حوار مع أناند جوبال: جذور داعش… الإمبريالية والطبقة والأصولية الإسلامية – أشلي سميث

Posted: 17 أبريل 2017 in مختارات سياسية
الوسوم:, , , , , , , ,
أشلي سميث
ترجمة: أشرف عمر
الناشر: بالأحمر

انبثقت الدولة الإسلامية في العراق والشام من الفراغ وانطلق جماحها لتسيطر على قطاعاتٍ كاملة من العراق وسوريا. ومنذ أن تأسست كدولةٍ أوَّليِّةٍ، أعلنت التزامها بشنِ حربٍ ضد الدول القائمة في المنطقة، بالأخص تلك التي تسيطر عليها الطبقات الحاكمة الشيعية. ليس ذلك فحسب، بل لقد تحدت أيضا الحكم الأصولي السُنِّي في المملكة العربية السعودية. وقد دفع ذلك إدارة أوباما لشن حربٍ جويةٍ لا هوادة فيها على معاقل داعش بُغية الدفاع عن النظام القائم في الشرق الأوسط.

في بداية صيف 2016، حقق التحالف الأمريكي مع الدولة العراقية، والميليشيات الشيعية، والقوات الإيرانية انتصارا حاسما على داعش في الفلوجة. ويخطط أوباما في الخطوةِ المُقبِلة للاستيلاء على الموصل، وهي المعقل الاقتصادي الأهم للدولةِ الإسلاميةِ في العراق. وفي نفس الوقت، على الصعيد السوري، يزحف تحالف الولايات المتحدة مع الأكراد السوريين، وروسيا، ونظام الأسد، وإيران، وحزب الله، نحو الرقة، عاصمة داعش. سيكون الثمن الإنساني لانتصار هذا التحالف مروعا، حيث قتل أعداد لا تعد ولا تحصى من البشر، وتسبب في نزوح الملايين في كلتا الدولتين، وتكثيف الصراعات الطائفية والعرقية عبر المنطقة. تُنذر هذه التطوُّرات بهزيمةٍ وشيكةٍ لداعش كدولة، لكن انتصار القوات الأمريكية وحلفائها، من ناحيةٍ أخرى، سيُعزِّز الثورة المضادة في سوريا والعراق، ويرسِّخ أركان النظام الرجعي القائم في باقي المنطقة. أضيفوا إلى ذلك أن تنظيم داعش، التي يتراجع مشروعه في بناء دولة، سيميل بشكل أكبر إلى تكتيكات أسلافه في القاعدة، حيث الهجمات الطائفية والإرهابية في المنطقة وعبر أرجاء العالم.

سيؤدي ذلك إلى المزيد من التدخل الإمبريالي والقمع الطائفي من الدول القائمة، مما يهدِّد بالمزيد من الانزلاق إلى البربرية في الشرق الأوسط. حاور أشلي سميث، من مجلة الاشتراكية الأممية الأمريكية، أناند جوبال في منتصف يونيو، عن جذور داعش في العراق. وجوبال هو مؤلف كتاب “ما مِن رجالٍ أخيارٍ بين الأحياء: أمريكا وطالبان والحرب من عيونٍ أفغانية”، والعديد من المقالات حول حروب الولايات المتحدة والاحتلال في الشرق الأوسط لمجلتي هاربرس وذا ناشين، علاوة على إصداراتٍ أخرى. وكان جوبال مؤخرا في مهمةٍ في العراق يكتب لمجلة الأتلانتيك.

كيف تصف الأوضاع الراهنة كما تراها في العراق وسوريا؟

بينما نتحدث الآن، تشهد العراق كارثة إنسانية كبرى. عدت مؤخرا من أطراف مدينة الفلوجة، التي اشتهرت بمقاومتها للقوات الأمريكية وبالدمار الذي تعرضت له على أيدي هذه القوات منذ عقدٍ من الزمان. ومنذ منتصف العام 2014 وحتى الآن، لا تزال الفلوجة في القبضة الديكتاتورية لداعش، التي لا تسمح للمواطنين بمغادرة المدينة.

وفي نفس الوقت، حاصرت القوات العراقية، المدعومة بالقوات الجوية الأمريكية، المدينة لعدة شهور، ولم تسمح بمرور الدواء أو المواد الغذائية إلى المدينة. كان الأمر أشبه بحصار المدن في القرون الوسطى، الأمر الذي لا يختلف عما يفعله بشَّار الأسد في المدن السورية مثل دير الزور. والنتيجة واحدة في الحالتين: مجاعة واسعة النطاق، ويضطر الناس لتناول أوراق الأشجار المغليِّة وعلف الحيوانات للبقاء على قيد الحياة.

في يونيو الماضي، تمكنت القوات العراقية أخيرا من احتلال المدينة، لكن سكانها هم من دفعوا الثمن باهظا. أشارت العديد من التقارير إلى تعذيبٍ وحشي وإعدامات نفذتها الميليشيات الشيعية، علاوة على أن الأسر التي نزحت عن المدينة (10 آلاف أسرة أو ما إلى ذلك)، وقعت في يد القوات العراقية، وانفصل الرجال عن النساء والأطفال، والآن تعيش النساء والأطفال في مخيَّماتٍ قذرة، بينما يظل الرجال، وكذلك الفتيان الأكبر من أربعة عشر عاما أو شيء من هذا القبيل، رهن الاعتقال لفتراتٍ غير مُحدَّدة.

ما تفعله الحكومة العراقية الآن هو معاقبة جماعية لأحياءٍ سُنيَّةٍ كاملة. وفي نفس الوقت، تستمر الولايات المتحدة في زيادة تدخلها، بشكل مباشر عن طريق حملة ضربات جوية واسعة، وبشكل غير مباشر عن طريق القوات العراقية.

