الرأسمالية والحرب – جون ريس

Posted: 7 يناير 2017 in مختارات سياسية
الوسوم:, , , , , , ,
جون ريس
المصدر: كرّنت فاير
ترجمة: مدونة ما العمل؟

الرأسمالية هي أشد المجتمعات دمويةً وتماهيًا مع الحروب على مرّ التاريخ البشري. جيوش ألكسندر الأكبر ليست سوى رقمٍ بسيط مقارنةً بتعداد قتلى الحرب الفيتنامية. جميع الأسلحة التي كانت في متناول الجيوش الصليبية لا يسعها أن تلحق من الدمار في أسبوع ما بمقدور قنبلة «قاطفة زهرة الربيع» (Daisy Cutter) الملقاة في أفغانستان أن تلحقه في ثواني. شهد القرن المنصرم، بالخصوص، من القتلى ما يكفي لتُلفى الأرض خاليةً من البشر في عصورٍ سابقة.

وُلدت الرأسمالية على هيئة رضيع سفاح يزداد تعطشه للدماء كلما كبر. لم تكد أولى الدول الرأسمالية، بريطانيا، أن تصفي حساباتها مع تشارلز الأول والنظام القديم حتى شرعت في ذبح سكان مستعمراتها الأُوَل في كل من إيرلندا وجامايكا.

وما إن تخلص المستعمرون الأمريكيون من تبعيتهم للحكم البريطاني إذ بهم يسارعون في الفتك بسكان أمريكا وكندا من الهنود المحليين. وفي الأثناء، عثر البريطانيون على فرائس جاهزة للالتهام في كل من الهند، وأفريقيا، وأماكن أخرى.

أنقذت الثورة الفرنسية البلاد من الظلم الغابر للملك ونبلائه، لكن حالما باتت الطبقة الرأسمالية في مأمن، تم إرساء جيوش نابليون لبناء إمبراطورية، وما تزال القوات الفرنسية تحارب اليوم دفاعًا عن آخر ما تبقى منها.

مع انتشار الصناعة في جميع أقطار المعمورة، التحقت دول ألمانيا، واليابان، وإيطاليا، وروسيا بركب الدول الرأسمالية في سعيها الحثيث للحظي بالذهب والعبيد، النفط والأفيون، والأسواق، والعمالة الرخيصة والأفضلية الاستراتيجية. أفضت المنافسة بين هذه الدول إلى نشوء الحرب العالمية الأولى. تطور الصناعة عينه الذي قاد للمنافسات الإمبريالية المشعلة لفتيل الحرب، حَرصَ أن تغدو هذه الحرب أكثر دموية من أي وقتٍ مضى.

تفتك أسلحة الدمار الشامل العصيّ تصورّها قبل تطور الصناعة بالملايين اليوم. ساهمت الدبابات، والرشاشات، والطائرات والغاز في الجعل من هذه الحرب، الحربَ الأولى في تاريخ الحروب التي قضى غالبية موتاها بوصفهم ضحايا لجنودٍ آخرين عوضًا عن الموت جراء المرض. البريطانيون وحدهم مُنيوا بخسارة ٢٠٠٠٠ قتيل على نهر السوم في يوم واحد، بينما كلفتهم الحرب التي دامت ٤ سنوات مليون قتيل. ولمّا تسببت الصناعة الرأسمالية في إشعال الحرب، فقد توجب عليها كذلك أن تضمن استمراريتها. كان من شأن العمل الموجه، والمراقبة، والتجنيد الإجباري، وقصف المدن أن يحيل هذه الحرب الشاملة الأولى إلى حربٍ تخاضُ داخل المنازل وفي سوح القتال على السواء.

لم تقدم الحرب العالمية الأولى أي حلول حيال الأزمة التي ولّدتها في المقام الأول. استمرت الأزمة الاقتصادية فيما بقي حديثو العهد بدائرة التنافس الإمبريالي قابعين خلف الحدود المرسومة من قبل القوى الأقدم. اندلعت الحرب العالمية الثانية حال مُضي ٢٠ سنة على انعقاد مؤتمر السلام المقام بدعوى تأسيس نظام عالمي جديد.

