بروفات ثورية (2) البرتغال 74 – 1975 ثورة العمال والجنود PDF
بيتر روبنسون
ترجمة أشرف عمر
الناشر وحدة الترجمة – مركز الدراسات الاشتراكية

1- تقديم

تهتم السياسة التي نقرأ عنها في الصحف السائدة، بشكل أساسي، بمناورات الرموز والتيارات البرلمانية، أما عن بقية المجتمع، فلا تلقي الضوء إلا على مرورنا العام على أوراق الاقتراع وصناديقه. تعتمد مثل هذه السياسة على سلبية واستسلام جماهير السكان. لكن ما شهدته البرتغال عامي 1974 و1975 يظهر لنا أن هذه السلبية ليست حتمية على الإطلاق.

تجاوزت أعداد المشاركين في هذا البلد الصغير في المظاهرات النصف مليون متظاهر. في أحياء الطبقة العاملة، تكثّفت النقاشات والجدالات السياسية بين العمال. كان الأطفال ذوي السبعة أعوام على دراية بالأحزاب اليسارية، وجرائدهم، وشارتهم وشعارتهم. والأكثر من ذلك أنهم كانوا قادرين على أن يشرحوا لك لماذا يؤيدون هذا الحزب أو ذاك. ناقش العمال تطورات الأوضاع في فرنسا والبرازيل وإنجلترا والأرجنتين، كما لو كانوا طيلة حياتهم خبراءً سياسيين. كانت ملصقات العصيان المسلح معلنة ومشروعة، وحتى تذاكر الحفلات تتضمن شعارات سياسية مكتوبة عليها.

لم يكن بوسع قيادات الدولة الارتكاز على الجيش كما فى السابق. اجتاحت الدبابات الشوارع المكتظة، حاملة العمال المتظاهرين. أعادت موجة احتلال المصانع إلى الأذهان ما جرى في فرنسا في 1936 ومرة أخرى في 1968، وكذلك فى كتالونيا عام 1936، وتورين 1920. ليست فقط المصانع، بل أيضًا المستشفيات العامة والمراكز الثقافية. ففي إحدى المستشفيات، انتزع العمال الإدارة من الراهبات، ودعوهنّ لحضور المؤتمرات والتصويت فيها. احتُلت المنازل والشقق الفارغة، وكان تنظيم المسـتأجرين والسكان أكبر من أى بلد آخر في أوروبا بما لا يقاس. أما فى القرى، سيطر العمال على العقارات وأطلقوا على الكوميونات أسماءً مثل “النجمة الحمراء” و”ديكتاتورية البروليتاريا”.

تلهمنا هذه الإنجازات الكبرى بالكثير، لكننا أيضًا لابد أن نتعلم منها. كان حكام البرتغال يسعون سعيًا حثيثًا لاستعاداة الأمور كما كانت عليها بين أيديهم من قبل، كانوا يخططون لإرباك وتشتيت الحركة الثورية. من الضروري هنا أن نبدأ في فحص الخلفية التاريخية لتلك التطورات الخطيرة لفهم كيف حدث ذلك ولماذا.

أُسقطت الملكية في البرتغال في 1910، وخلال الـ16 عام التالية، كان هناك 45 حكومة، والكثير من عمليات التفجير المستمرة، والاغتيالات والانقلابات والمحاولات الانقلابية التى باءت بالفشل، والتمردات وحركات العصيان، والإضرابات والاعتصامات، إلخ. انتهت هذه الفترة، التي ساد فيها الحكم بالبرلماني، بانقلاب نُظم في 1926. عُيِّن أنطونيو دي أولييفيرا سلازار وزيرًا للمالية فى 1928. كان الرجل قد بنى حركة جماهيرية، وحزبًا، وأيديولوجيا سُميت بـ”الدولة الجديدة”. وفي خلال سنوات قليلة، كان سالازار قد أسس نظامًا ديكتاتوريًا، ليس كما فعل نظراؤه من الديكتاتوريين فى ألمانيا وإيطاليا استنادًا إلى قطاع من الجماهير، بل عن طريق انقلاب عسكري.

ترعرعت وازدهرت فى ظل هذه السلطة حفنة من الإمبراطوريات الكبرى. وتحت حماية الدولة وسيطرتها، صعدت شركتان عملاقتان، هما سي يو إن وتشامبليمود. نمت السي يو إن حتى سيطرت على عُشر الصناعة البرتغالية، حيث احتكرت فعليًا صناعة التبغ، ونصيب ضخم من الصابون والكيماويات والنسيج، بالإضافة إلى البناء والتأمين. أما تشامبليمود، فقد ركزت استثماراتها في السياحة والتأمين، كما سيطرت بشكل شبه كامل على صناعة الصلب. تبنت الدولة هذه التفاعلات الصناعية المحلية بشكل عمدي في مواجهة رأس المال الأجنبي، حتى أن شركة كوكاكولا كانت ممنوعة من الدخول للبرتغال. لقد نمت سلطة سالازار كأوليجارشية؛ حيث سيطرت بضع عائلات نافذة بإمبراطورياتهم الرأسمالية على مقاليد الامور، ممزوجة في ذلك مع بيروقراطية الدولة والمراتب العليا في القوات المسلحة. بالطبع كان هناك نصيبا للرأسماليين المستقلين الأصغر شأنًا في ظل هذه الأوليجارشية. أما الأحزاب السياسية والنقابات العمالية والإضرابات، فقد جرمها القانون، بينما كان المعارضون يُسجنون ويتعرضون لأبشع ألوان التعذيب على يد الشرطة السرية سيئة الصيت.

كانت هناك ثلاث سمات رئيسية مميزة للبرتغال في أواخر الستينات. أولًا، كانت أقل بلدان أوروبا الغربية تطورًا. نسبة كبيرة من الفلاحين عاشت في الشمال وفي قرى وأراضي الجنوب، فيما تمحورت مراكز صناعية، صغيرة نسبيًا، حول لشبونة، وعلى طول الساحل الشمالي في إقليم بورتو. وبين 1960 إلى 1970، تضاعفت معدلات الهجرة، نتيجة البطالة، خمس مرات، بينما كان التعداد السكاني يقل في السنوات الأخيرة من عقد الستينات.

ثانيًا، كانت البرتغال أولى الإمبراطوريات الاستعمارية الأوروبية، وقد ظلت متعلقة بالاستعمار حتى بعد تداعى الإمبراطوريات الأخرى. وفرت المستعمرات فى أفريقيا وأقصى الشرق المواد الخام الرخيصة، كما ضمنت أسواقًا واسعة للبضائع الصناعية البرتغالية. لكن في أواخر الستينات، بدأت الانتفاضات المناهضة للاستعمار في إضعاف الإمبراطورية. استعرت النضالات في أفريقيا من أجل الحرية بانتفاضات في الكثير من مدن لواندا وأنجولا منذ 1961، كما نهضت حركات حرب العصابات في غينيا 1963، وفي موزمبيق عام 1964.

ثالثًا، كانت الديكتاتورية الأقدم فى أوروبا بحاجة إلى تحديث الصناعة وإعادة تنظيمها، وقد مُوًّلت الكثير من التطويرات الجدية من قبل رأس المال الأجنبي، كما حدث فى تجمعات صناعة السفن العملاقة فى ليسناف وسيتيناف. و أسست بعض الشركات متعددة الجنسيات، مثل تايمكس وبليسي وفورد وجنرال موتورز، فى إطار بحثها عن أيدٍ عاملة رخيصة ونظام يحمي مصالحها، مصانعَ ضخمة جديدة تمركزت فى الأغلب المناطق الطناعية التى حزّمت لشبوبة. نمت إثر ذلك الطبقة العاملة المدنية، حيث وصل نصيب رأس المال الأجنبي إلى 52.2% من إجمالي الاستثمار الصناعي في البرتغال بحلول العام 1968.

لكن الإمبراطورية البرتغالية المتداعية أثبتت أنها غير قادرة على التحديث من دون إجراء إصلاحات سياسية رئيسية.

أصيب سالازار، في سبتمبر 1968، بتلف في المخ بعد سقوطه من فوق مقعد المركب الذي كان يقلّه وعلى إثر ذلك انسحب من السياسة، وقد شجّع ذلك عددًا من المحاولات لإصلاح النظام من أعلى. قدَّم خليفة سالازار، مارتيلدى كاتيالو، ما سُميَ بسياسات “ربيع التحرير”؛ حيث تراخت الرقابة، وسُمح للسجناء السياسيين بالذهاب إلى المنفى، بينما عاد بعض المنفيين إلى البرتغال مرة أخرى. نهضت الحركة الطلابية بتحفيز من الانفتاح النسبي الذي وفرته سياسات التحرير، وبإلهام من الحركة الطلابية في أوروبا والولايات المتحدة. كان الطلاب الذين يرسبون في امتحاناتهم يُجندون في القوات المسلحة، ومن ثم تعرفت الحركة على النضال المناهض للاستعمار فى أفريقيا.

عُقدت انتخابات ضّيقت السلطة الخناق عليها فى 1968. وتشكّلت خلال الحملات الانتخابية جبهة انتخابية من الشيوعيين والكاثوليكيين، والكثير من الرموز والمفكريين اليساريين البارزين، أُطلق عليها “اللجنة الانتخابية الديمقراطية”. وقد صارت اللجنة فيما بعد بمثابة منصة مهمة لمعارضة النظام.

“الربيع الجديد” كان يعنى أن النقابات العمالية لم تعد مضطرة لإرسال قوائم المرشحين في انتخاباتها الداخلية إلى الشرطة السرية. وهكذا جرت الانتخابات عاميّ 1969 و1970 في خمس نقابات عمالية، كما اختار أعضاء نقابة عمال النسيج طالبًا مناضلًا لينظم نقابتهم. وبحلول أكتوبر 1970، كان هناك ما يقرب من 20 نقابة بقيادات منتخبة، شكلوا فيما بينهم اتحادًا نقابيًّا شبه رسمي.

كان صعود الحركة الطلابية والعمالية، بالإضافة إلى مستنقع الحروب الاستعمارية والأزمات الاقتصادية، بمثابة جرس إنذار للنظام، فيما دفع كاتيالو للعودة مرة أخرى إلى السياسات المحافظة والقمع فى مطلع السبعينات. لم تُتح أية فرصة للإصلاح بينما كانت الحرب مستعرة، ومايقرب من نصف الميزانية المركزية يُنفق على القوات المسلحة.

لكن الحركة العمالية لم تتراجع هكذا بسهولة. قدم كاتيالو قانونًا للعقود الجماعية نتج عنه مفاوضات سنوية حول الأجور. ونتيجة لذلك، شهد قطاع النسيج إضرابًا عن العمل مرة كل عام بين 1970 و1973، بينما نُظمت إضرابات أخرى عفوية قصيرة الأمد في عدد من القطاعات الأخرى، وبسبب الخوف من القمع، لم تكن لجان الإضراب، في الأغلب، تُنتخب أو تُنظَّم. ولم يكن العمال في بعض الحالات يحددون مطالبهم، كانوا فقط يطالبون بزيادة في الأجور.

بدأ النضال المصنعي الأكبر في 1973، حين أضرب عمال المعادن في الخطوط الجوية البرتغالية. احتل بعض هؤلاء العمال طائرة بوينج 707، وخلال فض الإضراب وإخلاء الطائرة أطلقت الشرطة النار على اثنين من العمال وأصابتهم بجروح. تشكلت بعد ذلك لجنة عمالية، وهى الأولى فى البلاد منذ أجيال عديدة.

“اعتدت الشرطة على الكثير من الناس. استمر الإضراب 15 يومًا. لقد كان إضرابًا منظما بشكل محكم. وكانت تصدر نشرة يومية بتوقيع “مجموعة من العمال”. كان العمال، من أقسام مختلفة في المصنع، يلتقون في منازل بعضهم البعض، وفيما يقرب من 150 عامل كانوا قد انخرطوا في منظمة سرية للعمال في المصنع. لقد مكّن التنظيم السري لهؤلاء العمال، مع النضال في الإضراب في المصنع، من إحراز النصر في الإضراب. لم ينتزعوا مطالبهم الخاصة بالأجور فحسب، بل أيضًا نجحوا في إطلاق سراح العمال المحبوسين، وتلقى المصابون تعويضات من إصابتهم، كما عاد زملائهم الذين فُصلوا تعسفيًا”.

تأثر عمال مطار لشبونة سياسيًا باليسار الثورى الناهض. وبحلول العام 1972، كانت المناقشات والجدلات تتطور داخل “اللجنة الانتخابية الديمقراطية” حول موضوعات مثل استخدام العنف، والعمل السياسي شبه الشرعي، والديمقراطية الداخلية. و غادر اللجنة بعد انشقاق داخلى، ما بين ثلث ونصف مناضلي اللجنة – 40 أو 50 عضوًا من مؤسسي اللجنة من مجموعات اليسار الثورى (غير الماوي) وأعضاء قياديين في الحزب الاشتراكي.

انتعشت بعد ذلك، ثقة الحركة العمالية في نفسها، كما شهد اليسار الثوري تطورًا فائقًا، نتيجة لما كان يجري من حولهم خارج البلاد.

2- حركة القوات المسلحة والانقلاب العسكري

أظهرت الصحافة الجنرال أنطونيو ديما سبينولا، بنظارته أحادية العدسة وعصاه التي يختال بها، كان سبينولا قد حارب في صفوف فرانكو في الحرب الأهلية الإسبانية، كما خدم كمراقب مع قوات ألمانيا النازية على الجبهة الروسية.عبّر الجنرال الذي كان حاكمًا سابقًا لغينيا ومديرًا لمجموعة شركات تشامبليود، عن الغضب المتنامي لدى مؤسسات في كتاب بعنوان “البرتغال والمستقبل”. لم يكن الكتاب، الذي نشرته دار نشر تابعة لشركة سي يو إن، يمثل نصًا ردايكاليًا بأي شكل من الأشكال. فكلتا الشركتين، سي يو إن وتشامبليود، كانتا تضغطان من أجل الدخول في السوق المشتركة وفي المجموعة الاقتصادية الأوروبية، وكذلك من أجل حل استعمارى جديد في أفريقيا.

كانت الأرباح الاستثمارية تتجه بشكل أكبر من الإمبراطورية تجاة المجموعة الاقتصادية الأوروبية، وقد انعكس ذلك التحول في الاستراتيجية السياسية التي تبنتها دوائر الطبقة الحاكمة.

كتب كايتانو في مذكراته:

“فى 18 فبراير، تلقيت نسخة من “البرتغال والمستقبل” مصحوبة بإهداء طيب من المؤلف… حين أغلقت الكتاب، أدركت أن الانقلاب العسكري الذي كنت من قبل أشعر بقدومه، صار حتميًا”.

لكن كايتانو كان يتوجس الحيطة من سبينولا وأتباعه ومعاونيه، وليس من الضباط الصغار ممن ينتمون لحركة القوات المسلحة – MFA. لم يكن بعده على دراية بما أدت إليه الحروب الاستعمارية، اللامنتهية من تحطيم عميق للثقة والولاء السياسيين لدى الضباط ذوي الرتب الوسيطة للنظام الحاكم.

لم يكن هناك أي أفق للانتصار في هذه الحروب. فى مطلع 1974، كان الحزب الأفريقي في غينيا على وشك الانتصار كما أطلقت جبهة التحرر في موزمبيق هجمات جديدة. وصل القتلى من البرتغاليين إلى 13 ألفًا، مما يعد أكبر عدد فقدته البرتغال في أى صراع مسلح منذ حروب نابليون. وبالطبع ألقي اللوم على الجيش بالأساس. صار الكثير من الضباط يشعرون بالعار من ارتداء الزي العسكري في شوارع لشبونة.

أدى الافتقار إلى ضباط متمرسين إلى إصدار مرسوم، في يوليو 1973، يسمح للضباط المجندين في الخدمة لفترات قصيرة بالترقية مع الضباط العاديين العاملين بالجيش. وبعد اصطدام الحكومة بحاجز صلب في الكراهية والعداء أصدرت مرسومًا آخر يضمن الأمان للضباط بدءًا من رتبة نقيب، وبالطبع أثار ذلك سخط الضباط الأصغر. في 9 سبتمبر، وسط الكثير من التدابير الصارمة، اجتمع 136 ضابط، كان أكبرهم في رتبة نقيب في قرية بعيدة، ظاهريًّا في “حفل شواء”. وهكذا بدأت أولى اجتماعات حركة القوات المسلحة.

أسست حركة القوات المسلحة، التي خدم أغلب أعضائها من قبل في غينيا، لجنة تنظيمية. وفي 16 مارس، عمدت الحركة إلى تنفيذ محاولة انقلاب فاشلة، لكن نجيتها أن تراجع النظام عن الإجراءات المعمول بها، فيما نقل أغلب قيادات الحركة إلى وحدات أخرى، لكنهم استمروا في التحريض في وحداتهم الجديدة. كانت قيادات الحركة، وبحلول إبريل 1974، قد بنت شبكة من حوالي 300 ضابط مؤيد وداعم لهم، كما أعدوا أول برنامج للحركة داعين لـ”الديمقراطية والتطوير وإنهاء الاستعمار”.

كان الضباط الذين يمكننا أن نطلق عليهم “اشتراكيين” في ذلك الوقت قليلين بالفعل. لم تكن هناك دلائل على أي صلة تربط حركة القوات المسلحة بحركات المقاومة في أفريقيا، أو بالحزب الشيوعي، أو باليسار الثوري. كانت حركة القوات المسلحة تهدف إلى إنشاء اقتصاد “ديمقراطي حديث” على الطراز الأوروبي الغربي، كما رفضت أن يُلقى عليها اللوم في النكسات التي تعرض لها الجيش في المستعمرات. كانت هذه الأهداف والمنطلقات متسقة مع الخلفية الطبقية لهؤلاء الضباط. إلا أن المطالب التي رفعتها الحركة كانت ذات أثر شديد الخطورة على النظام الاستبدادي البرتغالي، وقد جعلت الصدام مع النظام حتميًا.