ويعطي المثقفون الغربيون انطباعا خاطئا بأن الأصولية الإسلامية هي قوة سياسية ترجع إلى قرونٍ مضت في الشرق الأوسط، إلا أن مجموعاتٍ مثل القاعدة وداعش جديدة نسبيا. فما الذي عجَّل بتطور هذه المجموعات في المنطقة، وفي العراق بوجهٍ خاص؟

هناك أربعة عوامل أدت إلى صعود الإسلاموية في العراق، تعود كلها إلى العقود التي سبقت الغزو والاحتلال الأمريكيَين. أولا، من السهل أن ننظر إلى القوى السياسية اليوم في الشرق الأوسط ونفترض أن الإسلام السياسي طالما كان مهيمنا، لكن هذا ليس صحيحا على الإطلاق. في أربعينيات وخمسينيات القرن الماضي، كان الحزب الشيوعي العراقي أحد أقوى اللاعبين على الساحة السياسية العراقية، وفي ذروة قوته كان هذا الحزب العابر للطوائف يضم 25 ألف عضو. وفي النهاية، سحقه حزب البعث الصاعد -ربما بمساعدة المخابرات الأمريكية.

وبالإضافة إلى الدور الذي اضطلع به حزب البعث الذي تزعمه صدَّام حسين في تصفية الحركات التقدمية، دمَّر الحزب شرعية ومصداقية السياسات العلمانية، بسبب حكمه الاستبدادي. بعبارةٍ أخرى؛ صار للعلمانيةِ سُمعةٌ سيئة لأن القوة العلمانية الأهم المتبقية على الساحة، أي حزب البعث، كانت قوة استبدادية وفاسدة. ومع تصفية تياريّ المعارضة الرئيسيَين، الشيوعية والقومية العربية، تحوَّلت أقلية ضئيلة من الأفراد المُسيَّسين إلى تفسيرات مختلفة للإسلام السياسي. جرت هذه العملية عبر الشرق الأوسط منذ السبعينات وما بعد ذلك، إلا أنها كانت صامتة مكبوتة بين العراقيين السُنَّة بسبب قمع الدولة.

وخلال الثمانينيات والتسعينيات، بدأت شبكات صغيرة من الأفراد الذين تبنوا دربا من السلفية في الصعود، وركَّزت هذه الشبكات على الدعوة والوعظ، وأحيانا ما كانت تتساهل معها الدولة طالما أن دعايتها لا تعارض نظام صدَّام.

العامل الثاني الذي أدى إلى صعود الإسلاموية كان الحرب العراقية الإيرانية، التي راح فيها مئات الآلاف من الضحايا، والتي حفَّزت ظهور الرموز والدوافع الدينية في المجال العام. على سبيل المثال، بينما لم يكن من المألوف في السبعينات رؤية امرأةٍ ترتدي الحجاب في الموصل، صار في التسعينات من النادر أن تتواجد النساء المسلمات في الأماكن العامة من دونه. عمد صدَّام إلى تحفيز ذلك من أجل حشد الدعم لحربه، فقد أراد أن يُظهِر أن العراق أكثر إسلامية من الثيوقراطية الإسلامية في إيران.

ثالثا، شنَّ صدَّام حسين خلال التسعينات “حملة الإيمان” التي أدخلت خطابا وصورا إسلامية في الخطاب الرسمي كوسيلةٍ لتعزيز شرعيته في أعقاب التمرد الشيعي والكردي واسعيّ النطاق. على سبيل المثال، غيَّر صدَّام العلم العراقي ليتضمن عبارة “الله أكبر”، كما أدخل التعليم الديني ليكون مُقرَّرا على ضباط الجيش. بنى صدَّام المساجد عبر أرجاءِ البلاد، وطبع ملايين النسخ من القرآن، وأدخل جوانب من الشريعة الإسلامية إلى المجتمع. في بغداد مثلا، أُلقيَ القبض على المئات من عاملات الجنس وأُعدمهن النظام، بعد أن كان يتم التساهل معهن من قبل.

أما السبب الرابع لصعود الإسلاموية في العراق فيتعلق بالسياق العالمي. ساهمت الولايات المتحدة والقوى الإقليمية مثل المملكة العربية السعودية في تعزيز الإسلام السياسي الراديكالي كثقل مقابل للقوى العلمانية، أو كأداةٍ للتحكم في السكان المحليين. أحد الأمثلة البارزة على ذلك هو المقاومة الأفغانية للاحتلال السوفييتي في الثمانينيات، حيث سلَّحت الولايات المتحدة وموَّلَت “المجاهدين” الإسلاميين، بهدف الإطاحة بالنظام المدعوم من موسكو في كابول. وبرغم وجود العديد من القوى بين “المجاهدين” تبنت صيغة تقليدية وغير راديكالية من الإسلام السياسي، إلا أن الولايات المتحدة دعمت عن عمدٍ المجموعات الأكثر راديكالية. موَّلت الولايات المتحدة طباعة الكتب الدراسية، التي قرأها الملايين من الأطفال الأفغان، والتي كانت تمجِّد الجهاد والشهادة، كما خلقت أمراء حربٍ إسلاميين بضخ المليارات في البلاد وإغراقها بالسلاح.

