالية أو من قبيل أنها تقبع وراء أزمات اعمق للرأسمالية الحديثة . . ثالثا :-  كل من ما بعد الكينزيون  وبعض الماركسيين قاموا بتطوير طرح مفاده أن الأزمات الحالية للرأسمالية هى نتيجة تفاعل مركب بين سوء توزيع الثروة والأمولة .

الأمولة ( Financialisation  ) .


قدمت ( ما بعد الكينزية ) طرحا مفاده أن الأمولة هي سبب رئيسي للأزمات الاقتصادية ،وتبنى بعض الماركسيين هذا الطرح أيضا ، ,أيضا اقتصاديون أخرون من خارج المعسكرين يمتلكون نفس وجهة النظر حول طبيعة الأزمات والأسباب الدافعة لها .
مصطلح ( الأمولة ) يستخدم لتلخيص التغييرات الأخيرة في العلاقة بين القطاع المالي والإنتاجي للاقتصاد ، تشمل الأمولة عدة ظواهر متنوعة في الاقتصاد مثل ( قيمة حملة الأسهم ) ،الدين العائلي المتزايد ، زيادة الدخل من العمليات المالية ، حركية رأس المال المتزايدة ، جدوى وأهمية الادوات المالية الجديدة مثل ( المشتقات ، والتسنيد المالي ) ، بشكل أوسع يشير المصطلح للألية التي يتم بها جر الطبقة العاملة شيئا فشيء نحو القطاع المالي من خلال أليات الرهون العقارية  ، والقروض ، واستثمارات في أموال التقاعد . بكلمات ( كوستاس لابافيتاس ) فإن المصطلح ” يشير لتصاعد دور القطاع المالي ، والأهم هو هذا الاختراق القطاع المالي لكل ركن وزاوية من المجتمع ، ويشمل هذا الاختراق قطاعات الاسكان ، والتعليم ، والصحة .. والتي كانت في الماضي القريب محصنة ضد هذا الاختراق المالي . ”
تلك التطورات المالية التي دفعت بالرأسمالية لمرحلة تاريخية جديدة في طور حياتها ، وهى الرأسمالية المالية والتي جعلت التمويل يسيطر بشكل كبير على التراكم الرأسمالي وألياته المختلفة   .
لا يبدو أن تلك الأفكار جديدة ، فنظريا تمتد تلك الأفكار لأطروحات ( رودلف هيفردينج ) الذى جادل بأن مرحلة جديدة من الرأسمالية سوف توجد في بدايات القرن العشرين ، وتتميز تلك المرحلة بعلاقة معقدة وإشكالية بين الصناعة والتمويل ، ايضا أكد ( كينز ) على دورما أسماه ( دوامات التفاؤل والتشاؤم ) في إشارة للطريقة التي يستخدمها الرأسماليون في تقييم الشركات . لقد حذر من ” خطورة الوضع تكمن في اللحظة التي تتحول فيها الشركة لمجرد فقاعه عن طريق عمليات المضاربة في البورصة ، ومن ثم فإن التراكم الرأسمالي في الدولة يتحول لعملية مضاربة في كازينوهات ولا يؤدى الغرض المرجو منه ، وهو عملية الانتاج ” .

الطرح القائل بأن  ” الأمولة ”  هي مسبب رئيسي لأزمة الرأسمالية الحديثة قد طورة في الأساس ( الاقتصاديون ما بعد الكينزيون ) وبعض الاقتصاديين الماركسيين ، وغيرهم من الاقتصاديين من خارج كلا المعسكرين .

مصطلح “الأمولة” يستخدم لتلخيص عدد من التغيرات الواسعة بين القطاع المالي والقطاع الإنتاجي للاقتصاد المعاصر ، يتضمن المصطلح عدة ظواهر متناقضة في ذاتها مثل ( قيمة حامل السهم ”  ” Shareholder value ) ، التي سوف نناقشها تفصيلا في جزء تالي من المقالة ،الدين العائلي المتزايد  ،زيادة الدخل من النشاط المالي ، وزيادة تجميع الأصول المالية والمضاربة فيها بأسعار الفائدة واسعار الصرف ، منذ الثمانينات والتسعينات حدثت زيادة كبيرة في الائتمان ، على سبيل المثال حينما يتحول سوق العقارات لأصول مالية يمكن المضاربة بها في الأسواق المالية ، لقد كان هذا الائتمان ( ساما ) ثم قطع هذا السم لعدة أجزاء وطبقات مما سبب الأزمة الأخيرة ، كانت الأزمة الأخيرة هي نتاج مباشر لإجراءات تقليل الرقابة على البنوك والقطاع المالي عموما والتي بدأت في الثمانينات من أجل تسهيل حركة رأس المال العالمي .

العلاج المقترح لتلك السياسة التحريرية من الرقابة لخصة( جايمس كورتى) :-

” من أجل إجبار اسواق المال على  لعب دور محدود لكن إنتاجي وأقل خطورة في الوقت ذاته ، نحتاج لسلسلة من الإجراءات العنيفة من أجل زيادة الرقابة على القطاع المالي ، ومن الممكن أن تكون عمليات التأميم لشركات وبنوك في القطاع مناسبة تماما . و من أجل أن يكون هذا التحول فعالا علينا أن نلزم أنفسنا بمهمتين أساسيتين :- الأولى تتمحور حول إعادة التفكير  في النظرية الواقعية المسيطرة على الاستثمار المالي والتي تدور في فلك  أعمال كينز ومينسكى حتى الآن ، وثانيها إلغاء سيطرة كبرى الشركات المالية على هذا القطاع الهام . ”

لكن بعيدا عن  هذا النقد النظري لدور التمويل في الاقتصاد ( والذى سوف نعالجه في جزء لاحق من الدراسة ) ، أكد الاقتصادي الماركسي ( أندرو كليمان ) على وجود مشكلة في الطرح القائل بأن الرقابة الصارمة على القطاع المالي قد تمنع حدوث أزمات قادمة .

 أولا :- لأن الرقابة دائما ما تحارب في الحرب السابقة ، بمعنى أنها تتخذ القوانين وإجراءات الرقابة بناءأ على العوار المسبب للأزمة السابقة ! ومسبب الازمة القادمة لن يكون بالتأكيد هو نفس مسبب الأزمة السابقة ، على سبيل المثال منذ 2008 كانت هناك زيادة حادة في شراء سندات الشركات وتمت عمليات الشراء تلك عن طريق طلب فعال من البرازيل ، روسيا ، الصين ، وعبر سياسات التيسير الكمي في الاتحاد الأوروبي . وعلى الرغم من أن تلك الدول تعانى تباطؤ في النمو الاقتصادي إلى أنها تستمر في ضخ الأموال لشراء تلك السندات الأمريكية ، وهو ما يعنى أن تلك السندات أصبح الآن كما قنبلة الرهون العقارية الموقوتة في 2008 .