حملت أعوام الحرب الموالية من السوء ما فاق الفحش الذي تعنونت به الحرب العالمية الأولى. حيواتٌ أكثر أُهلكت بواسطة أسلحةٍ أكثر فظاعة. وبلغ مؤشر الضحايا ذروته إثر استخدام الولايات المتحدة للقنبلة النووية ضد اليابان المهزومة سلفًا. تَمثل المدنيون أهدافًا للحرب بصورةٍ غير مسبوقة، هذا ما يشهد به قصف بريطانيا الكاسح على درسدن والمدن الألمانية الأخرى. الروس وحدهم تجرعوا خسارة ٢٠ مليون قتيل.

أعقاب الحرب، نفضت القوى العظمى الغبار عن نفسها وشرعت تستعد مجددًا لحربٍ ثانية، مستثمرةً في أسلحةٍ ذات قدرات غير مسبوقة. تم جلب علماء الصواريخ النازيين على عجالة إلى الولايات المتحدة وبريطانيا للمساعدة في إتمام الأسلحة التي بدأوا العمل عليها تحت حكم هتلر. في غضون خمس سنوات، كانت رحى الحرب الكورية تدور مخلفةً مليونًا ونصف المليون نسمة من القتلى.

ما إن شارف عقدٌ من الزمن على انتهائها حتى حلّ عهد حرب فيتنام حيث مات ٥٥،٠٠٠ جندي من القوات الأمريكية. كلّف نضال الفيتناميين من أجل التحرير مليونين ونصف فيتنامي نهاية المطاف، معظمهم فلاحون قُتِلوا على يد الجنود الأمريكيين، والقصف البساطي، وهجمات سائل النابالم المشتعل. والملايين قضوا نحبهم في العراق نتيجةً للعقوبات وحربي الخليج الأولى والثانية.

لكن كوريا وفيتنام والعراق لَسن سوى الحروب الأكثر شهرة التي طالت العالم منذ احتفالات السلام عام ١٩٤٥. في حقيقة الأمر أن العالم لم يهنأ بيوم سلامٍ واحد مذ ذاك. كان من شأن أكثر من ٨٠ حربًا أن تبقي الجنرالات والذخائر في حضورٍ مستمر. أرقام القتلى تربو لنحو ١٥-٣٠ مليون شخص. واليوم ما مجموعه ١٠ دول تجنح تحت رزء الحرب.

ولا يمكن بأي حال من الأحوال إحصاء الضحايا عبر حساب أولئك المتوفين بواسطة القنابل والمدفعيات. هجرَ ملايين اللاجئين منازلهم في حدود بلدانهم في الآونة الأخيرة. هو فعليًا نزوح يتخطى رقمًا حشود المشردين الذين عبروا أوروبا لما أسدلت الحرب العالمية الثانية أستارها.

حتى في حال لم تُطلق طلقة واحدة، فإن المليارات التي لا تحصى المهدرة في صناعة الأسلحة تعني بطبيعة الحال أن ثمة أطفالًا وشيوخ، مرضًى ومشردين، فقراء ومسلوبين يموتون كلّ يوم لأن الموارد المالية لإنقاذ حياتهم استخدمت في سبيل إنتاج الأسلحة.

ما سبب كون نظامنا بالغ الدموية إذن؟ ولمَ تكبر المذبحة مع كل جيل لاحق؟ هل من الممكن ظهور نظام رأسمالي بلا حرب؟

السمة الرئيسة للرأسمالية كما يخبرنا اليمينيون على الدوام هي المنافسة. المنافسة تدفع بالأقل كفاءة نحو السقوط، كما أُخبِرنا، لذا وحدهم الأكثر ربحًا من يتسنى لهم النجاة. المؤسسات سواءً كانت متجرًا في زاوية أو شركة بحجم فورد، تبحث باستمرار عن أسواقٍ أو عملاء جدد، أو عن موردين أرخص تكلفة، وأن يسددوا للقوى العاملة أجورًا أدنى من منافسيهم في السوق. «المصلحة الوطنية» يجري تعريفها على أنها الدفاع عن «أسواقنا» و«صناعتنا».