الكثير من العرب، مثل أبو مصعب الزرقاوي الذي صار لاحقا قائدا لداعش، قابلوا راديكاليين مثل أسامة بن لادن في أفغانستان، وهناك صعدت الحركة السلفية المتشددة عابرة الحدود الجديدة. مثالٌ آخر هو إسرائيل، التي ساعدت في تشكيل حماس في الثمانينات كثقل مقابل لمنظمة التحرير الفلسطينية العلمانية. ومن هذه الزاوية، فقد جاء صعود الإسلاموية في العراق في سياقٍ عالمي للأسلمة، ساعدت فيه الولايات المتحدة وغيرها من القوى العالمية.

كيف حفَّزَ الغزو والاحتلال الأمريكيَين صعود داعش؟

رغم أن تنظيم الدولة الإسلامية يعمل في سوريا، ولديه أذرعه حول العالم، إلا أن داعش، في صميمه، ظاهرة عراقية، بل ومن المستحيل فهم هذا التنظيم قبل أن نفهم أولا الهيكل الاجتماعي للمجتمع العراقي قبل وبعد الغزو الأمريكي.

تاريخيا، هناك ثلاث مجموعات رئيسية شكلت الطبقة الحاكمة السُنيِّة في العراق: ضباط الجيش البعثيون، والبرجوازية، وشيوخ القبائل. هذه المجموعات لا تستبعد بعضها بعضا، لكن من الأسهل أن نفهمها إذا تعاملنا مع كلٍ منها على حدة. شكَّل ضباط الجيش البعثيون قاعدة أساسية لنظام صدَّام حسين، وقد اختارهم ذلك النظام بشكل أساسي من بين السكان السنة (لكن ليس حصريا منهم). عملت البرجوازية السُنيِّة، وفق ارتباطاتها اللصيقة بالنظام الذي كان يمارس نسخة من نظام رأسمالية الدولة. وبعد الحصار الذي فرضته الولايات المتحدة والأمم المتحدة في التسعينات، والذي دمَّر الاقتصاد العراقي، انخرطت هذه الفئة في عمليات التهريب.

المجموعة الثالثة، وهي شيوخ القبائل، تحتاج لبعض التوضيح. إن القبلية العربية في شكلها الراهن هي اختراعٌ حديث ناتجٌ عن الإمبراطوريات والاستعمار. في القرن التاسع عشر، أجبر العثمانيون تجمعاتٍ بدوية على الاستقرار، لزيادة إيرادات الضرائب، وللسيطرة بشكلٍ أفضل على التهديدات المُحتمَلة لحُكم السلطان. فتت العثمانيون الأراضي المشاعية، وعيَّنوا بعض الرجال “شيوخا”، مانحين إياهم صكوكا وامتيازات أخرى في مقابل الولاء وجمع الضرائب.

خلق العثمانيون فعليّا طبقة مالكة للأرض، وحاولت كل القوى بعدهم (البريطانيون وصدَّام حسين والأمريكيون) التلاعب بهذه الطبقة لتحقيق مآربها. لكن، على عكس ملَّاك الأرض في الغرب، اعتمد الوضع الاجتماعي لهؤلاء الشيوخ على الدولة التي توفر لهم مواردهم، التي يوزعونها فيما بعد على شعوب قبائلهم بالمحاباة والمحسوبية. وهذا الشكل من الرعاية كان من شأنه أن يخفف من الصراع الطبقي (لا أن يزيحه أو يقضي عليه تماما) بين الفلاحين والشيوخ، إذ اعتمد الفلاحون على إعادة التوزيع من شيوخ قبائلهم. لكن هذا يعني أيضا أن شيوخ القبائل كانوا يدينون بسلطتهم هذه دائما للدولة، وعلى هذا النحو فإنهم على استعداد لتغيير ولاءاتهم إلى أي سلطة من شأنها أن تمنح لهم الامتيازات.

حينما غزت الولايات المتحدة العراق في 2013، أدخلت المجتمع بأسره في فوضى عارمة، وسجنت وقتلت عشرات الآلاف من الأشخاص ظلما، ومزَّقت البلاد إربا. كل هذا معروفٌ جيدا، لكن ما لم يتم تحليله تفصيليا هو تأثير هذا الدمار على العلاقات الطبقية في العراق. العناصر الثلاثة للطبقة الحاكمة السُنيِّة، التي ذكرتها آنفا، قد تأثرت بشكل مباشر.

فقد الضباط البعثيون وظائفهم وحُظِروا من الحياة السياسية على خلفية برنامج التطهير من عناصر البعث الذي دشَّنه بول بريمر. وفقدت البرجوازية السُنيِّة الدولة التي دعمتها، واستوردت الولايات المتحدة بالفعل طبقة جديدة من رجال الأعمال بين عشيِّةٍ وضحاها. كان هؤلاء مغتربون عراقيون وعناصرٌ من الأحزاب الدينية الشيعية الذين راكموا ثرواتٍ طائلة من التعاقدات مع الولايات المتحدة ومن الفساد.

أما المجموعة الثالثة، وهي شيوخ القبائل، فقد فقدت مصدر الرعاية. فمع إزالة الدولة العراقية القديمة، لم يفقد هؤلاء الشيوخ امتيازاتهم فحسب، بل فقدوا أيضا قدرتهم على إعادة توزيع أو تمرير هذه الرعاية للفلاحين الفقراء والعمال الريفيين الذي شكَّلوا القاعدة التي يستندون إليها. وكنتيجة لذلك، انضمت الطبقة الحاكمة السُنيِّة إلى المواطنين السُنَّة العاديين في تمرد شعبي ضد الاحتلال الأمريكي.