ثانيا :-  غالبا ما تستطيع البنوك الالتفاف حول تلك الإجراءات الرقابية ، في السبعينات حينما حرمت القواعد الجديدة الاقراض المفرط ، نشأت بنوك الظل( shadow banking  )  كطريقة للتحايل على النظام ، وبنوك الظل هي مجموعة مؤسسات الغير بنكية يعملون كوسطاء ماليين يقدمون نفس الخدمات المالية التي تقدمها البنوك الاستثمارية . لكنها لا تخضع  لنفس الدرزينة من القواعد الرقابية ، على سبيل المثال ليس مطلوبا الاحتفاظ بنسبة ما من الاقراض مقابل الودائع المصرفية ، وبهذه الطريقة ضارب هؤلاء الوسطاء الماليين بطريقة أكثر خطورة من أجل جنى المزيد من الأرباح . وتعتبر دراسة صندوق النقد الدولي  الرائدة عن بنوك الظل مرجع هام لفهم دينامية عمل تلك البنوك ، وتجدر الاشارة لأن صندوق النقد يعرفها على أنها مجموع من المؤسسات المالية الوسيطة التي تهدف لتقليل الخطورة على طرفي معادلة الاقراض . في الولايات المتحدة قبل الأزمة الأخيرة استحوذت بنوك الظل تلك على نصيب أكبر من البنوك الاستثمارية لأنها تضخ الأموال لقاعدة أوسع من المقرضين ( شركات ، مشترى السيارات ، طلاب الجامعات ) .

لكن من الهام جدا أن نرى  بنوك الظل بوصفها عاملا مستقلا عن البنوك الاستثمارية ، فلقد كانت البنوك الاستثمارية تقوم أيضا بعمليات الاقراض المفرط تلك ، لكن بطريقة أكثر احتيالا حيث كانت تتعمد إخفاء ميزانيتها تحت ستار الاجراءات التحوطية الخاصة  ( SPVs  ) وهو ما جعل الأزمة المالية الأخيرة نتاجا مباشرا لتلك الاجراءات التحوطية  الخاصة . فبواسطة تحريك الأصول في أوراق الميزانية تمكنت تلك البنوك من التهرب من المتطلبات الأساسية للإقراض ، وبالتالي تهربت من المراقبة والتشديد القانوني ، وتمكنت البنوك من بيع المحصول الاستثماري الأكبر لمستثمرين بعائد أكبر من عوائد الاستثمار التقليدي .

حجم وسيولة المعاملات في بنوك الظل قد نما بشدة بعد عام 2000 ، انكمش بدرجة ما في الازمة الأخيرة في 2008 ثم عاد للنمو مرة أخرى ، في 2007 كانت حجم المعاملات في بنوك الظل بتقديرات مختلفة تقدر ب 50 ترليون دولار ، انكمشت ل47 ترليون في 2008 ثم عاودت النمو حتى 67 ترليون في 2012 ، كل هذا يعكس نقص وصعوبة الرقابة على القطاع المالي الملتهب .

ثالثا : – بعض الأصوات الاقتصادية في اليسار نادت بتأميم البنوك ، وقد يكون هذا مطلبا سياسيا تدفعه أجندة وظروف معينة ، لكنه لا يشكل حلا للأزمة ولن يمنع أخرى من الحدوث . فالبنك الذى يدار من قبل الدولة سوف يظل مندمجا بشكل كبير في حركة رأس المال العالمي ، فهو مضطر لأن يحافظ على تدفق مالي من الخارج من أجل القيام بأي عملية  . فالإقراض يكون مدفوعا بالودائع والأصول الموجودة في البنك ، وبالتالي فمنطقية الطرح القائل بالتأميم على أنه للمصلحة العامة تتلاشى أمام حركة رأس المال وميكانيكية عمل البنوك في النظام الرأسمالي . فمثلا البنوك التي تقوم بعمليات استثمار أو إقراض “أخلاقي” كما يسمونها تبقى تقدم أسعار فائدة – حتى لو منخفضة – فهي مازالت تعمل بنفس “ميكانزمات “عمل البنوك الاستثمارية ، وكما أشار ماركس في ” الجراندسيز” ( grundrisse  )  فإن ” المنافسة تقتل القوانين الذاتية، وتجعل تلك القوانين هامشية على حواف رأس المال الفردي “وبالتالي فإن وضع الدولة مكان المديرين التنفيذيين للبنوك الاستثمارية لن يغير شيئا في القوانين الحاكمة للرأسمالية .

الاستهلاك المتناقص وسوء توزيع الثروة .

الجدال المرتكز حول سببية وطبيعة الاستهلاك الكلى المتناقص والضغط الذى يسببه هذا الاستهلاك على عوامل أخرى اقتصادية مثل سوء توزيع الثروة كان متزايدا  في الفترة الأخيرة ، فكان التفسير أو الطرح الذى يحمل وجاهه ما والقائل بأن تناقص الاستهلاك الكلى ، والطلب الكلى بالتبعية هو المفسر الوحيد للركود التضخمي ( stagnation   ) التي تعانى منة الاقتصاديات المختلفة .

تلك النقاط والأطروحات والتي طورها اقتصاديون ماركسيون فيما تلى الحرب العالمية الثانية والمتأثرة كثيرا بالحكمة الكينزية  السائدة في تلك الفترة ، تلك الأطروحات أتاحت إعادة قراءة رأس المال لماركس من خلال التفسير الكينزى لتناقص الطلب الكلى ، أحد اشهر تلك القراءات الماركسية كان العمل الرائد ( رأس مال الاحتكار ”  Monopoly Capital ) لكاتبيه( بول باران وبول سويزى ) . والذى ظهر في منتصف الستينات ، تمركز الطرح السابق حول أن مشكلة الرأسمالية ليست في خلق فائض القيمة لكن في توزيع هذا الفائض ، بمعنى أخر الإمكانيات المتفاوتة للأفراد  والمؤسسات المختلفة على التفاعل والتحكم في الفائض الإنتاجي أو التراكم الرأسمالي .  نقل هذا الطرح السابق التفكير الاقتصادي من ” يوتيوبيا ”  السوق التنافسي لواقعية السوق الاحتكاري الذى تسيطر علية الشركات الكبرى . فبواسطة التحكم الكفؤ في الأسعار ، منعت تلك الشركات تنافسية السعر التي من المفترض أن تكون محركا أساسيا في أي سوق تنافسي . وبواسطة هذا التحكم أيضا استطاعت تلك الشركات أن تدفع فائض القيمة المنتج لأن لا يتم امتصاصه عبر استهلاك متوازي ، وهو ما جعل الجميع يقبع في مرحلة من الركود التضخمي .