تُصور مناهج الاقتصاد هذه المنافسة كما لو كانت سلمية بالكامل، تسيّرها العمليات الشخصية في السوق فقط. واقع الأمر أنها لم تكن على هذه الشاكلة قط. لم يحدث أن تقيد الرأسماليون بالقواعد، لا عند التعامل مع عمالهم ولا أثناء التعامل مع المنافسين. تفرّق أجهزة الشرطة أو المرتزقة اجتماعات النقابات وتكسر الجيوش الإضرابات. لطالما وُجد القانون، والشرطة، والصحافة، والمحاكم تحت طاعة أرباب العمل لضمان إبقاء الأجور منخفضة والنقابات مُروَّعة.

ما جرى لحركة شهداء تولبودل، مرورًا بالإضراب العام ١٩٢٦، حتى إضراب عمال المناجم الكبير ١٩٨٤، يحكي لنا صراع الطبقات في بريطانيا.

يتساوى الرأسماليون الرئيسيون في التجرد من الضمير حين يتعلق الأمر بالتعامل مع منافسيهم. ممارسات من قبيل التجسس الصناعي، وتحديد الأسعار، والعقود، والاحتكارات لهي جزء من العمليات اليومية للنظام. والعنف ليس استثناءً من ذلك. داهم القراصنة الإنجليز خصومهم الهولنديين والإسبان في القرن السابع عشر. ما إن استولى الرأسماليون البريطانيون على الدولة حتى أنشأوا قوات بحرية للقيام بالمهمة بمهنية واحترافية. قمعت القوات التابعة لشركة الهند الشرقية، المدعومة بواسطة الدولة لاحقًا، الهند وألقت بخصومها، أي الشركة، في فخ الرأسمالية الإنجليزية في القرن الثامن عشر. مددت القوات البريطانية والبحرية البريطانية من حجم الإمبراطورية عبر آسيا، أفريقيا، والهند الغربية في القرن التاسع عشر. كل ذلك من أجل تأكيد حصول الرأسماليين البريطانيين على النفاذ المباشر للمواد الخام الزهيدة، والأسواق الجديدة، والعمالة منخفضة الأجر.

أثناء كل تلك الفترات، وخصوصًا منذ نهاية القرن التاسع عشر، لم تقتصر حروب القوات البريطانية على سكان المستعمرات، بل شملت حتى أندادها من القوى الرأسمالية. رغم ذلك فإن المنافسة الاقتصادية بين الشركات الرأسمالية المختلفة طوال هذه الفترة غيرت من طبيعة الرأسمالية. في حين أثمرت المنافسة عن إفلاس الشركات الأقل ربحية، حازت الشركات الأكثر ربحية على أسواقهم ومصانعهم. من ثم فإن متوسط حجم الشركات مال للنمو. كفت الرأسمالية عن كونها عبارة عن عدد من الشركات المتنافسة فيما بينها في كل صناعة، وأصبحت نظامًا بحيث تهيمن شركة أو اثنتان على كافة القطاع الصناعي.

في الواقع، تفرض هذه الشركات هيمنتها على أكثر من صناعة واحدة سائر الأحيان.

كلما تنامت الشركات كلما انفجرت على نحو مطرد من خلال الحدود الوطنية. سيطرت الاحتكارات التامة (monopolies) الدولية واحتكارات القلّة (oligopolies) على الأسواق العالمية. تؤول هذه الشركات لتصبح أكثر ترابطًا مع الدولة وجهازها العسكري بالقدر الذي يتزايد فيه توسعها. يعتمد رأس المال متعدد الجنسيات على القوات المسلحة في حمايته من المنافسين ومن الثورات الشعبية في البلدان التي لديه فيها استثمارات مربحة، بنفس القدر الذي يعتمد فيه على الشرطة لحمايته من العمال في الوطن.

كلما تنامت الشركات، تزايد نصيب الدولة من الفوائد متى ما كانت الشركات قيد التشغيل. لن تعبأ الدولة في حال إفلاس شركة ضمن دزينة شركات طيارات أو سيارات ترتكز في دولة معينة، لكن في حال كانت هذه الشركة العملاقة تنفرد بتصنيع الطائرات أو السيارات فلن تقف الدولة مكتوفة الأيدي بطبيعية الحال.