أذاع راديو النهضة الكاثوليكي أغنية “جراندوا لافيلا مورينا”، في 25 أبريل 1974، في الدقيقة الخامسة والعشرين بعد منتصف الليل. وكانت تلك إشارة بدء الانقلاب.

بعض الجنود كانوا قد اتخذوا خطوات حاسمة بالفعل. ثارت الكتيبة الهندسية، في قلعة بونتينا على الحدود الشمالية للشبونة، وسيطرت على الثكنات. كان الهدف الرئيسي لكارف لو هو “استعادة هيبة الجيش والقوات المسلحة”. كان الرجل قد ظهر من قبل في بعض الصور باكيًا سالازار في جنازته، لكنه لعب دورًا مهما في عملية تطور الثورة.

نجح الانقلاب بسهولة بالغة. تحركت دزينة من الوحدات العسكرية لتسيطر على محطات الراديو والتليفزيون، وكذلك المطار ومقر القيادة العسكرية العامة، ولم تواجه إلا مقاومة ضئيلة الشأن. قُتل فقط أربعة أشخاص، أطلق النار عليهم عملاء الشرطة المذعورين. تفتت النظام الذي استمر لما يزيد عن خمسين عامًا في يوم واحد.

“جندي فلاح شاب كان واقفًا للحراسة في أحد شوارع لشبونة، سأله أحد العابرين، وكان يبدو من الطبقة الوسطى ماذا يفعل فى هذا المكان، رد الجندي بأنه أُمِرَ بمراقبة القوات المتمردة. وحين قيل له “لكنكم أنتم الثوار!” ، صاح في زميله: “مانديل، نحن المتمردون، مرحى”.

انتاب التوتر والارتباك قيادة حركة القوات المسلحة إثر هذا السقوط المفاجئ والسريع؛ فلم تكن الحركة تنوي أن تتولى زمام البلد بأسره، ولو حتى بشكل مؤقت. لكن بدفع من المسؤلية، وضرورة الحفاظ عليها، كلّفت اللجنة التنسيقية لحركة القوات المسلحة مجموعة من الجنود البارزين، بقيادة الجنرال سبينولا، بتولى القيادة. هذا المجلس العسكري شكل بدوره الحكومة المؤقتة الأولى.

3- الكرنفال

كان رد فعل الجمهور على الانقلاب في البدء حذرًا ومربكًا. هرع الكثيرون لتخزين الوقود والسلع الأساسية. أبقى الآباء على أطفالهم داخل المنازل. لكن سرعان ما خرج عمالٌ وفلاحون وشباب إلى الشوارع لمتابعة ما يحدث. تجمعت الحشود في الميادين الرئيسية في لشبونة:

“اقتربت القوات منا. ماذا سيحدث؟ رفعوا أيديهم مشيرين بعلامة النصر. هتفت الحشود كما لم أسمع هتافات من قبل. كان الناس يصيحون في غضب، لكن الأمر كان ممتعًا بشدة”.

سرعان ما كسب شعار “القوات المسلحة مع الشعب، والشعب مع القوات المسلحة” شعبية هائلة. صارت أزهار القرنفل الأحمر شعارًا للثورة؛ حيث اللون الأحمر للتعبير عن الثورة، والقرنفل ليرمز للسلام. كان الجنود يتلقون من الناس أزهار القرنفل ويعلقونها في فوهات بنادقهم. في نهاية اليوم، انتشرت أسراب الدبابات في الشوارع حاملة من تسلقها من الشباب المبتهج بالحدث. هاجم المتظاهرون عملاء الشرطة السرية الذين فرّوا هاربين من الإعدام. سُجِنَ حوالى 100 من عملاء الشرطة السرية، كما أُطلق سراح 200 من السجناء السياسيين. لم يجرِ ذلك إلا بأيدى الحشود الجماهيرية. تغيرت أسماء الشوارع والكباري، وتزيّنت الجدران برسومات الجرافيتي والشعارات السياسية والملصقات، ولاحقًا غطتهما الجداريات الكبيرة. أُعلن الأول من مايو عيدا قوميا. أما الأيام بين 25 أبريل و1 مايو كانت بمثابة “عيدٍ للمضطهدين”. حتى عاملات الجنس قد نظّمن أنفسهن، وعرضن خدماتهن بنصف الثمن للرتب العسكرية دون الملازم.

سريعًا ما أطلق الانقلاب العنان للتطلعات والطاقات الجماهيرية. في 29 إبريل، احتلت أكثر من 100 عائلة من المناطق العشوائية مشروعًا حكوميًا جديدًا للإسكان في ضواحى لشبونة. واحتُلّ خلال الإسبوعين التاليين، أكثر من ألفي منزل عبر البلاد كما نهضت حركة لجان السكان خلال الشهور الثمانية عشر التالية.

زعمت حركة القوات المسلحة لاحقا أنها كانت بمثابة “محرّك” الثورة. لكن في الحقيقة، كانت الحركة حذرة للغاية في الأيام التي تلت الانقلاب. كان المحرك الأساسي للثورة الحركة العمالية.

كان مصنعًا واحدًا للصناعات المعدنية في يوم الانقلاب نفسه قد شهد إضرابًا عن العمل، وكان يتضمن حوالى ألفيّ عامل. طالب هؤلاء العمال بحد أدنى للأجر 6 آلاف إسكودو شهريًا، فيما اعترفت الإدارة فورًا بهذا المطلب ووعدت بتنفيذه إثر خوفها من أن يصفها حكام البرتغال الجدد بالفاشية. لكن المجلس العسكري لم يكن سعيدًا بهذا الاتفاق الذي أجبر العمال الإدارةَ عليه، واعتبره مثالًا “لا يجب أن يُحتذى به”.

توجه أغلب العمال بعد 25 أبريل إلى أعمالهم ومصانعهم، لكنهم قضوا اليوم احتفالا. سرعان ما تحوّلت هذه الاحتفالات إلى معارك، حيث رغبت مجالس إدارات الشركات والمصانع في العودة للإنتاج سريعا، بينما سعى العمال لنقل الثورة إلى أماكن العمل. نشبت هذه الصراعات العفوية وغير المنسقة بالأساس في الصناعات الجديدة مثل الإلكترونيات وبناء السفن، وفي القطاعات المستمدة من الصناعات الأقدم مثل النسيج والبناء. رُفعت المطالب الاقتصادية والسياسية سويًا، وقد انتشرت المطالب المتعلقة بالأجور عفويًا كالنار في الهشيم. يتذكر أهم المشاركين اجتماعًا عُقِدَ في أوائل مايو نظمته عاملات النسيج، يقول:

“كان هناك 7 أو 8 آلاف شخص. كان كل شىءٍ مرتبكًا. صاح أحدهم: هل علينا المطالبة بزيادة 3 آلاف إسكودو. جاءت الإجابة من كل مكان “لا… 4 آلاف”، ثم “لا… 5 آلاف”.

أضرب عمال شركة تايمكس لإنتاج الساعات، وغالبيتهم من النساء، من أجل زيادة الأجور، وطُرد 6 من مخبري الشرطة السرية. كانوا يبيعون الساعات في الشارع من أجل دعم تمويل الاضراب. وأضرب في 13 مايو 1600 عاملٍ من عمال المناجم في بانا سكويرا من أجل إقرار حد أدنى 6 آلاف إسكودو شهريًا، ورعاية طبية مجانية، وزيادة سنوية من الأجر الشهري، ويوم عطلة في الشهر، بالإضافة إلى طرد الفاشيين. وفي خلال أسبوع واحد، كانوا قد انتزعوا كافة مطالبهم. واحتلّ عمال ليسناف في 15 مايو أحواض السفن الـ 8400، وأضربوا عن العمل من أجل إقرار 40 ساعة عمل فقط في الأسبوع وحد أدنى للأجر 7800 إسكودو شهريًا.

شهد 158 موقع عمل مواجهات حادة خلال شهر مايو فقط، من بينهم 35 اعتصام واحتلال لموقع العمل. احتجز العمال في أربعة منهم مدرائهم لتنفيذ مطالبهم.

توازت المطالب الاقتصادية مع دعوات التطهير من كافة المدراء ذوى الصلات مع الفاشيين في الشركات الكبرى، بالأخص الشركات المتعددة الجنسيات. كان ذلك يعني في بعض المواقع طرد المدراء جميعهم. سُميت هذه الظاهرة بـ”التطهير”، وسرعان ما تجاوزت عملاء الفاشية لتشمل كل من يقف في وجه العمال ومطالبهم. اجتاحت عملية التطهير تلك أكثر من نصف الشركات التي يعمل بها 500 شخص فأكثر، كاشفةً عن ضعف مجالس الإدارات من جانب، والثقة المتنامية لدى العمال من جانب آخر. طرح التطهير مسألة السلطة وتولى زمام الأمور في نظافة المصانع، ودفعها إلى الصدارة.

في ذلك الوقت، كانت 0.4% من الشركات في البرتغال تسيطر على 53% من رأس المال في البلاد. وبالتوازى مع آلاف الورش والمصانع الصغيرة، نمت في البرتغال بعض من المصانع والشركات الأضخم والأكثر حداثة في أوروبا كلها. وحتى في العالم 1955، كان 86% من الإنتاج الصناعى يأتي من المناطق الصناعية التابعة للشبونة، أو المنطقة بين بورتو والشاطئ؛ لذا فقد كانت الطبقة العاملة الصناعية البرتغالية، التي تقدر إجمالًا بحوالي مليون عامل، أربعة أعشار العمالة في البلاد، شديدة التمركز في مناطق مثل لشبونة؛ حيث أضرب حوالي 200 ألف عامل في مايو، كان العمال علي استعداد للتعلم من نضال بعضهم ومساندة بعضهم بعضًا.

لم تكن لجان العمال قبل 25 مايو تستمر لفترات طويلة، كانت تواصل عملها خلال فترات الإضرابات فقط، أما بعد الانقلاب فقد انتشرت لجان العمال على نحو واسع النطاق. لكن حتى في مدينة ليسناف البروليتارية، خلال إضراب مايو 1974:

“لم تكن الأمور منظمة جيدًا، بل كانت تسير بمنطق “هيا بنا، فلنفعل شيئًا”. لكن لاحقًا، كانت الانتخابات تجري بشكل صحيح بناءً على مواقع العمل”.

كانت اللجان والمجالس العمالية بحلول نهاية مايو 1974 قد تشكلت في أغلب مواقع العمل في منطقة لشبونة الصناعية. تقول التقديرات أن بين مايو وأكتوبر نشأت حوالي أربعة آلاف لجنة عمالية، غالبًا من خلال التجمعات الجماهيرية في كل مواقع العمل. لعبت هذه اللجان دورًا هامًا في توحيد حركة العمال في مواقعهم.

تجاهل الكثير من المناضلين النقابات خلال شهر مايو، معتبرين إياها بقايا باقية من النظام الفاشي. في حين أن اللجان العمالية نفسها أحيانا كانت تنشأ في التحام مع اللجان النقابية. كان العمال ينتمون إلى لجنة واحدة في الكثير من مواقع العمل، كمصانع النسيج، إذ كانت اللجنة النقابية هى نفسه اللجنة العمالية.

ربما كانت اللجان العمالية تفتقر إلى التنظيم الرسمي الشرعي، لكن مستوى نضال العمال دفعهم للالتقاء والتجمع بشكل متكرر طيلة الوقت. اتسمت هذه اللجان بدرجة عالية من الديمقراطية. فقد تشكلت مثلا اللجنة العمالية في بليسي من 118 عامل، أصروا على التوجه جميعًا لعقد الاجتماع الأول مع الإدارة للتفاوض على المطالب.

تعلم العمال سريعًا من بعضهم البعض ، ودعموا بعضهم بعضًا، وصارت تجمعاتهم الكبيرة تضم عمالًا من مصانع مختلفة. تتذكر إحدى العاملات أنها قالت ذات مرة في أحد هذه الاجتماعات:

“كنا نتسائل، لماذا نبقى وحدنا إذا كانت نفس المشاكل يواجهها غيرنا أيضًا. قررنا الانضمام إليهم ومناقشة الأمور سويا. كل مصانع جنوب لشبونة كان لها ممثلين في الاجتماع. كانت هناك مساحة بيننا للالتقاء والنقاش. الهدف الأساسي لهذه الاجتماعات كان حماية الثورة”.

كان الجيش في الأسابيع الأولى للثورة يحظى بتأييد شعبي كبير، بما في ذلك الضباط الصغار. في واحد من اجتماعات عاملات النسيج، قاطع أحد الجنود الاجتماع:

“كان خارجًا عن وعيه. طلب سوطًا لأنه يريد شرابا آخر لنفسه ولزملائه”.

يتذكر رئيس الاجتماع الذى كان ناشطًا نقابيًا، الموقف على النحو التالي:

“قلت للجندي أن يغرب عن وجهي، فذهب. غضب الحضور بشدة من تصرفي هذا مع الجندي. ربما كنت سأُعدم إن لم أخبرهم أني ضابط، فقد كنت وقتها مرتديًا الملابس المدنية. كان يُنظر للجنود في ذلك الوقت كأنهم قديسون”.

استغل المجلس العسكري هذه الشعبية من أجل إقناع العمال بالعودة إلى العمل. كان ذلك الوقت فقط لعلاج الموقف وسد الفجوة لا أكثر، لكن حكام البرتغال كان عليهم اتباع أساليب منتظمة وأكثر دوامًا لضبط العمال وإجبارهم على العمل.

4- الحزب الشيوعي البرتغالي والنقابات

كانت الخطوة الأولى في نزع فتيل الحركة العمالية هي محاولة تشكيل حكومة “وحدة وطنية”، تتمثل فيها مصالح كل الطبقات – بما فيها الطبقة العاملة نفسها. وبالتالي، حظى الحزب الاشتراكى، الذي تأسس قبلها بأقل من عام واحد والذي لم يكن لديه أكثر من 200 عضو، على ثلاثة حقائب وزارية، في الحكومة المؤقتة الأولى في 15 مايو. تمكن زعيم الحزب الاشتراكى، ماريو سواريس، من إقناع سبينولا المتشكك دائمًا، بضرورة عدم إقصاء الحزب الشيوعي من حكومة الوحدة الوطنية، وأنه سيكون أقل ضررًا داخل الحكومة مما سيكون خارجها وضدها. وهكذا صار الأمين العام للحزب الشيوعي، اللفاروكونمال، وزيرًا بدون حقيبة، كما عُيِّنَ ألفينوكونكالفيس، من نقابة موظفي البنوك، وزيرًا للعمل.

كان للحزب الشيوعي تراثًا يُحترم في النضال ضد الفاشية. كان يفخر بأن لديه 247 مرشحًا لانتخابات أبريل 1975، قضوا إجمالًا 440 سنة خلف القضبان.

كان الحزب على مدار سنوات عدة قد أسس منظمة سرية، ربما بلغ أعضاؤها زهاء الـ5 آلاف عضو بحلول 25 أبريل 1974. كان الحزب الشيوعي حقًا هو الوحيد الذي يستند إلى قاعدة أساسية داخل الطبقة العاملة. لكن، كما هو الحال بالنسبة للأحزاب الشيوعية الغربية الأخرى، آمن الحزب بأن مهمته هي بناء تحالف لكل طبقات من أجل تأسيس إطار ديمقراطي برجوازي، يمكنه من داخله أن يوسِّع تأثيره ويحظى بنصيب أكبر. هذا المنظور دفعه لبناء الحزب الاشتراكي كحليف “يساري” مستقبلي. لكن هذا المنظور أيضًا كان يعني رفض فكرة إمكانية قيام ثورة اشتراكية وانتصارها في البرتغال المتأخرة اقتصاديًا، فالأولى بالنسبة له هو بناء قاعدة صناعة وطنية في البلاد. وهكذا كان الحزب الشيوعي البرتغالي دائما ما يشير إلى “أزمة الانتاج”، ودائما ما يحث العمال على “حماية الاقتصاد الوطني”.

تشكل اتحاد النقابات منذ 1970 للنضال من أجل تحسين الأجور وظروف العمل والاعتراف بالنقابات. كان لدى الاتحاد 22 نقابة تحت مظلته في 25 أبريل، وقد زاد العدد إلى 200 في غضون أسابيع قليلة. كان الحزب الشيوعي سابقًا يمثل أحد الأطراف الفاعلة فى الاتحاد. بعد ذلك صار يعد العدة للسيطرة على النقابات، مرسلًا كوادره للعمل بدوام كامل فيهم متحملًا كل نفقاتهم؛ فقد كانت النقابات في تلك الفترة شحيحة الموارد، بحيث لم تكن لتقدر على دفع أجور موظفيها. وهكذا تحوّل الاتحاد إلى مظلة نقابية كبيرة تحت قيادة الحزب الشيوعي.

في 25 مايو، أُجبرت الحكومة على إقرار حد أدنى للأجور بقيمة 3300 إسكودو شهريًا، وهكذا قد زادت الأجور بنسبة 30% في المتوسط. سرَّحت الحكومة بعد أربعة أيام ألفًا من مدراء الشركات الذين كانت تربطهم بعض الصلات بالنظام القديم. هدأت موجة الإضرابات مؤقتًا، أما مجلس المصانع التي انتشرت كالنار في الهشيم، فقد اختفت تقريبًا. استمرت بعض اللجان المصنعية فرادى، جنبًا إلى جنب مع لجان الأحياء في المناطق العشوائية ومشاريع الإسكان المُحتلة.