طرح ( بيكيتى ) الأخير هو متصل بشكل غير مباشر بالطرح المتعلق بتناقص الاستهلاك ( underconsumption  ) ، يقدم كتابة الموسوعي كمية كبيرة من البيانات التي تدعم هذا الطرح في المائتي عام السابقة ومن أكثر من دولة ، يبدو العمل محوريا جدا بالفعل ، فكثافة البيانات التي به توضح ذلك . وتتمحور أطروحة ( بيكيتى ) حول أن المشكلة الحقيقية للرأسمالية هي مشكلة توزيعية ( تتعلق بتوزيع الثروة ) . فبينما ترتفع معدلات الربح الصافية لا ينعكس هذا الارتفاع إلا في ارتفاع الدخل القومي . بينما العامل المؤثر في عملية التوزيع يبقى صافى العائد الربحي على رأس المال الخاص ( r) حيث يرتفع (r) تقريبا منذ 200 عام بمعدل أسرع بكثير من ارتفاع صافى الدخل والانتاج معا (g ) وبالتالي يتزايد معدل التراكم الرأسمالي الناتج عن رأس المال الخاص  عن التراكم الناتج عن الأجور والدخول بصفة عامة ، وهو ما يخلق الفجوة الكبيرة بين الفقراء والأغنياء .

يمثل سوء توزيع الثروة تناقضا رئيسيا في الرأسمالية ، فالإدارة(entrepreneur ) حتميا تتجه نحو التحول للاستئجار    (  ( rentier، وتبقى مسيطرة أكثر على من لا يملكون شيئا سوى قوة عملهم . وبمجرد ان تبدأ الدورة الاقتصادية يعيد رأس المال إنتاج نفسة بصورة أسرع بكثير من تزايد الدخول والاجور ، ويصبح الماضي مستقبلا والعكس .

العلاقة بين سوء توزيع الثروة والطلب الاستهلاكي المتناقص هي أنه كلما زادت الفجوة في الدخول وأصبحت الدخول مرتكزة في أيدى أشخاص قلائل ، كلما زادت عدد الأشخاص القريبين من خط الفقر وبالتالي قلت قدرتهم على الانفاق الاستهلاكي وبالتالي يتناقص الطلب الكلى المحرك للاقتصاد . لقد كان الطلب الكلى الفعال مركزيا في بناء الطرح لما بعد الكينزيون ، ويبدو  هذا واضحا جدا في الطرح الذى يقدمه فيليب استس  حيث كتب : –

” الهدف الرئيسي هو استكمال الثورة الكينزية ، كي نعمم النظرية العامة للفائدة والشغل والنقود ، فالطلب الكلى الفعال لذلك هو العمود الفقري للتحليل الاقتصادي لما بعد الكينزيين كما كان في النظرية العامة لكينز في العام 1936 . فالمشكلة الاقتصادية  الآن لم تصبح الندرة في الموارد بل الندرة في الطلب الفعال ، وهو ما تواجه الاقتصاديات الحديثة بلا استثناء . ” 

التفاعل المركب بين  ” الأمولة ” وسوء تويع الثروة يفسر أزمة الرأسمالية الحديثة .

بينما اعتمدت المدرستان الاقتصاديتان السابقتان في تفسيرهما  للازمات الرأسمالية على “الأمولة ”  او تناقص الاستهلاك ، فإن أطروحات حديثة تدمج الاثنان في علاقة تركيبية ، المقدمون للأطروحة الحديثة هم من المدرسة ( ما بعد الكينزية ) أو بعض الماركسيون الذين يحاولون دمج الطرحين السابقين معا في بحثهما عن تفسير الازمة .

من منظور ما بعد الكينزيين  هناك علاقة واضحة بين ” الأمولة”  وسوء توزيع الثروة في المجتمعات الرأسمالية الحديثة ، هذا يتضح جليا في أعمال وأطروحات ( إنجلبرت ستوكهامر) الذى يجادل بأن الأزمة الاقتصادية الحالية يجب أن تفهم كتفاعل مركب لعمليات “الأمولة” المتتالية  التي تنتج سوء توزيع للثروة ، وهناك أربعة محددات رئيسية يقدمها (ستوكهامر)  من أجل أطروحته .

أولا :- سوء توزيع الثروة ينتج ضغطا سلبيا على الطلب الكلى ، ويتجه منحنى الطلب الكلى للتناقص ، خاصة عندما ينفق الفقراء نسبا أكبر من دخولهم .

ثانيا :- انعدام المراقبة عالميا على القطاع المالي  قد سمح للدول بأن تدير ميزانيتها في ظل العجز الكلى للميزانية أو الفائض الكلى على حد سواء ، وبالتالي تعانى تلك الدول من عجز في الانفاق الحكومي كحل مقترح لإدارة العجز في ميزان المدفوعات ، ببساطة ، إذا كانت السلع المنتجة في دولة ما أقل في الميزة التنافسية في السوق العالمي ، فإن ميزان المدفوعات يتجه ليكون سلبيا ، أي واردات الدولة تكون أعلى من صادراتها . وبما أنه من الأسهل ( لغياب الرقابة ) الاقتراض من السوق العالمي لتمويل عجز الموازنة ،  تلك الدول تلجأ لذلك الاقتراض المالي المفرض للتمويل ( إسبانيا واليونان على سبيل المثال ) ، وتتبنى تلك الدول نموذج اقتصادي سيء لتشجيع  الدين(debt- led model   ) كما في ( اليونان –  البرتغال – إسبانيا – إيرلندا ) أو نموذج  تشجيع  الصادرات ( export – led model  ) كما في ألمانيا .

ثالثا :- في الاقتصاديات التي تتبنى نموذجا لتشجيع الدين ، تتزايد حدة سوء توزيع الثروة . وتقود بالتدريج لتفاقم كبير في دين القطاع العائلي على وجه الخصوص ، فبينما تحاول الطبقات الفقيرة والعاملة الحفاظ على أدنى قدر من مستوى المعيشة الملائم والانفاق على الحاجات الأساسية يقود هذا للاقتراض وبالتالي تتحمل أعباء تلك الديون الطبقات العاملة أيضا .