يصدق ذلك تحديدًا على صناعة الأسلحة. عادةً ما فضل الرأسماليون ملكية الدولة الكلية أو الجزئية لصناعة الأسلحة. كما فضل حزب المحافظين رقابة الحكومة الشديدة على الشرطة. وظائف هذين الجهازين في غاية الحيوية بالنسبة للرأسماليين بحيث يتعذر تركهم خاضعين لرحمة تقلبات السوق.

بلغ الترابط بين مصالح الدولة والشركات الكبرى أشده على أعتاب نهاية القرن التاسع عشر. عنى ذات التطور للصناعة أن مزيدًا من الأسلحة المرعبة والجديدة أصبحت الآن متاحة للدولة. نمت وسائل الإنتاج وكذا نمت وسائل التدمير التي كان بوسعها إنتاجها. الآن وخلافًا لما صاحب القرن السابع عشر حين كان الهولنديون والإنجليز الدول الرأسمالية الوحيدة المتناحرة على القوة الاستعمارية، ثمة حشد من القوى العظمى المتنافسة: بريطانيا، وألمانيا، والولايات المتحدة، واليابان، وإيطاليا، وفرنسا وروسيا.

يطلق الماركسيون على هذا النظام مسمى الإمبريالية. لقد أمسكت الأخيرة بزمام مصير القرن العشرين في حين قُسِّم العالم وأعيد تقسيمه ما بين القوى المتنافسة. كانت الدولة الروسية في عهد ستالين وورثته مثلها في عهد قيصر: قوة إمبريالية عظمى. فسحة الضوء الوحيدة: ثورة ١٩١٧، تمّ إخمادها من جانب المنافسة مع القوى الإمبريالية الأخرى.

أتى التصنيع المُنجز في روسيا على حساب الفلاحين والطبقة العاملة نظرًا لأن ستالين كان عازمًا على بناء آلة اقتصادية وعسكرية تضاهي تلكم المملوكة لدى ألمانيا، وبريطانيا، والولايات المتحدة. لا شيء يؤكد هذه النقطة مثل المشهد المسجل بواسطة تشرشل في نهاية الحرب العالمية الثانية.

جلس زعيم حزب المحافظين الذي أعطى الأمر بإطلاق النار على عمال المناجم على طاولة واحدة مع جزار الثورة الروسية كي يتحاصصا الغنائم. أمضى تشرشل في ورقة أن ستحصل روسيا على ٩٠٪ من النفوذ على رومانيا، وتذهب ٩٠٪ من اليونان لصالح بريطانيا، وهكذا دواليك. مرّر الورقة ناحية ستالين، ثم كتب فيما بعد: «لقد تناول قلمه الرصاص الأزرق وطبع علامة صح كبيرة عليها، وأرجع الورقة. سُويّ الأمر برمته في أقلّ مما تطلب للجلوس سوية».

لم يتوقف التنافس بين القوى أبدًا. نُقضت المعاهدات ومواثيق السلام. فشلت مساعي عصبة الأمم – تأسست لتحافظ على السلام من بعد الحرب العالمية الأولى – في منع صعود الفاشية أو الحيلولة دون وقوع حرب عالمية جديدة. أما الأمم المتحدة – تأسست للسبب ذاته من بعد الحرب العالمية الثانية – فأثبتت عجزها كسلفها أو تصرفت بمثابة أداة إضافية للحرب. أيًا كانت السبل التي انتهجتها القوى الرأسمالية لضبط التنافس العسكري فيما بينها، فإنها دائمًا ما تبوء بفشلٍ ذريع.

تحتل المنافسة: الرغبة في أن تراكم المصانع، والبنوك، ومرافق النقل أسرع من منافسيك، مكانةً محورية في عمق الحرب. هكذا كانت حين ولدت الرأسمالية ولا تزال حتى يومنا هذا، بفارق أن العواقب الناجمة أصبحت أشد كارثية من أي وقت سابق. كيما نخلص المجتمع من الحرب، علينا أن نتخلص من النظام الذي يرعى الحرب. وكي نتخلص من التنافس العسكري، ينبغي أن نتخلص من المنافسة الاقتصادية التي تغذيه. لإجبار الجنرالات على مغادرة أرض المعركة، يجب إجبار الرأسماليين الذين سلحوهم ومن يقاتل نيابة عنهم على مغادرة المصانع والمكاتب.

Advertisements

تسعدني تعليقاتكم

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s