لكن أسبابهم كانت مختلفة، ففي حين كانت الطبقة الحاكمة القديمة تقاوم لأنها فقدت امتيازاتها، كان المواطنون السُنَّة العاديون يقاومون الإهانات اليومية والنهب الذين تعرَّضوا له من قِبَل الاحتلال. أطلق الكثير من السُنَّة على هذا التمرد “مقاومة وطنية”. (لكن لأن هذه المقاومة لم تتضمن الشيعة أو الأكراد، فلم تكن تمثل حركة تحرر وطنية عراقية حقيقية).

وبالتوازي مع هذه المقاومة، كانت هناك المقاومة الجهادية الإسلامية السُنيِّة التي تزعمتها القاعدة في العراق ومجموعات أخرى مشابهة. أسَّسَ هذه الحركة أفراد تبنوا شكلا من الإسلام السياسي خلال الثمانينات والتسعينات للأسباب التي ذكرتها. من ضمن هؤلاء كان بعضا من صغار الضباط البعثيين في الجيش وطلاب المعاهد والمدارس الدينية. انضم هؤلاء إلى المقاومة في 2003، لكن سرعان ما سجنتهم القوات الأمريكية في معسكر الاعتقال الواسع في بوكا، وهناك اندمجوا مع عناصر تنظيم القاعدة المتشددين -أغلبهم غير عراقيين – الذين حاربوا في أفغانستان ومناطق أخرى، وانضموا بعد خروجهم من الأسر إلى القاعدة في العراق ومجموعات مشابهة.

بعضٌ ممن انضموا إلى القاعدة في العراق صاروا فيما بعد رموزا قيادية في داعش. لكن هذا لا يعني على الإطلاق أن من يدير داعش هم البعثيون، بل أن جزءا من قيادتها يتشكَّل من بعثيين سابقين كانوا قد تخلوا من قبل عن الأيديولوجية البعثية العلمانية لتبني الإسلاموية الراديكالية. ومن الأدق القول أن هؤلاء الرجال مزجوا بين ثلاثة عناصر متمايزة: الرؤية الأيديولوجية السلفية المتشددة، والخبرة العسكرية والمخابراتية لضباط الجيش، وأساليب البعث الشمولية في الحكم.

لماذا انقلبت المقاومة الوطنية ضد القاعدة في العراق؟ ولماذا اختارت النخبة القبلية السُنيِّة أن تُدرج في قوائم رواتب المخابرات الأمريكية خلال ما يُسمى بـ”الصحوة” السُنيِّة؟

سعت الولايات المتحدة لتصوير أن المقاومة بأسرها تتزعمها القاعدة في العراق، لكن في الحقيقة كانت القاعدة نفسها عنصرا ثانويا بالنسبة للقوميين خلال الفترة من العام 2003 وحتى 2005. وما يثير السخرية أن الفكرة التي روَّجت لها الولايات المتحدة بأن المقاومة بأسرها إسلامية ساهمت في بناء سمعة للقاعدة في العراق ومن ثم سمحت لها بجذب المزيد من الأعضاء إليها. وسببٌ آخر لا يقل أهمية عن ذلك في نمو القاعدة في العراق هو الهيكل الطبقي للمجتمع السُنِّي الذي شرحته آنفا.

لم يفقد شيوخ القبائل، بعد 2003، سلطتهم وامتيازاتهم فقط، بل أيضا قدرتهم على توزيع الرعاية على تابعيهم. وفي ظل هذه الظروف، تفاقمت التناقضات الطبقية بين العمال الريفيين الفقراء وشيوخهم، وهو ما استغلته القاعدة ببراعة.

جنَّدت القاعدة في العراق الفلاحين الصغار والعمال غير المهرة في القطاع غير الرسمي، والعاطلين عن العمل، أي كل من فقد منافعه المتواضعة من النظام القبلي. انتقل الكثير من هؤلاء الشبابٌ إلى المدن الكبرى، مثل الفلوجة، بحثا عن عمل، وعاشوا هناك حياة المهاجرين الريفيين الفقراء. وكان هؤلاء أكثر استعدادا من أية شريحة أخرى في المجتمع لطرح علامات استفهام حول النظام الاجتماعي القديم. ظنَّ هؤلاء أن الشيوخ لم يفعلوا شيئا من أجلهم، وكانوا يعيشون مُترفين في فيلاتهم الفاخرة بينما يدَّعون مقاومة الأمريكيين.

بدأت منذ العام 2003 رسومٌ وكتاباتٌ وشعاراتٌ على الجدران للتنديد بالشيوخ، وحتى بالنظام القبلي بأسره، في الظهور في مدنٍ مثل الرمادي والفلوجة. القاعدة نفسها، في كثيرٍ من الأحيان، تنتقد الشيوخ والتقاليد القبلية. وفي ظل هذه الظروف، بدأت قواعد القاعدة في العراق في التضخم والاتساع. صار الشباب، الذين أجبروا من قبل على احترام هؤلاء الشيوخ طيلة حياتهم، يمسكون البنادق ويحوزون سلطة هائلة على حياة وممتلكات هؤلاء الشيوخ أنفسهم. وبهذه الكيفية تحدت القاعدة في العراق النظام القبلي والتراتبية الاجتماعية القديمة، وصارت تمثل تهديدا مباشرا للشيوخ.

وفي نفس الوقت، مثلت القاعدة تهديدا على تدفق إيرادات البرجوازية السُنيِّة وشيوخ القبائل، فقد بدأت تنافس هذه المجموعات في الاقتصاد المشروع وغير المشروع، وبفضل قوتها العسكرية الأكبر تمكنت في أغلب الحالات من بسط سيطرتها على شبكات التجارة. على سبيل المثال، صارت مدينة القائم، على الحدود العراقية السورية موقعا لتهريب بضائع السوق السوداء منذ أيام الحصار. كان تحالفٌ بين رجال أعمالٍ محليين وشيوخ من قبيلة ألبو محل يحتكر هذه التجارة، التي أدت لثرائهم وساهمت في تمويل مجموعتهم المتمردة، التي كانت تقاتل الاحتلال الأمريكي كشريكٍ في المقاومة الوطنية، إلى أن بدأت القاعدة تفرض سيطرتها على دروب التهريب هذه.