رابعا :- بالتجربة قد اتضح أن سوء توزيع الثورة ينتج ميلا حديا للمضاربة ف أسواق المال ، حيث يتجه القطاع العائلي ( الجزء الأغنى منه ) نحو شراء الاسهم والسندات الأشد خطورة . فصعود صناديق التحوط ومشتقات الرهن العقاري كان مرتبطا بالأغنياء وليس هذا من قبيل الصدفة .

بعض الماركسيين يربطون بين “الأمولة” وسوء توزيع الثورة بميكانيكية أخرى . فيجادلون أن معدل الربح الرأسمالي قد هبط منذ  الرخاء الاقتصادي بعد الحرب العالمية الثانية وحتى السبعينات والثمانينات  ، ففي السبعينات أصبحت السياسة الاقتصادية الرسمية أكثر “نيوليبرالية” وهو ما قاد لاستغلال أوسع للطبقات العاملة العالمية والمحلية . فواجهت تلك الطبقات ضغطا متزايدا من الركود التضخمي وتناقص حاد في الدخول الفردية للعمال . لذلك كان من الضروري زيادة الاستغلال لإحداث طفرة متزايدة في معدلات الربح الرأسمالي .

فالكتاب من مجلة ( monthly review  ) هم من أنصار الطرح الذى يدمج بين “الأمولة” وتناقص الاستهلاك الكلى لتفسير الازمة الرأسمالية الأخيرة في 2007 -2008 . بالنسبة لهم ( فالنظام الاقتصادي الرأسمالي  العالمي ) الذى أصبح يعبر عن اتجاه حاد منذ السبعينات نحو ” الأمولة ” من أجل الانتاج وإعادة الانتاج للتراكم الرأسمالي  ، لم يعد قادرا بسبب تلك “الأمولة “على الحفاظ على نمو اقتصادي اجتماعي قادر على رفع معدلات الأجور للعمال بالنسب التالية للحرب العالمية الثانية ، ويتضح ذلك جليا في تناقص نسب الأجور والدخول من الناتج المحلى لدول رأسمالية مختلفة .

بعض الماركسيين الأخرين يبدو أنهم متعاطفين بشكل كبير النظرية القائلة ( بتناقص معدل الربح الرأسمالي ) لكنهم لا يفكرون في  أن الأزمة الرأسمالية الحديثة هي بالضرورة سبب لهذا التناقص ، هذا ينعكس في أعمال ( جيرارد دومنيل ، ودومنيك ليفى ) والذى يرون أنه يمكن تفسير أزمتي 1890 وال1970 من خلال ذلك الطرح القائل بتناقص معدل الربحية لكن الكساد الكبير ( 1930 ) والأزمة الأخيرة ( 2008 )  لا يمكن جاءوا في فترة زمنية اتسمت بتزايد كبير في معدلات الربح الرأسمالي .

في العموم هؤلاء الماركسيين يلقون اللوم على “الأمولة” في فشل التراكم الرأسمالي في أن يحقق معدلات ربح تراكمية إنتاجية ، أي في إحداث التوازن بين معدلات الربح والتراكم الرأسمالي الإنتاجي ، يجادل هؤلاء أن “الأمولة” ( كمكون أساسي للنيوليبرالية ) تعنى أن على الشركات أن تستثمر في زيادة حصصها من الربح من خلال المضاربة المالية والأدوات المالية الاخرى وليس عن طريق الاستثمار الحقيقي في أصول مالية حقيقية ، وبأن هذا الميل للاستثمار غير الحقيقى قد جعل النمو الاقتصادي للرأسمالية في  الثلاث عقود الأخيرة هو فقط نمو ضعيف ويعبر عنه بأرقام فقط وليس نموا حقيقيا . ومع أن ( أندرو كليمان ، وشانون ويليامز ) يوضحوا أنه ليس ضروري في النيوليبرالية أن تتحول ميكانزمات تحقيق الربح من الانتاج الفعلي للأسواق المالية ، فإن البيانات التي قدموها للتدليل على أطروحتهم تقول بأن الاتجاه نحو الاستثمار المالي كان أقل في العقدين الأول والثاني للنيوليبرالية  لكنه اتجه للتزايد في العقود الثلاثة الأخيرة .

تحليلنا يوضح أنه في حقبة النيوليبرالية والامولة فإن ربح الشركات لم يعد مهما بقدر الاقتراض ، فالاقتراض من أجل البحث عن فرص للتمويل من أجل الانفاق المالي( الاستثمار في سوق الاوراق المالية )  هو الشيء المهم والمؤثر في الحقبة التي نعيشها ، بالإضافة إلى أن المدفوعات المقسمة المرتفعة للشركات لا تؤدى بالضرورة  لوضوح رقمي عن تراجع الاستثمار الإنتاجي . وبالتالي فإن قدرة تلك الشركات على التمويل من خلال الاقتراض مرتبطة بشكل كبير بالمقايضة بين الانتاج وبين الاستثمار في أسواق مالية . والبيانات الجزئية المتاحة لنا  تجعل الطرح القائل بمسئولية ” الأمولة  “المباشرة عن تحويل الربح من الانتاج إلى سوق المال صحيحا إلى حد كبير .

اقتصاد ماركس .

ما بعد الكينزيين والماركسيين على حد سواء قد بذلوا مجهودات كبيرة لتوضيح التغيرات التى حدثت في الرأسمالية في العقود الثلاثة الأخيرة  بسبب الأمولة وتفاوت توزيع الثروة . لكن تلك المجهودات المعرفية لا يمكن أن تكون فقط هي السبب المباشر لازمة 2007-2008 الأخيرة ، فكما يشير( جوزيف كونورا)  بأن  هناك خط فاصل واضح بين هؤلاء الاقتصاديين الذى يعزون سبب الازمة لتناقص معدل الربح ، ويضعون بعدا مركزيا لهذا السبب في تحليلهم للازمة الأخيرة . وبين اقتصاديين أخرين يضعون هذا السبب كمؤثر فرعى أو يتجاهلونه  . الجزء القادم من المقال سوف يحاول أن يحيل الاقتصاد الراديكالي لأعمال ومساهمات ماركس الأولى ، من أجل إعادة النظر في تناقص معدل الربح الرأسمالي  كما أوضحه ماركس في تحليلية للنظام الرأسمالي  ، هذا يعضد ويدعم من فهمنا لدور الائتمان والتمويل في أزمات الرأسمالية الحالية ، وتقدم لنا تلك الاحالة النظرية لماركس نقد أعمق لهذا النقاش المتعلق بالتناقص الاستهلاكي .