نظم اتحاد النقابات مظاهرة مناهضة للإضرابات في 1 يونيو، وفقًا لرؤيته بأن زيادات الأجور هذه تكفي. أما الحزب الشيوعي، فقد أوضحت جريدته الأسبوعية “إلى الأمام – Avante”، أن على العمال أن يتجنبوا “المناورات الرجعية التي تستهدف وقوع اضطرابات مصنعية”. كانت المظاهرة في غاية التخبُّط والارتباك، لكنها أظهرت مدى سيطرة الحزب الشيوعي على الاتحاد.

اتضح الدور المشترك بين الحزب الشيوعي والنقابات في الهجوم على المضربين، بشكل جليّ، بالذات في يونيو، الشهر الذي شهد أول هجمة كبرى من قبل الحكومة على عمال البريد – ذلك القطاع العمالي الذي يفتقر أصلًا إلى القوة أو الوزن الاقتصادي. في 18 يونيو، وبعد أن تقلى عمال البريد (25 ألف عامل) عرضًا مستفزًا ومثيرًا للسخرية فيما يخص الأجور، قرروا الإضراب عن العمل، وقد قادت الإضراب لجنة منتخبة خارج سيطرة الاتحاد. نظم العمال مكان الاعتصام وحدوده، كما دبروا الاحتياجات المالية والطبية للعائلات الأفقر، وأصدروا النشرات التي توضح أسباب إضرابهم للعمال الآخرين. سرعان ما اتجه الحزب الشيوعي والاتحاد لمهاجمة المضربين نظرًا لـ”محاولتهم التميز على حساب جماهير المواطنين”. هذا الابتزاز كان مدعومًا بالقوة؛ في 19 يونيو استدعت الحكومة الجيش لكسر الإضراب.

وفي مواجهة هذا التهديد، انعقد اجتماع كبير للجنة الإضراب، التي قوامها 260 عضو، وقد ساد شعورٌ بأنهم مجبرون على التراجع للخلف في مقابل زيادة من 80 إلى 100 إسكودو شهريًا فقط. بالطبع كانت اللجنة تشرح بمرارة ما حدث في بيان دافعت فيه عن الإضراب وفضحت فيه دور الحزب الشيوعي، الذي كان من قبل يفخر بقيادة النضالات التي صار يسعى لتخريبها وكسرها.

على النقيض، دعم الحزب الاشتراكي الإضراب بوضوح، مشددًا على تنظيمه الديمقراطي في مجابهة الحزب الشيوعي الستاليني. وبذلك أعلى الحزب سمعته باعتباره حزبًا “يساريًا”، وهذه الحقيقة أثبتت صحتها لاحقًا.

لم يكن ذلك إلا مجرد انتصار منفصل عن السياق للحكومة المؤقتة؛ فقد كان النضال المستمر يعصف بها من جانب، بينما تأثرت كثيرًا من هجرة رأس المال الأجنبي من جانب آخر، وفي النهاية انهارت تمامًا في 9 يوليو.

5- حركة القوات المسلحة وانقلاب يوليو

لم تكن الحكومة المؤقتة الأولى تسيطر أبدًا بشكل حاسم على السياسات المعمول بها. ففي الفترة من أبريل حتى يوليو، كانت السلطة الفعلية مُقسَّمة بين ثلاثة مراكز: المجلس العسكري، واللجنة التنسيقية لحركة القوات المسلحة، والحكومة المؤقتة نفسها. ووضعًا في الاعتبار هيبة الجيش من ناحية، وضعف الأحزاب التي شكلت الحكومة المؤقتة من ناحية أخرى، نجد من الطبيعي أن تكون الحكومة المؤقتة هي الأضعف بين مراكز السلطة هذه. وفي نفس الوقت، كانت هناك فروقًا هامة بين جنرالات المجلس العسكري من جانب، وضباط حركة القوات المسلحة ذوي الرتب المتوسّطة من جانب آخر.

كان المجلس العسكري مهتمًا بشكل مبدئي بالحفاظ على النظام السياسي والاقتصادي القائم، وتماسك الجيش تحت قيادته، وهندسة عملية الانتقال “المنظم” إلى الحل النيوكولونيالي في أفريقيا. أما حركة القوات المسلحة، فقد شملت ضباطًا مُجنَّدين لا نصيب دائم لهم في النظام. كانوا معادين للنخبة السياسية القديمة التي جلبت لهم العار في الحروب الاستعمارية، هذه الحروب التي كانوا يطمحون لوضع حدٍ لها. كان هؤلاء الضباط أيضًا عرضة لتأثير الحركة الجماهيرية بشكل كبير.

كان الجنرال سبينولا قد حاول التوفيق بين القوى المختلفة من خلال جمعهم سويًا في “مجلس الدولة” الذي تشكل من أعدادٍ متساوية من ممثلي المجلس العسكري وحركة القوات المسلحة، علاوة على بعض الشخصيات المدنية من ذوي النفوذ المُعيَّنين من قِبل سبينولا نفسه. كان الصعود المتنامي في المستعمرات لحركات التحرر والركود والإحباط المتزايدين في صعود القوات المسلحة، قد فرضوا ضرورة سرعة الانفصال على غير رغبة رأس المال البرتغالي. أما في الداخل، كان من الضروري وضع حلول سريعة لمشكلة الانضباط في العمل بنفس القدر. هذه الأهداف لم تكن ممكنة التحقق دون إشراك حركة القوات المسلحة بشكل مباشر في أعمال الحكومة.

وهكذا ضمت الحكومة الجديدة سبعة ممثلين من حركة القوات المسلحة، وترأسها فاسكو جونكالفس، الذي كان يتعامل عمومًا بشكل إيجابي مع الحزب الشيوعي. كانت واحدة من أولى خطواته هي أنه سنَّ سلسلة من قوانين الإضراب التي شرَّعت إضرابات الأجور لأول مرة، لكنها منعت الإضرابات السياسية والإضرابات التضامنية. كان هذا الطيف اليساري لدى الحكومة المؤقتة الثانية يعكس قوة الحركة العمالية نفسها، بينما عكست إستراتيجيتها العنيفة حدة الأزمة التي وجدت الرأسمالية البرتغالية نفسها فيها.

اعتمد تفعيل القانون ضد العمال، على الرغم من ذلك، على إخلاص وتماسك القوات المسلحة، ذلك التماسك الذي كان آخذًا في الانهيار بشكل متزايد. في تلك الفترة، ومنذ الانقلاب، جذّرت قوة ونضالية الحركة العمالية قطاعات هامة من القوى الموجودة تحت تصرف الدولة. في المناطق التي كانت الحركة فيها قوية بشكل خاص، كانت قطاعات، مثل مهندسي الجيش وكتيبة المدفعية الخفيفة في لشبونة، متعاطفة مع الإضرابات والمظاهرات. انسحقت الشرطة سالازار وكايتانو السرية سيئة الصيت. وأدّى هذا التفكك في أوساط القوات المتبقية إلى تأسيس “قيادة العمليات القارية – COPCON” التي كان مأمولٌ فيها أن “تتدخل بشكل مباشر لدعم السلطات المدنية وتحت إمرتها”. وسرعان ما وُضِعت هذه الآمال قيد الاختبار في الأزمة التي اندلعت إثر محاولات تعزيز القوانين الجديدة بشأن النقابات.

قُدِمَت هذه القوانين في 29 أغسطس، ورد عمال ليسناف عليها بتنظيم إضراب “غير رسمي” ليومٍ واحد، والتظاهر في الشارع ضد القوانين ومن أجل بعض المطالب الأخرى. أوضح منشورهم:

“حين تخرج علينا الحكومة بقوانين معادية للطبقة العاملة من شأنها إجهاض نضالات العمال ضد الاستغلال الرأسمالي، فإننا لا نؤيد هذه الحكومة. علينا أن نتصدى بقوة للقانون المعادي للإضراب، إذ أنه يمثل ضربة قاضية لحرية العمال”.

هوجمت المظاهرة من قبل الحزب الشيوعي، كما حظرتها الحكومة. لكن، هل مُنعت جسديًا من قبل قيادة العمليات القارية، التي أعلنت بالفعل تأييدها للقوانين؟ احتشد أكثر من 5 آلاف عامل من ليسناف في صفوفٍ مكتظة، مرتدين الخوذات، ونظموا مسيرة إلى وزارة العمل في لشبونة. أُوقفت أحواض السفن تمامًا، وكان تأثير ذلك على جنود قيادة العمليات القارية كبيرًا، وقد أدلى أحد هؤلاء الجنود بشهادته كالتالي:

“قبل الغداء، سارت شائعات مفادها أننا سنخرج في مهمة، وكان من الطبيعي أن نتوقع أننا سنخرج إلى ليسناف… اصطففنا في منتصف اليوم، وأخبرنا القائد أنه تلقى اتصالًا هاتفيًا يبلغه بمظاهرة في ليسناف يتزعمها بعض المحرضين اليساريين، وأن مهمتنا هي منع هذه المظاهرة قبل بدايتها. كنا مُسلحين كما لم نكن من قبل.

بدأت المظاهرة، وتقدم سيلٌ من البشر بهتافات “الجنود أبناء العمال”، و”غدًا سيصير الجنود عمالًا”، و”لا ينبغي أن ينقلب الجنود ضد العمال”. وسرعان ما أدرك القائد أننا لن نتبع أوامره، لذا فقد لزم الصمت. نكَّسنا أسلحتنا، وكان بعض رفاقنا الجنود يبكون. ولدى عودتنا للثكنة مرة أخرى، لم يكن القائد منزعجًا بشدة من ذلك، لكنه فقط أخبرنا أن علينا في المستقبل إطاعة أوامره… فيما بعد، صارت الأمور تسير في الثكنات على نحو أكثر حيوية بما لا يُقاس. قبل طابور الصباح، كان الكثير من الجنود يستيقظون مبكرًا ليرددوا شعارات المظاهرة هاتفين إياها: الجنود أبناء العمال – يسقط الاستغلال الرأسمالي”.

وفي منشور لهم، توصل عمال ليسناف إلى الاستنتاج السياسي التالي:

“نحن نؤيد القوات المسلحة طالما أنها تساند نضالات الطبقات المُضطهَدة والمُستغَلة ضد الطبقات المُضطهِدة والمُستغِلة”.

هذا الدعم النقدي كان مُبرَّرًا تمامًا؛ إذ كانت وحدات قيادة العمليات القارية مازالت تُستخدم ضد العمال. نظّم العاملون بالخطوط الجوية البرتغالية في سبتمبر إضرابًا عن العمل. وُضِعَت المطارات تحت سيطرة الجيش، وألقت قيادة العمليات القارية القبض على واحدٍ من قيادات العمال يُدعى سانتوس جونور. لكن في ذلك الوقت، كانت قيادة العمليات القارية غالبًا ما تستمع للعمال، وتتدخل للتحكيم في المنازعات – كانت بالكاد تقوم بدور الخدمة غير المشروطة للقوى المدنية، ذلك الدور الذي تصوره وتوخاه مؤسسي الكتيبة في البداية.

بحلول شهر سبتمبر، صار الصناعيون الكبار، الذين رحبوا في البداية بانقلاب 25 أبريل، ينددون بالحكومة المؤقتة بأكثر الأساليب قسوة؛ فقد كان القلق يساورهم من فقدان الثقة في القوات، وطالما كانوا يتوقون – يائسين – لاستعادة النظام والعمل بالقوانين مرة أخرى. فرَّ الكثير من مالكي المصانع والمستثمرين الأجانب وسحبوا استثماراتهم من البرتغال، وتوصلت حينئذٍ قطاعات من الطبقة الحاكمة إلى استنتاج مفاده أن استخدام القوات المسلحة صار ضرورة تزداد إلحاحًا.

ذهب كبار الصناعيين لمقابلة سبينولا وبعض الجنرالات الآخرين، وقد ناشد سبينولا “الأغلبية الصامتة” بالتحرك في مسيرة كان من المُتَصوَّر أن يشارك فيها ما لا يقل عن 300 ألف متظاهر. تَسَلَمَ الفاشيون الكثير من السلاح، وأشعلوا الكثير من الفوضى والاضطرابات لتقديم ذريعة كافية للجنرالات للتدخل ومهاجمة اليسار وإعادة فرض “النظام”.

لكنهم غفلوا عن أن يضعوا في حسبانهم رد فعل جماهير العمال؛ فمنذ الساعة الثامنة مساء يوم 27 سبتمبر، حين كانت المظاهرة المزمع تنظيمها في أوجها، أُقيمت المتاريس، بعضها كان مدججًا بالسلاح، في كل الطرق الرئيسية المؤدية للشبونة. اضطلع كلٌ من الحزب الشيوعي والنقابات بدور كبير في الحشد، إذ كانت مكاسبهم هم أيضًا مُهدَّدة. وكانت نقابة السكك الحديدية قد وجَّهت أعضاءها بإيقاف القطارات الخاصة المتجهة إلى لشبونة، والبحث عوضًا عن ذلك لمواعيد قطارات مؤجلة لكل المسافرين اليمينيين. كما فعلت نقابة سائقي الحافلات الشيء نفسه، وباستثناء حافلتين اثنتين مملوءتين بالمتظاهرين اليمينيين، لم تتحرك الحافلات إلى لشبونة. انضم الجنود إلى متاريس العمال، أما مظاهرة “الأغلبية الصامتة” فلم تحدث من الأصل.

استقال سبينولا من منصب الرئيس في 29 سبتمبرمع ثلاثة آخرين من المجلس العسكري. ألقت حركة القوات المسلحة القبض على مئات الأشخاص، من ضمنهم الضابط السابق المليونير وعضو المجلس العسكري جالفاو دي ميلو. في اليوم التالي، انحل المجلس العسكري، واستُبدِلَ بـ”مجلس الثورة” الذي هيمنت عليه حركة القوات المسلحة. وهكذا قامت الحكومة المؤقتة الثالثة.

6- اليسار الثوري

أنعش فشل محاولة الانقلاب في سبتمبر كل فصائل اليسار، وشجَّع أعدادًا هائلة من الناس للاقتراب من أفكار كل من عارض اليمين وتَفحُصها. أُلغيَت الرقابة، وكان العمال والجنود متعطشين لهذه الأفكار. قرأ الكثيرون كتابات ليون تروتسكي عن السلطة المزدوجة، كما احتل كتاب لينين “الدولة والثورة” رقم واحد في مبيعات الكتب. لكن المجموعات الثورية لم تعبِّد الطرق لأولئك المهتمين بأفكارهم. كانت الجرائد الثورية مملة في أغلب الأوقات، تعج برطانة بعيدة عن خبرات العمال، تعبر عنها فقط بلغة غامضة وعصبوية. ورغم ذلك، بيعت الكثير من نسخ أعدادها. كان البائعون يتجهون إلى المحطات في لشبونة بحِزَم من مئات النسخ من هذه الجرائد ليعودوا بعد أن يبيعونها جميعًا. كانت “حركة إعادة تنظيم حزب البروليتاريا – MRPP” الماوية تطبع مائة ألف نسخة في كل عدد من جريدتها “النضال الشعبي”، رغم أن النسخ المُباعة كانت أقل كثير.

تأسست هذه الحركة في 1970. وبحلول العام 1974، صارت الحركة الأكبر والأقوى، وتحديدًا الأكثر إزعاجًا للسلطة بين المجموعات الماوية الأخرى. نددت الحركة بحركة القوات المسلحة وقيادة العمليات القارية والحزب الشيوعي، وبالدور الذي تلعبه النقابات. اعتبرت الحركة أعضاء الحزب الشيوعي “فاشيين اجتماعيين”، وهو نفس المصطلح الذي استخدمه الستالينيون للتنديد بالاشتراكيين الديمقراطيين في أوائل الثلاثينات. كانت الحركة تعتبر الحزب الشيوعي عدوها الرئيسي.

خلال المرحلة الأولى من الثورة، حين كانت الحكومة مؤلَّفة بشراكة بين الحزب الشيوعي وحركة القوات المسلحة، وحين كانت قيادة العمليات القارية تُرسَل في الكثير من الأحيان ضد العمال المضربين، لم تكن العصبوية القصوى لهذه المجموعة الماوية عيبًا معوَّقًا لهم – من المهم هنا أن نلتفت إلى الوجود القوي الذي تمتعت به المجموعة في شركة تايمكس لإنتاج الساعات وفي الخطوط الجوية البرتغالية، اللذين شهدا سويًا تدخلات سافرة من قِبَل قيادة العمليات الجوية. لكن “حركة إعادة تنظيم حزب البروليتاري” كانت مستعدة في نفس الوقت للاصطفاف إلى جانب الهجمات من اليمين، فهذا التأثير وهذا النفوذ كانا قد بُنيا خلال التحالف مع الحزب الاشتراكي الذي كان لديه قلة من الأعضاء المنظمين في الورش، وكان مستعدًا بالطبع للتحالف مع الحركة في معركتها ضد الحزب الشيوعي.

وفي صيف 1975، حينما بدأ الرجعيون في مهاجمة وحرق مكاتب الحزب الشيوعي وبقية فصائل اليسار الثوري، وصفت “حركة إعادة تنظيم حزب البروليتاريا” هذه الحركة بأنها “انتفاضة فلاحية ضد الفاشية الاجتماعية”. بشكل عام، في الوقت الذي كان يندد فيه الماويون بالحزب الشيوعي، كانوا يشاركونه نفس رؤاه وفهمه للنضال. فقد رأت هذه الحركة الماوية، متسقةً في ذلك مع رؤية الحزب الشيوعي ذاته، أن بسبب تأخر البرتغال السياسي والاقتصادي، من الضروري إنجاز الديمقراطية والاستقلال الوطني من خلال تحالف بين الطبقات تضطلع فيه الطبقة العاملة بدورٍ ثانويٍ خاضعٍ. أما تأسيس الاشتراكية، فلم يكن مطروحًا في جدول الأعمال. نادرًا ما كانوا يتوقفون عند حقيقة أن الطبقة العاملة البرتغالية كانت وقتها تمثل بالفعل أربعة أعشار إجمال السكان في البلاد، مقارنةً بروسيا التي كانت الطبقة العاملة تمثل فيها في العام 1917 1/20 فقط من السكان.