لهذه الأسباب، مثَّل نمو القاعدة في العراق تهديدا للمصالح الطبقية للنخبة السُنيِّة، التي كانت تقود المقاومة الوطنية. وحين خُيِّرَت النخبة السُنيِّة بين الاستمرار في قتال الأمريكيين باسم التحرر الوطني أو حماية مصالحها وامتيازاتها، تمسَّكَت بالخيار الأخير. هذا ما عُرِفَ باسم “الصحوة السُنيِّة”؛ وهي الانقلاب السريع في 2006 و2007، الذي وقفت فيه النخبة السُنيِّة ضد القاعدة وانحازت مع الأمريكيين، مما أدى إلى إنهاء المقاومة الوطنية بشكل فعلي (تقول الرواية الإعلامية الشائعة إن القبائل السُنيِّة انقلبت على القاعدة بسبب ما تمارسه من عنف، لكن في الحقيقة بدأت القاعدة تقتل الشيوخ بعدما وقفوا في صف الأمريكيين).

كافأت الولايات المتحدة هذه النخب بمنحهم عقود والسماح لهم بتشكيل ميليشياتهم، فسرعان ما تمكَّن الشيوخ من إعادة تأسيس سلطتهم واستعادة ما فقدوا من امتيازات بعد 2003. صار بمقدور الشيوخ الآن إعادة توزيع بعض الثروة على أهالي القبائل، ليضربوا بذلك في قاعدة التأييد للقاعدة. ثم عمد الشيوخ إلى مهاجمة القاعدة، مدعومين من القوات الأمريكية، ليطردوها من المناطق التي تسيطر عليها إلى الصحراء البعيدة. وبحلول 2009، كانت المقاومة المسلحة، سواء الإسلامية أو القومية، قد انتهت.

مرة أخرى، يصوِّر السياسيون والصحافة على السواء الصراع الطائفي في العراق وكأنه يجري منذ عقود مضت، بينما في الحقيقة تعود جذوره التاريخية إلى وقتٍ قريب. هل يمكنك تفسير هذه الجذور؟ كيف تلاعبت الولايات المتحدة وحفَّزت الانقسام الطائفي واتجهت في النهاية إلى دعم الدولة الأصولية الشيعية؟

تعود جذور الطائفية إلى سياسات البريطانيين، الذين دعموا السُنَّة على حساب بقية الطوائف، وتعود كذلك إلى سياسات صدَّام حسين، الذي سحق الحركات السياسية الشيعية وحظر بعض الشعائر الدينية الشيعية. لكن، تطوَّرت الطائفة لتصبح مرجعا للسلطة السياسية والهوية الأساسية للناس فقط في ظل الاحتلال الأمريكي.

ذلك لأن الولايات المتحدة رأت العراقيين من منظور طائفي وتعاملت معهم على هذا النحو، سواء من خلال قوانين التطهير من عناصر البعث وغيرها من القوانين، أو من خلال نظام الكوتة، أو من خلال الأحزاب الدينية الشيعية التي دعمتها الولايات المتحدة. رفضت الولايات المتحدة رؤية العراقيين باختلاف وتنوُّع هوياتهم – المذهبية والعرقية والسياسية – وفي المقابل حوَّلت هذه الأقسام إلى: سُنِّي وشيعي وكردي.

وطَّدت واشنطن هذه الرؤية من خلال استعادة المنفيين العراقيين الذين لم تكن لديهم دوائر انتخابية طبيعية وعملوا وفقا للمنظور الطائفي. على سبيل المثال، دعمت الولايات المتحدة مجلس الحكم الانتقالي للعام 2003 الذي تضمن مغتربين عراقيين وأعضاء من الأحزاب الإسلامية الشيعية. وكانت استراتيجية “فَرِّق تسُد” هذه صفحة من الكتاب الاستعماري الكلاسيكي، وتماما كما جاء في المثال التاريخي، كان لها تأثيرها في جعل هذه التقسيمات حقيقية وأكثر أهمية من أي شيء آخر. إيران هي الأخرى قد اضطلعت بدورٍ مشابه، حيث دعم نظام الملالي الأحزاب الإسلامية الشيعية وعددا من الميليشيات الشيعية المقاتلة. وقد أنتج هذا الوضع نتيجة غريبة: معسكران متعارضان (الولايات المتحدة وإيران) يدعمان سويا نفس القوى في العراق.

وبدلا من مكافحة اللا مساواة والظلم المتوارثين من نظامِ صدَّام حسين – هذه الأمور التي كانت مُوجَّهة ضد الشيعة – قلبت الولايات المتحدة وإيران المعادلة رأسا على عقب، وأقصتا السُنَّة من الحياة الاقتصادية والسياسية السائدة. وفي ظل هذه المعطيات تحديدا، تمكنت القاعدة في العراق من إشعال حرب أهلية بين السُنَّة والشيعة بدأت في 2006. وكان منطقها في ذلك هو القضاء على السنية الوسطية؛ كانت القاعدة تزرع القنابل في المناطق الشيعية المزدحمة، لتقتل المدنيين، وتدفع بذلك الدولة العراقية وما يرتبط بها من ميليشيات شيعية لارتكاب أعمال انتقامية ضد المدنيين السُنَّة.