ماركس ومعدل الربح المتناقص  .

ميل معدل الربح للتناقص ( TRPF ) هو من أكثر المكونات تكرارا واستمرارية في عمل ماركس النقدي للرأسمالية ، لقد تم رفض النظر إلية أو تجاهله بواسطة ليس  فقط الاقتصاديين غير الماركسيين لكن الاقتصاديين الماركسيين الذى يقبلون نظرية فائض القيمة عند ماركس لكنهم دائما ما يتجاهلون هذه المساهمة الماركسية الأصيلة المتعلقة بالميل التناقصي لمعدل الربح  . ويمكن تلخيص النقاشات القليلة التي دارت حول هذا الجزء من عمل ماركس في الجزء التالي .

كل رأسمالي يحاول أن يزيد تنافسيته الخاصة في السوق من خلال زيادة إنتاجية العمال في مصنعة ، والميكانيكية المتبعة من أجل زياد التنافسية في السوق هي عبر زيادة كثافة عوامل الانتاج ، الاستثمار في تكنولوجيا والات جديدة على سبيل المثال ، أطلق  ماركس على هذه العلاقة المتشابكة بين عوامل الانتاج الأخرى والعمال الذين يستخدمون تلك العناصر الانتاجية اسم ( رأس المال التقني  ” technical composition of capital  ”  ) . هذا التوسع في الاستثمار في القوة العاملة يعكس كليا في هيئة استثمارات تقنية وتكنولوجية ، ولا يتم بالتوازي مع زيادات الأجور . فما عرفة ماركس برأس المال العضوي ( organic composition of capital  ) هو تعبير صريح عن العلاقة المتشابكة بين عوامل الانتاج الأخرى والزيادة الكمية فيها وانعكاس ذلك على العمال بشروط القيمة المضافة . لكن على الرغم من ذلك فالمصدر الرئيسي للقيمة المضافة التي ينتجها النظام كوحدة متكاملة هي في العمال ( قوة العمل ) . لذلك فعندما يزيد الاستثمار بمعدل أسرع من تزايد القوة العاملة فعلية أيضا أن ينمو بصورة أسرع من أجل خلق قيمة مضافة جديدة ، والتي منها يأتي الربح للرأسمالي . لذلك تراكميا على المدى الطويل هناك ميل حاد لمعدل الربح نحو التناقص .

هناك أيضا تعقيدات أكبر في وضعية الطبقة الرأسمالية كمجموع بشرى  في النهاية ، فمن أجل زيادة التنافسية يزيد الاستثمار ، وزيادة الانتاجية هي العامل الحاسم في تلك التنافسية ، لكن تلك التنافسية أيضا هي ما تجعل الرأسمالي من الممكن أن يميل لتخفيض الانتاج من أجل الحصول على ارباح على المدى القصير . ومن ثم فالمجموع الكلى للعميات الانتاجية للرأسمالية يدعم الميل الحد لتناقص معدل الربح .

( أليكس كالينوكس ) اقتبس من ( بن فاين ولورانس هاريس ) من أجل النقاش المدافع عن جدل ماركس الكبير في العوامل الحاسمة للتناقص الحدى في معدل الربح في المراحل المتأخرة للرأسمالية على وجه الخصوص حيث قال :

” وكما أكد ماركس على ( إن نفس العوامل التى تدفع معدلات الربح للتناقص هى نفسها العوامل التى تحمل في طياتها تأثيرا عكسيا من الممكن أن تنتجة في الوقت الحالى ) وفى ضوء هذا أظن أن الاسم (  ( TRPFهو اسم مغلوط فالقانون هنا هو قانون التناقص الحدى لمعدل الربح وتأثيراته العكسية وليس فقط الميل للتناقص .

فالمصطلحات المعرفة لنفسها والمترجمة بشكل صحيح هي سمة هامة في دحض الادعاء الرأسمالي بأن التناقص الحدى لمعدلات الربح  ما هو إلا محض ادعاء ماركسي ، وبالتالي الدفاع عن استراتيجيات عكسية من استغلال العمال بواسطة تقليل الأجور او زيادة ساعات العمل ، ويبقى للاستغلال حدود في النهاية .

ماركس ، الائتمان والتمويل .

الدراسات والأبحاث التي تحلل التغيرات الحادثة في التمويل في الرأسمالية المعاصرة هي قيمة جدا ، وفى هذا السياق تبقى اسهامات كل من ( كوستاس لابفيتاس ،جيرارد دومنيل، دومنيك ليفى ، جين توبروفسكى ) هامة جدا ومفيدة أيضا ، على الرغم من ذلك تبقى هذه الاسهامات تتمتع بمشكلتين كبيرتين أولهما تبدو الامولة – في وجهة نظرهم – على انها السبب المباشر لأزمة 2008 الأخيرة وفى نفس الوقت تقدم “الأمولة ”  على انها تفسير عقلانى للأزمة . ثانيهما فإن الأمولة ترى على أنها عامل خارجى مستقل خارج البناء الرأسمالى وليست كجزء مضمن من الرأسمالية نفسها . في الأطروحة الماركسية ( الخاصة بماركس ) الأمولة ليست سببا مباشرا في الأزمات الرأسمالية ولكنها مفتاح وسيط أنتجة التناقص الحدى في معدلات الأرباح للدفع نحو الازمه الاقتصادية للرأسمالية .  كليمان يقتبس الفقرة التالية من رأس المال لماركس حيث كتب ماركس أنه :-

” لو أن النظام الائتمانى يظهر على أنه عامل أساسى ودافع في إتجاة  الانتاج المتزايد (  ( overproduction والمضاربة المفرطة في التجارة ، فهذا لسبب بسيط وهو عملية إعادة الانتاج ( reproduction  ) والتى هى مرنة بطبيعتها هى الآن ( بفضل النظام الائتمانى ) مدفوعة لأقصى حدودها . وهذا بسبب أن جزء كبير من رأس المال الاجتماعى يتم الاستفادة منه من غير المالكين الحقيقين له ، والذين يدفعون راس المال الاجتماعى هذا والغير مملوك لهم نحو الاندماج في رأس المال الخاص المملوك لهم ” .