تكتلت العديد من المجموعات الماوية الصغيرة الأخرى، وفقًا لنفس هذه الرؤى ونفس هذا المنظور، في ديسمبر 1974، في “الجبهة المتحدة الشعبية الديمقراطية – UPD”، التي كانت “جبهة شعبية” تضم فلاحين جنبًا إلى جنب مع صغار مستثمرين، وآخرين ممن كانوا يطمحون لتحقيق الديمقراطية في البرتغال. لقد كانوا يرون البرتغال نفسها كبلدٍ مُستغَل من بلدان العالم الثالث. وجهت الجبهة الشعبية الديمقراطية شعاراتها ضد “كلتا الإمبرياليتين”، كما لو كان رأس المال البرتغالي يحافظ على علاقة متكافئة مع كلٍ من واشنطن وموسكو، وقد كانت معادية لكل من حاول التحرك بحسم متجاوزًا حدود السياسات الوطنية الديمقراطية.

أما حركة الاشتراكيين اليساريين – MES، فقد صعدت من التحالف الانتخابي لعام 1972، وتألفت من عددٍ من النشطاء الكاثوليك، وقد سمح لها تنظيمها المنفتح ببناء قواعد في اتحاد النقابات وفي نقابات عمال المعادن والنسيج وفي الخطوط الجوية، حتى أنها أحيانًا ما كانت تلعب دور المجموعة الضاغطة على الأحزاب الأخرى. إنّ أفضل طريقة لفهم حركة الاشتراكيين اليساريين هي اعتبارها حركة “وسطية”، فقد كانت في الأغلب تستخدم لغة ثورية من أجل جذب العمال الذين قطعوا صلتهم لتوهم مع الإصلاحيين وابتعدوا عنهم، لكنها فشلت في ترجمة نضاليتها الشفهية إلى ممارسة عملية لبناء حزب ثوري مستقل.

أما المجموعتان التروتسكيتان الأرثوذكسيتان – LCI وPRT – فقد كانت لكلتيهما نفس السمة المُشار إليها. في حالة مجموعة PRT، فقد اتخذت سياساتها كمجموعة ضاغطة منحىً أكثر خطورة، حيث تذيل الحزب الاشتراكي، حتى حينما كان الحزب الاشتراكي نفسه يلح على ضرورة فض احتلال العمال لجريدة “الجمهورية” بالقوة العسكرية. أما بالنسبة للـ LCI، فلم يكن يذهب إلى هذا الحد، برغم أن أطروحاته السياسية الأساسية لم تكن مختلفة كثيرًا. كان خطاب المجموعة بالفعل مُمَيَزًا في الحملات الانتخابية في أبريل 1976، حيث طالبت المجموعة كلًا من الحزب الشيوعي والحزب الاشتراكي بتولي مسئولياتهما وتشكيل حكومة دون ممثلين للبرجوازية.

أوضح “الحزب الثوري للبروليتاريا/ الألوية الثورية – PRP/BR” على النقيض من ذلك أن المهمة ليست في إقناع الإصلاحيين بتولي مسئولياتهم، بل في بناء حزب ثوري مستقل يهدف للاستيلاء على السلطة من خلال الانتفاضة المسلحة. لكن الحزب تأثر بتراث حرب العصابات الذي تطور خلال العمليات السرية لنظام كايتانو، فذهب ليشدد على دور القلة المسلحة التي تتحرك باسم العمال نيابةً عنهم. كان الحزب يتجنب العمل الضروري لبناء تنظيم عمالي جماهيري والذي يتطلب عملًا على القضايا والمطالب التي قد تبدو رتيبة ومملة. كان من الضروري على الحزب الثوري للبروليتاريا، كما على تنظيمات اليسار الثوري الأخرى، أن يثبت نفسه في الممارسة العملية.

شهدت الفترة التي أعقبت محاولة الانقلاب الفاشلة في سبتمبر ركودًا نسبيًا في النضال. لكن على الرغم من ذلك، مع بداية يناير 1975، كان العمال يعتصمون ويحتلون المزيد والمزيد من المصانع، وتزايدت مصادرة الفلاحين للأراضي، وكذلك إضرابات طلاب المدارس، وهكذا صارت هناك فرصٌ جديدة تقدم نفسها للاشتراكيين الثوريين ليتدخلوا فيها بنشاط وفاعلية.

7- نضال متصاعد

نظم اتحاد النقابات في 14 يناير مظاهرة عملاقة، ضمت ما يقرب من 300 ألف متظاهر، من أجل حركة نقابية موحدة – UNICIDADE. ومن ثم أدرك الحزب الشيوعي أنه قد أخطأ حينما تجاهل اللجان العمالية القوية التي تنفتح بشكل متزايد للتأثير الثوري فيها، فسرعان ما حاول لكسب أرضية في هذه اللجان. شن الحزب الاشتراكي حملة نقد لاذعة على محاولات تأسيس “الحركة النقابية الموحدة”، متهمًا الحزب الشيوعي بـ”تخريب الديمقراطية”. كان الحزب الاشتراكي يطمح إلى تطوير النقابات خارج سيطرة الاتحاد، وكذلك بعيدًا عن هيمنة الحزب الشيوعي، وهكذا كان يعمل على تقسيم العمال على أسس دينية وسياسية. وردًا على ذلك، نظّم الحزب الاشتراكي مظاهرة كبيرة من أجل اتحاد نقابي أقل “احتكارية”. في هذا السياق، كانت فصائل اليسار الثوري التي عارضت الحملة ضد “الحركة النقابية الموحدة”، ودعمت مظاهرة الاتحاد النقابي، صائبة في موقفها بالتأكيد.

عرضت المزيد من الفرص نفسها أمام الثوريين. دعت اللجان المصنعية لمظاهرة ضد حالات الفصل والتسريح المتزايدة في السابع من فبراير. تجمع أكثر من ألف مندوب عمالي من 38 مصنع، وكان من بينهم بعضٌ من الثوريين، في اجتماع كبير للتخطيط للمظاهرة. كانت اللافتة الأساسية التي تصدرت المظاهرة فيما بعد مكتوبًا عليها عبارة “البطالة نتيجة حتمية للرأسمالية، لذلك يريد العمال تحطيمها وبناء عالمٍ جديد”. وفي اللحظة الأخيرة، أُضيفت أيضًا عبارة “لا للناتو، نعم للاستقلال الوطني”، فقد كان بعض من أسطول الناتو يرسو في لشبونة في ذلك الوقت.

هوجمت المظاهرة بعنف من قِبَل الحزب الشيوعي، كما قرر المحافظ المدني للشبونة حظرها، وقد كان الرجل واحدًا من أبرز مؤيدي الحزب الشيوعي. وصفت نقابات الجنوب (كانت جزءًا من الاتحاد النقابي) ذلك بـ”محاولة إرباك القوى الديمقراطية وتخريب البناء الديمقراطي”. وعلى شاشات التلفزيون، دعا أحد قيادات الحزب الشيوعي، أوكتافيو باز، المشاهدين لتقديم الزهور لقوات المارينز التابعة لأسطول الناتو في لشبونة.

ذهبت مجهودات الحزب الشيوعي سُدى. ولم تبدِ حركة القوات المسلحة أي اعتراض على مظاهرة العمال لمقابلة قيادة القوات القارية، والتي كان قوامها 40 ألف متظاهر:

“كانوا جميعًا بملابس العمل، مرتدين خوذات حمراء، حاملين لافتات غير حزبية بأسماء شركات ليسناف، وسيتيناف، وإيفاكيك، والصلب الوطني. كان منظمو المظاهرة يحملون أجهزة لا سلكية، مرتدين شارات حمراء على أذرعهم، يشكلون حزامًا بشريًا حول المظاهرة. كانوا جميعًا عمالًا…”.

أخذت المظاهرة طريقها إلى وزارة العمل التي تعمل قوات قيادة العمليات القارية على تأمينها… هتف العمال في مقدمة المسيرة “الجنود معنا”، ثم حدث مشهد قد يمكنك من خلاله فهم البرتغال اليوم. توجه العمال نحو الوزارة ببنادقهم الرشاشة المحمولة متدلية حول أجسادهم، وفي نفس الوقت رفعوا قبضاتهم إلى العمال الذين انهالوا في التصفيق لهم. وبقبضاتهم المطبقة، أخذ العمال والجنود يهتفون سويًا “الاستقلال الوطني”. كان الناس يبكون فرحًا”.

جعل حجم المسيرة وتركيبها من المستحيل على الحزب الشيوعي التنديد بأولئك الداعين لها ونعتهم بالمخربين أو مثيري الاضطرابات المتطرفين. كان على الحزب الشيوعي مضاعفة مجهوداته في مواجهة كلٍ من الخرق الذي قامت به حركة القوات المسلحة، والذي برز في عدم اعتراضها مسيرة العمال، والنمو المتزايد لتنظيمات العمال خارج سيطرته. أوضحت اللجان المصنعية بما لم يدع مجالًا للشك أنه لا يمكن تجاهلها أو إهمالها.

كانت اللجان المصنعية تعتمد بشكل أساسي على تعميم نضال مواقع العمل التي تمثلها. كانت اللجان العمالية – السوفييتات – في روسيا، عام 1917 تستخلص دروس النضال العمالي وتمرِّرها إلى مواقع العمل من أجل خوض المرحلة التالية من النضال. كانت السوفييتات بمثابة منتدى عام للأحزاب العمالي التي تجادل لإثبات صحة أفكارها، كانت بمثابة منتدى تُختبر فيه هذه الأحزاب على خلفية احتياجات النضال الطبقي، ومنه يمكن أن تصعد قيادة ثورية قادرة على قيادة الطبقة العاملة لتحدي سلطة الدولة. اعتمدت حيوية السوفييتات على التفاعل بين النضال الذي استدعى تشكيلها، والقيادة الحية التي يمكن أن تقدمها.

وفرت لجان المصانع هذه الإمكانية، لكن قوى اليسار الثوري البرتغالي فشلت في فهم ذلك.

كانت المجموعات الماوية، التي كان لها اليد العليا في التأثير داخل اللجان المصنعية، مندمجةً سويًا في “الجبهة المتحدة الشعبية الديمقراطية”، وكانت ترى الأمر على أنه ليس إلا فرصة أو إمكانية أخرى في يد الجبهة. أما “الحزب الثوري للبروليتاريا”، فقد ارتكب خطأ مختلف. أدت الإنجازات الهائلة للحركة الجماهيرية بالكثير من الناس لرفض الحاجة إلى أحزاب سياسية؛ كانوا يقولون أن العمال والمستأجرين والعمال الزراعيين، جنبًا إلى جنب مع الجنود الجذريين، يمكنهم الدفاع عن الثورة دون أحزاب. طغت اللا حزبية على بقعٍ شاسعة من الساحة السياسية، وقد تماهى اليسار الثوري مع هذه الحالة. في المظاهرات الجماهيرية، كان هناك بالكاد القليل من اللافتات الحزبية، وكان اليسار الثوري يخجل من بيع جرائده، حتى أن بعض أعضاء “حركة إعادة تنظيم حزب البروليتاريا” كانوا يُطردون من المظاهرات لارتدائهم شارات تنظيمهم.

مال “الحزب الثوري للبروليتاريا” وفي داخل اللجان المصنعية تجاه اللا حزبية، وقد فشل في إدراك الدور الحيوي والضروري للجدال حول سياسات ثورية واضحة في اللجان المصنعية وغيرها من تنظيمات الطبقة العاملة، وكذلك – وهو ما لا يقل أهمية – اختبار أدوار الأحزاب السياسية المختلفة في النضال. عمد الحزب في المقابل، وحاله في ذلك حال أغلب فصائل اليسار الثوري، إلى معارضة النقابات باللجان المصنعية. كان الماويون بالأخص يفعلون ذلك، بعدائهم المترسِّخ “للفاشيين الاجتماعيين” في اتحاد النقابات.

كانت النتيجة أن فشل اليسار الثوري في النضال بشكل منتظم على أفكارهم داخل النقابات أيضًا، بينما كان النضال داخل النقابات مهمًا للغاية؛ ففي الوقت الذي كانت فيه اللجان العمالية تكسب أرضية مهمة، كانت النقابات أيضًا تناضل على المطالب اليومية للعمال. أتاح هذا التغيُّب ببساطة المجال للحزب الشيوعي كي يكسب ما خسره من مساحات في المصانع.

8- مؤامرة مارس والانتخابات

استمرت موجة الاحتلال ومصادرة الأراضي حتى فبراير. وتُقدر عدد الشقق السكنية التي احتلها الناس في لشبونة وحدها بـ 2500 شقة، فقط في بضعة أيام في نهاية الشهر. كل نضال جديد كان مصدر تهديد بالتحول إلى تحدٍ سياسي خطير. كانت قطاعات من الطبقة الحاكمة في سبتمبر 1974 قد رأت الانقلاب العسكري كاستجابة ضرورية. أما مؤامرة مارس فقد حيكت بواسطة رجل الأعمال ميجيل تشامبليمود متعاونًا في ذلك مع الكثير من الضباط الكبار الذين تربطهم بعض الصلات بسبينولا. كانت أولى الخطوات التي اتخذوها هي إرسال قوات، من المُفترض أنه يمكن الاعتماد عليها، ضد واحدة من أكثر الكتائب جذرية في لشبونة وهي الكتيبة RAL -I مشاة. حاصرت قوة من المظليين ثكنة الكتيبة في 11 مارس، لكن لم يقتنعوا بأوامر إطلاق النار. في المقابل، كان جنود الكتيبة يخوضون النقاشات مع المظليين الذين يحاصرونهم، وبعد عدة ساعات أصبح المظليون يوضحون لهم: “نحن لسنا فاشيين.. نحن رفاقكم”.

قادت قيادة العمليات القارية المقاومة العسكرية ضد محاولة الانقلاب، فيما كان رد فعل الناس مذهلًا. فبعد ساعات قليلة من بداية الهجوم، أقيمت المتاريس بطول الطرق المؤدية للشبونة وبورتو، وصولًا إلى الحدود مع إسبانيا، واستُخدمت في بعض المتاريس الكثير من الجرافات والشاحنات الضخمة وخلاطات الإسمنت التي صادرها العمال. تآخى الجنود مع العمال الذين يقيمون المتاريس، وبعضهم سلَّم بعض السلاح لهم. كان العمال المسلحون يفتشون السيارات العابرة، وعاد العاملون المضربون في راديو “النهضة” إلى عملهم واحتلوا محطة الإذاعة من أجل “الدفاع عن الثورة”. أصدرت الكثير من الجرائد طبعات ثانية من أعدادها، أو أحيانًا صفحات وملفات خاصة، بما في ذلك اللجنة العمالية في جريدة لشبونة اليومية “القرن”. وقد وجَّه قطاع بورتو من نقابة موظفي البنوك أمرًا لأعضائه: “أغلقوا البنوك فورًا. لا تقوموا بأية تحويلات أو عمليات صرف. أقيموا الحواجز أمام الأبواب لمراقبة الدخول والخروج. ابقوا أعينكم على التليكس والتليفونات”.

بعد فشل الانقلاب، أُلقيَ القبض على الكثير من الجنرالات ومدراء الشركات اليمينيين. هرع سبينولا وآخرون إلى إسبانيا بـ”طائرات هيليكوبتر الرجعية”، كما وصف أحد قيادات اتحاد النقابات.

أهدت المقاومة الفعَّالة مرة أخرى للانقلاب دفعة جديدة لقوى اليسار الثوري. تمكن “الحزب الثوري للبروليتاري”، على سبيل المثال، من النمو على خلفية جهوده في تنظيم الصفوف ضد أية عمليات مُحتمَلة من قوى اليمين، ليكسب أعضاءً جدد من بين ضباط الجيش، وكذلك من بين قواعد الجيش. لكن ذلك، من ناحية أخرى، عزز الميل تجاه التركيز بشكل حصري على التهديدات من جانب اليمين (سواء كانت حقيقية أو وهمية)، وفي المقابل إهمال عملية الارتباط بنضالات العمال المستقلة.

كانت حركة القوات المسلحة تزداد قوة بعد فشل محاولات الانقلاب هذه. كانت الحركة قد أسست سلطتها بعد 11 مارس، في القمة كان هناك المجلس “الأعلى” للثورة، مسئولًا أمام الجمعية العمومية لحركة القوات المسلحة المُكوَّنة من 240 مندوبًا من أي رتبة – نظريًا – من الأجنجة الثلاثة للقوات المسلحة. ولأن مجلس الثورة كان واثقًا بشدة من نفسه؛ فقد شعر بالقدرة على “انتخابات حرة”.

كانت استراتيجية الطبقة الحاكمة تسعى، من خلال المحاولات المتعاقبة للانقلاب، لاستعادة السيطرة على جهاز الدولة البرتغالية. أما أولئك الذين كانوا يدعمون سبينولا في مواجهة كايتانو، فلم يكن لديهم أدنى فكرة عن القوى التي يمكن أن يطلق انقلاب 25 أبريل لها العنان. كانوا يريدون فقط استبدال كايتانو ومعاونيه بآخرين قادرين على تحديث علاقة الاقتصاد البرتغالي مع بقية النظام الرأسمالي العالمي. صار واضحًا أن استراتيجية القوى المحافظة في الانقلاب لتأسيس نظامٍ أبوي لن تفلح بعد فشل محاولة الانقلاب في 11 مارس، خاصةً مع حالة الارتباك التي أصابت هذه القوى.