صار من المستحيل على السُنَّة (أو الشيعة) البقاء على الحياد في هذا العراك الطائفي. وكان هذا عامل ساهم في دفع بعض السُنَّة للانضمام إلى القاعدة، أو القبول بتوجهها المعادي للشيعة. وتجدر الإشارة هنا إلى أن داعش، خليفة القاعدة، تستخدم نفس المنطق اليوم، سواء داخل العراق أو على المستوى الدولي. حين تنفذ عناصر داعش هجماتٍ في الغرب، فإن هدفهم الاستراتيجي هو تحفيز رد فعل عنيف من الإسلاموفوبيا من جانب الدول والمجتمعات الغربية، بما يجعل من المستحيل على المسلمين في الغرب أن يظلوا محايدين. تهدف استراتيجية داعش لضم هؤلاء المسلمين المتأثرين إلى الدولة الإسلامية. وبهذه الطريقة، تعتمد داعش (ومن قبلها القاعدة) على العنصرية والإسلاموفوبيا في الغرب، وعلى السياسات المعادية للسُنَّة في العراق، لتعيش وتنمو وتتوسع.

هناك سببان رئيسيان وراء انتهاء الحرب الأهلية التي أشعلتها القاعدة في عام 2006 بحلول عام 2008. السبب الأول، كما ذكرت من قبل، هو أن “الصحوة السُنيِّة” تمكنت من هزيمة القاعدة. والثاني هو انفتاح المجموعات القومية السُنيِّة، بانحيازها إلى الولايات المتحدة، على الدولة التي يسيطر عليها الشيعة. وهذا يعني، في الحقيقة، أن السُنَّة قد خسروا الحرب الأهلية، لكن هذا لم يكن واضحا لهم ولا لأغلب المراقبين في ذلك الوقت.

كيف تمكنت داعش من السيطرة على أغلب مناطق السُنَّة في العراق؟

حين انسحبت الولايات المتحدة من العراق في 2011، صار التوازن بين القوى العراقية على النحو التالي: كانت الدولة العراقية تحت سيطرة نوري المالكي والطبقة الحاكمة الشيعية تمسك بمقاليد الأمر بتحالفها مع الولايات المتحدة وإيران. وفي نفس الوقت، تحظى الطبقة الحاكمة السُنيِّة بدعمِ الولايات المتحدة منذ 2007، بتعاقداتٍ ووظائف بملايين الدولارات. إلا أن الطبقة الحاكمة الشيعية لم ترغب في مشاركة السلطة مع النخب السُنيِّة، الذين كانت تحارب الكثير منهم قبل سنواتٍ قليلة، بينما لم تكن النخب السُنيِّة راغبة في التخلي عن السلطة السياسية والمالية التي اكتسبتها من “الصحوة”.

كانت الولايات المتحدة تدعم الطبقات الحاكمة الشيعية والسُنيِّة على حدٍ سواء، لكنها لم تكن جاهزة ولا راغبة في تحقيق التوافق بينهما؛ لأن ذلك سيؤدي عمليا لتفكيك نظام ما بعد 2003 بكامله. وعلى هذه الخلفية، انسحبت الولايات المتحدة من العراق آملة في أن يتوافق الطرفان بنفسيهما، متجاهلة بذلك التناقضات الهيكلية في نظام ما بعد 2003، التي تجعل مثل هذا التوافق مستحيلا في ظل غياب حرب أهلية متجددة أو ثورة. وكما أفضت النتائج، فما حدث هو بالفعل هو تجدد الحرب الأهلية وثورة.

بدأ الزحف نحو الحرب الأهلية العراقية الثانية بعد 2011. وفي الصراع بين الدولة العراقية التي يهمين عليها الشيعة، والنخبة السُنيِّة، كان العراقيون السُنَّة العاديين هم من دفعوا الثمن. في مدينةٍ تلو الأخرى، أخذت الشرطة العراقية تخطف وتعذِّب العراقيين السُنَّة الأبرياء. اندلعت حركةٌ احتجاجية في أواخر عام 2012، حيث اعتصم النشطاء في كبرى المدن السُنيِّة، مثل الفلوجة والرمادي والحوايجة. طالب المحتجون بإنهاء السياسات التمييزية، مثل قوانين التطهير من عناصر البعث، وقوانين مناهضة الإرهاب سيئة الصيت، والتي اختفى على إثرها الكثيرون من السُنَّة.

كانت لهذه الاحتجاجات نفس دينامية الانتفاضة التي سبقت 2003: انتفاضة قومية بزعامة البرجوازية السُنيِّة، وشيوخ القبائل وضباط سابقين يحظون بتأييدٍ شعبي في أوساط المجتمع السُني. ومثلما كان الوضع في 2003، كان الإسلاميون الأصوليون، مثل القاعدة، يشكِّلون جزءا ضئيلا فقط من الحركة. أما رد فعل الدولة العراقية، فكان أن صعَّدت القمع، ففي الحوايجة على سبيل المثال، ارتكبت قوات أمن الدولة مذابح في حق المتظاهرين.

وفي ديسمبر 2013، أخذت الحركة شكل الكفاح المُسلَّح، الذي حظى بتأييد واسع في الأوساط السُنيِّة. وعند هذه النقطة، أعلن المالكي الحرب على الحركة، مما أسفر عن انقسام الطبقة الحاكمة السُنيِّة على الفور. قررت بعض النخب، بالأخص في المناطق الأكثر قبلية مثل الرمادي، دعم الدولة، بينما أعلن آخرون، في مناطق مثل الفلوجة، الثورة على بغداد. أسَّسَ قادة الاحتجاجات مجلسا ثوريا في الفلوجة أدار المدينة لحوالي ستة أشهر في 2014.