الفقرة السابقة تشير للتمويل كعامل للتراكم الرأسمالى المتزايد ، بكلمات أخرى يتيح التمويل للرأسمالين أن يكونوا تراكما في الثروة أسرع من الأخرين  . في تلك العملية التنافسية فالانتاج  يتوسع والاستثمار في عوامل الانتاج يتم بصورة متسارعة . والمرجعية الاصطلاحية للاتزان فارغ الصبر (anxiously weigh  ) يعود لأن سلوك التوسع في الاستثمار الخطر هو بمثابة إدعاء ، لان الرأسماليين الآن لا يضاربون في اموالهم الخاصة ، وهذا ما يطلق علية الاقتصاديون الخطر الأخلاقى ( moral  hazard   ) ، يتم الدفع بهذا الخطر الأخلاقى نحو حدود نهايتة من خلال هؤلاء المضاربين  الذين يخسرون كميات كبيرة من النقود التى تخص في الأساس مستثمرين وظفوا هؤلاء السماسرة من أجل الاستثمار نيابة عنهم .

لقد جادل ماركس أن الميل التناقصى لمعدلات الأرباح  يؤدى  بصورة غير مباشرة للأزمة عن طريق أنه يشجع على المضاربة والانتاج الزائد عن الحد .

فلو أن معدل الارباح يتجة نحو التناقص … سوف نواجة مضاربة كبيرة بل وتحفيز مستمر لتلك المضاربة ،من خلال المحاولات اليائسة في تحديث طرق الانتاج ، الاستثمار الرأسمالى من أجل تأمين طرق جديدة للربح ، والتى سوف تكون مستقله بشكل ما عن المتوسط الربحى ويمكن أن تتجة للتزايد علية .

وعندما يكون الدين أكبر  من أن يتم دفعة ،  تنشأ الأزمة ويتجة الاقتصاد ككل نحو الكساد التضخمى : فالسلسلة الزمنية لتسديد الديون الالزامية قد تم كسرها في عدة حلقات ، هذا كله بالتزامن مع إنهيارات في الثقة في النظام الائتمانى ككل والذى يتطور جنبا إلى جنب مع رأس المال ، كل هذا يؤدى في النهاية إلى مأل أخير .. أزمة إقتصادية  حادة وكبيرة . تخفيض مفاجئ لقيمة العملات ، كساد تضخمى حقيقى يخلق إضطرابا حادا في عملية إعادة الانتاج ، وبالتالى تراجع كبير في معدلات الانتاج والنمو الاقتصادى .

كل ما سبق يبدو مألوفا في الأزمة الاقتصادية الاخيرة في 2007- 2008 ، ويمكن أن يعبر عن جزء تفسيرى من القصة . لذلك وكما أوضح ( كليمان ) فإن نظرية ماركس تفترض بأن الميل التناقصى لمعدلات الربح  يخلق بصورة غير مباشرة وبمرور الزمن الأزمة الاقتصادية ، فالتناقص يؤدى للميل نحو المضاربة والاقتراض الزائد عن الحاجة ، وعدم القدرة على تسديد الديون هو سبب مباشر للأزمة . وبتطبيق هذا الطرح على الازمة الأخيرة نجد أن الأزمة لم تكن ساحقة وشاملة للقطاع التمويلى ككل ،لكن في جزء خاص منه ، هذا المتعلق بالرفع المالى المتزايد ، والرهون العقارية الخطر ، وغياب الشفافية عن اوراق الميزانية الخاصة بالبنوك ، عملت هذه المكونات الثلاث على إطلاق الأزمة على القطاع التمويلى ككل ، بل وعلى الاقتصاد الحقيقى . لذلك فالأمولة تركز على أسباب حالية  للأزمة وليس من شأنها  البحث عن العوامل الراك\ة طويلة الأمد التى تجعل النظام الرأسمالى يبدو ضعيفا في مواجهة الأزمات ، تلك العوامل التى ما هى إلا عوامل ضمنية مدمجة في النظام الرأسمالى نفسة ، تعمل على إطلاق الأزمات المالية وتسبب الكساد التضخمى الذى لايمكن التخلص من أثارة بسهولة .

نقص الربحية أم نقص الطلب الكلى ؟

كما رأينا فإن أصحاب نظرية الاستهلاك المتناقص  ( underconsumptionist view  ) يعزون السبب للازمات الاقتصادية والركود وحتى الركود التضخمى إلى نقص الاستهلاك الكفئ . أى أن العمال يدفع لهم القليل فلا يستطيعون شراء ما أنتجوة من قبل . وهذا من الممكن أن يكون سببا مباشرا لسوء توزيع الدخول والثروات .

المنطق الحاكم للتدخل الكينزى في الاقتصاد هو تحفيز الطلب الفعال ، وبالتالى فكلما زاد الاستهلاك زاد الانتاج والتشغيل والنمو الاقتصادى . لكن الرأسمالية تزدهر ليس لأن الانتاج يزيد لكن بسبب أن الربح يزيد . فالانتاج يتزايد فقط عندما تتزايد الأرباح ، وإذا كان هناك طلب من أجل سلع أخرى فإنها تنتج طالما هى مربحة ، هذا بالضبط ما تعبر عنه القيمة المضافة حيث تنتج السلعة ويتم بيعها . بالنسبة للكينزيين فالربحية  ليست محددا أساسيا لعملية الانتاج ، فهم يرون أن الربحية كتابع للطلب المتزايد الذى يحفز الانتاج . في المقاربة الماركسية لهذا يبدو الانتاج الفعال تابع للربحية وليس العكس . بينما في وجهة النظر الكينزية يبدو الطلب الفعال كأداة حاكمة للحد الذى يمكن أن يكون علية الانتاج وبالتالى الربح .وبالتالى يتولد ميل هيكلى مزمن لدى العرض للانحصار حينما يكون الطلب منحصرا هو الآخر . لكن هذا الميل الهيكى ليس لحظيا ، بمعنى أن العرض لاينحصر بمجرد إنحصار الطلب وهو ما يولد في النهاية مشكلة الانتاج الزائد عن الحد .