كان لدى الرأسمالية البرتغالية أسلوبٌ آخر للنجاة من الوضع الثوري، وهو السعي لتأسيس اشتراكية ديمقراطية على النمط الأوروبي الغربي في إطار برلماني برجوازي. وأحيانًا ما كانت الولايات المتحدة تضخ موارد الدعم، من خلال وكالة الاستخبارات المركزية CIA، للأحزاب البرتغالية، بما فيهم الحزب الاشتراكي.

اُختير يوم 25 أبريل، الذي يوافق ذكرى الإطاحة بالنظام القديم، لعقد أول انتخابات حقيقية في البرتغال منذ خمسين عامًا. خُصِصَت ثلاثة أسابيع لحملات الدعاية الانتخابية، ووُضِعَت القواعد المُنظِّمة للدعاية، بما فيها تخصيص فترات زمنية متساوية لكل الأحزاب على محطات التلفزيون، بغض النظر عن تفاوت أحجام هذه الأحزاب. وهكذا كان للأحزاب على يسار الحزب الشيوعي، التي في النهاية حصدت أقل من 8% من الأصوات، حوالي 50% من البث التلفزيوني المُخصَص للأحزاب السياسية. لم يكن مسموحًا للأحزاب بوضع ملصقاتهم فوق ملصقات غيرهم، حتى صار من الضروري استخدام سلالم طويلة للغاية للوصول إلى حوائط خالية من الملصقات. كان الشغف بالانتخابات هائلًا، ومن أصل 6176559 لهم حق التصويت، ذهب 5666696 إلى صناديق الاقتراع، أي 91.7% من إجمالي الجمهور الانتخابي.

كان المنتصر الحقيقي في هذه الانتخابات هو الحزب الاشتراكي الذي حصد 37.8% من إجمالي الأصوات، فيما حصل الحزب الشيوعي على 12.5% من الأصوات. وبشكل عام، حصلت الأحزاب اليسارية على حوالي 60% من إجمالي الأصوات، وهو ما يدلل على أن “الاشتراكية” كانت لها شعبية كبيرة للغاية برغم “تأخر” البرتغال.

تغيَّر حال الحزب الاشتراكي كثيرًا؛ فمن 200 عضو فقط في أبريل 1974، نما الحزب ليصبح الحزب القيادي في البرلمان بشعارات حرية التعبير والديمقراطية وتحديث الاقتصاد. إلا أن ممارسة هذه الشعارات وتطبيقها عمليًا ظل غير واضح بالنسبة لمؤيدي الحزب. فلم يكن للبرتغال عهدٌ بالإصلاحية في قمة السلطة.

بدا الحزب الاشتراكي، في أغلب الأحيان، أكثر يسارية من الحزب الشيوعي. كان الحزب قادرًا على قبول تواجد جناح يساري بين قواعده، حيث صار الحزب الشيوعي يفتقر إلى الهيكل المتماسك والانضباط. ومن هذا المنظور، كان الافتقار إلى التواجد المنظم في المصانع ميزة إيجابية، حيث كان عليه أن يعارض الإجراءات غير الشعبية للحكومة والتي كان من المُفترض أن يفرضها أعضاء الحزب الشيوعي. كان للحزب الاشتراكي، في أغلب عامي 1974 و1975، قواعد محدودة بين العمال، فالأغلبية الساحقة من أعضائه كانوا من البرجوازية الصغيرة بالأساس. وقد أتاح الغموض الشديد لشعاراته حول “التقدم” و”الديمقراطية” و”الاشتراكية” أن يصل إلى قطاعات واسعة من السكان، بما فيهم العمال الأقل تنظيمًا البعيدين عن تأثير اتحاد النقابات والحزب الشيوعي.

قرر الحزب الاشتراكي أن يترنح مترددًا وفقًا لموازين القوى الطبقية، الأمر الذي كان طبيعيًا بالنسبة لحزب من هذا النوع. وهكذا، فقط على مستوى الخطاب، جنح الحزب بالفعل نحو اليسار في المراحل الأولى من الثورة. وحينما تعمقت الأزمة، صار يعبر عن يأس القطاعات غير المنظمة، بدلًا من أن يعبر عن آمالهم التي عجزوا عن الإفصاح بها والإعلان عنها.

أما الحزب الشيوعي، وهو أكبر الأحزاب تواجدًا بين العمال المنظمين وأكثرهم تأثيرًا فيهم، فلم يكن قادرًا على تفكيك الصراع بشكل مقبول للجماهير من حوله، فيما لم يكن هناك ثمة بديل فعَّال على يساره. هذا الفشل المزدوج هو ما مكَّن الحزب الاشتراكي من بناء قاعدة كبيرة حقيقية في الأوساط العمالية. رأى الكثير من العمال الحزب الاشتراكي كحزب قادر بشكل أفضل على حماية المكتسبات التي انتزعوها منذ أبريل 1974.

لم تكن الجمعية التأسيسية المُنتخبة حديثًا هيئةً عليا، فرئيسها كان مُعيَّنًا من قِبَل حركة القوات المسلحة. تعالى هتاف “تسقط حركة القوات المسلحة” بعد 24 ساعة في قلب مظاهرة احتفالية بانتصار الحزب الاشتراكي، ولأول مرة يشتعل الصراع بين حزب سياسي كبير وحركة القوات المسلحة، وخلال الستة أشهر اللاحقة سعى الحزب الاشتراكي بلا هوادة وراء شعارات “السلطة للمُنتخَبين”، و”الديمقراطية”، و”حرية التعبير”. أما القوى المعادية للحركة الثورية، فقد اصطفت وراء شعار “الديمقراطية النقية”.

9- السلطة الشعبية

جاءت نتائج الانتخابات لتكون بمثابة إهانة كبيرة موجهة لمن يعتبرون أنفسهم “منقذي الشعب” داخل حركة القوات المسلحة. كان اليساريون داخل حركة القوات المسلحة يتساءلون ما إذا كان الحزب الاشتراكي هو وجه آخر للبرجوازية؟ وما إذا كان سيساعد على استدامة الثورة؟

بعدما اكتسب الحزب الاشتراكي الكثير من الثقة، نتيجة انتصاره الانتخابي، صارت اختلافاته مع الحكومة التي يهيمن عليها الجيش أكثر وضوحًا. وفي الشهور التي تلت الانتخابات، ظهر شعار “السلطة الشعبية” كمظلة أيديولوجية لحركة القوات المسلحة. كان شعار “السلطة الشعبية” بمثابة جسر عابر للطبقات، لتوحِّد الجيش مع العمال والفلاحين والمستأجرين، وبهذا الشكل صار مجرد شعار دعائي للجيش، لكنه برغم ذلك ظهر أيضًا كحقيقة فعلية وحية. كل يومٍ كان العمال يحتلون مصانعهم، وقد أظهرت إحصاءات غير منشورة لوزارة العمل أن في العام 1976 وحده – أي بعد فترة طويلة من ذروة الحركة – كانت 280 شركة تحت الإدارة الذاتية، و600 شركة أخرى تملكها العمال وصارت تُصنَّف كـ”تعاونيات”.

كانت الشركات التي احتلها العمال صغيرة الحجم، التعاونيات على سبيل المثال كان يعمل في كلٍ منها 45 عامل في المتوسط، أما شركات الإدارة الذاتية 61 في المتوسط. تخلى الكثير من المُلَّاك السابقين عن شركاتهم هذه، والكثير من هذه الشركات قد لقوا طريقًا مسدودًا لأي برنامج للتحديث الرأسمالي. كان العمال في الأغلب يقررون عدم الاستيلاء على الشركة تمامًا. فعلى سبيل المثال، احتلت اللجنة العمالية في مقر شركة الإنشاءات “إديفر” الغرفة الرئيسية، لكن اللجنة ذاتها قررت ألا تطرد الإدارة من الموقع، وحينما سُئِلوا لماذا فعلوا ذلك، ردوا بأن “من الأفضل أن نرى ماذا سيفعلون”. وصف أحد العمال المناضلين في أحواض سفن سيتيناف أن:

“حتى في سيتيناف، لم يكن لدينا سيطرة عمالية، كيف إذن يمكننا ذلك ونحن لا نسيطر على البنوك؟ كان موقفنا أننا نريد أن نعرف كل شيء… نريد أن نسيطر على القرارات، لكننا لا نريد تحمُّل المسئولية. لا نعتقد أن السيطرة العمالية وحدها تكفي”.

في حالة الاستثمارات الكبرى، دفعت تحركات العمال في اتجاه تأميم شركتهم أو قطاع الصناعة بأكمله. كانت أولى إجراءات مجلس الثورة بعد 11 مارس أن قام بتأميم البنوك وشركات التأمين، فيما عدا الأجنبية منها، حتى صار حوالي 60% من الاقتصاد في القطاع العام.

كان احتلال راديو النهضة بشكل خاص (محطة الإذاعة الكاثوليكية الرسمية) معروفًا يتحدث عنه الجميع. علَّق العاملون ميكروفون في الشارع، ليبث مباشرةً من الشارع إذا ما مرت مظاهرة أمام مقر الراديو.

وعلاوة على ذلك فقد تزايدت حالات احتلال ومصادرة الأراضي بشكل كبير بعد فشل انقلاب مارس. احتل على سبيل المثال العاملون في منطقة ألينتيخو حوالي 200 ألف هيكتار من الأرض (حوالي 476 فدان). أُقيمت التعاونيات الزراعية، وفي بعض الأحيان كانت تأخذ أسماء أحداث أو شخصياتٍ سياسية، مثل تعاونية “الجندي لويس” التي سُميت على اسم الجندي الذي قُتل في 11 مارس في ثكنة الكتيبة RAL -I. كل هذه الأراضي كانت مِلك لأحد النبلاء الذي كان يستخدمها بالأساس في ممارسة رياضة الصيد والرماية. زرع العمال هيكتارًا من الأرز، واستثمروا القليل من الأموال فيه، وتركوا كوخ الرماية كما هو.

نظم العمال اجتماعات دورية، وانتخبوا لجنة لإدارة المكان. وكانت أكثر التغيرات إبهارًا هي التي طرأت على حياة المرأة الريفية التقليدية. اضطلعت المرأة، التي كانت في الأغلب أُمية وتقوم بالكثير من الأعمال التي تقسم الظهور، بدورٍ فعَّال في إدارة التعاونية، كما أصبحت تتقاضى أجورًا منتظمة متساوية مع الرجل. امتد هيكتار الأرز وتوسَّع، وازدادت أعداد الماشية. وبمساعدة منظمات الإصلاح الزراعي، تمكنوا من استعارة الجرارات لحرث الأرض. حوَّلوا كوخ الرماية إلى مصنعٍ للجبن. وكان الجبن المصنوع من لبن الماعز يذهب إلى المصانع في جنوب لشبونة، التي كانت توفر الشاحنات لنقله. كان الكثير من عمال المصانع والطلاب والعاطلين عن العمل يساعدون التعاونية في أوقات الحصاد.

لقد دفعت موجة احتلال المنازل والشقق السكنية الكثير من الناس، من غير العاملين في المصانع والشركات، إلى تنظيم أنفسهم. كانت تلك موجة هائلة من الحركة الجماهيرية، حيث كان العاطلون يساعدون الفلاحين في الريف، والأطفال يعلِّمون الكبار الأميين القراءة والكتابة، كما انتعشت العيادات العامة والمراكز الثقافية وتوسعت بشدة، وقد تأسست العديد من المحاكم الشعبية. وأعلن ملعبًا للجولف أنه مفتوحٌ للجميع، باستثناء الأعضاء.

لقد كان للتجذير المتنامي بين الجماهير أثره في قطاعات من الجيش، وقد هدد أيضًا وحدة حركة القوات المسلحة والتي كانت تترنح مترددةً بشكل متزايد بين شعارات “الانضباط” و”السلطة الشعبية”. تحدث البعض عن رفضهم لتسليم السلطة، بينما صار آخرون يتحدثون عن ديكتاتورية عادلة. وُضِعَت الكثير من المشاريع لاحتواء التناقضات التي صارت على وشك الانفجار، ولعل أكثرها جذرية كان محاولة بناء شبكة من “المجالس الثورية للجنود والبحارة والعمال – CRTSMs”، التي كان “الحزب الثوري للبروليتاريا” أول من شارك في إطلاقها، ثم دعمتها عناصر من قيادة العمليات القارية، منهم قائدها أوتيلو دي كارفاليو.

عُقِدَت الاجتماعات لانتخاب اللجان المحلية لهذه المجالس في المصانع والثكنات. وفقط في أحواض سفن ليسيناف وسيتيناف وافقت تجمعات العمال على هذه الخطوة. في كلا الموقعين، كان للحزب الثوري للبروليتاريا خلايا نشطة من 25 مناضل على الأقل، وكان عضو حركة القوات المسلحة سوبرال كوستا يقدم الاجتماع في كلا الموقعين، إلى جانب متحدث من المجالس الثورية للجنود والبحارة والعمال.

لقد رأى أولئك الذين شرعوا في بناء المجالس الثورية أن اللجان العمالية المصنعية هي مجرد لجان اقتصادية، فيما لم يكن هذا هو الحال؛ فلقد نظمت الكثير من هذه اللجان مظاهراتٍ سياسية وكذلك إضرابات واعتصامات وغيرها من التحركات. لكن المجالس الثورية قد رسمت خطًا فاصلًا مُصطَنعًا بين الدور السياسي المنوط بهم والمطالب الاقتصادية للجان العمالية، وقد أدى بهم ذلك إلى الامتناع عن التدخل في المطالب والنضالات اليومية في مواقع العمل.

كان لذلك نتيجتان أساسيتان، أولهما أن عجزت المجالس الثورية عن بناء جذور قوية وعميقة في مواقع العمل. ثانيًا أن ذلك قد أعطى مصداقية كبيرة للحجج التي كان الحزب الشيوعي يسوقها بين العمال بأن المجالس الثورية تسعى للشقاق والانقسام بسعيها للسيطرة على الدور السياسي للجان العمالية. لم يعمد قادة المجالس الثورية فقط إلى فصل السياسة عن الاقتصاد، بل سعوا أيضًا لفصل السياسة عن الأحزاب نفسها. وفي مظاهرة للمجالس الثورية في 17 يونيو، ظهر شعاران أساسيان هما: “نحن السوفييت الأول في البرتغال الثورية”، و”نحو حكومة ثورية بدون أحزاب سياسية”. هذا الاحتقار للسياسات الحزبية تداخل بعناية، وفي الحقيقة كان متسقًا، مع التراث العسكري لحركة القوات المسلحة ودورها في لعب دور المرآة لمُختلف العوامل الطبقية الضاغطة داخل الحركة الجماهيرية.

أقرت الجمعية العمومية لحركة القوات المسلحة في 8 يوليو بالكاد بعض الخطوط العامة للتحالف بين الشعب والحركة. كان هدفها هو بناء جمعيات شعبية كسلطة موازية للدولة والنظام البرلماني، أي أن تتجمع منظمات السلطة الشعبية، ولجان العمال والأهالي، ولجان الجنود، والتنظيمات المحلية الأخرى، وتتكامل في هيكل هرمي تحت حماية وإشراف حركة القوات المسلحة.

يمكننا على جانب آخر أن نأخذ كتيبة بونتينا كمثال حي على عملية بناء لجان الجنود. كانت الكتيبة مقرًا قياديًا لانقلاب 25 أبريل، وكان أغلب الجنود في الأصل عمال ميكانيكا ماهرين. صارت الكتيبة بالفعل نموذجًا تحتذي به الكتائب والفرق والوحدات الأخرى في الجيش. كان ضباط الكتيبة وجنودها على صلة وثيقة بالسكان المحليين من حولهم، وقد ساهموا في بناء الجسور والطرق باستخدام معداتهم العسكرية. وبعد محاولة الانقلاب الفاشلة في 11 مارس، صارت الاجتماعات بين العمال والجنود أكثر تنظيمًا بكثير. عُقِدَ الاجتماع الأول بينهم قبيل الجمعية العمومية لحركة القوات المسلحة بفترة قصيرة، بحضور تنظيمات عمالية من 17 مصنع و30 رابطة محلية للمستأجرين. وفي ذروة الاجتماع، كان هناك حوالي 200 مندوب من الروابط والتنظيمات الحاضرة.

كانت هناك اجتماعات كثيرة مثل ذاك، وقد ذكرت جريدة “الجمهورية” على سبيل المثال 38 منهم على الأقل، واجتماعات أخرى كان يجري تنظيمها. وعادةً ما كانت الاجتماعات والجمعيات الناشئة عنها الأكثر استقرارًا، هي ما كانت تتولى مهام الحكومة المحلية. كان ممثلو ومندوبو لجان الأهالي يهيمنون تقريبًا على هذه الجمعيات، وقد تفوقوا عدديًا على ممثلي ومندوبي لجان المصانع. وبشكل عام، كان نقاط ضعف هذه الجمعيات الشعبية تكمن في أنها اضطلعت بدور الجسر العابر للطبقات؛ بين “الناس” الذين عاشوا في منطقة معينة، أو بين الجنود والضباط في كتيبة أو فرقة معينة، وأنها قد أُنشأت من أعلى كمبادرة من يسار حركة القوات المسلحة وليس من أسفل كاستجابة لتطورات النضال الطبقي.

لكن بعض أشكال “السلطة الشعبية” هذه قد طرحت قضية السيطرة والسلطة الطبقية على الساحة. ولعل النضالات في جريدة “الجمهورية” المملوكة لأحد أبرز أعضاء الحزب الاشتراكي، بول ريجو، وفي راديو “النهضة” الكاثوليكي، أمثلة على ذلك. في مايو 1975، سيطر العاملون بـ”الجمهورية” على الجريدة من أجل الاستقلال بها سياسيًا. وكما أشار بيانهم، فإن:

“منذ هذه اللحظة، لن تنتمي “الجمهورية” إلى أي حزب سياسي. ستُعامَل الأحزاب التقدمية جميعًا بالمثل، وفقًا لأهمية الأحداث”.