في تلك الأجواء، عاودت القاعدة الظهور مجددا، وفي ذلك الوقت كانت قد أطلقت على نفسها اسم “الدولة الإسلامية في العراق والشام”، واتخذت صف الثورة ضد بغداد وصوَّرت نفسها كحامية للسُنة ضد الدولة الشيعية. وحيث أن الدولة قد صعَّدت من قمعها، فصار بمقدور داعش أن تقلب هذه الفكرة إلى حقيقة واقعة. في الفلوجة، على سبيل المثال، قصف الجيش العراقي المدينة دون تمييز، موديا بحياة الآلاف، وقد دفع ذلك المجلس الثوري للاعتماد بشكل أكبر على داعش، التي كان لديها ما يلزم من الأسلحة الثقيلة. وبذلك، حفرت النخب الثورية قبرها بنفسها.

في يناير 2014، تكون المجلس الثوري في الفلوجة من خليط من مجموعات وأفراد انتموا في السابق للمقاومة الوطنية ضد الأمريكيين: ضباط جيش سابقين، وشيوخ قبائل، وإسلاميين، وعلمانيين. وبالإضافة إلى ذلك كانت هناك الكثير من المجموعات المتمردة في المدينة، كل منها كان قد كافح ضد الأمريكيين. وفي غضون ستة أشهر فقط، نجحت داعش في استمالة بعض الأعضاء، وقتل آخرين، حتى تمكنت من السيطرة الكاملة داخل المدينة.

استطاعت تحقيق ذلك، جزئيا من خلال استغلال نفس المآسي والمظالم الطبقية مثل القاعدة، فكانت تجند من الفقراء الريفيين، والعمال غير المهرة، والفلاحين المهاجرين للمناطق الحضرية، والعاطلين، وغيرها من العناصر الرثة. كانت هذه هي الفئات المحرومة اجتماعيا من الثروة والحماية التي تعجز النخب السُنيِّة عن توفيرها لهم. استغلَّت داعش أيضا الانقسامات التي خلقتها الولايات المتحدة في المناطق السُنيِّة من العراق بواسطة برنامج “الصحوة” الأمريكي، ففي كافة هذه المناطق دعمت الولايات المتحدة بعض القبائل على حسابِ أخرى، وصار بمقدور داعش التجنيد من صفوف أولئك الذين سقطوا من هذه الحسابات.

في مدينة هيت، على سبيل المثال، أغرقت الولايات المتحدة قبيلة ألبو نمر (التي تعيش على أطراف المدينة) بالعقود والوظائف الحكومية، على حساب أولئك الذين يعيشون داخل المدينة وفي القلب منها. لذلك تمكنت داعش من التجنيد من سكان المدينة أنفسهم. وفي سامراء، استفادت قبيلة ألبو باز بشكل كبير وغير متناسب من أموال برنامج “الصحوة” ووظائفه، لذا جنَّدت داعش من القبائل المجاورة التي لم تحظ بشيء.

ومن خلال هذه العمليات الثلاثة – قتل المجموعات المنافسة، ودعم العناصر الأفقر ضد نخبهم، ودعم الأهالي في التجمعات التي تعرضت للإقصاء من الرعاية الأمريكية والعراقية – صار بمقدور داعش أن تكتسح المناطق السُنيِّة في العراق، وأن تزيح النخبة السُنيِّة جانبا، وأن تمارس الهيمنة على السياسات السُنيِّة المعارضة للدولة.

هل لدى داعش قاعدةٍ اجتماعية كافية لتنجو من حرب أوباما؟ وإذا هزمت الولايات المتحدة داعش، هل ستقدِّم حلا للأزمة الراهنة في العراق وسوريا؟

رغم أنني قد ذكرت من قبل أن داعش تستغل التناحرات الطبقية في المجتمع العراقي وقت الاحتلال وما بعده، إلا أن من المهم أن نفهم كيف يجري ذلك على المستوى العملي. على عكس الحركات الإسلامية الأخرى التي كان لديها قاعدةٌ من الفقراء والطبقة العاملة -حزب الله على سبيل المثال- إلا أن نموذج داعش في إعادة توزيع الثروة لأسفل أو تأسيس برامج للرعاية الاجتماعية كان مختلطا. مثل هذه المبادرات تحدث بالفعل، لكنها لا تعدو سوى أن تكون أنشطة ثانوية بالنسبة لجهود حرب الدولة الإسلامية. أضف إلى ذلك أن هذه الجهود دُمِرَت بانهيار الاقتصاد في المناطق التي تسيطر عليها الدولة الإسلامية، ذلك الانهيار الذي تسببت فيه عواملٌ مختلفة تتضمن تراجع أسعار النفط والحصار الأمريكي العراقي لمدنٍ مثل الفلوجة.

ولذلك، فجاذبية نموذج الدولة الإسلامية ليس نابعا من أنها قادرة فعليا على مواجهة التناقضات الطبقية في المجتمع السُنِّي، بل لأنها تقدم شيئا أكثر أوَّليِّة بكثير، ألا وهو الحماية من الدولة التي يهيمن عليها الشيعة، والتي يراها الكثير من الفقراء السُنَّة دولة لصوصية وتهديدا مباشرا للتراتبية الاجتماعية القديمة، رمزيا على الأقل. ولهذا السبب، على سبيل المثال، فأول ما تفعله داعش حين تضع يدها على أي منطقة هو أن تُدمِّر منازل الشيوخ القبليين الكبار.