في 1958 كتب ( ريا دونافسيكا ) طرحا يبين كيف أخطأ أتباع نظرية الاستهلاك الغير كافى في تفسيرهم للأزمات عن طريق الربط السببى بين الاستهلاك والانتاج :

” الأزمة الاقتصادية لا تولد بسبب نقص الطلب الفعال . على العكس من هذا فإن الأزمة الاقتصادية هى ما تنتج نقصا حادا في الطلب الفعال . لا تحدث الأزمة بسبب وجود الندرة في الأسواق . فكما نرى نظريا  وكما أوضح الكساد الكبير في 1929 ذلك عمليا فإن السوق يبقى في حجمة التوسعى الضخم قبل الأزمة ، ومن وجهة نظر رأسمالية وبالرغم من وجود عدم رضا عام على التوزيع الحالى للدخول في النظام الرأسمالى ، خاصة بين المتلقين للأجور وبين الذين يحققون الأرباح الطائلة من القيمة المضافة . فالرأسمالى يضطر في نهاية المطاف لتقليص الاستثمار مما يدفع الكساد التضخمى للظهور على هيئة انتاج زائد عن الحاجة بفضل عدم وجود الطلب الفعال من قبل العمال . بالطبع هناك تناقض  بين عملية الانتاج والاستهلاك  ، بالطبع هناك ” عجز عن  البيع ” ،لكن ذلك ” العجز عن البيع ” يتمظهر ويعبر عن نفسة بسبب معدل الربح التناقصى وهناك علاقة طردية بين الاثنان .

لم يرفض ماركس كليا الاتجاة النظرى  للاستهلاك الغير كفؤ ( underconsumption ) لكنة بين أن هذا لا يشكل عائقا ( لا يمكن تخطية ) في إطار الانتاج الاجتماعى كعملية متكاملة الاركان ، ما يشكل العامل الدافع الحقيقى بالنسبة لماركس للانتاج والاستثمار هو الربحية ، فالأرباح السابقة والأصول المالية والحقيقية المكتسبة هى ما تشكل حافز مستقبلى للاستثمار والانتاج وإعادة الانتاج .

الطبيعة الفوضوية ( الأناركية ) للرأسمالية تجعل الانتاج الزائد عن الحد شيء جوهرى ومضمن في طيات النظام الرأسمالى ، فالرأسماليين يوسعون إنتاجهم بدون معرفة مسبقة  بما يفعلة أقرانهم الرأسماليين الأخرين أو ما سوف يفعلونة في المستقبل ، هذا يقود في النهاية ( لبعض السلع ) الى انهيار حاد ف أسعارها ويدفع صغار الرأسماليين خارج المنافسة ويقلل من معدلات الأرباح . فالانتاج الزائد عن الحد بالتالى يختلف كليا عن الاستهلاك الغير كفؤ وبالتالى يضع هذا التناقض الرأسمالية في دائرة مغلقة من إنتاج وإعادة إنتاج الأزمات الاقتصادية .

رأس المال ، الاستغلال، والتراكم الرأسمالى .

يبقى هناك إختلافا جوهريا بين الاقتصاديين الراديكاليين ونظرائهم من الماركسيين الكلاسيكيين وهو طريقة تعاطيهم مع ” رأس المال ” وتعريفهم له ، فمثلا( توماس بيكيتى ) يعرف رأس المال على أنه :- المجموع الكلى للأصول غير البشرية والتي يمكن امتلاكها وتبادلها في أسواق محددة . ويشمل رأس المال كل أشكال الملكية الحقيقية  ( العقارات السكنية من ضمنها) كما يشمل أيضا رأس المال المالي والمهني ( المصنع ، البنية التحتية ، الآلات ، براءات الاختراع وهكذا ) والتي تستخدم من الشركات والحكومات على حد سواء .

بالتالى ، وبالنسبة لبيكيتى فرأس المال والثروة ( الثروة الشخصية ) هما متماثلان ، والمدرسة ( ما بعد الكينزية ) كانوا يمتلكون قدرا من  التعاطف الرمزى مع ماركس ، فمالكوم سواير مثلا عرف رأس المال على أنة ” إختزال حدى للتملك المشاعى لوسائل الانتاج وممثليهم في العملية الانتاجية على حد سواء تحت شروط انتاجية معينة في الرأسمالية ” ، قاد هذا التعريف سواير لأن يتنبى طرحا مضادا لمعظم الاقتصاديين المعاصرين له ، حيث قال بوجود تعارض غريزى وتناقض جوهرى بين رأس المال وعنصر العمل . ومع أن ( ما بعد الكينزيون ) يتعاطون مع رأس المال على أنه قوة مستقلة ، فيرى جون روبنسون مثلا أن رأس المال يتوازى ويوازن في نفس الوقت بين ( الأتمته الجيدة ) و( استخدام العلم في الصناعة ) ، بينما عند ( سواير ) فإن مقدار وحركية وشكلية التغيير متعلقة بالمقام الأول برأس المال كعامل حاسم ومرجح للتغيير في البنية الكلية للنظام الرأسمالى .

كما يجادل ( كالينكوس ) ونخلصة في الفقرة التالية فإن ( العلاقة بين عنصر العمل ورأس المال ومن ثم التحويل الجبرى لرأس المال ليكون عاملا خارجيا ومستقلا . وهذا يختلف كليا عن منظور ماركس عن رأس المال والذى يعرفة ماركس على أنه علاقة إجتماعية  مخصصة لنمط الانتاج الرأسمالى ، والقيمة الذاتية التوسعية له هى ما تنتج الاستغلال الكير لعنصر العمل ويمتد هذا الاستغلال نحو السوق نفسة ويقاس هذا الاستغلال بساعة العمل البشرى ويعبر عنها بصيغة رقمية ) .

كما وضح( توماس تينجلى  ايفانز)  فماركس كتب في الجزء الثالث من رأس المال :-

” العلاقة بين رأس المال والأجور تحدد السمات الأساسية المميزة لنمط الانتاج الرأسمالى ، فالرأسمالى  والعامل المأجور هو التجسيد الحى لرأس المال وعنصر العمل . فالاثنان هما المثال المادى الملموس لنتاج العلاقة الاجتماعية التى يلصقها نمط الانتاج وعلاقات الانتاج بالأفراد  .”

رأس المال هو القيمة التراكمية لاستغلال قوة العمل ، ويستمر هذا الاستغلال في حركية ليعيد إنتاج نفسة ، لذلك فمفهوم ماركس عن رأس المال على أنه علاقة إجتماعية  مرتبطة بنمط الانتاج  .  وعلى عكس الافتراض السائد  ، فالثروة  لا تعمل نفس عمل رأس المال . فبينما يبدأ بيكيتى من الامساواة يبدأ ماركس من الاستغلال والتراكم الرأسمالى .

بالنسبة لماركس فرأس المال يتواجد حين تحدث  العمليات  الاقتصادية التبادلية ، فرأس المال يعبر عن حركية السلع والخدمات من أجل إنتاج قيمة إقتصادية حقيقية . فالدورة الاقتصادية هى مصدر رئيسى لخلق القيمة في النمط الرأسمالى للانتاج ، ودراسة تلك الدورة الاقتصادية هى ما تتيح لنا التعرف على كيفية الانتاج والتوزيع في هذا النمط الانتاجى المعتمد بالأساس عليها من أجل خلق القيمة المضافة .