اعتبر الحزب الاشتراكي في المقابل سيطرة العاملين هذه “محاولة شيوعية لتكميم الجريدة”، لكن في الحقيقة، كان العاملون يوجهون نقدهم أيضًا للحزب الشيوعي، وتقريبًا كافة جرائد لشبونة كانت على اليسار من كلا الحزبين الإصلاحيّين، كنتيجة طبيعية لضغط عامليها المسيَّسين. كانت هناك بالتأكيد أفكار “لا حزبية” متفشية بين العاملين في “الجمهورية”، لكن حركتهم استقطبت مؤيدي شعارات “حرية التعبير” و”سيطرة الطبقة العاملة”. أعلن بيانهم العام أن:

“نعلن نحن العاملون في جريدة “الجمهورية” لكل العمال أن نضالنا يهدف لتمكين الطبقة العاملة من المعلومات… نحن فقط 150 عامل، لكننا من جانب آخر ممثلين لطبقتنا، للملايين مثلنا. الأمر الذي يقف على المحك بالفعل هو السلطة السياسية ومعرفة من يسيطر عليها بين يديه”.

أدركت الحكومة أيضًا هذا التقييم الواقعي، فحاولت استخدام قيادة العمليات القارية لاستعادة الجريدة مرة أخرى لمالكها الشرعي، لكن حين بات واضحًا أن هذا سيؤدي إلى فصل اللجنة العمالية، رفضت قيادة العمليات القارية التعاون مع الحكومة في هذا الأمر، وأعادت مفاتيح الجريدة إلى أيدي العمال. وقد أدى الفشل المستمر للحكومة في استعادة جريدة “الجمهورية” وراديو “النهضة” – حيث أجبرت المظاهرات حركة القوات المسلحة لإصدار قرار حكومي بالفيتو بعودة المحطة الإذاعية للكنيسة والسماح للعمال في الاستمرار في سيطرتهم – إلى استقالة سواريس والحزب الاشتراكي من الحكومة، ومن ثم تشكيل الحكومة المؤقتة الخامسة.

10- الرجعية والمقاومة

كانت قوى الرجعية تستعيد قوتها خارج لشبونة، وقد كانت حكومات الغرب الرأسمالي تصر بإلحاح أكثر وأكثر على أن البرتغال لابد لها أن “تستعيد نظامها”. وكان انسحاب البرتغال من مستعمراتها (أنجولا وموزمبيق وغينيا بيساو) يعني أن نصف مليون برتغالي سوف يعودون ليستقروا في بلادهم خائبين الرجاء. هؤلاء ذهبوا بعد ذلك إلى مركز البلاد، الذي طالما كان مُحافظًا، وإلى المناطق الشمالية. وكانت المناطق الشمالية بعيدة بعض الشيء عن موجات التجذير التي اجتاحت مناطق أخرى من البلاد، وهذا نتيجة تضافر العديد من الأسباب.

أولًا، كان الحزب الشيوعي يسيطر على الكثير من الحكومات المحلية في الكثير من المدن الشمالية، فيما كان تركيز الحزب الأساسي منصبًا على توسيع نفوذه داخل جهاز الدولة، وهكذا لم يفعل سوى القليل لرفع وعي السكان.

ثانيًا، كان للإصلاح الزراعي تأثيرٌ أقل كثيرًا في الشمال عنه في الجنوب. فبعكس الجنوب، حيث كان العمال المأجورون يعملون في أراضٍ كبيرة وواسعة، كانت أغلب الأراضي والمزارع في الشمال صغيرة للغاية. لم يمس الإصلاح الزراعي، الذي أتى على الأراضي التي تتعدى 300 هيكتار (714 فدان) أو 50 هيكتار (119 فدان) للأراضي المروية، أراضي الشمال. وعلاوة على ذلك، لم يُطبَّق قانون الحد الأدنى للأجر الجديد على العمال الزراعيين.

صار الفلاحون الذين يستأجرون الأراضي لديهم الحق في إبلاغهم قبل إخلائها بثمانية عشر عامًا، لكن ليس لديهم الحق في امتلاك الأرض نفسها، كما لم تُخفَّف من على كواهلهم أعباء الديون الضخمة؛ فبرغم تأميم البنوك، إلا أن مؤسسات التسليف الزراعي بقت كما هي دون مساس، بينما زادت أسعار الأسمدة إلى الضعف مما كانت عليه. كانت أحاديث الإعلام اللا منتهية حول الحياة الجديدة في البرتغال تتناقض تمامًا وبشدة مع الظروف الطاحنة في المناطق المتأخرة.

كان فشل السياسات الزراعية يصب مباشرةً في مصلحة القوى الرجعية، خاصةً الكنيسة الكاثوليكية. كان مطران براجا يحرِّض من أجل التحرك ضد “الشيوعيين أعداء المسيح”: “هل يدعونا الرب للمحاربة من أجله أم ضده؟ التراجع يعني الخيانة، والخيانة تعني الموت”. كان هذا المطران هو نفسه الذي كان يُموِّل تنظيمات اليمين المتطرف المسئولة عن حرق 60 من مكاتب الحزب الشيوعي واليسار الثوري في صيف 1975.

كان الحزب الاشتراكي هو المسئول عن السياق كله الذي شعر فيه اليمين المتطرف بالقدرة على العمل بجرأة وبشكل مفتوح، حيث أطلق إبان استقالته من الحكومة حملة لا هوادة فيها ضد الشيوعيين متخفِّية وراء ستار ديمقراطي. تصاعد عنف اليمين في المحافظات وصار أكثر حدة، وفي المقابل استعر الصراع السياسي في العاصمة. بينما كان المعتدلون في حركة القوات المسلحة بحاجة مُلِحَّة لكسب الحزب الاشتراكي من جديد. في 9 أغسطس، كتب القائد ميلو أنطونيس وتسعة آخرون من أعضاء المجلس الثوري الأعلى خطابًا مفتوحًا عُرِفَ فيما بعد بـ”وثيقة التسعة”. بدأ الخطاب بتقييم مهم لتلك المرحلة: “إنه وقت القرارات الخطيرة. إنه وقت الوضوح وإزالة الالتباسات”. ثم استطرد ليحدد الاتجاه الذي تأخذه هذه القرارات:

“من يومٍ لآخر، يظهر بشكل أكبر انحراف أقلية اجتماعية ضئيلة (جزءٍ من المنطقة البروليتارية في لشبونة والجنوب)، تؤيد مشروعًا ثوريًا معينًا. أما باقي البلاد، فهم عمليًا يردون بعنف على التغيرات التي تحاول هذه الأقلية الثورية فرضها على تركيبة حياة الشعب البرتغالي التاريخية والاجتماعية والثقافية”.

طُرِدَ أنطونيس والموقعون معه من المجلس الثوري الأعلى، لكن وثيقتهم كانت دالة على الضجر ونفاذ الصبر من قطاعات كبيرة من سلك الضباط. وعلاوة على ذلك، صارت الوثيقة بمثابة الدعوة التي تجمع عليها الكثير من الساسة المعتدلين في كل مكان. ركَّزت حملة أنطونيس بالأساس على تشكيل الحكومة المؤقتة الخامسة، وطالما أن الحملة قد تأثرت كثيرًا بالحزب الشيوعي، فقد كان يُنظر لها باعتبارها الحملة الأكثر يسارية. لكن الحكومة الجديدة كانت هي الأخرى عُرضة للنقد من جانب اليسار، ففي 20 أغسطس نُظِمَت مظاهرة لصالح “السلطة الشعبية” شارك فيها حوالي 100 ألف شخص، من ضمنهم عددٌ كبيرٌ من الجنود، وبدعم من أكثر من 200 من لجان العمال والأحياء.

أدت العزلة المتنامية للحكومة الجديدة والحزب الشيوعي إلى مبادرة الأخير بتدشين “الجبهة المتحدة الشعبية” التي ضمت ست حركات يسارية، من بينها حركة الاشتراكيين اليساريين – MES، والمجموعة التروتسكية LCI، والحزب الثوري للبروليتاريا PRP. وقد أصدرت جريدة “القرن” اليومية التابعة للحزب الشيوعي، عددًا خاصًا، منتصف يوم 25 أغسطس، للاحتفاء بالجبهة الجديدة باعتبارها “مناسبة تاريخية”، فيما نُظِمَت مظاهرة ضخمة أخرى يوم 27 من الشهر نفسه. لابد أن الجبهة الشعبية المتحدة الشعبية هذه قد تسببت في الكثير من الارتباك والحيرة لدى قواعد الحزب الشيوعي، الذي صار قادته يضغطون مؤخرًا بشكل كبير في “المعركة من أجل الإنتاج”. لكن حالة الارتباك هذه سرعان ما تبددت، إذ أعلن الحزب الشيوعي انسحابه من الجبهة بعد 24 ساعة فقط من المظاهرة، داعيًا للوفاق مع الحزب الاشتراكي وتشكيل حكومة ائتلافية.

11- “الجنود المتحدون ينتصرون”

كان كاتبو “وثيقة التسعة” قلقين بشدة من ضعف الانضباط داخل صفوف الجيش:

“نحن نشهد اليوم تفككًا سريعًا لأجهزة وهياكل الدولة. تتقدّم شيئًا فشيئًا الأشكال الفوضوية لممارسة السلطة والسيطرة زاحفةً حتى وصلت الآن للقوات المسلحة”.

أدى تنامي قوة فصائل اليمين في شمال البلاد إلى استعادة الضباط النظاميين الثقة والتصميم على “إعادة فرض الانضباط”، لكنه أدى أيضًا إلى رد فعل مضاد من جانب جنود المنطقة. الكثير من هؤلاء الجنود جاءوا من أصول فلاحية من الشمال، وعلى عكس عمال الزراعة في الجنوب، لم يكن لهؤلاء خبرةٌ أو تراثٌ في النضال.

التقى خمسة جنود في سبتمبر من بينهم أعضاءٌ في حركة الاشتراكيين اليساريين والحزب الثوري للبروليتاري والمجموعة التروتسكية LCI، بشكل سري في الغابة، وكتبوا منشورًا عن ضيق ظروف المعيشة، وهكذا انطلقت أول منظمة “الجنود المتحدون ينتصرون – SUV”، وهي المنظمة الأولى التي يديرها الجنود بأنفسهم داخل الجيش. دعت المنظمة إلى مظاهرة في مدينة بورتو الشمالية يوم 10 سبتمبر:

“طالما أن الجنود لم يكن مسموحًا لهم بالغناء وسط العامة، فقد بدأوا في الصفير، وانتهى الحال بالجميع يغنون نشيد الأممية… كانت أعداد الناس في المظاهرة تتزايد أمام كل ذي عينين”.

قُدِرَت الأعداد في ذلك اليوم بـ 30 ألف عاملٍ يسيرون خلف فرقة من 1500 جندي. بدأت منظمة “الجنود المتحدون ينتصرون” في كشف محافظة الضباط أمام أعين الجنود، تلك المحافظة التي كانت مختبئة خلف الهيبة التي رسمتها حركة القوات المسلحة:

“بعد مظاهرة “الجنود المتحدون ينتصرون” بيوم واحد، جاءت ذكرى الانقلاب العسكري في تشيلي، وأردنا أن نقف دقيقة حداد. رفض الضباط ذلك، لكننا حشونا بنادقنا ذخيرة وفعلنا ما أردنا”.

بدأ الجنود في طرح مطالب تتعرض للا مساواة بينهم والضباط. وبدأوا التحريض على مطالب زيادة الأجور ومجانية المواصلات، فبالنسبة للكثير من الجنود كانت الرحلة الواحدة لزيارة العائلة تستنفذ ما يقرب من أجر شهرٍ كامل.

“في المقر العام بمدينة بورتو، كان هناك ثلاثة قاعات مختلفة للطعام، واحدة للجنود، وواحدة لضباط الصف، وأخرى للضباط. بعد مظاهرة بورتو بيومٍ واحد، ذهب بعض الجنود بهدوء وجلسوا ليأكلوا في قاعة طعام الضباط. احتل الجنود في اليوم التالي قاعة الضباط تمامًا، ومنذ ذلك اليوم، طرح الجنود مطلب توحيد قاعات الطعام سويًا”.

بعد بضعة أسابيع، امتدت “الجنود المتحدون ينتصرون” إلى الكثير من أرجاء الجيش، للتعبير عن الاستياء من الحكومة ومن حركة القوات المسلحة على السواء. ونظمت المنظمة مظاهرة في 25 سبتمبرفي لشبونة لدعم مجالس عمال وجنود المدينة واللجان العمالية. وقد شارك أعضاءٌ من الحزب الشيوعي في هذه المظاهرات ذات الـ 100 ألف متظاهر. استولى حوالي 4 آلاف متظاهر على بعض الحافلات، وقطعوا بها ما يقرب من 15 ميل لتحرير الجنود المسجونين بعد أن كشف ضباطهم على منشورات “الجنود المتحدون ينتصرون” في خزاناتهم.

كانت “الجنود المتحدون ينتصرون” هي المنظمة الأولى التي أخذت على عاتقها المطالب اليومية القاعدية داخل القوات المسلحة، وهذا بالضبط ما أكسبها قوتها وحافظ على استقلاليتها عن حركة القوات المسلحة. وقد كانت توجه انتقاداتها لشبكة جمعيات الضباط من مؤيدي حركة القوات المسلحة في أغلب الثكنات، وقد كان تمثيل الجنود في تلك الجمعيات لا يتعدى الـ 50%. ليس هناك أدنى شكٍ أن “الجنود المتحدون ينتصرون” قد لعبت دورًا هامًا في النهوض بالنضال الطبقي داخل الجيش، والنضال الطبقي للجنود القاعدين ليس فقط مرتبطًا ومتشابكًا مع الوضع العام للنضال الطبقي، بل هو أيضًا مرهونًا بشروطه وحالته. وبرغم التجذير الهائل بين الجنود أو الوحدات، بقيت القوات المسلحة أداةً في يد سلطة الدولة البرجوازية. كانت سيطرة البرجوازية على جهاز الدولة ضعيفةً، لكن هذا لم يكن سوى وضع مؤقت. اعتمد تطور النضال الطبقي في الجيش في النهاية على ما إذا كانت حركة العمال ستقدم سلطة بديلة عن الدولة البرجوازية – دولة عمالية مُحتمَلة. لم يدرك الكثيرون من أفضل ثوريي البرتغال هذه الحقيقة للأسف، وفي المقابل استمروا في التشديد على استقلالية النضال داخل الجيش.

12- الأزمة تتصاعد

أثار نهوض اليمين في صيف 1975 المخاوف من انقلاب جديد، فقد شهدت البرتغال بالفعل انقلابين من قبل. بدأ الكثير من اليساريين يحذرون من تكرار الانقلاب العسكري التشيلي الدموي، الذي استولى على السلطة منذ عامين، في البرتغال. وهكذا كتب قائد قيادة العمليات القارية، أوتيلو دي كارفاليو، أن:

“ما يقلقني هو احتمالية “تشيلة – Chilenisation” البرتغال… إنهم يعدون للقتل، يستعدون للقمع. معهم سنلقى مصير تشيلي. هذا الخوف هو ما يطاردني”.

لم يكن الفاشيون الجدد منافسين حقيقيين على السلطة، وقد أثبت نظام الحكم اليميني السلطوي السابق أنه مشكلة للطبقة الحاكمة البرتغالية، ولهذا تم التخلص منه. بينما لم تكن تشيلي نموذجًا تطمح إليه الشركات الكبرى متعددة الجنسية ولا وكالة الاستخبارات الأمريكية كما تصوَّر اليسار. فقد واجه الاقتصاد التشيلي في الحقيقة الكثير من الأزمات منذ انقلاب سبتمبر 1973. لقد فضَّلت قوى الناتو والطبقة الحاكمة البرتغالية بناء نظام برلماني برجوازي “مستقر” في البرتغال، كلما كان ذلك ممكنًا.

بدأت الحكومة المؤقتة السادسة أعمالها في 19 سبتمبر، ومرةً أخرى كانت الأحزاب السياسية الرئيسية في البرتغال مُمَثَّلةً فيها، لكن كلًا من الحزب الاشتراكي ومجموعة التسعة قد حظوا بنصيب أكبر على حساب الحزب الشيوعي. كانت هذه هي الحكومة التي استمرت حتى جولة الانتخابات التالية في أبريل 1976. لكن استمرار الحكومة لا يعني بالضرورة استقرارها.

فشلت الحكومة في ممارسة سيطرتها على قطاعات كاملة من المجتمع، فقد كانت الحركة الجماهيرية مازالت قوية، حيث تسارعت حركة احتلال الأراضي حتى نهاية سبتمبر، وفي خلال أقل من شهر احتل الفلاحون أراضٍ أكبر في مساحتها ثلاثة مرات مما احتلوه في عام ونصف مضى. أما في المدن، فقد ظلت الكثير من مواقع العمل تحت السيطرة العمالية.

لم تكن الهيمنة الأيديولوجية للإعلام قد أُعيد تأسيسها بعد. وقد جسَّدَ استمرار نضال العاملين براديو النهضة ضعف الحكومة ذاتها. أمر رئيس الوزراء، بينهييروا دي أزيفيدو، في 29 سبتمبر قيادة العمليات القارية باحتلال الراديو، لكن بعد مظاهرة للعاملين في الراديو، أمر القائد أوتيلو دي كارفاليو جنود بالانسحاب باكيًا، وفي خلال ست ساعات كانت القوات الخاصة قد احتلت الراديو بقيادة العقيد جامي نيفيس. لكن مظاهرة ضخمة ليلة 16 أكتوبر أجبرت القوات الخاصة على الانسحاب، وبدأ الراديو في البث من جديد.