أما العناصر الفقيرة والمُهمَّشة في المجتمع السُنِّي، فبالنسبةِ لهم تُعتبر إمكانية امتلاك سلطة هائلة على هياكل السلطة التقليدية مُغرية بقوة. وما يطرحه ذلك هو أن تنظيم داعش يفتقر إلى برنامجٍ إيجابي للسُنَّة، وفي المقابل يقدم برنامجا سلبيا من النوع الأكثر رجعية. لقد رأينا ذلك من قبل على مدار التاريخ، حيث يؤدي التفكك الاجتماعي الشامل بسبب الحرب إلى رفضٍ عدمي للنظام الاجتماعي الموجود سابقا، والأمثلة على ذلك تشمل النازية وجماعة الخمير الحُمر.

إن داعش ليس إلا تعبيرٌ بشع عن الأزمة الحادة للتمثيل المشروع في السياسة السُنيِّة. أما التنظيمات التي كان من الممكن أن تتحدى كلا من اللا مساواة الاجتماعية السياسية في المجتمع السُنِّي والطائفية في المجتمع العراقي ككل -مثل الحزب الشيوعي العراقي، أكبر حزب عابر للطوائف في تاريخ العراق- فقد تم القضاء عليها. بينما أثبتت التنظيمات الليبرالية عجزها عن مواجهة التناقضات في المجتمع العربي الحديث -وهو ما نراه بالضبط في مصر. وأما القبائل، فهي عاجزة عن مقاومة ظلم السلطة، لأن طبيعتهم هي أن ينحازوا إلى النخب الحاكمة. أخلى ذلك الساحة أمام الإسلاموية، وقد أثبت تنظيم الدولة الإسلامية أن الأفضل تنظيما والأكثر شراسة بين تنظيمات الإسلام السياسي يستطيع اغتنام الفرص والفوز.

لكن رغم ذلك، من المُرجح أن تنتهي هيمنة داعش على السياسات السُنيِّة المُعارِضة للدولة، فقد تكبد التنظيم خسائر فادحة في المعارك، بالإضافة إلى الخسائر المادية للأسباب التي ذكرتها من قبل. وتحت ضغط الحملات الجوية الأمريكية، والجيش العراقي، والميليشيات الشيعية، والقوات الكردية، والثوار السوريين، فقد داعش معاقل هامة مثل الفلوجة، وسرعان ما سيرحل عن كل البلدات والمدن الهامة.

هذا يعني أن الدولة، تحت الهيمنة الشيعية، قد انتصرت في الحرب الأهلية العراقية الثانية. لكن ما يعنيه هذا للمجتمعات السنية يُعد أقل وضوحا؛ فأغلب المواطنين غير قادرين على العودة إلى مدنٍ مثل الرمادي والفلوجة بعد إجلاء داعش عنها. لكن الأكيد أن الضغوط والعوامل التي وَلَّدت داعش في المقام الأول لم تُحَلّ بعد. الانقسام الطائفي الذي زرعته الولايات المتحدة في البلاد، وصعود الأحزاب الإسلامية، وقابلية الطبقات الحاكمة السُنيِّة والشيعية للرشوة والتي صارت أثرى بالانتهازية والعقود الأمريكية، والدولة الفاشلة التي تسكنها مئات الميليشيات – كل ذلك لن يُحَلّ بهزيمة داعش.

الوضع الذي تصفه يبدو كئيبا. إلى أين تتجه الأمور؟

من السهل أن نراقب الوضع الراهن ونقع في هوة اليأس. لكن العراق قد أظهر بعض الإشارات الواعِدةِ أيضا. حينما تنحسر موجات العنف، مثلما في الفترة من عام 2009 إلى 2011، وفي الصيف الماضي في بغداد وفي جنوب العراق، تثبت الحركات العلمانية العابرة للطوائف نفسها في احتجاجاتٍ وتشكيلاتٍ برلمانية. وهذا يعني أن المجموعات الطائفية تعيش على العنف والفوضى، وأن الطائفية تتولَّد من التدخل الأجنبي، بالأخص من جانب الولايات المتحدة وإيران.

الأمل الحقيقي في قلب المعادلة القائمة رأسا على عقِب يكمن خارج الحدود، في سوريا، حيث يناضل الثوَّار السوريون هناك ضد الأسد والقوى الأجنبية رغم التحديَّات الجمَّة. إن انتصارا ثوريا في سوريا يمكن أن يغير وجه السياسية السنية في العراق. وكما في العراق، حين يقل العنف في سوريا، تصعد القوى غير الإسلامية إلى السطح. في أبريل، على سبيل المثال، وخلال وقف جزئي لإطلاق النار، خرج السوريون عبر البلاد للاحتجاج ضد الأسد والقاعدة على حدٍ سواء.

إن العامل الرئيسي، في الوقت الراهن، الذي يُعرقِل الثوَّار السوريين عن الإطاحة بالأسد، وسحب شرعية القاعدة، هو التدخل الأجنبي من جانبِ روسيا وإيران. وفي نفس الوقت، تتحوَّل السياسة الأمريكية -التي تُفضِّل الحفاظ على الطبقة الحاكمة السورية بشكلٍ ما عن دعم الثورة الشعبية- بشكل متزايد إلى التحالف مع روسيا بحكم الأمر الواقع. في ظل هذه الظروف، يُعد التضامن مع الثورة السورية -الأمل الوحيد المتبقي، ليس فقط لسوريا بل للمنطقة بأسرها- أكثر أهمية من أي وقتٍ مضى.

 

Advertisements

تسعدني تعليقاتكم

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s