بنجامين كونكل يعبر عن الطريقة السياسية لفهم رأس المال والتراكم بهذة الطريقة حيث كتب :-

” لو أن – على الجانب الأخر- رأس المال المعروف بوسائل الانتاج يدين بذاتة لعنصر العمل في الماضى ، أقصد العالم الطبيعى  ، الذى لم يمتلك أحدا سندا لملكيتة ، لذلك فالدخول في العالم الحالى يجب أن تكون معبرة هؤلاء العمال والمنتجين ومخصصة لهم . والقول بأن العمال هم من ينتجون القيمة الاقتصادية المضافة هو شيء مضمن في  السياق التاريخى الذى يوضح أن هؤلاء العمال هم من يغيرونة  بالثورات  والحركات الاحجتاجية ، لذلك من الطبيعى ان يأخذ هؤلاء اهتماما أكبر في المجال الاقتصادى كما في المجال التاريخى .

المنطق الحاكم لما بعد الكينزيين  يرى رأس المال على أنه عامل خارجى ومستقل وأساس لخلق القيمة ، ويبرر هؤلاء السياسات التى تمكن رأس المال وتدافع عن الرأسمالية لأبعد الحدود . والجدال حول رأس المال باعتبارة علاقة إجتماعية  وعنصر العمل باعتبارة المنتج الحقيقى للقيمة والتراكم هو في الأساس جدال اقتصادى يعبر عن رؤى مختلفة لصيرورة التاريخ ، وينعكس سياسيا على نضال العمال الذى يجب أن يطالبوا بما هو لهم في الأساس .

خاتمة .

كل النظريات والاطروحات والتى تحيل الأزمه الرأسمالية الحالية لتدنى الانتاجية ، الطلب الضعيف ، فوضوية السوق ، تدخل الدولة ، الأجور العالية ، الأجور المنخفضة وهكذا ، تقترح كل تلك الإحالات أن الأزمات هى غير مضمنة في النظام الرأسمالى ، وبالتالى يمكن إصلاح الأزمة الكليية بإصلاح تلك المشاكل الجزئية كل على حدة ، لكن ما اقترحة ماركس من أن الميل التناقصى لمعدل الربح هو الذى يقود ويدفع للازمة علىالمدى الطويل لأنة جزء أساسى ومضمن ضمن هذا النمط الانتاجى ، لذلك يمكن إستبعاد عوامل الأزمة السابقة تلك بينما يظل النظام قادرا على العمل ، لكن الميل النتاقصى للربح لا يمكن استبعادة . وكما كتب ماركس منذ قرن ونصف ” فإن التدمير العنيف للرأسمالية لن يكون بواسطةعوامل وعلاقات خارجية عن النظام ، لكن عبر عوامل ضمنية في النظام هى في نفسها شروط بقاءة “

بعض الأفكار السابقة تبدو عصية على الفهم صعبة التصديق أو كلاهما ، لكن النقاشات السياسية لمثل تلك الأفكار قد تعمقت في الأونة الأخيرة ، فلو أن السبب في الأزمة هو النيوليبرالية والأمولة فالتخلص منهم لن يكون مانعا لتجدد أزمات أخرى ، فلا يمكن الاستمرار في هذا النمط الانتاجى ككل ، والذى يقوم الهدف الانتاجى له على خلق القيمة وتجريد الثروة . هذا في الأونة الاخيرة وضع الاجندة القائلة بأنه عوضا عن تغيير الظروف الاقتصادية والاجتماعية للنظام فمن الممكن أن نراقب أسواق المال ، سياسات مالية ونقدية لتحفيز الاقتصاد ، التأميم  لبعض أجزاء القطاع المالى . بالطبع نحن ندعم كل تلك المطالب كتحدى صريح للرأسمالية والدولة ، ونجاح تلك المطالب هو بمثابة نجاح للعمال في زيادة ثقتهم في تنظيمهم الذاتى وقدرتهم على كسب مساحات أخرى ضد الرأسمالية ، لكن في نفس الوقت علينا أن ندافع عن أفكار ماركس ضد هؤلاء الذين يستخدمونها من اجل أن يبينوا أن الرأسمالية يمكن إصلاحها ، فلو أن الميل التناقصى لمعدل الربح هو سبب غير مباشر ومضمن في النظام الرأسمالى فكل تلك الأطروحات والافكار لا تقدم حلولا جذرية للأزمات . بالكاد هم يؤجلون الأزمة القادمة ، وكا  تدخل خارجى من قبل الدولة للتحفيز الاقتصادي سوف نمو اقتصادى مضطرب قد يقود لأزمة أعمق وأكثر تأثيرا في المستقبل ، ومن أجل التخلص من الأزمات يجب أن نزيح عن طريق البشرية هذا النمط الانتاجى ( الرأسمالية ) .

هوامش ( المترجم ) . 

[1]– اشارة للفترة الممتدة من نهاية الحرب العالمية الثانية وحتى منتصف السبعينات التى اتسمت بمعدلات نمو عالية اقتصاديا  ، كان الاقتصاد الامريكى هو القاطرة لنمو الاقتصاديات العالمية مرة أخرى بعد دمار الحرب العالمية الثانية .

[2] – اشارة للسياسات المالية والنقدية التى اتخذتها مجموعة من دول الاتحاد الاوروبى لمواجهة ازمة الديون السيادية الاخيرة وخاصة في مثلث ( اليونان – اسبانيا – البرتغال ) .

[3] – إشارة للمصطلح الذى يشمل تسير للتغيرات الكبيرة التى حدثت في الحقبة النيوليبرالية بين القطاع التمويلى والانتاجى للاقتصاد ، حيث أخذ القطاع التمويلى والمالى عموما دورا أكبر كدافع للنمو الاقتصادى في البلدان الرأسمالية المختلفة .

[4] – عملية التحول الممنهج من الاعتماد على قوة العمل البشرية نحو الاعتماد على الروبوتات والتكنولوجيا في العملية الانتاجية داخل وخارج المصنع .

[5] – الاقتصاد القياسى هو مجموعة من الافكار والأطر الاقتصادية التى تعتمد على النماذج الرياضية والاحصائية والرقمية بشكل عام في صياغة الفكرة الاقتصادية بعيدا عن التأطير الاجتماعى لتلك الفكرة ،ومن ثم ترجح الفصل المتعمد بين الاقتصاد والعلوم الاجتماعية الأخرى .

تسعدني تعليقاتكم

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s