كانت الحكومة واهنة القوى تمامًا، فلجأت إلى الإرهاب، حيث فجرت مجموعة من المخربين التابعين لها الراديو، في 7 نوفمبر، تحت حماية قوات مظلية. اعتقد المظليون أنهم خرجوا لتوفير الحماية للراديو، وأن الأوامر “أتت من اليسار”.

كان ضعف الحكومة يبرز بشكل أكبر كلما ضمت الحركة الجماهيرية المزيد من الناس وكلما سنحت الفرصة للتحرك. لكن الوعي السياسي كان بالتأكيد متفاوتًا ومتناقضًا في أوقات كثيرة:

“قمت بزيارة مصانع يديرها العمال أكثر من مرة. كان يتحدثون معي عن شرور الرأسمالية، وكيف سيدير العمال الأمور بشكل جيد، والحاجة للاستيلاء على سلطة الدولة عاجلًا أم آجلًا… ثم سرعان ما ينحرفون عن ذلك قائلين: والآن الأمر الأكثر أهمية هو معركة الإنتاج”.

أدى غياب بديل واضح يراه الجميع بأعينهم، ألا وهو النضال من أجل السلطة العمالية على المجتمع ككل، إلى تفشي الركود والسلبية، وإلى تنامي الميل لدى العمال لانتظار ما يمكن أن تفعله المنظمات الإصلاحية التي كانت لاتزال مسيطرة. ولقد كسب الحزبان الشيوعي والاشتراكي تأييد العمال الذين يبحثون عن حلولٍ أسهل وأكثر أمانًا. كان المناضلون في لشبونة يلجأون لشبكة اللجان العمالية التي بناها الحزب الشيوعي.

عُقد المؤتمر الافتتاحي “للوسط الصناعي في لشبونة – CIL” في 8 نوفمبر 1975، بحضور مندوبين من 124 لجنة عمالية، من إجمالي 400 مشارك. كانت أغلب مواقع العمل مُمَّثلة في المؤتمر، وأرسلت الكثير من النقابات والاتحادات مراقبين يحضرونه. من الناحية الشكلية، كان ذلك أقوى مؤتمر للجان العمالية. حضر الكثير من العمال غير الحزبيين، لكن جدول الأعمال كان تحت السيطرة.

حاول “الوسط الصناعي في لشبونة” بناء إطار تنسيقي للجمعيات الشعبية، وقد نظم أيضًا مظاهرة عملاقة في 16 نوفمبر ضد التهديدات من جانب اليمين، شارك فيها ما يقرب من 300 ألف متظاهر.

إن نشطاء الحزب الشيوعي الذين بنوا “الوسط الصناعي في لشبونة” كانوا بالتأكيد على اليسار من حزبهم، الذي كان قبوله بهذه المبادرات جزءًا من تحوُّله إلى اليسار بغرض الحفاظ على تأييد المناضلين الجذريين. لكن لم يكن لدى اليسار الثوري أي تكتيكات للتدخل في المؤتمر. قرر الحزب الثوري للبروليتاريا عدم التدخل من الأصل بناءً على أن المؤتمر قد نُظِمَ تحت سيطرة الحزب الشيوعي، وقد شاركته الجبهة الشعبية الديمقراطية هذا القرار. لم يكن للحزب الثوري للبروليتاريا أية إرادة للنضال من أجل ما كان ينفر منه من مطالب إصلاحية. أما حركة الاشتراكيين اليساريين، فلم يكن لتدخلها تأثير يُذكر.

في المقابل، على بُعد حوالي 30 ميل إلى الجنوب في مدينة سيتوبال، أظهرت “لجنة النضال” ما في جعبتها من إمكانيات. في هذه اللجنة كان اليسار الثوري متصدرًا المشهد، بينما تعامل الحزب الشيوعي بمرونة مع الأمر وشعر أن عليه الاشتباك في اللجنة (كان أيضًا معزولًا عنها).

تُعد سيتوبال ثالث أكبر مدينة في البرتغال، بتعداد سكاني بلغ 78 ألف مواطن في العام 1976. نمت المدينة بشكل كبير في أواخر الستينات وأوائل السبعينات نتيجة لتوسع الصناعة، لا سيما أحواض سفن سيتيناف. وتُعد سيتوبال مركزًا مهمًا للطبقة العاملة، حيث يمكن بسهولة ملاحظة ضعف خدمات الإسكان والمرافق العامة. وتأسست لجنة النضال في سيتوبال على عكس الجمعيات الشعبية من أسفل، كرد فعل على محاولة الحكومة المؤقتة السادسة إغلاق راديو النهضة. حضر 500 شخص الاجتماع الأول للجنة، فلا عجب أن ترى اللجنة نفسها كلجنة للنضال، وليس كجمعية شعبية.

أظهرت اللجنة، وأثبتت، أن الممارسة العملية هي الطريقة التي يمكن بها كسب التأييد الجماهيري. وهكذا في أحد الاجتماعات في منتصف شهر أكتوبر، حضر الكثير من أعضاء اللجنة العمالية في جريدة سيتوبال المحلية، وعرضوا تقريرًا عن تهديد مالك الجريدة بفصل ثلاثة صحفيين. وافق الاجتماع على احتلال العمال للجريدة، وأن تساندهم اللجنة في ذلك.

أثبتت لجنة النضال في سيتوبال أن الحركة العمالية، حتى في نهاية نوفمبر 1975، لم تكن قد استُهلِكَت بعد، ليقدموا بذلك نموذجًا للنضال وللقيادة الإيجابية فيه. ويُعد إضراب عمال البناء مثالًا آخر على ذلك، برغم أن هذا القطاع العمالي لم يكن نشطًا من قبل. كان الكثير من عمال البناء في الأصل فلاحين هاجروا من الريف إلى المدن بحثًا عن العمل، بعضهم كانوا من السود القاطنين جزر الرأس الأخضر. في منتصف أكتوبر، تجمع مندوبو 32 لجنة لعمال البناء وصاغوا مطلبين هما هيكل أجور لكل عمال البناء على المستوى القومي، ونقابة واحدة لهم. نظموا إضرابًا على مستوى كل البرتغال ومسيرة كبيرة، ووصل نضالهم الذروة حين نظموا مظاهرة هائلة الحجم حاصرت الجمعية التأسيسية، حيث نصبوا المتاريس وسدوا الشوارع بالجرارات والشاحنات وخلاطات الإسمنت، وسلَّحوا أنفسهم بالمعاول.

طلب رئيس الوزراء، بينهييروا دي أزيفيدو، من القوات الخاصة إنقاذهم، لكنهم رفضوا، فأمر بإحضار طائرة مروحية لإنقاذ عددٍ منهم على الأقل. وحينما وصل الخبر للشرطة العسكرية، فقد حذَّرت حشود عمال البناء، ومُنِعَت المروحية من الهبوط. وبعد 36 ساعة، اعترف رئيس الوزراء بمطالب العمال ووافق عليها لتوضع محل التنفيذ بدءًا من 27 نوفمبر.

بدا أن انتصار عمال البناء قد شلَّ الحكومة لبعض الوقت، ففي 20 نوفمبر أعلنت أنها لن تتخذ أي قرارات “سياسية”، وستقوم فقط بالمهام الإدارية.

13- 25 نوفمبر

خلف كل هذه الكواليس، كانت الخطط تُحاك والتدابير تُتخذ من أجل تحرك حاسم ضد القطاعات الجذرية في الجيش. فمنذ أكتوبر فصاعدًا، كانت قوى اليمين تتقدم وتعزز مواضعها داخل الجيش. تمكن اليمين من إلحاق الهزيمة باعتصام منظمة “الجنود المتحدون ينتصرون” في الشمال، وتمكنوا أيضًا من إقالة ثلاثة نقباء و49 ضابط جوية بعد الاضطرابات التي تسببت فيها المنظمة في بيجا في المنطقة المركزية. وحين مُنِحَت أنجولا استقلالها، قلَّ الاحتياج للتجنيد، بل وقد سُرِّحَ بضعة آلاف من الجيش.

التقى سواريس، زعيم الحزب الاشتراكي، في 18 نوفمبربكبار الضباط اليمينيين في حركة القوات المسلحة، للنقاش في كيفية إعادة تأسيس “الانضباط” في أرجاء البلاد. أُقيم مركزٌ للعمليات بقيادة العقيد راماليو إيانس، ليضم عددًا مُختارًا من الأعضاء، منهم قائد القوات الخاصة، العقيد جامي نيفيس. لم يتأسس مركز العمليات هذا بنية التحرك الفوري، لكن لانتظار الفرصة المناسبة لذلك.

في ذلك الوقت، كان الأحداث الجِسام على وشك الوقوع في الجيش. تعلم المظليون، الذين استُخدِموا في تدمير راديو النهضة، من الانتقادات الحادة التي وجهها لهم العمال والجنود من وحداتٍ أخرى على صفحات جرائد لشبونة. صار هؤلاء المظليون يتمردون بعد ذلك ضد ضباطهم.

تزايدت المؤامرات العسكرية من جانب اليسار واليمين على حدٍ سواء، وقد سارت الشائعات كالنار في الهشيم حول انقلابات عسكرية وشيكة. في باريرو، عبر مصب نهر تاجة من لشبونة، كان رجال الإطفاء المتطوعون يسمعون أجراس الإنذار في كل محاولة للتحرك العسكري، ولطالما كان السكان المحليون يستيقظون على إنذارات كاذبة. وبينما كانت ذكرى الانقلاب العسكري التشيلي تخيف الناس من اليمين، كانت أيضًا تعني أنهم لا يريدون أية مغامرات عسكرية من اليسار.

أُطيح بأوتيلو دي كارفاليو في ليلة 24 نوفمبر من قيادة المنطقة العسكرية في لشبونة، واستُبدِلَ بفاسكو لورينكو. وفي الساعات الأولى من صباح اليوم التالي، طلب الضباط المعارضين لهذا القرار من أوتيلو أن يتحداه. ومن جانبه، لم يحرك الرجل ساكنًا، عاد إلى منزله لينام. وفي غيابه، قررت مجموعة مُخصَّصَة من الضباط أن تستولي كلية الإدارة العسكرية على الراديو، وأن تحمي الشرطة العسكرية التلفزيون، وأن تحرس كتيبة RALIS (RAL -I سابقًا) الطريق السريع المؤدي شمالًا خارج المدينة.

احتل المظليون ثكناتهم في خمسة قواعد في الصباح، مطالبين بتسريح قادتهم، وأن يُستَبدلوا بقيادة أوتيلو وقيادة العمليات القارية، فما كان من أوتيلو إلا أن استشار زملاءه الضباط والرئيس في القصر الرئاسي، حينها أُلقيَ القبض عليه. اتخذت الحكومة ذريعة أن دفاع الجنود عن أوتيلو كان فعلًا “تمرديًا”، وشعرت أن لديها القدرة على إعلان حالة الطوارئ والاستعانة بمجموعة مُختارة من القوات الخاصة.

لابد أن هؤلاء الضباط قد دُهشوا من سهولة انتصارهم، ولم يحملوا هم أن القوات الخاصة، التي تُقدَّر فقط بـ 200 مقاتل، ستخرج من الثكنات، ناهيك عن أن تبدأ في القتال أصلًا. طاف نيفيس حول ثكنات الشرطة العسكرية، ظهر يوم 25، وواصل طريقه إلى إحدى ثكنات المظليين، وبعد أمره بضرب بضع طلقات تحذيرية، استخدم مكبرًا للصوت لمطالبة المظليين بالاستسلام. وبالفعل لم يجد المظليون في عزلتهم التامة خيارًا غير الاستسلام.

عادت القوة مرة أخرى للشرطة العسكرية صبيحة يوم 26. قُتِلَ العديد من الجنود في الاشتباكات، قبل أن تعلن الشرطة العسكرية استسلامها هي الأخرى. أصبحت الآن القوات المتمردة تنهار واحدةً تلو الأخرى.

لم يكن هناك أحدٌ قادرٌ على قيادة التصدي لهذه التطورات. فعلى سبيل المثال، قبل منتصف ليل يوم 25 نوفمبر، تجمعت مئات عديدة من العمال في أحد الطرق المؤدية لثكنات الشرطة العسكرية. تناقشوا مع سائق حافلة حول ما إذا كان من الممكن استخدام حافلته في بناء متراس لسد الطريق. على الجانب الآخر، ربما كان الجنود داخل الثكنات أرادوا الخروج إلى الطرق والسيطرة عليها. ما من أحد كان يعلم، ولم يُنفَّذ أي شيء.

في اليوم السابق، عُقِدَت الاجتماعات الطارئة في الكثير من المصانع بعد أن أوقف العمال العمل لمدة ساعتين لمناقشة تهديدات اليمين. لكن في يوم 25 نفسه، لم تقم الأغلبية العظمى من المصانع بأي شيء. كان عمال البناء هم الاستثناء الجدير بالذكر هنا، فبعضهم سيطر على بعض الجرارات وخلاطات الإسمنت لمحاولة سد الطريق أمام تقدم القوات الخاصة.

ركَّزت المجموعات اليسارية انتباهها بالأساس على الأمور العسكرية. ومن الجدير بالذكر، مع الكثير من الندم، على سبيل المثال أن عمال أحواض سفن ليسناف كان لديهم فقط 60 بندقية. فيما لم يدعُ أحد لإضرابات أو اعتصامات، على الرغم من أن تحرك كهذا لمجموعة قوية من العمال مثل عمال ليسناف كان من شأنه أن يقود عمالًا آخرين، ويحسم الأمر لدى الكثير من المترددين داخل القوات المسلحة.

تحوَّل الحزب الشيوعي في أغسطس نحو اليسار من أجل الحفاظ على تأييد الجذريين من حوله، ومن أجل تدعيم موقفه في الحكومة المؤقتة السادسة غير المستقرة، حيث دعا، في 24 نوفمبر، إلى إضراب عام لمدة ساعتين ضد تهديدات اليمين، وقد حقق الإضراب نجاحًا محدودًا. تحمَّس ضباط الصف والضباط الذين نظموا التصدي للإطاحة بكارفاليو لما فعله الحزب الشيوعي. لكن في 25 نوفمبر، تغيَّر خطاب الحزب الشيوعي بشكل حاد، حيث صار يجادل بأن مكاسب 25 أبريل لا يمكن التضحية بها من أجل قِلة من “المتطرفين اليساريين” وتحركاتهم “الطائشة”.

من الواضح، عند استعادة أحداث 25 نوفمبر، أن هذا اليوم كان نقطة فاصلة بالفعل. لم يكن هناك حمام دم كما كان الحال في تشيلي، لكن بعد 25 نوفمبر لم يصل نضال الطبقة العاملة أبدًا إلى ما كان عليه قبله. وبرغم مأزق الطبقة الحاكمة، إلا أنها لم تعد إلى حالة الشلل التي كانت عليها في 1974 و1975. وكان أحد أهم الشروط المسبَّقة لذلك هو إعادة فرض الانضباط في جهاز الدولة. تحقق ذلك في 25 نوفمبر وبعده.

كانت الجذرية المتعمقة داخل الجيش قبل ذلك تغذي نضال العمال، تُلهِمهم بمزيدٍ من الثقة، مثلما أظهر عمال البناء في منتصف نوفمبر. لم تتمكن أحداث 25 نوفمبر من محو النضال تمامًا، لكنها غيَّرت مفردات ومعايير النضال نفسه. صار الجميع يدركون أن تنظيم تحرك يُكلَّل بالنجاح صار أكثر صعوبة، حيث استعادت القوات المعادية تماسكها. وبالتالي أصبحت مناشدات الحزبين الشيوعي والاشتراكي بالحذر أكثر جاذبية.

كانت حملة تطهير الجيش من الضباط والجنود الجذريين في 25 نوفمبر، بالأساس، من تخطيط الجنرالات والضباط “المعتدلين” في حركة القوات المسلحة. ومن جانبه، وفَّر الحزب الاشتراكي الستار الأيديولوجي الذي تمكَّن هؤلاء “المعتدلون” من العمل خلفه. رحَّب الحزب الاشتراكي بهذه التحركات واحتفى بها.

كان التنظيم الأكبر والأكثر تأثيرًا وقدرة على إعداد المقاومة هو الحزب الشيوعي. لقد كان هو نفسه القوة الكبرى وراء مظاهرات 16 نوفمبر الضخمة ضد الحكومة، وقد نظم إضرابًا عامًا لمدة ساعتين في 24 نوفمبر. كانت سياسات الحزب الشيوعي، في الفترة من أغسطس حتى ظهر يوم 25 نوفمبر، تتركز بالأساس على تدعيم وضعه في الحكومة المؤقتة السادسة، التي كانت تحت ضغط متزايد من جانب اليمين. وبتنظيم التحركات الجزئية لأعضائه ومؤيديه، كان الحزب يهدف إلى تحقيق نتيجتين أساسيتين، الأولى هي إقناع البرجوازية بأن لا غنى عنها في الحكومة الائتلافية، والأخرى هي الحفاظ على مناضليه الذين كانوا قد بدأوا يتأثرون بالقوى على يساره. لكن الهدف الأخير كان ثانويًا بالنسبة للأول. فوجود شريك موثوق به في الحكومة لا يمكن تحقيقه فقط باستعراض القدرة على تحريك الجماهير، فلابد أن يكتمل ذلك بإثبات الولاء، بإثبات القدرة على السيطرة واحتواء نضالية هذه الجماهير.

وهكذا كان التردد حتميًا في استراتيجية الحزب الشيوعي. وبرغم ذلك، لم يكن مؤيدوه يدركون ذلك. حينما انتشر نبأ الإطاحة بكارفاليو، تحرك الضباط المتأثرون بالحزب الشيوعي، تدفعهم رغبة مُبرَّرة في الدفاع عن الجذريين داخل الجيش، ونظموا المقاومة. لا شك أن الشكل الذي اتخذته هذه المقاومة أظهرها وكأنها محاولة للانقلاب، برغم أن ما من دليل على أنها كذلك. لكن الحزب الشيوعي نفسه باع مؤيديه الراديكاليين في الجيش، وآخرين كثيرين، من أجل الحفاظ على حصته في الحكومة في المقابل.

ماذا كان دور اليسار الثوري في أحداث 25 نوفمبر؟ أخذت الأحداث كل فصائل اليسار الثوري، التي توقعت أن تأتي الضربة من جانب اليمين المتطرف كما حدث في تشيلي، على حين غرة، لم تُحرِّض أيٌ منها على رد فعل من داخل الجيش، ولم تنظم أيٌ منها تحركات مضادة في المصانع. لكن، للأمانة، لقد أدركوا جميعًا، فيما عدا الماويين اليمينيين، أنه لابد من دعم المظليين. وبعد خيانة الحزب الشيوعي لهم، صار الجنود الجذريون وحلفاؤهم من اليسار الثوري معزولين تمامًا، وسط سيلٍ من الأكاذيب التي تطلقها الحكومة المدعومة من الحزب الشيوعي، مفادها أن محاولة التخلص من كارفاليو تمثل استعراضًا لسلطة الدولة.

صار الحزب الثوري للبروليتاريا، لبضعة أسابيع، ينظم دعايته السياسية التي أعطت انطباعًا بأن تلك الأحداث قصيرة الأمد. لم يؤثّر هذا الخطأ مباشرةً على المسار الأساسي للأحداث؛ فدور الحزب كان ضئيلًا في تنظيم المقاومة العسكرية، لكنه جعل الحزب عُرضة لتهمة “الانقلابية”، كما كشف لمؤيديه المعزولين عن الفجوة الواسعة المُحبِطة التي مازالت بين الواقع وبناء سلطة العمال.

14- دروس الثورة البرتغالية

لم تكن هناك أية تنظيمات للطبقة العاملة في 25 أبريل 1974 من أي نوع. وكان كلٌ من الغياب التام لتأثير البيروقراطية النقابية، والأبعاد اللا محدودة للنضال الذي تفجر بعد عقود من انتظار الطبقة العاملة التي تحطمت حركتها منذ عقود، كان هذان العاملان معًا قد منحا فرصًا عظيمة لأولئك الراغبين في بناء بديل ثوري. حتى سواريس كان نفسه يتحدث بمفردات النضال الثوري، رغم أنه كان يسخرها بالطبع لأهدافه هو.

لكن الفراغ الذي تُرِكَ بعد الإطاحة بكاتيانو لم يكن إيجابيًا بشكل كبير. أما الغياب الطويل لشبكة عمل يمكن من خلالها أن ينشط السياسيون الإصلاحيون، فقد مكَّنتهم من الظهور بشكل فعَّال كأبطال في أعين العمال، ولم يكن هناك بديل عملي يثبت عكس ذلك. لم يضمن ذلك، مُقدَّمًا، أن الحزبين الاشتراكي والشيوعي سينجزان أهدافهما، لكنه كان يعني أن العمال المناضلين، منذ أن بدأت الحركة الجماهيرية في النمو والتصاعد، سيتذكرون الإصلاحيين ليس باعتبارهم مهندسي الخيانة المنظمة لهم، بل كمقاتلين بارزين ضد الفاشية، وكسياسيين عانوا الأمرَّين مثلهم في ظل نظام الحكم القديم.

تطلب توضيح أن الطريق إلى الاشتراكية يمر عبر الثورة تدخلًا عميقًا في كل مساحات الحركة الجماهيرية، وبالأخص في قلبها، ألا وهو نضال الطبقة العاملة، ليس فقط لـ”فضح” القادة الإصلاحيين، بل ببناء منظمة يكون بمقدورها الربط بين النضالات الكثيرة والتوضيح العملي في الممارسة أن الانتصار يعتمد على التنظيم الثوري. كانت هناك بالفعل فرصٌ لذلك، والتنظيمات الثورية كانت بالفعل تؤثر في الأحداث في وقت ما بشكل كبير. كانت “الجنود المتحدون ينتصرون”، واللجان العمالية، ولجنة النضال في سيتوبال، على سبيل المثال، منظمات تأسست في المقام الأول بمبادرات من الثوريين. ومن هذه المنظمات كُسِبَ بعض المناضلين إلى فكرة أن المجتمع يمكن تغييره فقط عبر الانتفاضة.

لكن ما هو الشرط السابق الرئيسي للثورة الاشتراكية، أن تؤيدها قطاعات عريضة من الجماهير وتفهم الحاجة إليها، أن يحقق الثوريون الهيمنة داخل الطبقة العاملة ككل؟

من أجل هذه المهمة الشاقة، خلقت المجموعات الصغيرة من الثوريين تراثًا وتقاليد سياسية تشكلت أولًا من خلال خبرتهم في العمل في الأجواء الصعبة للبرتغال في ظل حكم كاتيانو، وثانيًا من خلال الكيفية التي عرَّفوا بها أنفسهم في علاقتهم بالحركات الأخرى على المستوى الدولي. كانت الميل نحو “العالم ثالثية” للمغامرات العسكرية منتشر وسائد بالفعل. عرَّفت الكثير من المجموعات اليسارية الكبيرة نفسها أنها ماوية، وقد جمعت بين الكراهية العميقة للحزب الشيوعي “الفاشي الاجتماعي”، ونظرية المراحل. مجموعات أخرى اصطفت إلى جانب هذا القسم أو ذاك من تروتسكيي للأممية الرابعة “الأرثوذكس”. شهدت الكثير من المجموعات تطورًا معقولًا خلال هذه الفترة التي ماجت بالاضطرابات.

فتح الاشتراكيون الأمميون في بريطانيا، مؤسسو حزب العمال الاشتراكي، الكثير من النقاشات مع الحزب الثوري للبروليتاريا، معتقدين أن النقد الرفاقي، والدعم العملي، وخبرة الحزب الثوري للبروليتاريا نفسه سوف تمكَّنه من تقديم قيادة فعَّالة للنضال. كان من المستحيل وقتها، مع الوضع في الاعتبار سرعة الأحداث المرتبطة ارتباطًا شرطيًا بأية انتفاضة ثورية، أن ينتظر حزب العمال الاشتراكي البريطاني حتى تنهض منظمة ثورية تتوافق بشكل أكبر مع سياساته. كان الحزب الثوري للبروليتاريا واضحًا في اعتباره أن هذا المجتمع لا يمكن إصلاحه، أن من الضروري تحطيم الدولة الرأسمالية. لم يكن يشارك الماويون سواء في نظرية المراحل أو نظرية الفاشية الاجتماعية، ولم ينجرف في التيار السائد للتروتسكيين الأرثوذكس لطرح المطالب على الإصلاحيين وكأنهم قادرين على الفعل الثوري. لكن الحزب لم يكن قادرًا على تجاوز بعض من السمات السلبية المتوارثة من خبرة عمله السري في ظل حكم كاتيانو. ومُزِجَت بعض أفكار حرب العصابات بسهولة مع فكرة أن النضال داخل الجيش هي المحور الأساسي الذي يركِّز الثوريون فيه جهودهم.

كانت بداية الثورة البرتغالية بتمرد داخل جهاز الدولة هي التي دفعت بالطبع قطاعات من الجيش وجعلتها أكثر عُرضة لتأثير الحركة الجماهيرية خارج الجيش مما جرت الأمور عليه في أغلب التحركات الثورية، حيث تحدث التشققات داخل الجيش لاحقًا نتيجة للأزمة الاجتماعية والسياسية. في هذه النقطة تُعد القضية الأساسية هي ما إذا كانت حركة العمال قد تطورت لتصل إلى الحد الذي تقدم فيه للجنود القاعديين في الجيش بديلًا محتملًا للسلطة – بديل الدولة العمالية.

كانت للنضال الطبقي داخل الجيش البرتغالي فرصٌ واحتمالات كثيرة، لكن تقدمه ليتجاوز نقطة معينة كان مستحيلًا دون أن توشك الحركة العمالية أن تصفي الحسابات مع البرجوازية. لم يكن الضباط الجذريون يمكنهم استبدال الجنود، ناهيك عن استبدال الطبقة العاملة. وكما ذكر عضو مجموعة التسعة، بيزارات كوريا، فإن:

“أريد حقًا أن أرى تغييرًا جذريًا في المجتمع البرتغالي، لكني لا أعتقد أن الجيش يصنع ثوريين جيدين. ينتمي الضباط إلى الطبقة البرجوازية، وبرغم أنهم قد يتحركون كما فعلت حركة القوات المسلحة، إلا أنهم ليسوا الطبقة الثورية الحقيقية. ينتهي بهم الحال إلى التناقضات الداخلية… أظن أن موقفي أنا نفسي يعكس مثل هذه التناقضات. وبسبب تدريبي العسكري، فأنا مهتم بالنظام والانضباط، لكن بسبب وعيي الاجتماعي، أريد أن أرى تغييرًا محددًا بالنظام والانضباط أيضًا. هل هذا ممكن؟”.

المسألة الحاسمة هنا هي إذن تطوير حركة الطبقة العاملة نفسها. كان الكثير من اليساريين يميلون إلى التقليل من شأن تأثير الحزب الشيوعي داخل الطبقة العاملة، وفي المقابل يبالغون في القدرة “التلقائية” لدى الطبقة العاملة على تجاوز هذا التأثير. أدى هذا المنظور باليسار الثوري إلى “اللا حزبية”، كما أدى بهم إلى تسخير طاقاتهم خارج القوات المسلحة في بناء منظمات عمالية، وكأنها كافية في حد ذاتها – بدلًا من النضال أيضًا من أجل التأثير عليها وعلى كافة المنظمات العمالية الجماهيرية.

كان الآلاف من العمال، المستائين من الحزب الشيوعي، يبحثون عن بديلٍ عملي، لكن لم يلقوا إلا ماريو سواريس والحزب الاشتراكي. وكان من الممكن أن يرسي النضال على مطالب العمال اليومية المباشرة قاعدة متينة لبديل حقيقي. وفي المقابل، جادل الحزب الثوري للبروليتاريا، مشيرًا إلى كوبا، بأنه يمكن كسب تأييد الطبقة العاملة بشكل أكبر بعد الانتفاضة المسلحة والاستيلاء على السلطة.

كانت هناك فرصٌ حقيقية في البرتغال 1974 و1975 لبناء حزب ثوري جماهيري للطبقة العاملة. انفتحت كتلٌ كبيرة من العمال على الأفكار الثورية، خاصةً حينما بات واضحًا أن بعض الأصدقاء المُفترَضين للثورة – مثل سبينولا – هم في الحقيقة ألد أعدائها. هذه التجربة فتحت الباب على مصراعيه للتساؤل والتشكك، وصارت روح العمال أكثر نقدية مما كانت عليه في أبريل ومايو 1974 حينما كانت “الرفاقية” عشوائية لا تميِّز بين الساسة، فيما عدا الفاشيين.

لم تكن جاذبية الحلول الإصلاحية هي ما سمحت للحزبين الاشتراكي والشيوعي بالاضطلاع بالأدوار التي قاموا بها، بقدر ما كان فشل اليسار الثوري.

يحتاج تبادل الأدوار بين الحزبين الشيوعي والاشتراكي بعض التشديد هنا. في أغلب الفترة الممتدة حتى نهاية صيف 1975، كان الحزب الشيوعي هو من يلعب الدور المركزي في تثبيط الإضرابات العمالية، وشنَّ في هذا السياق “معركة الإنتاج”، تاركًا الحزب الاشتراكي ليتمكن من الدمج بين “المسئولية” في المناطق التي كان النضال فيها ضعيفًا، بجذريته الزائفة الانتهازية في المناطق التي كان فيها متقدمًا. كانت تلك فرصة جيدة للحزب الاشتراكي لتفعيل ممارساته الاشتراكية الديمقراطية بأقوى ما يكون، لكسب المزيد من العمال وإعطاء بريق ثوريّ لنشاطه. خدع ذلك الكثير ممن صاروا بعد ذلك تروتسكيين جيدين، فقد رأى هؤلاء الحزب الاشتراكي كطليعة ديمقراطية ضد الميول الستالينية للحزب الشيوعي وحركة القوات المسلحة، رأوه كحزب اشتراكي مميز وفريد.

تبددت فرادة الحزب الاشتراكي وتميّزه بشكل أكبر في الحقيقة بإجراءاته هو نفسه في صيف 1975، حين شن حملة عنيفة “ضد الشيوعية”، سعت باسم الديمقراطية لاستعادة وسائل الإعلام إلى مالكيها، وإعادة الجنود الجذريين إلى أماكنهم، فاتحةً الباب أمام سلسلة من الاعتداءات الرجعية على مكاتب كلٍ من الحزب الشيوعي وقوى اليسار الثوري. كان الحزب حريصًا على ألا ينخرط بنفسه في ذلك، لكن اتضح أن الكثير من عناصره اليمينيين كانوا بالفعل مشاركين.

الحقيقة الملموسة هي، برغم ذلك، أن الحزب الاشتراكي أعطى قيادة سياسية للرجعية. كانت أحزابٌ مثله تُعد العدة من أجل شن هجمة رجعية قصوى. ذهب الحزب الاشتراكي الديمقراطي الألماني في العام 1919 إلى ما هو أبعد من ذلك، لينظم على مسئوليته الخاصة عملية سحق الحركة الثورية باسم الديمقراطية. وفي البرتغال، كانت على أي محاولة جادة لسرقة مكتسبات الحركة الجماهيرية أن تتضمن الهجوم على القطاعات الأفضل والأكثر تنظيمًا من العمال والضباط الجذريين. كانت إرادة الحزب الاشتراكي ورغبته في الاضطلاع بدورٍ في ذلك مشروطة فقط بوجود قوى أخرى تتولى الجوانب الأقذر في هذا العمل.

لقد فرض مسار النضال في البرتغال أيضًا بعض الخصائص المميزة لتطور الحزب الشيوعي. كانت بعض المناظرات العلنية، بين المتحدثين الرسميين للحزب وللحزبين الشيوعيين الإيطالي والإسباني، تُعرَض بشكل واسع. كانت الأحزاب الثلاثة تسعى لتحقيق شراكة فيما بينهم في منظورهم للرأسماليات الوطنية، لكن الحزب البرتغالي كان يسعى لهذا الهدف في ظروف مختلفة.

لم يكن الحزب الشيوعي يمكنه، في المقام الأول، الاستناد على عضوية كبيرة ومخلصة تدربت وتمرَّسَت في طريقه ذي الطبيعة الخاصة للوصول إلى الاشتراكية عبر البرلمان، تلك الأفكار التي انغرست في القلب من الأحزاب الشيوعية منذ زمن طويل. لابد أن حداثة ونضالية الكثير من عضوية الحزب الشيوعي أدت لضرورة بذل قيادة الحزب مجهود كبير وخوضها نقاشات مخجلة حول “معركة الإنتاج”. وقد أدى ذلك بالطبع إلى تمايز داخلي في الحزب إلى ثلاثة مجموعات داخل القيادة نفسها، وهو الأمر غير المألوف في الأحزاب الستالينية المُعتادة على “الانضباط على وجهة نظر واحدة”.

كان على الحزب الشيوعي قبل كل شيء أن يتعامل مع ضغطٍ مستمر من الحركة العمالية الصاعدة والقوية، ليحاول يائسًا السيطرة عليها. وفي وقتٍ متأخر من صيف 1975، أصبح الضغط النضالي من أسفل يهدد الحزب بجدية. ويفسر هذا جزئيًا التحول المفاجئ للحزب نحو اليسار في ذلك الوقت. كان الدور المركزي لحركة القوات المسلحة يمثل أحد الخصائص الرئيسي للسياق الذي كان يعمل فيه الحزب الشيوعي. أما التكيف مع الاشتراكية الديمقراطية، والذي كان مهمًا للغاية في بلدان أخرى، فقد حُجِبَ خلف معركة التأثير في جهاز الدولة، وما يوضح ذلك بأكثر الصور جلاءً هو رفض الحزب الشيوعي الرضوخ للحزب الاشتراكي بعدما حقق الأخير أصواتًا أكثر في انتخابات الجمعية التأسيسية، وهو أمر غير المعقول بالنسبة للأحزاب الشيوعية في بلدان أخرى في أوروبا الغربية.

كلا الحزبين الإصلاحيين إذن كانا مُجبرين على التصرف بطرق مختلفة، في العديد من جوانبها، عن الخبرة السائدة في أوروبا الغربية. لكن ظل الحزبان بالأساس إصلاحيَين، ملتزمَين بالحفاظ على الركائز الأساسية للمجتمع الرأسمالي، وبالتالي كانا مستعدَين للعمل في تعارض مباشر مع مصالح مؤيدي طبقتهم العاملة. وبتقسيم العمل بينهما في هذه المهمة، كانا قادرَين على انتشال الطبقة الحاكمة البرتغالية مما عانته من صدمات.

أعادت الرأسمالية فرض سيطرتها على الطبقة العاملة البرتغالية في السنوات بعد 1975، صحيح أن هذه العملية لم تكن سهلة بالمرة، لكن الطبقة العاملة لم تستمر في الصدارة كما كانت. إنّ أحد أهم دروس الثورة البرتغالية هو أن حالة السلبية هذه ليست حتمية، فالتغيرات الهائلة في الوعي السياسي والقدرة على التنظيم في عامي 1974 و1975 تشهد على قوة الطبقة العاملة وإمكاناتها. الدرس الآخر هو أنه بدون حزب ثوريٍّ منظمٍ، قادرٍ على طرح قضية سلطة الدولة، وقادرٍ على التركيز على قدرات الطبقة العاملة وطريقها للحل، لن توضع الاشتراكية على جدول الأعمال.

 

 

تسعدني تعليقاتكم

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s